PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
الإستغاثة [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإستغاثة



قاسم
05-20-2010, 07:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، وصلواته على خيرته من خلقه محمدٍ وآله الطاهرين...

مسئلة الإستغاثة بالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، هي مسئلة تكاد تكون فطرية، وقد كان المسلمون (1) يستغيثون بالنبي وآله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكن ابن تيمية (661 – 728 هـ) قد أثار شبهات حول مسئلة الإستغاثة، وقد استغل هو وأتباعه بعض الآيات القرآنية الكريمة من قبيل قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (194) سورة الأعراف

{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} (197) سورة الأعراف

{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (18) سورة الجن

{وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} (106) سورة يونس

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (5) سورة الأحقاف

وغير ذلك من الآيات الكريمة التي نزلت في المشركين الذين كانوا يعبدون أصنامهم كما قال سبحانه وتعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (3) سورة الزمر...
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (18) سورة يونس
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (5) سورة ص

فلم يفرّق الوهابيون بين المسلم الموحد الذي يشهد الشهادتين بلسانه وقلبه، ولا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى سراً وعلانيةً، وبين المشرك الذي يعبد الأصنام ويسجد لها ويعتقد بأن لها نصيب من شئون الألوهية!!!


حقيقة الإستغاثة:
حقيقة الإستغاثة هي نفس حقيقة التوسل، يقول العلامة السيد محسن الأمين العاملي قدس سره:
إن الدعاء والإستغاثة بغير الله يكون على وجوه ثلاثة:
الأول: أن يهتف باسمه مجرداً مثل أن يقول يا محمد يا علي يا عبد القادر يا أولياء الله يا أهل البيت ونحو ذلك.
الثاني: أن يقول يا فلان كن شفيعي إلى الله في قضاء حاجتي أو ادع الله أن يقضيها أو ما شابه ذلك.
الثالث: أن يقول اقض ديني أو اشف مريضي أو انصرني على عدوي وغير ذلك.
وليس في شيء من هذه الوجوه الثلاثة مانع ولا محذور، فضلاً عما يوجب الإشراك والتكفير، لأن المقصود منها: طلب الشفاعة وسؤال الدعاء، سواء صرح بذلك كما في الوجه الثاني أو لا كما في الوجهين الباقيين، للعلم بحال المسلم الموّحد المعتقد إن من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، فبسبب ذلك نعلم أنه لم يقصد سوى طلب الشفاعة والدعاء...

إلى أن قال رحمه الله: نعم لو قصد في الوجه الأول والثالث ان المستغاث به هو الفاعل لذلك اختياراً واستقلالاً بدون واسطته تعالى وإقداره: فالمسلمون منه براء، ولكنه لا يوجد بين المسلمين أحد يقصد ذلك.
كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبدالوهاب س 233 - 235

وقد سُئل السيد الإمام الخوئي أعلى الله مقامه هذا السؤال:
مِن الرسوم في هذه البلاد ان المؤمنين يستغيثون (بالإمام الحجة) عليه السلام بعد كل صلاة، ويقولون: يا صاحب الزمان يا ابن الحسن العسكري عجل على ظهورك... واستشكل عليهم بعض العلماء بأن هذا ينافي عقيدة الشيعة، فان الإمام لا يملك أمره، والدعاء لا بد أن يكون من الله، فهل يرد هذا الإشكال، ويحرم مثل هذه الإستغاثة أم لا؟

فأجاب قدس سره بما يلي: الإشكال المذكور غير وارد، فإن الغرض من الجملة المذكورة: الدعاء والالتماس منه عليه السلام بتعجيل ظهوره بطلبه عليه السلام من الله تعالى ذلك كما هو الحال في سائر الأدعية المشتملة على طلب الحوائج من الأئمة الأطهار، فإن معنى ذلك هو جعلهم واسطة عند الله تعالى، وقد ذكر مضمونه في ذيل دعاء العهد الوارد في صباح أربعين يوماً عن الصادق عليه السلام، والله العالم.
صراط النجاة ج 2 ص 455 س 1426

إذاً فيتبين من هذين النصين، أن معنى الإستغاثة: أن تطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يدعو لك الله سبحانه وتعالى أن يقضي حوائجك، أو يستغفر لك، كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (64) سورة النساء

ولا فرق بين حياة النبي ووفاته صلى الله عليه وآله، لأن الوفاة لا تعني العدم، وقد قال ابن كثير:
وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:


يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والاكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال: يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.
تفسير ابن كثير ج 1 ص 532

وذكر هذه الحكاية النووي في المجموع ج 8 ص 274 وابن قدامة في المغني ج 3 ص 588

وروى الكليني بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام من حديث في كيفية الزيارة إلى أن قال:
اللهم إنك قلت: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} وإنى أتيت نبيك مستغفراً تائباً من ذنوبي وإني أتوجه بك إلى الله ربي وربك ليغفر لي ذنوبي. وإن كانت لك حاجة فاجعل قبر النبي (صلى الله عليه وآله) خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يديك واسأل حاجتك فإنها أحرى أن تقضى إن شاء الله.
الكافي ج 4 ص 551

وفي المقابل، ذم القرآن الكريم المنافقين الذين كبرت عليهم نفوسهم أن يأتوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ليستغفر لهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} (5) سورة المنافقون

يقول الطبري: يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: {تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} يقول: حركوها وهزوها، استهزاءً برسول الله (ص) وباستغفاره.
جامع البيان ج 28 ص 138

ثم روى بإسناده عن مجاهد قال: عبدالله بن أبي، قيل له: تعال ليستغفر لك رسول الله (ص) فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟.

وبإسناده عن قتادة قال: قال له قومه: لو أتيت النبي (ص) فاستغفر لك.
فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله.
جامع البيان ج 28 ص 140


وبعد فإن رسول الله صلى الله عليه وآله معنيٌ بهموم المؤمنين الدنيوية والأخروية كما أخبرنا المولى عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة

بل هو رحمة للعالمين كما قال أرحم الراحمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (107) سورة الأنبياء

اللهم صلِ على محمدٍ وآل محمد

وللحديث بقية تأتي إن شاء الله تعالى...

......................
هامش:
(1) يشهد بهذا ما ذكره القاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 40 قال:
فصلٌ: واعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته وصحابته، قال أبو إبراهيم التجيبى: واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به، قال القاضى أبو الفضل: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين رضي الله عنهم، حدثنا القاضى أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث قال: حدثنا أبو الحسن على بن فهر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج، حدثنا أبو الحسن عبدالله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدّب قوما فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عيه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} الآية.
انتهى
وقد وصف الذهبي، القاضي عياض: بـ (الإمام، العلامة، الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام) سير أعلام النبلاء ج 20 ص 212