PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
أبو سفيان .. صاحب المشروع الأموي في مواجهة الإسلام ! [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو سفيان .. صاحب المشروع الأموي في مواجهة الإسلام !



الشيخ العاملي
05-18-2010, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

أبو سفيان صاحب المشروع الأموي في مواجهة الإسلام !

الفرق بيننا وبين المغشوشين بالأمويين ، أنا نعتقد بأن أبا سفيان ومعاوية وبقية زعماء قريش ما أسلموا ولكن استسلموا تحت السيف ! وظلوا معادين للإسلام يكيدون له باسمه ، حتى وجدوا أعواناً فأظهروا ما استطاعوا إظهاره ، وغرسوا في ثقافة الأمة كثيراً من مفاهيم المادية والكفر والجاهلية ، باسم الإسلام !
وأن إشهارهم للإسلام لا يترتب عليه أكثر من حفظ دمائهم وإجراء الأحكام العامة للإسلام عليهم ، وأن النبي صلى الله عليه وآله حذر الأمة منهم فلم تحذر !
ودليلنا على ذلك تاريخهم وأعمالهم العدائية للإسلام والقرآن والنبي والعترة ، وقد ألف علماء الشيعة ومنصفون من علماء السنة كتباً في ذلك ، والمسلم المنزه عن الهوى لا يحتاج الى دراسات طويلة ، بل يكفيه أن يرى بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وآله أو يستعرض مكونات شخصية أبي سفيان وابنه معاوية .
* *
كان أبو سفيان رجلا ربعةً دحداحاً عظيم الهامة ، عميَ في آخر عمره ، ويكنى أيضاً أبا حنظلة ، بابنه الذي قتله علي عليه السلام في بدر . ( الآحاد والمثاني:1/363).
(وكان دميما قصيراً أخفش العينين) . (سمط اللآلي الأونبي ص 332)
(قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً وكان الصباح عسيفاً (أجيراً) لأبي سفيان شاباً وسيماً ، فدعته هند إلى نفسها...) (ربيع الأبرار للزمخشري:1/752) .
وقد اشتكت عليه زوجته هند بأنه بخيل لاينفق على أولاده ، فأجاز لها النبي صلى الله عليه وآله أن تأخذ نفقتهم من ماله ، ولو بدون علمه ! (البخاري:3/101).
وكان أبو سفيان من زنادقة قريش ، أي ملحداً ! (المحبر لابن حبيب ص79و161)

وقد سارع مع زعماء قريش الى تكذيب دعوة النبي صلى الله عليه وآله ، وقاد قريشاً في كل حروبها مع النبي صلى الله عليه وآله ، وقاد العداء ضده في مكة مع عتاة قريش وأئمة الكفر ، الذين أنزل الله فيهم: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . (التوبة:12)
(عن مجاهد عن ابن عمر في قوله: فقاتلوا أئمة الكفر، قال: أبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، وسهيل بن عمرو ، وهم الذين نكثوا عهد لله وهموا بإخراج الرسول من مكة .).( تفسير الطبري:10/114 ، والحاكم:2/332 وصححه على شرط الشيخين . ولم يخرجاه كما هي عادتهما في أمثاله )!

وقد استطاع أبو سفيان أن ينجي قافلة قريش من قبضة المسلمين وكانت تضم ألفي بعير ، وأن يستنفر قبائل قريش الى معركة بدر أول معركة مع النبي صلى الله عليه وآله وقد تلقت قريش فيها ضربة قوية ، حيث خسرت سبعين من فرسانها وسبعين أسيراً من شخصياتها ، فيهم ثمانية من بني عبد شمس منهم حنظلة بن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة خال معاوية ، وستة من حلفائهم ، وفي الأسرى سبعة من بني عبد شمس منهم عمرو بن أبي سفيان). (ابن هشام 2 / 531)
* *
لكن أبا سفيان استطاع أن يحشد في السنة التالية جيشاً أكبر لمعركة أحُد ، وقد انهزم في الجولة الأولى في أحُد ، لكنه تمكن أن يباغت المسلمين في الجولة الثانية ويقتل منهم سبعين شهيداً ،كان منهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله !
وقد أظهر أبو سفيان وزوجته هند مدى حقدهما على النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم والمسلمين ، فوقف على جثمان حمزة وأخذ يدقُّ فمه بالرمح ويقول: ذقْ عُقَق ، أي ذق ياعاق قومه القرشيين ! (سيرة ابن هشام:3/608 ، تاريخ الطبري:2/206)
وجاءت زوجته هند فشقت بطن حمزة&وقطعت قطعة من كبده ولاكتها في فمها فلم تستطع أن تمضغها ، فسميت آكلة الأكباد ! وقطعت آرابه ومذاكيره فجعلتها حلياً لها ! (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ، لمعمر بن عقيل ص227)
* *
وواصل أبو سفيان كيده مع اليهود للقضاء على النبي صلى الله عليه وآله فعملوا على مدى سنتين يستنفرون قبائل العرب ويعقدون معهم التحالفات ، حتى حشدوا جيشاً كبيراً بلغ أكثر من أربعة آلاف مقاتل(الصحيح من السيرة:9/184) وغزوا به المدينة ليستأصلوا النبي صلى الله عليه وآله بزعمهم ، فكانت معركة الخندق التي تلقوا هزيمة قوية !
وقد تحدثت مصادر التاريخ والسيرة عن العلاقة الحميمة بين أبي سفيان وقريش واليهود والزيارات المتبادلة بينهم ، ونشاطهم المشترك في تحريك قبائل العرب ! فقد زارهم اليهود من بني قريظة وبني النضير في أربعين راكباً برئاسة كعب بن الأشرف ، فاجتمع بأبي سفيان في أربعين رجلاً أيضاً ، وكان صاحب عقدهم وعهدهم كعب بن أسد ، الذي وقع عهداً مع النبي صلى الله عليه وآله على قومه ! وكان حيي بن أخطب سيد بني النضير يقول لقريش: ( إن قومي بني قريظة معكم وهم أهل حلقة وافرة ، وهم سبع مئة مقاتل وخمسون مقاتلا ).( الصحيح من السيرة:8/41) .
(فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله ...فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمداً ... قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم ونزعكم؟ قالوا: نعم جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله . قال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً ، أحبُّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد . زاد في نص آخر قوله: ولكن لا نأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا ، حتى نطمئن إليكم . ففعلوا !
قال النفر: فأخرج خمسين رجلاً من بطون قريش كلها أنت فيهم وندخل نحن وأنت بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها ثم نحلف بالله جميعا: لا يخذل بعضنا بعضا ، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل ، ما بقي منا رجل ففعلوا ، فتحالفوا على ذلك ، وتعاقدوا ، فاتعدوا لوقت وقتوه...
فقال أبو سفيان: يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الأول والعلم ، أخبرونا عما أصبحنا فيه نحن ومحمد ، ديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت ، وننحر الكوم( الناقة السمينة)ونسقي الحجيج ، ونعبد الأصنام ؟
قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق، إنكم لتعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية ، وتنحرون البدن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ، فأنتم أولى بالحق منه . فأنزل الله في ذلك :أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء:50)
فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله ..... فخرجت اليهود حتى أتت غطفان وقيس عيلان ، وأخذت قريش في الجهاز وسيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم ، ثم خرجت اليهود حتى جاؤوا بني سليم ، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش ، ثم ساروا في غطفان فجعلوا لهم تمر خيبر سنة وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا ، فأنعمت بذلك غطفان ، ولم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن ! قال ابن خلدون: وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع وذكر البعض: أن كنانة بن أبي الحقيق جعل نصف تمر خيبر لغطفان في كل عام ! (الصحيح من السيرة :9/25)
وعندما زحف أبو سفيان بجيش الأحزاب الى المدينة وحاصرها ، وفى لهم اليهود وكانت حصونهم قرب المدينة ، وقام كعب بنقض عهده مع النبي صلى الله عليه وآله ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد ، وجمع رؤساء قومه وهم: الزبير بن باطا ، وشاس بن قيس ، وعزال بن ميمون وعقبة بن زيد ، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد ! ( الصحيح من السيرة:8 /41) لكن اليهود جبنوا عن الخروج الى ساحة المعركة فتصور أبو سفيان أنهم غدروا به فأسرع بالإنسحاب !
فغزا النبي صلى الله عليه وآله بني قريظة بعد هزيمة الأحزاب ، وأراح العاصمة من جوارهم !
* *
وبعد معركة الأحزاب أو الخندق بدأ ميزان القوة يتغير لمصلحة المسلمين فباغت النبي صلى الله عليه وآله قريشاً في الحديبية قرب مكة ، وهرعت قريش مستنفرة ، فرضي النبي صلى الله عليه وآله أن يوقع معهم صلحاً وهدنة ، لكن أبا سفيان سرعان ما نقضه !
ولم تطل المدة حتى فاجأ النبي صلى الله عليه وآله في السنة الثامنة للهجرة أبا سفيان وقريشاً في عقر دارهم في مكة ! فما شعروا إلا وهم محاصرون بعشرة آلاف من جنود الإسلام ، والنبي صلى الله عليه وآله يطلب منهم خلع أسلحتهم والتسليم ، أو الحرب !
انهارت مقاومة زعماء قريش وانخلعت أفئدتهم ! وهرع أبو سفيان يسأل: أين العباس بن عبد المطلب ، ليأخذ له الأمان من النبي صلى الله عليه وآله قبل أن يدخل مكة !
وجاء العباس الى النبي صلى الله عليه وآله وهو في مركز قيادته يجر وراءه كبير أئمة الكفر ! قال ابن هشام:4/862 ، وصححه مجمع الزوائد:6/166: ( فقال رسول الله(ص): إذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ، قال: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله(ص) فلما رآه رسول الله(ص)قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد ، قال: ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ! فقال له العباس: ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك . قال: فشهد شهادة الحق فأسلم ! قال العباس: قلت يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا ، قال: نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ! فلما ذهب لينصرف قال رسول الله(ص): يا عباس إحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها . قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله(ص)أن أحبسه ، قال: ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس ، من هذه ؟ فأقول: سليم ، فيقول: مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول: مزينة ، فيقول: مالي ولمزينة ، حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال: مالي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله(ص)في كتيبته الخضراء... فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال: سبحان الله ! يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال: قلت: هذا رسول الله(ص)في المهاجرين والأنصار ، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! قال قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة . قال: فنعم إذن .
قال قلت: النجاء إلى قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشار به ، فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبحه من طليعة قوم !! قال: ويلكم لاتغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، قالوا: قاتلك الله ! وما تغني عنا دارك ، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ) . انتهى .

وهنا نلمس انبهار أبي سفيان بالقوة المادية وانهياره أمامها !كما نلمس أن النبي صلى الله عليه وآله قد أثر في أبي سفيان بخلقه العظيم ، فجعله يفكر في نفسه: إن ملك محمد عظيم وهو من بني عمنا بني عبد مناف ، فإن أعطاني لي ولأولادي وبني أمية حصة جيدة ، فأنا حاضر لأن أجامله وأظهر إيماني به !
لكن زعماء قريش كان لهم تفكير آخر ، فقرروا أمام ليونة أبي سفيان مع النبي صلى الله عليه وآله أن ينقلوا زعامتهم منه الى رجل صلب ، هو سهيل بن عمرو السهمي .
* *
ودخل النبي صلى الله عليه وآله مكة فاتحاً ساجداً على قربوس فرسه ، وجمع أئمة الكفر وجنودهم في المسجد ، وأعلنهم أسرى حرب ومنَّ عليهم بالإطلاق لا بالعتق ! وعيَّن حاكماً على مكة من بني أمية .
أعلن لهم النبي صلى الله عليه وآله أنهم ماداموا شهروا إسلامهم فقد صاروا جزء من أمته لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ودعاهم الى التوجه معه لمحاربة هوازن التي جمعت لحربه في وادي حنين عند الطائف ، فاضطر زعماء قريش وهم سكرى مما حصل أن يسيروا في ألفي مقاتل ، والنبي صلى الله عليه وآله في عشرة آلاف !
وفي هذه الغزوة ظهرت مؤامرات فراعنة قريش كما يسميهم القرآن ، فرتبوا عدة محاولات لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله فأفشلها الله تعالى !
ويبدو أنهم تآمروا مع هوازن أن ينهزموا من أول مناوشة ليوقعوا الهزيمة بجيش النبي صلى الله عليه وآله ! وفعلوا ذلك أمام كمين لهوازن في منحدر وادي حنين ، فثبت النبي صلى الله عليه وآله وبنو هاشم ، وهرب زعماء قريش مع جنودهم من المعركة ، وجلسوا يسخرون من النبي صلى الله عليه وآله ويتحدثون عن هزيمته ، أو قتله !
قال ابن هشام:4/894: ( فقال أبو سفيان بن حرب: لاتنتهى هزيمتهم دون البحر ! وإن الأزلام لمعه في كنانته ! وصرخ جبلة بن الحنبل...ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن ) . انتهى .
ومعنى قوله: (وإن الأزلام لمعه في كنانته) أن أبا سفيان كان ما زال وثنياً يحمل أصنامه في جعبته التي ترافقه ! وأن سهيل بن عمرو زعيم قريش الجديد لم ينتقد وثنية زميله أبي سفيان ، ولا كفَّر زميله جبلة الذي ردد مقولة قريش في أن محمداً ساحر ، وأن بني عبد المطلب بيت سحر ! لكنه مع ذلك لايتمنى لهوازن أكثر من انتصار محدود ، وليس كاسحاً ، لأنه يفضل حكم شخص قرشي ولو ساحر ، على حكم بدوي نجدي من هوازن !
* *
بعد انتصار النبي صلى الله عليه وآله في حنين ، استعمل مع زعماء قريش سياسة المؤلفة قلوبهم ، عسى أن يصحح المال تفكيرهم فيرون الحق ! فكانت حصة أبي سفيان وافرة ( فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير ) .( تاريخ الطبري:2/358 ، ونحوه ابن هشام: 4 / 929 ، وتاريخ اليعقوبي ).
ولعل تأثير ذلك على أبي سفيان أنه صار بعدها يخفي أزلامه وتماثيل أصنامه فلا يظهرها مراعاة للمسلمين !
* *
ومن عجائب شخصية أبي سفيان كزملائه أئمة المشركين ، أنه رأى العديد من معجزات النبي صلى الله عليه وآله لكنه ظل مسكوناً بالمادية والجاهلية القرشية ، فقد دعا النبي صلى الله عليه وآله على قريش فقال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام والعلهز) .(تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص233) فجاء أبو سفيان الى النبي صلى الله عليه وآله يطلب منه أن يدعو الله برفع الجدب عنهم !! وقال: (يا محمد ، ننشدك الله والرحم لقد أكلنا العلهز ، يعني الوبر بالدم ، فأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ! (أسباب النزول للواحدي ص211) .

وبعد أن أسلموا تحت السيف ودخل النبي صلى الله عليه وآله مكة وحان وقت الظهر وأمر بلالاً أن يصعد على سطح الكعبة ويطلق الأذان ، فتنغص عيش أبي سفيان ورفقائه الذين(أسلموا) ! (فقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع بهذا اليوم ! وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم !
وقال الحارث بن هشام: واثكلاه ليتني مت قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث الجليل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بنية أبي طلحة !
وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا لله فسيغيره الله !
وقال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا ، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاة ! فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره خبرهم فأقبل حتى وقف عليهم فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئاً ! فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله )! (أخبار مكة للأزرقي:1/142) .
وفي أسباب النزول للواحدي ص264: (وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره ، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء )
وفي تاريخ أبي الفداء:1/181: (فقالت بنت أبي جهل:لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة ) ! انتهى .
فالمادية في أبي سفيان وزملائه متأصلة كمادية بني عمهم اليهود من أبناء يعقوب ، وهم لايريدون أن يؤمنوا بغيرها ، فكيف يؤمنون بنبوة النبي صلى الله عليه وآله !
* *
طيلة حرب قريش مع النبي صلى الله عليه وآله كان عِنَاجُ أمرها(قيادتها العامة) لأبي سفيان بن صخر بن حرب أمية ، لكن عندما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وعيَّن لها حاكماً أموياً مع مساعد أنصاري ، لم يعجب زعماء قريش لين أبي سفيان مع النبي صلى الله عليه وآله واعتبروا أن بني أمية مالوا مع بني عمهم بني هاشم ، لأنهم جميعاً من بني عبد مناف !
فاختار زعماء قريش سهيل بن عمر السهمي الجمحي ، زعيماً عاماًً بدل أبي سفيان الأموي ، فسهيل رجل المفاوضات الصلب مع محمد في الحديبية ، فجعلوا عِنَاجَ أمر قريش اليه ، وتحوَّل أسيْد بن عتَّاب الأموي الحاكم المنصوب لمكة من قبل النبي صلى الله عليه وآله الى حاكم شكلي ، بينما الحاكم الفعلي سهيل بن عمرو الجمحي ! وكان سهيل صاحب الدور الأكبر في ترتيب خلافة أبي بكر وعمر ! وقد فصلنا ذلك في كتاب آيات الغدير .
أما أبو سفيان فقد اضطر بعد خلعه للذهاب الى المدينة ، يلتمس من النبي صلى الله عليه وآله مناصب له ولبني أمية ! فجعله النبي صلى الله عليه وآله والياً على جمع الزكوات (ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران نجران). (تاريخ الطبري:2/532) .وقال البلاذري في أنساب الأشراف:431: (وقوم يقولون: إن النبي ولى أبا سفيان صدقات خولان وبجيلة ، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على نجران ). انتهى .
* *
كان أبو سفيان يتصور أن نظام الإسلام سيستمر بعد النبي صلى الله عليه وآله بقيادة عترته ، وأنهم سيتبعون سياسة النبي صلى الله عليه وآله فيحافظون على مصالح بني أمية لقرابتهم منهم ويبقون حكم مكة لهم ، ويعطونهم مناصب جديدة ! لذلك كانت ردة فعل أبي سفيان عنيفة عندما تفاجأ بالسقيفة !
كان غائباً في عمله عندما توفي النبي صلى الله عليه وآله ، فدخل المدينة قبل دفن النبي صلى الله عليه وآله (جاء إلى باب رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره فنادى:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كف حازم فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ، أما والله لئن شئتم لأملأنها خيلا ورجلا !
فناداه أمير المؤمنين عليه السلام :إرجع يا أبا سفيان ، فوالله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله صلى الله عليه وآله وعلى كل امرئ ما اكتسب ، وهو ولي ما احتقب )! ( الإرشاد:1/190) .
وقد يتعجب الإنسان من هذا الموقف (الشيعي المتشدد) لأبي سفيان ! لكنه في واقعه موقف أموي لا إسلام فيه ولا تشيع ، فالوحي ، والإسلام ، وأمته ، ومستقبله ، والنص النبوي ، والوصية بالخلافة لعلي عليه السلام ، كلها لاتعني شيئاً عند أبي سفيان ، الذي لا يؤمن بالله ولا بنبي ولا بمعاد !
القضية عند أبي سفيان أن قيادة قريش إنما هي لبني عبد مناف فقط ، أي الجد الأعلى لبني هاشم وأمية ، فهما أصحاب الحصة الكبرى في قيادة قريش والعرب وهذا (المبدأ القرشي الثابت)لم يمس طوال صراع قريش مع بني هاشم ، بينما حدث الآن تآمر عليه ودخل على الخط (أرذل حي في قريش) فاستولى على سلطان محمد ! والواجب على بني عبد مناف أن لايسمحوا بالتعدي عليهم !
لذلك استصرخ بني هاشم لأن أمر النبي صلى الله عليه وآله أمرهم ، وعندما زجره عليٌّ عليه السلام أخذ يصرخ في أزقة المدينة ! ويقول كما في الطبري:2/449: ( ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش؟! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا... والله إني لأرى عجاجة لايطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم؟! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس؟! وقال يا أبا حسن أبسط يدك حتى أبايعك ، فأبى علي عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس:
ولن يقيم على خسف يراد به إلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الحسف معكوس برمته وذا يشج فلا يبكى له أحد
قال فزجره عليٌّ وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طال ما بغيت الاسلام شراً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ). انتهى .

وسرعان ما ظهرت نية أبي سفيان وأنها الدنيا التي يريدها له ولأولاده فقط ! ففي العقد الفريد:ص1005: (فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول: بني هاشم.. الى آخر الأبيات... فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم وهو فاعل شراً ، وقد كان النبي(ص)يستألفه على الإسلام ، فدع له ما بيده من الصدقة ففعل ، فرضي أبو سفيان وبايعه ) . انتهى .
لكن أبا سفيان لم يكن يقنع بهذه الجبنة الصغيرة ، بل كان ثمن سكوته وبيعته تولية أولاده مناصب كبيرة في دولة بني تيم وعدي ! فعينوا ابنه عتبة والياً على الطائف ، وابنه يزيداً على فتوح الشام ، وهو منصب مهم جعل أبا سفيان يقضي أكثر وقته في الشام ! قال الطبري في تاريخه:2/586: (فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص ثم عزله قبل أن يسيره ، وولى يزيد بن أبي سفيان فكان أول الامراء الذين خرجوا إلى الشام ) . انتهى .
وعندما اطمأن أبو سفيان الى حصة بني أمية ومستقبلهم ، تخلى عن الصراخ لظلامة بني عمه بني هاشم بن عبد مناف ، فلم تسمع منه حرفاً في ذلك ! ولم يحرك ساكناً وهو يرى هجوم بني تيم وعدي على بيت علي وفاطمة عليهما السلام ولم يبال عندما أشعلوا حوله الحطب وهددوهم بإحراقه عليهم إن لم يبايعوا !
ذلك أن شعار بني عبد مناف عنده إنما هو من أجل المكسب المادي الدنيوي لبني أمية ، وقد حصل !
وحتى بقايا فطرته التي دفعته يوماً في مكة للثأر لفاطمة الزهراء عليها السلام كانت أيام السقيفة قد خمدت ! قال البلاذري في أنساب الأشراف1101: ( ولطم أبو جهل فاطمة بنت رسول الله (ص)فرأت أبا سفيان فشكت إليه ، فرجع معها إليه وقال: ألطميه قبحه الله فلطمته ! فقال: أدركتكم المنافية يا أبا سفيان ). انتهى .

وهكذا انسجم أبو سفيان مع خلافة أبي بكر وعمر لأنهما فتحا عليه باب الدنيا ، ونشط مع أولاده لتثبيت نفوذهم في المناصب التي بأيديهم ، وأعينهم طامحة الى الخلافة ، فهي حقٌّ طبيعي لهم برأيهم بعد أن سُلبت من بني هاشم ، ويجب عليه استعادتها من تيم وعدي ، أرذل حيين في قريش على حد تعبيره !
* *
إذا امتلأ القلب فاض على اللسان ، وقد امتلأ قلب أبي سفيان بالإلحاد ، ولذلك كان يفقد السيطرة على لسانه أحياناً ، فتفلت منه كلمات الكفر الخبيثة !
قال ابن عباس&: (والله ما كان إلا منافقاً ! قال: ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره ، وفينا علي عليه السلام ، فأذن المؤذن فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو سفيان: ها هنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا فقال: لله درُّ أخي بنى هاشم أنظروا أين وضع اسمه ! فقال علي عليه السلام : أسخن الله عينيك يا أبا سفيان ، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ .فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال لي: ليس هاهنا من يحتشم).(قصص الانبياء للراوندي ص293).
* *
وعاش أبو سفيان حتى رأى قيادة قريش والأمة عادت الى بني أمية ! وبذلك انتهت حسب رأيه فترة السنوات النشاز من زعامة بني سهم في مكة ، وخلافة تيم وعدي ! ولا نعرف بالضبط مَن أقنع عمر أن يوصي بالخلافة الى بني أمية ، فقد عهد بها شكلياً الى ستة: علي عليه السلام من بني هاشم، وعثمان من بني أمية ، وابن عوف وابن وقاص من بني زهرة ، وطلحة من بني عدي ، والزبير من بني أسد عبد العزى . لكنه أعطى حق النقض لابن عوف الزهري ، زوج أخت عثمان من أمه ، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وعبد الرحمن لايتقدم على عثمان ، لأن عثمان أموي وهو زهري ، وعثمان أكبر منه سناً !

وقد بلغ الفرح بأبي سفيان حداً أفقده توازنه ، فقد صار عثمان الأموي خليفة وكثرت فلتات لسان أبي سفيان ! فما أن تمت البيعة لعثمان حتى دخل الى بيته ودخل إليه بنو أمية (حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم ، قالوا: لا ، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة ! قال: فانتهره عثمان ، وساءه بما قال ، وأمر بإخراجه .
قال الشعبي: فدخل عبد الرحمن بن عوف على عثمان فقال له: ما صنعت فوالله ما وفقت حيث تدخل رحلك قبل أن تصعد المنبر فتحمد الله وتثني عليه ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعد الناس خيرا . قال: فخرج عثمان ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: هذا مقام لم نكن نقومه ، ولم نعد له من الكلام الذي يقام به في مثله ، وسأهيئ ذلك إن شاء الله ، ولن آلو أمة محمدا خيراً ، والله المستعان).( وروى قول أبي سفيان الجوهري في السقيفة وفدك ص87 ، وأبو الفداء ص349 ، في نص عهد الخليفة المعتضد الى المسلمين في البراءة من معاوية. والأغاني ص1508 ، وشرح النهج:9/53 ، ونحوه في سبل الهدى:10/91 ، وعين العبرة ص55 ، وخلاصة عبقات الأنوار:3/13)
وفي جمهرة الأمثال ص423 , والسقيفة ص39: (أن أبا سفيان قال لما بويع عثمان: كان هذا الأمر في تيم ، وأنَّى لتيم وهذا الأمر ، ثم صار إلى عدي فأبعِدْ وأبعدْ ، ثم رجعت إلى منازلها واستقر الأمر قراره ، فتلقفوها تلقف الكرة ) .
وفي التذكرة الحمدونية ص 2088: (وروي أن أبا سفيان دخل على عثمان . فقال: هل علينا من عين؟ فقال له عثمان: لا، فقال: يا عثمان إن الأمر أمر عالمية؟ والملك ملك جاهلية ، فاجعل أوتاد الأرض بني أمية .
وروي أنه دخل عليه فقال له: إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقفوها تلقف الكرة ، فو الله ما من جنة ولا نار ، هذا أو نحوه . فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل).(والأول منه ابن عساكر: 6/407).

وفي مروج الذهب:1/586: (وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم.... ونُمَيَ هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام ، فقام عمار في المسجد فقال:
يا معشر قريش ، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله ها هنا مرة وها هنا مرة ! فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله !
وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم ! فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟! فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وآله إياهم ، وإن الحق معهم وفيهم ، يا عبد الرحمن إعجب من قريش وإنما تطوُّلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت ، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وآله بعده من أيديهم ! أما ولأيْمُ الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي يوم بدر !
وجرى بينهم من الكلام خطب طويل ، قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار ). انتهى .
ويفهم من مصادر التاريخ أن أبا سفيان قال هذا الكلام وأكثر منه ، في بيت عثمان أو في دار الخلافة ، وربما في المسجد النبوي !
* *
وآخر ما سجله المؤرخون والمحدثون عن أبي سفيان أنه مات في أواخر خلافة عثمان عن ثلاث وتسعين سنة كما قال الواقدي ( أنساب الأشرف ص11105) ، لكنه شفى غيضه قبل أن يموت ! فقد طلب أن يقودوه وهو هرمٌ أعمى الى قبر حمزة ، فلما لمسه ركله برجله وقال له: ( يا أبا عمارة ! إن الأمر الذي اجتلدنا عليه أمس ، صار في يد غلماننا ، يتلعَّبون به) ! (شرح النهج:4/51 ) وخففه التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: 2/ 75 ، فقال: (وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: رحمك الله يا أبا عمارة لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا )!! انتهى .
فهل تستبعد أن يكون وقف على قبر النبي صلى الله عليه وآله وقال له شبيهاً بهذا الكلام ؟!!