PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
من دوافع الجرح والتعديل ( 8 أجزاء ) [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من دوافع الجرح والتعديل ( 8 أجزاء )



قاسم
05-25-2010, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
هذا الموضوع كتبته قبل فترة، وقد أعدت قرائته فرأيته بحاجة إلى بعض التعديلات، فقمت بإجرائها، وها هو بعد التعديل...


مقدمة:
لا يخفى على أحد ما لعلم الجرح والتعديل من أهمية لتمييز الحديث الصحيح عن غيره...
فإن معرفة ذلك تتوقف - عادة - على معرفة حال الرواة من حيث الوثاقة والحفظ...

ولا أرى ضرورة لذكر أهمية الحديث الشريف، وأهمية المقدمات التي تتوقف على معرفته ومن أهم تلك المقدمات علم الجرح والتعديل، وذلك بسبب وضوح هذه الأمور، لذا سوف ادخل في الموضوع رأسا فأقول:


ان من يتصفح كتب الجرح والتعديل التي كتبها أهل السنة والجماعة يلاحظ في طيات تلك الكتب ان بعض الرواة قد تعرض للجرح لا لأن الجارح شاهدَ أو علِمَ ان ذلك الراوي فعلا مجروح، بل ثمة عوامل شخصية أوعاطفية (هي التي دفعت) ذلك الجارح للحكم على الراوي...

وهذا الأمر قد تكرر عدة مرات ومن عدة رجال يعدهم أهل السنة من ائمة الجرح والتعديل...

ويترتب على ذلك ما يلي:
1 - ان الجارح لم يتحرى الصدق والأمانة العلمية والشرعية، حيث ان جرحه قد تترتب عليه رد روايات هذا الراوي، وفي هذا مفسدة كبيرة وهي اننا قد نضطر لطرح عدة روايات لأن هذا الجارح قد جرح ذلك الراوي، في الوقت الذي يعلم فيه ان الراوي في واقع الأمر ثقة وروياته معتمدة، لكن ميله الشخصي أو العاطفي هو الذي دفعه للجرح.


2 - تكرار هذا الأمر يقتضي التشكيك في قابلية هذا الجارح للاعتماد على جرحه للرجال وحتى على توثيقه لهم، فإذا علمنا أنه قد جرح راوياً معيناً بسبب دوافع شخصية وعاطفية، فما الذي يمنعه من جرح رواة آخرين ؟؟؟ وايضا ما الذي يمنعه من توثيق من ليس أهلا لأن يكون ثقة ؟؟؟


وقد استقل العقل بمعرفة قبح هذا العمل ولو كان بين الأشخاص العاديين، فما ظنك برواة السنة الشريفة، وجاء القرآن الكريم مؤيدا لحكم العقل، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)...

فيجب على الجارح ان يحكم على الراوي بما يراه طبقاً للأصول العلمية، لا ان تتحكم فيه الأهواء والنزعات العاطفية...


ونكاد نقول انه لم يسلم من الجرح أحد من علمائهم فحتى الشافعي وأبو حنيفة والبخاري ومسلم فضلا عمن دونهم، ولا بأس بنقل كلاما قاله الذهبي في ترجمة الإمام الشافعي الذي لم يسلم من الجرح كما قلنا، بطوله ليتعرف عامة أهل السنة على الأمور التي أخفاها علمائهم عنهم، قال الذهبي:
كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والاجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا} فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا صلى الله عليه وسلم، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة، ثم سائر من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات.
فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران ؟ !
ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا، وجرت أمور لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن، والحسن من الضعيف.
وإمامنا، فبحمد الله ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط، موصوف بالإتقان، متين الديانة، فمن نال منه بجهل وهوى ممن علم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه، ومقتته العلماء، ولاح لكل حافظ تحامله، وجر الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل العقد والحل قديما وحديثا، فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا، ووفقوا.
وأما أئمتنا اليوم وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى، فقد يقال: أحسنوا ووفقوا، وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر.
وبكل حال فالجهال والضلال قد تكلموا في خيار الصحابة. وفي الحديث الثابت: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليرزقهم ويعافيهم ". وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الامام رحمه الله، فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الامام، ولله الحمد. ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة، وخالف شيخه في مسائل، تألموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكل، وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة. فصدق والله، فرحم الله الشافعي، وأين مثل الشافعي والله ! في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة... الى آخر كلام الذهبي
سير أعلام النبلاء ج 10 ص 92


قلت: فمع حرصهم على كتمان وطي وإخفاء تلك الموارد، فقد ظهر ما ملأ الخافقين، والله المستعان...

ملاحظة هامة:
ان ما يهمني هو عرض (الدوافع) التي دفعت بعض علماء الرجال السنة لجرح أو تعديل بعض الرواة بغض النظر عن كون الراوي هو فعلا ثقة أم لا...


ولنبدأ باستعراض الموارد على بركة الله تعالى:

المورد الأول
مسلم يغمز إبراهيم بن عبدالله بلا حجة:
قال الذهبي: إبراهيم بن عبدالله السعدي النيسابوري:
صدوق، له عن يزيد بن هارون و نحوه.
قال أبو عبد الله الحاكم: كان يستخف بمسلم، فغمزه مسلم بلا حجة.
ميزان الاعتدال ج 1 ص 43

قلت: سبحان الله !
مسلم صاحب ثالث كتاب في الإسلام (بعد القرآن الكريم، ثم صحيح البخاري) !!! يغلبه هواه فيدفعه لأن يغمز رجلا صدوقاً بلا حجة ؟؟؟

أفهل يسوغ جرح كهذا أيها العقلاء ؟؟؟

المورد الثاني
النسائي يطعن في أحمد بن صالح المصري:
قال الذهبي: خ د أحمد بن صالح الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري ثم المصرى أحد الأعلام...
حدث عنه البخاري وأبو داود وصالح جزرة وأبو إسماعيل الترمذي وأبو بكر بن أبي داود وخلق،
قال صالح جزرة: لم يكن بمصر من يحسن الحديث غيره، وكان جامعاً، يعرف الفقه والحديث والنحو، ويتكلم في حديث الثوري وشعبة والزهرى يدرى ذلك.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: إذا جاوزت الفرات، فليس أحد مثل أحمد بن صالح.
وقال أبو حاتم: ثقة.
وقال البخاري: ثقة، ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة.
وقال أحمد العجلي: ثقة، صاحب سنة.
وقال يعقوب الفسوي: كتبت عن ألف شيخ وكسر، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل.
وقال حافظ ابن وارة: أحمد ببغداد، والنفيلي بحران، وابن نمير بالكوفة، وأحمد بن صالح بمصر، هؤلاء أركان الدين.
قال الذهبي: الرجل حجة ثبت، لا عبرة بقول من نال منه، ولكنه كما قال الخطيب: كان فيه الكبر وشراسة الخلق، نال النسائي جفاء منه في مجلسه، فذلك الذي أفسد بينهما.
تذكرة الحفاظ ج 2 ص 495

فهل تعلمون ماذا قال النسائي في حق أحمد بن صالح هذا ؟؟؟

قال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون.... وقال: تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بن معين بالكذب.
ميزان الاعتدال ج 1 ص 103

قال المزي: وقال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني المقرئ عن مسلمة بن القاسم الأندلسي: الناس مجمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله، وأن أحمد بن حنبل وغيره كتبوا عنه ووثقوه.
وكان سبب تضعيف النسائي له: أن أحمد بن صالح رحمه الله كان لا يحدث أحدا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة، وكان يحدثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة، فأتى النسائي ليسمع منه، فدخل بلا إذن، ولم يأته برجلين يشهدان له بالعدالة، فلما رآه في مجلسه أنكره، وأمر بإخراجه، فضعفه النسائي لهذا.
وقال أبو بكر الخطيب: احتج سائر الائمة بحديث أحمد بن صالح سوى أبي عبد الرحمان النسائي، فإنه ترك الرواية عنه، وكان يطلق لسانه فيه، وليس الأمر على ما ذكر النسائي.
ويقال: كان آفة أحمد بن صالح الكبر، وشراسة الخلق، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما.
تهذيب الكمال ج 1 ص 348

قلت أفهل يسوغ للنسائي أن يطعن في أحمد بن صالح لأنه يريد أن يتحرى العدالة ؟؟؟

المورد الثالث
الحاكم يكّذّب ابن قتيبة والذهبي يرد بأنه كلام من لا يخاف الله:
قال الذهبي: عبدالله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد، صاحب التصانيف، صدوق، قليل الرواية.
روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة.
قال الخطيب: كان ثقة دينا فاضلا.
وقال الحاكم: أجمعت الأمة على أن القتبي كذاب.
قال الذهبي: قلت: هذه مجازفة قبيحة، وكلام من لم يخف الله.
ورأيت في مرآة الزمان أن الدارقطني قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه (منحرف عن العترة) وكلامه يدل عليه.
وقال البيهقى: كان يرى رأى الكرامية.
وقال ابن المنادى: مات في رجب سنة ست وسبعين ومائتين، من هريسة بلعها سخنة فأهلكته.
ميزان الاعتدال ج 2 ص 503

قلت: الذهبي حكم على الحافظ الحاكم النيسابوري بأنه لا يخاف الله سبحانه وتعالى، لا لشيء سوى انه ادعى ان ابن قتيبة كذاب !!!
فلو اننا طبقنا هذه القاعدة على كل من ضعف راويا بدون حجة فلا شك ان النتيجة ستكون ان جل محدثي أهل السنة وائمة الجرح والتعديل السنة: لا يخافون الله تعالى، فحينئذ على كتب الحديث والرجال السنية السلام...





المورد الرابع
يحيى بن معين يوثق أبا لصلت رحمه الله فقط لأنه كان يكرمه:
هذا المورد من عند الأخ الفاضل حبيب حفظه الله...

قال الذهبي: أبو الصلت: الشيخ العالم العابد، شيخ الشيعة، أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، ثم النيسابوري مولى قريش، له فضل وجلالة، فياليته ثقة.
وكان زاهدا متعبدا، أعجب به المأمون لما رآه، وأدناه، وجعله من خاصته.
قال أحمد بن سيار: قدم مرو غازيا. ولما أراد المأمون أن يظهر التجهم وخلق القرآن، جمع بين هذا وبين بشر بن غياث ليناظره.
قال: وكان أبو الصلت يرد على أهل الاهواء من الجهمية المرجئة والقدرية، فكلم بشرا غير مرة بحضرة المأمون، واستظهر.
ثم قال ابن سيار: ناظرته لاستخرجه فلم أره يغلو، ورأيته يقدم أبا بكر، ولا يذكر الصحابة إلا بالجميل. وقال: هذا مذهبي وديني، إلا أن ثمّ أحاديث يرويها في المثالب.
قال ابن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت، فقال: ليس ممن يكذب.
وقال عباس: سمعت ابن معين، يوثق أبا الصلت. فذكر له حديث: " أنا مدينة العلم "، فقال: قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي، عن أبي معاوية.


قال الذهبي: قلتُ: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وكان هذا بارا بيحيى، ونحن نسمع من يحيى دائماً، ونحتج بقوله في الرجال، ما لم يتبرهن لنا وهن رجل انفرد بتقويته، أو قوة من وهاه.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 446

فليتأمل المنصف في كلام الذهبي الأخير ليرى انه نسب إلى يحيى بن معين (وهو إمام الجرح والتعديل) بأنه وثق أبا الصلت الهروي (رضوان الله عليه) لا لأن أبا الصلت ثقة في واقع الأمر، بل لأنه كان يحسن لابن معين وكان بارا به !!!

وهذا هو ديدنهم، يوثقون من أحسن إليهم وان كانوا يرونه لا يستحق التوثيق...
ويضعفون من لم يحسن إليهم، وان كانوا يوقنون انه في غاية الوثاقة والحفظ والاتقان والتثبت...

المورد الخامس
مسلم يطعن في البخاري:
قال مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح: وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقولٍ لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحاً لكان رأياً متيناً ومذهباً صحيحاً إذ الإعراض عن القول المطرح: أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله...
وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويته: ان كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان وقد أحاط العلم بانهما قد كانا في عصر واحد وجائز ان يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به غير أنه لا نعلم له منه سماعا ولم نجد في شيء من الروايات انهما التقيا قط أو تشافها بحديث: ان الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء كهذا المجئ، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدا أو تشافها بالحديث بينهما أو يرد خبر فيه بيان اجتماعها وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقها، فان لم يكن عنده علم ذلك ولم تأت رواية تخبر ان هذا الراوى عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك والأمر كما وصفنا حجة وكان الخبر عنده موقوفا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر في رواية مثل ما ورد...

وهذا القول - يرحمك الله - في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه وذلك ان القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: ان كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وان لم يأت في خبر قط انهما اجتمعا ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة إلا ان يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا...
فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته أو للذاب عنه قد أعطيت في جملة قولك ان خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل ثم أدخلت فيه الشرط بعد فقلت حتى نعلم انهما قد كانا التقيا مرة فصاعدا أو سمع منه شيئا فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله وإلا فهلم دليلا على ما زعمت فان ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر طولب به ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا، وان هو ادعى فيما زعم دليلا يحتج به قيل وما ذاك الدليل فان قال قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا يروى احدهم عن الآخر الحديث ولما يعاينه ولا سمع منه شيئا قط فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالاخبار ليس بحجة احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه فإذا انا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد فان عزب عنى معرفة ذلك اوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه فيقال له فان كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به امكان الارسال فيه لزمك ان لا تثبت اسنادا معنعنا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره وذلك ان الحديث الوارد علينا باسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فبيقين نعلم أن هشاما قد سمع من أبيه وان اباه قد سمع من عائشة كما نعلم ان عائشة قد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن ابيه سمعت أو اخبرني ان يكون بينه وبين ابيه في تلك الرواية انسان آخر اخبره بها عن ابيه ولم يسمعها هو من أبيه لما احب ان يرويها مرسلا ولا يسندها إلى من سمعها منه وكما يمكن ذلك في هشام عن ابيه فهو ايضا ممكن في ابيه عن عائشة وكذلك كل اسناد لحديث ليس فيه ذكر سماع بعضهم من بعض وان كان قد عرف في الجملة ان كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعا كثيرا فجائز لكل واحد منهم ان ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض احاديثه ثم يرسله عنه احيانا ولا يسمى من سمع منه وينشط احيانا فيسمى الذى حمل عنه الحديث ويترك الارسال وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض من فعل ثقات المحدثين وائمة اهل العلم وسنذكر من رواياتهم على الجهة التى ذكرنا عددا يستدل بها على اكثر منها ان شاء الله تعالى...........

ثم قال بعد ان ذكر بعض الروايات:

فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها ولا انهم لقوهم في نفس خبر بعينه وهى أسانيد عند ذوى المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الاسانيد لا نعلمهم وهنوا منها شيئا قط ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعا كانوا في كالعصر الذى اتفقوا فيه وكان هذا القول الذى احدثه القائل الذى حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره إذ كان قولا محدثا وكلاما خلفا لم يقله أحد من أهل العلم سلف ويستنكره من بعدهم خلف فلا حاجة بنا في رده بأكثر مما شرحنا إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذى وصفناه والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء وعليه التكلان....
مقدمة صحيح مسلم ج 1 ص 22

فهل تعرفون من هو هذا الشخص الذي وصفه مسلم بانه من منتحلي العلم، وان رويته سيئة، وانه قد اخترع قولاً شاذاً فاسداً خاطئاً، يجر لعواقب الشر، وووو كما هو أعلاه ؟؟؟

الجواب: البخاري !!!

ونحن نقول لمسلم: هب أن البخاري كان له اجتهاده، أفيصح لك أن توجه له خطابا بهذه القساوة والجفاء ؟؟؟

وإذا كان البخاري الذي يعد من نفس طبقتك يا مسلم، لم يسلم من حدتك، فما الذي يضمن لنا ان عواطفك لم تجرك لتوثيق وتضعيف رجالا آخرين ؟؟؟

وقد أصاب الذهبي عندما قال: ثم إن مسلماً، لحدة في خلقه، انحرف أيضا عن البخاري، ولم يذكر له حديثا، ولا سماه في "صحيحه" بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة "عن" وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك.
وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الاقوى، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
سير اعلام النبلاء ج 12 ص 573


فعُلِم أن مسلما إنما قال كل هذا الكلام بسبب حدة في خلقه، نعوذ بالله من الهوى...

المورد السادس
الجوزجاني ناصبي لا يقبل قوله في الشيعة:
ترجم الذهبي أحد ائمة الجرح والتعديل عند أهل السنة كما يلي:
الجوزجانى: الحافظ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي، نزيل دمشق ومحدثها.
سمع الحسين بن على الجعفي ويزيد بن هارون وجعفر بن عون وشبابة وطبقتهم فأكثر،
وتفقه بأحمد بن حنبل.
حدث عنه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو زرعة ومحمد بن جرير وابن جوصاء وأبو بشر الدولابي وآخرون.
وثقه النسائي.
قال ابن عدى: سكن دمشق فكان يحدث على المنبر ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بذلك ويقرأ كتابه على المنبر، قال: وكان يتحامل على علي رضي الله عنه.
وقال الدار قطني: كان من الحفاظ الثقات المصنفين وفيه انحراف عن على.
تذكرة الحفاظ ج 2 ص 549

ووصفه في ميزان الاعتدال ج 1 ص 75 بما نصه: الثقة، الحافظ، أحد ائمة الجرح والتعديل.

وأقول: هذا الرجل الذي وثقوه وعدوه من ائمة الجرح والتعديل (وما أخطره من مقام) لم يكن يتحرى الأمانة عند جرحه ايضا، وقد نص على ذلك ابن حجر العسقلاني حيث قال:
وممن ينبغي ان يتوقف في قبول قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فان الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى انه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطبن الحديث وأركان الرواية.
فهذا إذا عارضه مثله أو اكبر منه فوثق رجلا ضعفه: قُبل التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ فانه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فسيأتي في جرحه لأهل الشام للعدواة البينة في الاعتقاد.
ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيرا ما تقع بين العصريين الاختلاف والتابين لهذا وغيره فكل هذا ينبغي ان يتأنى فيه ويتامل وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري: أعراض الناس حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان: الحكام والمحدثون هذا أو معناه.
لسان الميزان ج 1 ص 16

قلت: ومع كل ذلك فالجوزجاني ثقة حافظ احد ائمة الجرح والتعديل المعتمد عليهم !!!

اذا كان الجوزجاني يجرح من لا يستحق الجرح، فكيف لنا ان نعتمد على عامة جرحه وتعديله للرجال؟؟؟

وحتى مع دفاع ابن حجر عن الجوزجاني، اذ انه نص على ضرورة التوقف في من يجرحهم من أهل الكوفة فقط لأنهم شيعة، فما الذي يضمن لنا سلامة الجوزجاني من أهواء ونزعات أخرى لا نعرفها مع آخرين ؟؟؟

وايضا، كما ان الجوزجاني بسبب نصبه لين الأعمش لأنه شيعي) الأعمش الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، والذي وصفه الذهبي: بالإمام شيخ الإسلام، شيخ المقرئين والمحدثين، الكوفي الحافظ... الخ) فما الذي يمنع الجوزجاني من توثيق من ليس أهلا، ربما لأنه ناصبي مثله ؟؟؟





المورد السابع
عداوة شخصية بين أبي نعيم وابن مندة تؤدي إلى قيام حرب تجريح لسانية بينهما:
أبو نعيم:
قال الذهبي: أحمد بن عبدالله الحافظ أبو نعيم الاصبهاني.
أحد الإعلام، صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن مندة بهوى.
قال الخطيب: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا، ولا يبين.
قال الذهبي: قلت: هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس.
وكلام ابن مندة في أبى نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها.
قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي الحافظ، رأيت بخط ابن طاهر المقدسي يقول: أسخن الله عين أبي نعيم، يتكلم في أبى عبدالله بن مندة، وقد أجمع الناس على إمامته، وسكت عن لاحق وقد أجمع الناس على أنه كذاب.
قال الذهبي: قلت: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤف رحيم.
ميزان الاعتدال ج 1 ص 111
وقد وصفه ايضا بما نصه: الإمام الحافظ، الثقة العلامة، شيخ الإسلام …في سير أعلام النبلاء ج 17 ص 453


ابن مندة:
قال الذهبي: محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة، أبو عبدالله العبدى الاصبهاني.
الحافظ الجوال، صاحب التصانيف، كان من أئمة هذا الشأن وثقاتهم، أقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه لما بينهما من الوحشة، ونال منه، واتهمه، فلم يلتفت إليه لما بينهما من العظائم، نسأل الله العفو، فلقد نال ابن مندة من أبي نعيم، وأسرف أيضا.
ولد ابن مندة سنة عشر وثلاثمائة....
وكان من دعاة السنة، وحفاظ الاثر.
قال الباطرقانى: حدثنا ابن مندة إمام الائمة في الحديث.
وقال ابن مندة: كتبت عن ألف شيخ وسبعمائة شيخ.
وقال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت مثل أبي عبدالله بن مندة.
وقال جعفر المستغفرى: ما رأيت أحفظ من ابن مندة، وسألته ببخارى: كم يكون سماعات الشيخ ؟ قال، يكون خمسة آلاف مرة.
ويقال: إنه لما رجع إلى أصبهان قدمها ومعه أربعون حملا من الكتب والاجزاء.
والذي قال أبو نعيم في تاريخه: هو حافظ من أولاد المحدثين. مات في سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. اختلط في آخر عمره، فحدث عن أبي أسيد، وعبد الله ابن أخي أبي زرعة، وابن الجارود، بعد أن سمع منه أن له عنهم إجازة، وتخبط في أماليه، ونسب إلى جماعة أقوالا في المعتقدات لم يعرفوا بها.
قلت: البلاء الذي بين الرجلين هو الاعتقاد.
ميزان الاعتدال ج 3 ص 479

قلت: فانظر كيف أن حفاظهم يجرحون بعضهم بعضا، وكلا منهم يطعن في الآخر بهوى وليس بحق، فأبو نعيم وابن مندة كلاهما حافظ ثقة إمام من ائمة الحديث، بالرغم من كل العداوة التي منشأها الاختلاف في المذهب، هذه العداوة لم تجد ما يمنعها من التطاول والكلام الجارح بغير حق على الآخرين كائنا من كان الطرف الآخر...

ولنا ان نعلق على كلام الذهبي الاخير في ترجمة ابي نعيم بما يلي:

1 – قوله: (ما ينجو منه إلا من عصم الله) لا يمكن ان يكون صحيحا، بل الحق انه تبرير للباطل بالباطل، إذ كيف يمكن ان نعفي كل من تكلم في غيره بغير حق إلا المعصوم فقط ؟؟؟
أوليس جرح الغير بغير الحق هو ما يعرف بالبهتان ؟؟؟

روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أتدرون ما الغيبة ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره.
قيل: أفرأيت ان كان في أخي ما اقول ؟
قال: إن كان فيه ما تقول: فقد اغتبته، وان لم يكن فيه: فقد بهته.
صحيح مسلم ج 8 ص 21


وقال النووي في شرح هذه الرواية: يقال بهته، بفتح الهاء مخففة: قلتَ فيه البهتان وهو الباطل، والغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره، وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه، وهما حرامان، لكن تباح "الغيبة" لغرض شرعي وذلك لستة أسباب....
شرح مسلم ج 16 ص 142
ثم ذكر النووي ستة موارد تباح فيها الغيبة فقط وليس البهتان.


فان كان يجوز للعلماء ان يطعنوا في بعضهم البعض دون وجه حق، فمن الأولى جواز ذلك لعامة الناس، أوليس يقولون لحوم العلماء مسمومة ؟؟؟ !!!

2 - تصريح الذهبي بكثرة وجود التجريحات بين علمائهم بحيث انه يستطيع ان يكتب كراريس خاصة لجمع موارد التجريحات، بالرغم من حرصهم على طي هذه الموارد وعدم نشرها كما صرح الذهبي في ترجمة الشافعي (الذي لم يسلم هو الآخر من التجريح) وقد تقدم كلامه في المقدمة...

المورد الثامن
أبو حاتم متعنت في الرجال:
قال الذهبي: أبو حاتم الرازي: الإمام، الحافظ الكبير: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أحد الأعلام...
قال موسى بن إسحاق الأنصاري القاضي: ما رأيت أحفظ من أبي حاتم.
وقال أحمد بن سلمة الحافظ: ما رأيت بعد محمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم.
وقال النسائي: ثقة.
تذكرة الحفاظ ج 2 ص 567

وللتعرف على نفس أبي حاتم الرازي في الجرح خصوصا نقرأ ما قاله الذهبي:
إذا وثق أبو حاتم رجلاً: فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلا صحيح الحديث.
وإذا لين رجلا، أو قال فيه: لا يحتج به: فتوقف حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم، فإنه متعنت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال "الصحاح": ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك....
سير أعلام النبلاء ج 13 ص 260


وقال الذهبي أيضا: يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح.
سير أعلام النبلاء ج 13 ص 81





المورد التاسع
الذهلي يحسد البخاري فيكفره ويطرده من نيسابور:
نقرأ في هذا المورد المحنة الكبرى التي وقعت بين الذهلي والبخاري، وكلاهما إمام حجة حافظ ثقة مأمون أمير المؤمنين في الحديث كما يقولون !
وقد وقع بينهما ما هو أعظم من الجرح، وهو التكفير !!!!
وسبب التكفير هو الخصومة التي وقعت بينهما بسبب اختلافهما في مسألة خلق القرآن، فبعد ان اتفقا على ان القرآن قديم (لزعمهم ان الكلام من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله قديمة فيكون القرآن ايضا قديم لانه من كلام الله، وقد غفلوا عن كون الصفات تارة تكون ذاتية وتارة صفاتية وتارة أفعالية) اختلفا بعد ذلك في لفظ القرآن أي الحروف والكلمات، فذهب الذهلي إلى انها هي الأخرى غير مخلوقة، أما البخاري فذهب إلى القول بانها مخلوقة، وهذا هو الذي سبب كل ذلك النزاع والخلاف الذي أدى إلى ان يكفر كلا منها الآخر، وقد ذهب الذهبي إلى ان النزاع كان سببه سوء الفهم ونقل حكاية تدل على ذلك، لكن تصديق ذلك صعب للغاية...
اذ كيف يصل الأمر إلى حد التكفير وطرد البخاري من نيسابور بسبب سوء فهم ؟؟؟
ألم يكن للبخاري لسانا يستطيع ان يشرح فيه رأيه ؟؟؟
ثم لماذا البخاري بالذات، فقد كان مسلم يذهب مذهب البخاري، فلماذا لم يطرده الذهلي ؟؟؟
بل الحق هو ان السبب في كل ما جرى هو "الحسد" فان الذهلي حسد البخاري لما رأى ان الناس قد توجهوا للبخاري وتركوا مجلسه، كما تنص على ذلك الروايات وستأتي.

والجدير بالذكر ان النزاع لم يكن له أي مبرر من الأساس، ولكن القوم من أهل الحديث، وهم معروفون بعدم التأمل في الكتاب والسنة جيداً، اذ مبلغ علمهم هو معرفة الأسانيد، ولذلك وصفوا بأنهم حشوية:
قال تعالى: (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الأنبياء
وقال جل ذكره: (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) الشعراء
محدث يعني مخلوق، وليس هذا مكان البحث في هذه المسئلة الكلامية بأكثر من هذا...

طرفا النزاع:
هما البخاري والذهلي... البخاري أعرف من أن يعرف، وقد نال شهرة منقطعة النظير بسبب كتابه الصحيح، وأما الذهلي فليس لديه كتاب كهذا، ولهذا السبب فلم ينل شهرة تداني شهرة البخاري، بل ان أكثر الناس لا يعرفونه، لذا فلا بد قبل ذكر المحنة، من ذكر ترجمة مختصرة له، حتى يعرف القارئ مكانته العلمية:

ترجمة الذهلي:
قال الذهبي: هو محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد بن فارس بن ذؤيب، الإمام، العلامة، الحافظ البارع، شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله الذهلي مولاهم، النيسابوري.
مولده: سنة بضع وسبعين ومئة......
روى عنه: خلائق، منهم: الائمة سعيد بن أبي مريم، وأبو جعفر النفيلي، وعبد الله بن صالح، وعمرو بن خالد - وهؤلاء من شيوخه - ومحمود بن غيلان، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويدلسه كثيرا، لا يقول: محمد بن يحيى، بل يقول: محمد فقط، أو محمد بن خالد، أو محمد بن عبدالله ينسبه إلى الجد، ويعمي اسمه لمكان الواقع بينهما، غفر الله لهما.....
قال ابن أبي حاتم: كتب أبي عن محمد بن يحيى بالري، وهو ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين، وثقه أبي، وسمعته يقول: هو إمام أهل زمانه.
وقال النسائي: ثقة مأمون.
وقال ابن أبي داود: حدثنا محمد بن يحيى، وكان أمير المؤمنين في الحديث.
عبدالله بن محمد بن مسلم الاسفراييني: سمعت ابن سافري بالرملة يقول: قلت لأحمد بن حنبل: نكتب عن محمد بن يحيى ؟ قال: اكتبوا عنه، فإنه ثقة.
قلت ليحيى بن معين: نكتب عن محمد بن يحيى ؟ قال: اكتبوا عنه، فإنه ثقة، ما له يريد أن يحدث......
وقال إمام الائمة ابن خزيمة: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي إمام عصره، أسكنه الله جنته مع محبيه.
وقد سئل صالح جزرة عن محمد بن يحيى، فقال: ما في الدنيا أحمق ممن يسأل عن محمد بن يحيى.
قال ابن الشرقي: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن يحيى.
ثم قال: مات في سنة ثمان وخمسين ومئتين.
كان الذهلي شديد التمسك بالسنة، قام على محمد بن إسماعيل لكونه أشار في "مسألة خلق العباد" إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق، فلوح وما صرح، والحق أوضح. ولكن أبى البحث في ذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، والذهلي. والتوسع في عبارات المتكلمين سدا للذريعة فأحسنوا، أحسن الله جزاءهم.
وسافر ابن إسماعيل مختفيا من نيسابور، وتألم من فعل محمد بن يحيى وما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده. وقد سقت ذلك في ترجمة ابن إسماعيل، رحم الله الجميع.....
سير أعلام النبلاء ج 12 ص 273

قال الذهبي: ذكر قصته مع محمد بن يحيى الذهلي رحمهما الله
قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت محمد بن حامد البزاز قال: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى قال لنا لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه.
فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك، وتكلم فيه.




وقال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه، حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه، واجتماعهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه في المجلس.
فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبدالله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق ؟
فأعرض عنه البخاري ولم يجبه.
فقال الرجل: يا أبا عبدالله، فأعاد عليه القول، فأعرض عنه.
ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة.
فشغب الرجل، وشغب الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله.




وقال الحاكم: حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى، حدثنا محمد بن يوسف الفربري، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة. فقد حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يصنع كل صانع وصنعته ". وبه قال: وسمعت عبيدالله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة.
قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو، المبين المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب، الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}.

وقال أبو حامد الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان بن سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه، فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا.
فأقام محمد بن إسماعيل ها هنا مدة، ثم خرج إلى بخارى.


وقال أبو حامد بن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابرهم، ومن وقف، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم. ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه.


وقال غنجار: حدثنا محمد بن أحمد بن حاضر العبسي، حدثنا الفربري، سمعت البخاري يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر.


وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري، دخلت على البخاري، فقلت: يا أبا عبدالله، أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد ؟ فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء.
فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك ؟
قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل، وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.
قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره.
وقد قال البخاري في الحكاية التي رواها غنجار في "تاريخه": حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل، سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يوما عند أبي إسحاق القيسي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله.
فقلت له: يا أبا عبدالله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه.
فقال: ليس إلا ما أقول.
قال أبو عمرو الخفاف، فأتيت البخاري، فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبدالله، ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو، احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.


وقال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شئ من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه، وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل حروري، وكل رافضي، وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان.
قال: فازدحم الناس على محمد ابن إسماعيل، حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا.
فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل، حتى تواثبوا، فاجتمع أهل الدار، وأخرجوهم.


وقال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الاخرم، سمعت ابن علي المخلدي، سمعت محمد بن يحيى يقول: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية.


وقال سمعت محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أحمد بن سلمة يقول: دخلت على البخاري، فقلت: يا أبا عبدالله، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى ؟ فقبض على لحيته، ثم قال: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}
اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا، ولا طلبا للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير.
ثم قال لي: يا أحمد، إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي.
قال: فأخبرت جماعة أصحابنا، فو الله ما شيعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.


قال: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه. فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عنه، انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم.
فقال الذهلي يوما: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم رداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال. وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه.
قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذن، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فقال: ألا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا. فقام مسلم بن الحجاج من المجلس.
رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة.


قال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت محمد بن يعقوب الاخرم، سمعت أصحابنا يقولون: لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد. فخشي البخاري وسافر.

وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبدالله البخاري، فقال: يا أبا عبدالله، إن فلانا يكفرك ! فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما".

وكان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك، فيقول: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}
ويتلو أيضا: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} فقال له عبدالمجيد بن إبراهيم: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك ؟
فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من دعا على ظالمه، فقد انتصر".
يتبع >>>>



تابع لما قبله: الذهلي والبخاري

وقال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول لما قدم البخاري مرو استقبله أحمد بن سيار فيمن استقبله، فقال له أحمد: يا أبا عبدالله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمل ذا منك.
فقال البخاري: إني أخشى النار، أسأل عن شيء أعلمه حقا أن أقول غيره. فانصرف عنه أحمد بن سيار.




وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق.
قال الذهبي: قلت: إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم.
سير أعلام النبلاء ج 12 ص 391


المورد العاشر
ابن صاعد وابن أبي داود:
قال الذهبي: ابن صاعد: يحيى بن محمد بن صاعد بن كاتب، الإمام الحافظ المجود، محدث العراق، أبو محمد الهاشمي البغدادي، مولى الخليفة أبي جعفر المنصور، رحال جوال، عالم بالعلل والرجال.
قال أبو يعلى الخليلي: كان يقال: أئمة ثلاثة في زمان واحد: ابن أبي داود، وابن خزيمة، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، قال الخليلي: ورابعهم أبو محمد بن صاعد، ثقة إمام يفوق في الحفظ أهل زمانه...
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني عن يحيى بن محمد ابن صاعد، فقال: ثقة ثبت حافظ، وعمهم يحدث عن سفيان بن عيينة في التصوف والزهد.
وقال حمزة بن يوسف السهمي: سألت أبا بكر أحمد بن عبدان، فقلت: ابن صاعد أكثر حديثا أو الباغندي ؟ فقال: ابن صاعد أكثر حديثاً، ولا يتقدمه أحد في الدراية، والباغندي أعلى إسنادا منه.
قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: لم يكن بالعراق في أقران أبي محمد بن صاعد أحد في فهمه، والفهم عندنا أجل من الحفظ.....


وقد ذكرنا مخاصمة بينه وبين ابن أبي داود، وحط كل واحد منهما على الآخر في ترجمة ابن أبي داود، ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض، وهما بحمد الله ثقتان.
سير أعلام النبلاء ج 14 ص 501


ولنقرأ الآن القصة في ترجمة ابن أبي داود، قال الذهبي:
ابن أبي داود: الحافظ، العلامة، قدوة المحدثين، أبو بكر عبد الله [ابن] الحافظ الكبير أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني صاحب التصانيف...
قال الحافظ أبو محمد الخلال: كان ابن أبي داود أحفظ من أبيه.
قال صالح بن أحمد الهمداني الحافظ: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق ومن نصب له السلطان المنبر وقد كان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو.




قلت: كان أبو بكر مع سعة علمه قوي النفس مدلا بنفسه سامحه الله تعالى، قال أبو حفص ابن العباس (أراد) الوزير ان يصلح بين ابن صاعد وابن أبي داود فجمعهما وحضر ابن شاهين: أراد على أبا عمر القاضي فقال الوزير:
يا أبا بكر، أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه ؟
قال: لا أفعل.
فقال الوزير: أنت شيخ زيف.
قال: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال الوزير: من الكذاب ؟
قال: هذا.
ثم قام وقال: تتوهم اني أذل لك لأجل رزقي انه يصل إلى على يدك ؟ والله لا أخذت من يدك شيئاً.
فكان المقتدر يزن رزقه بيده ويبعث به في طبق على يد الخادم.
تذكرة الحفاظ ج 2 ص 767


فهذان إمامان حافظان ثقتان علامتان، ومع ذلك كلاً منهما يحط من مقام الآخر وينال من صاحبه، واشد ما يلفت الانتباه ان ابن أبي داود قد اتهم ابن صاعد بانه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وما أخطرها من تهمة !!!

أفهل يصح أن نبرر هذا القول بحجة انه كلام أقران ؟؟؟



المورد الحادي عشر
تحامل الحنابلة على الخطيب البغدادي وتحامله عليهم:
قال الذهبي: الخطيب: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي.
صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة.
وكتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصحح، وعلل وجرح، وعدل وأرخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الاطلاق.
قال ابن ماكولا: كان أبو بكر آخر الأعيان، ممن شاهدناه معرفة، وحفظا، وإتقانا، وضبطا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفننا في علله وأسانيده، وعلما بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره ومطروحه، ولم يكن للبغداديين - بعد أبي الحسن الدارقطني - مثله. سألت أبا عبدالله الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي: أيهما أحفظ ؟ ففضل الخطيب تفضيلا بينا.
قال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب.
وقال أبو علي البرداني: لعل الخطيب لم ير مثل نفسه.
وقال أبو الفتيان الحافظ: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله....
وقال السلفي: سألت شجاعا الذهلي عن الخطيب، فقال: إمام مصنف حافظ، لم ندرك مثله.
قال المؤتمن: تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه.
قلت: تناكد ابن الجوزي رحمه الله وغض من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة.
قلت: ليت الخطيب ترك بعض الحط على الكبار فلم يروه.
سير أعلام النبلاء ج 18 ص 270

قلتُ: فالخطيب إذاً مع وثاقته وجلالة قدره وتبحره في علوم الحديث، إلا أنه كان يحط على الكبار، ويتحامل على الحنابلة ويتعصب عليهم، مما جعل ابن الجوزي ان يقابله بالمثل، فتناكد على الخطيب !!!

ومما قاله ابن الجوزي في ترجمة الخطيب ما يلي:
وكان أبو بكر الخطيب قديماً على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل سيد المحدثين، وفي ترجمة الشافعي: تاج الفقهاء، فلم يذكر أحمد بالفقه.


وحكى في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أيش نعمل بهذا الصبي إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق؛ قال: بدعة وإن قلنا غير مخلوق؛ قال: بدعة، ثم التفت إلى أصحاب أحمد فقدح فيهم بما أمكن.


وله دسائس في ذمهم عجيبة من ذلك: أنه ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد ذلك عن أبي الفتح الأزدي أنه قال: مهنأ منكر الحديث، وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل..
قال الخطيب: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأموري قال: رأيت أهل الموصل يهينون أبا الفتح الأزدي ولا يعدونه شيئاً.
قال الخطيب: حدثني محمد بن صدقة الموصلي: أن أبا الفتح قدم بغداد على ابن بويه، فوضع له حديثاً: أن جبريل عليه السلام كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في صورنا، فأعطاه دراهم ! أفلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا، ثم لا يتكلم عليه ؟ هذا ينبىء عن عصبية، وقلة دين!!!

قال الخطيب على أبي الحسن التميمي بقول أبي القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي وهو ابن برهان، وكان الأسدي معتزلياً، وقد انتصرت للتميمي من الخطيب في ترجمته قال الخطيب على أبي عبد الله بن بطة بعد أن ذكر عن القاضي أبي حامد الدلوي والعتيقي: إنه كان صالحاً مستجاب الدعوة، ثم عاد يحكي عن أبي ذر الهروي وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري القدح في ابن بطة، ويحكي عن أبي القاسم بن برهان القدح فيه، وقد انتصرت لابن بطة من الخطيب في ترجمته، ومال الخطيب على أبي علي بن المذهب بما لا يقدح عند الفقهاء، وإنما يقدح ما ذكره في قلة فهمه، وقد ذكرت ذلك في ترجمة ابن المذهب.


وكان في الخطيب شيئان أحدهما: الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس يجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني: التعصب على مذهب أحمد وأصحابه.

وقد ذكر في كتاب الجهر أحاديث نعلم أنها لا تصح، وفي كتاب القنوت أيضاً، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثاً، يدري أنه موضوع فاحتج به، ولم يذكر عليه شيئاً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من روى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.
وقد كشفت عن جميع ذلك في كتاب التحقيق في أحاديث التعليق وتعصبه على ابن المذهب ولأهل البدع مألوف منه، وقد بان لمن قبلنا.


فأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، عن أبيه قال: سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القومسي وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب.


قال المصنف: لقد صدق إسماعيل وقد كان من كبار الحفاظ ثقة صدوقاً، له معرفة حسنة بالرجال والمتون، غزير الديانة، سمع أبا الحسين بن المهتدي، وجابر بن ياسين، وابن النقور وغيرهم، وقال الحق، فإن الحاكم كان متشيعاً ظاهر التشيع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة، وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذم الكلام، وقد أكد الشافعي في هذا حتى قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يحملوا على البغال ويطاف بهم.
المنتظم - ترجمة الخطيب (الوراق) (http://www.alwaraq.com/index2.htm?i=43&page=1957)




المورد الثاني عشر
تصانيف ابن الجوزي غير مرضية عند العلماء:
وطالما وصل بنا الكلام إلى ابن الجوزي، رأيت ضرورة إعطاء صورة عن القيمة العلمية لمؤلفاته، خصوصاً وان كتبه منتشرة في هذه العصور !!!

قال الذهبي: أبو الفرج ابن الجوزي: الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، المفسر، شيخ الإسلام، مفخر العراق، جمال الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد...

قال الموفق عبد اللطيف في تأليف له: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو الشمائل... إلى أن قال: قرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني أن ابن الجوزي شرب البلاذر، فسقطت لحيته، فكانت قصيرة جدا، وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات.
قال: وكان كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره.
قال الذهبي: قلت: هكذا هو، له أوهام وألوان من ترك المراجعة، وأخذ العلم من صحف، وصنف شيئاً لو عاش عمرا ثانيا، لما لحق أن يحرره ويتقنه....

قال: وكتب إلي أبو بكر بن طرخان، أخبرنا الإمام موفق الدين، قال: ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، كان يصنف في الفقه، ويدرس، وكان حافظا للحديث، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها، وكانت العامة يعظمونه، وكانت تنفلت منه في بعض الأوقات كلمات تنكر عليه في السنة، فيستفتي عليه فيها، ويضيق صدره من أجلها.

وقال الحافظ سيف الدين ابن المجد: هو كثير الوهم جداً، فإن في مشيخته مع صغرها أوهاماً:
قال في حديث: أخرجه البخاري، عن محمد ابن المثنى، عن الفضل بن هشام، عن الأعمش!
وإنما هو: عن الفضل بن مساور، عن أبي عوانة، عن الأعمش.
وقال في آخر: أخرجه البخاري، عن عبدالله بن منير، عن عبد الرحمن بن عبدالله بن دينار!
وبينهما أبو النضر، فأسقطه.
وقال في حديث: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الأثرم!
وإنما هو محمد بن أحمد.
وقال في آخر: أخرجه البخاري عن الاويسي، عن إبراهيم، عن الزهري!
وإنما هو عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري.
وقال في آخر: حدثنا قتيبة، حدثنا خالد بن إسماعيل!
وإنما هو حدثنا حاتم.
وفي آخر: حدثنا أبو الفتح محمد بن علي العشاري!
وإنما هو أبو طالب.
وقال: حميد بن هلال، عن عفان بن كاهل!
وإنما هو هصان بن كاهل.
وقال: أخرجه البخاري، عن أحمد ابن أبي إياس!
وإنما هو آدم.
وفي وفاة يحيى بن ثابت، وابن خضير، وابن المقرب ذكر ما خولف فيه.
قال الذهبي: قلتُ: هذه عيوب وحشة في جزئين.

قال السيف: سمعت ابن نقطة يقول: قيل لابن الأخضر: ألا تجيب عن بعض أوهام ابن الجوزي ؟
قال: إنما يتتبع على من قل غلطه، فأما هذا، فأوهامه كثيرة.
ثم قال السيف: ما رأيت أحدا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيا عنه.
قال الذهبي: قلتُ: إذا رضي الله عنه، فلا اعتبار بهم.
قال: وقال جدي: كان أبو المظفر ابن حمدي ينكر على أبي الفرج كثيرا كلمات يخالف فيها السنة.
قال السيف: وعاتبه أبو الفتح ابن المني في أشياء، ولما بان تخليطه أخيرا، رجع عنه أعيان أصحابنا وأصحابه.
وكان أبو إسحاق العلثي يكاتبه، وينكر عليه.
سير أعلام النبلاء ج 12 ص 365

نماذج من أوهامه:
قال الذهبي في ترجمة: طالوت بن عباد: قال أبو حاتم: صدوق. فأما قول أبي الفرج بن الجوزي: ضعفه علماء النقل، فهفوة من كيس أبي الفرج، فإلى الساعة ما وجدت أحدا ضعفه، وحسبك بقول المتعنت في النقد أبي حاتم فيه.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 25

وقال في ترجمة: أحمد بن حنبل: حكاية موضوعة، لم يستحي ابن الجوزي من إيرادها، فقال: أخبرنا ابن ناصر... الخ
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 321


وقال في ترجمة: سويد بن سعيد: وقد روى ابن الجوزي، أن أحمد بن حنبل قال: هو متروك الحديث. فهذا النقل مردود لم يقله أحمد.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 410

قال الحافظ الفتني وهو يذكر سبب تأليفه لكتاب تذكرة الموضوعات: ومما بعثني إليه أنه اشتهر في البلدان موضوعات الصغاني وغيره، وظني أن أمامهم كتاب ابن الجوزي ونحوه، ولعمري أنه قد أفرط في الحكم بالوضع حتى تعقبه العلماء من أفاضل الكاملين، فهو ضرر عظيم على القاصرين المتكاسلين. قال مجدد المائة السيوطي: قد أكثر ابن الجوزي في الموضوعات من إخراج الضعيف بل ومن الحسان ومن الصحاح كما نبه عليه الحفاظ ومنهم ابن الصلاح، وقد ميز في حيزه ثلاثمائة حديث وقال: لا سبيل إلى إدراجها في الموضوعات، فمنها حديث في صحيح مسلم، وفي صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر، وأحاديث في بقية الصحاح والسنن، ونقل فيه عن أحمد بن أبي المجد أنه قال: ومما لم يصب فيه ابن الجوزي إطلاقه الوضع بكلام قائل في بعض رواته فلان ضعيف أو ليس بقوي أو لين، فحكم بوضعه من غير شاهد عقل ونقل ومخالفة كتاب أو سنة أو إجماع، وهذا عدوان ومجازفة. انتهى
تذكرة الموضوعات للفتني ص 3




المورد الثالث عشر
الإمام أبوحنيفة النعمان، في كتب التراجم:
ربما يكون هناك إجماع بين "أصحاب الحديث" على الطعن في أبي حنيفة، والسبب في ذلك هو الاختلاف بينه وبينهم في كثير من المسائل وأهم من ذلك الاختلاف في طرق الاستباط، فأهل الحديث يولون الحديث اهتمامهم الأكبر، بينما يعتمد أبو حنيفة على القياس وعلى العقل، وقيل ان عجد الأحاديث التي صحت عنده تبلغ 17 حديثاً فقط !!!

ولهذا فعندما نقرأ ترجمته في كتاب المجروحين لابن حِبان أو في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي نجد العجب، ولننقل شيئاً مما كتبه الخطيب البغدادي باختصار الأسانيد:

قال الخطيب البغدادي: النعمان بن ثابت أبو حنيفة التيمي.
إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق.
رأى أنس بن مالك وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار وحماد بن أبي سليمان.....
ثم قال: وهو من أهل الكوفة نقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد فأقام بها حتى مات ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران وقبره هناك ظاهر معروف

وذكر بعض مناقب أبي حنيفة ثم قال:
وقد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الائمة أخبارا كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه.

والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الائمة المتقدمين وهؤلاء المذكورون منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه متعلق بعضها بأصول الديانات وبعضها بالفروع نحن ذاكروها بمشيئة الله ومعتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دونا ذكرهم في هذا الكتاب وأوردنا أخبارهم وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها والله الموفق للصواب.

بعد ذلك أورد الخطيب البغدادي بأسانيده مجموعة كبيرة جدا من الروايات التي تذم أبي حنيفة منها:

1 - عن سفيان الثوري قال: حدثنا عباد بن كثير قال: قلت لأبي حنيفة: رجل قال أنا أعلم أن الكعبة حق وأنها بيت الله ولكن لا أدري هي التي بمكة أو هي بخراسان أمؤمن هو ؟
قال: نعم مؤمن.
قلت له: فما تقول في رجل قال أنا أعلم أن محمدا رسول الله ولكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة من قريش أو محمد آخر أمؤمن هو ؟
قال: نعم.
قال: مؤمل قال سفيان: وأنا أقول من شك في هذا فهو كافر.

2 - عن أبي مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع: أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أرى بذلك بأسا.
فقال سعيد: هذا الكفر صراحا.

3 - عن الفزاري قال: قال أبو حنيفة: إيمان آدم وإيمان إبليس واحد، قال إبليس رب بما أغويتني وقال رب فانظرني إلى يوم يبعثون وقال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا.

4 - عن القاسم بن عثمان قال: مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما فقال أبو حنيفة: لو بلت جالسا ! قال فنظر في وجهه وقال ألا تمر يا مرجئ ؟ قال له أبو حنيفة هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل.

5 - عن القاسم بن حبيب قال وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة أرأيت رجلا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه ؟ فقال: مؤمن ! فقلت لا أكلمك أبدا.

6 – عن وكيع قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى فبعثوا إلى أبي حنيفة قال فأتاهم فقالوا له ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه ؟
فقال: مؤمن.
فقال له بن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبدا.
وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبدا.
وقال له شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك.
وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك أبدا.

7 - عن يحيى بن آدم قال: سمعت شريكا يقول: استتبت أبو حنيفة مرتين.

8 - عن يحيى بن حمزة وسعيد بن عبد العزيز جالس قال حدثني شريك بن عبد الله قاضي الكوفة: أن أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرتين.

9 - عن عبد الله بن أحمد بن حنبل إجازة حدثني أبو معمر قال: قيل لشريك: مم استتبتم أبو حنيفة ؟ قال من الكفر.

10 - عن معاذ بن معاذ قال: سمعت سفيان الثوري يقول: استتبت أبا حنيفة من الكفر مرتين.

11 - عن معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد قالا: سمعنا سفيان يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين وقال يعقوب مرارا.

12 - عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأسدي الفقيه المالكي قال سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني يوما وهو يقول لأصحابه: ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه والاوزاعي وأصحابه والحسن بن صالح وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه ؟
فقالوا له: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه.
فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة.

13 - عن إبراهيم بن محمد الفزاري قال: كنت عند سفيان الثوري إذ جاء نعي أبي حنيفة، فقال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الإسلام عروة عروة، ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه.

14 – عن ثعلبة قال: سمعت سفيان الثوري يقول: ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه.

15 - عن أسود بن سالم قال قال أبو بكر بن عياش: سود الله وجه أبي حنيفة.

16 – عن يحيى بن سعيد قال سمعت شعبة يقول: كف من تراب خير من أبي حنيفة.

17 – عن أحمد بن حنبل حدثنا مؤمل قال: ذكروا أبا حنيفة عند سفيان الثوري فقال: غير ثقة ولا مأمون، غير ثقة ولا مأمون.

18 عن المؤمل قال: ذكر أبو حنيفة عند الثوري وهو في الحجر فقال غير ثقة ولا مأمون فلم يزل يقول حتى جاز الطواف.

19 - عن الأشجعي غير مرة قال: سأل رجل سفيان عن أبي حنيفة فقال: غير ثقة ولا مأمون غير ثقة ولا مأمون غير ثقة ولا مأمون.

20 - عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: حديث أبي حنيفة ضعيف ورأيه ضعيف.
تاريخ بغداد ج 13 ص 325

قلت: فاذا كان ائمة المذاهب السنية وكبارهم لم يسلموا من جرح الخطيب بسبب تعصبه المذهبي، فالله يعين الصغار المساكين ممن يخالفون الخطيب في المذهب...

وقد انتقد جماعة من علماء أهل السنة الخطيب البغدادي بسبب رأيه في أبي حنيفة وردوا عليه، ولكن كما قلت في مقدمة هذا الموضوع ان الغرض من هذا الموضوع هو بيان دوافع الجرح والتعديل عند ائمة أهل السنة، أما كون المجروح أو المعدَّل ثقة أو ضعيف في نفسه فهذا له بحث آخر..





المورد الرابع عشر
الذهبي يشن هجوماً عنيفاً على الحافظ العقيلي:
ترجم الذهبي، الحافظ العقيلى وأثنى عليه بما يلي:
الحافظ، الإمام، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلى.
صاحب كتاب الضعفاء الكبير....
قال مسلمة بن القاسم: كان العقيلى جليل القدر عظيم الخطر ما رأيت مثله وكان كثير التصانيف فكان من أتاه من المحدثين قال اقرأ من كتابك، ولا يخرج أصله فتكلمنا في ذلك وقلنا إما أن يكون من أحفظ الناس وإما أن يكون من أكذب الناس، فاجتمعنا عليه فلما أتيت بالزيادة والنقص فطن لذلك فأخذ مني الكتاب وأخذ القلم فأصلحها من حفظه فانصرفنا من عنده وقد طابت أنفسنا وعلمنا انه من أحفظ الناس.
وقال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطان: أبو جعفر: ثقة، جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ.
توفى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة رحمه الله تعالى.
انتهى كلام الذهبي

الذهبي الذي اثنى على العقيلي بما مر، قد شن على نفس المُتَرجَم حملة شرسة لأنه ضعّف أحد ائمة الحديث والجرح والتعديل المعتمد عليهم عند أهل السنة، وهو الراوية المعروف بعلي بن المديني، وهذه ترجمة ابن المديني مع كلام الذهبي في العقيلي:


قال الذهبي: على بن عبدالله خ د ت س بن جعفر، أبو الحسن الحافظ.
أحد الأعلام الأثبات، وحافظ العصر.
ذكره العقيلى في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن أبى دواد والجهمية. وحديثه مستقيم إن شاء الله.

قال لى عبدالله بن أحمد: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذلك.
قلت: بل حديثه عنه في مسنده.

وقد تركه إبراهيم الحربى، وذلك لميله إلى أحمد بن أبي دواد، فقد كان محسنا إليه، وكذا امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه لهذا المعنى، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمد لأجل مسألة اللفظ.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عن علي من أجل ما كان منه في المحنة، ووالدي كان يروى عنه لنزوعه عما كان منه.
قال أبو حاتم: كان ابن المدينى علما في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد لا يسميه، إنما يكنيه تبجيلا له.
وقال روح بن عبدالمؤمن: سمعت ابن مهدى يقول: ابن المدينى أعلم الناس بالحديث.
وقال أبو العباس السراج: سمعت أبا يحيى يقول: كان ابن المدينى إذا قدم بغداد تصدر، وجاء يحيى وأحمد بن حنبل والمعيطى والناس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شئ تكلم فيه على.

قال الذهبي: قلت: قد كان ابن المدينى خوافا متاقيا في مسألة القرآن مع أنه كان حريصا على إظهار الخير، فقد قال أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه: سمعت يحيى بن معين يقول: كان على بن المدينى إذا قدم علينا أظهر السنة وإذا ورد إلى البصرة أظهر التشيع.

قلت: كان يظهر ذلك بالبصرة ليؤلفهم على حب على رضى الله عنه، فإنهم عثمانية.
وروى أبو عبيد، عن أبي داود، قال: ابن المدينى أعلم من أحمد باختلاف الحديث.
وقال صالح جزرة: أعلم من أدركت بالحديث وعلله على بن المدينى.


وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المدينى، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد، لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال.

أفما لك عقل يا عقيلي !
أتدرى فيمن تتكلم !
وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم.
كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات.
بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك.
فهذا مما لا يرتاب فيه محدث.
وأنا أشتهى أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه [في] الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا، فإن هذا مقرر على ما ينبغى في علم الحديث. وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا. وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا. وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث، ثم ما كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة أولهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع.

وأما على بن المدينى فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوى، مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه.
وقد أدرك حماد بن زيد، وصنف التصانيف، وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطان، ويقال: لابن المدينى نحو مائتي مصنف.
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت على بن المدينى يقول - قبل موته بشهرين: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
ميزان الاعتدال ج 3 ص 138

فنقول للذهبي:
ما هذا ؟
لماذا كل هذه الحملة الشرسة ضد العقيلي، الذي هو إمام من ائمة الجرح والتعديل ؟
أليس باب الاجتهاد في الجرح والتعديل مفتوحا كما تزعمون ؟
خصوصا مع عدم اتفاق المتقدمين على وثاقة هذا الرجل ؟
ألم تقل ان إبراهيم الحربي قد تركه ؟
وأن مسلما قد امتنع من الرواية عنه ؟
وكذلك ترك أبو زرعة الرواية عنه ؟
ونسب لأحمد ذلك أيضا ؟

فطالما أن العقيلي قد استند على بعض المتقدمين، فلماذا كل هذا أيها الذهبي ؟؟؟
ولماذا "تلمح" للغمز في "عقل" و "عدالة" و "ورع" العقيلي ؟؟؟


والجدير بالذكر ان العقيلي وإن أورد ابن المديني في الضعفاء، إلا انه قال ايضا: وحديث مستقيم... كما نقل الذهبي ذلك، وقد تقدم... فإن قيل ان مجرد ذكره في الضعفاء خطأ، قلنا وقد ذكر الذهبي البخاري شيخ المدثين في كتاب "المغني في الضعفاء".

المورد الخامس عشر:
أحمد بن حنبل لا يرى الكتاب عمن امتحن فأجاب في مسئلة خلق القرآن:
أشرت فيما سبق إلى محنة أحمد بن حنبل في مسئلة خلق القرآن، فإن المأمون ومن بعده المعتصم وكذلك الواثق كانوا – خلافاً لأهل الحديث – يرون أن القرآن مخلوق، وقد أصروا على إزالة فكرة أن القرآن غير مخلوق (وما أعجبها من فكرة !!!) إلى درجة أنهم لجئوا للعنف من تهديد وتعذيب وضرب الخ، لكل من يصر على أن القرآن غير مخلوق، وقد أجابت الغالبية الكبرى من أهل الحديث "تقيةً" وتصلبت فئة قليلة على رأيها، وممن تصلب: أحمد بن حنبل، فقد ذاق ألوان التعذيب والضرب في سبيل هذه الفكرة العجيبة جدا !!!
وقد تحدث الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محنة أحمد عندما ترجمه...

وعلى إثر ذلك، ترك أحمد بل ونهى عن الرواية عن كل من أجاب تقيةً، وممن أجاب جماعة من أعلام الحديث، ولكن أحدا لم يستجب لأحمد - فيما يبدو – ولو انهم استجابوا لقوله لذهبت جملة كبيرة من السنة النبوية، وسنقرأ تراجم بعض من أجاب في المحنة لنرى مدى صدق هذا الكلام:

1 - يحيى بن معين:
خ م د هو الإمام، الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا، يحيى بن معين ابن عون بن زياد بن بسطام.... أحد الأعلام
روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وهناد بن السري، وعدة من أقرانه، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وعباس الدوري، وأبو بكر الصاغاني، وعبد الخالق بن منصور، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإسحاق الكوسج، وإبراهيم بن عبدالله بن الجنيد،
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن يحيى، فقال: إمام.
وقال النسائي: أبو زكريا أحد الائمة في الحديث ثقة مأمون.
قال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي: يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قال الذهبي: قلت: هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملا بالآية، وهذا هو الحق.
وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 71


وقد قال أحمد بن حنبل: أكره الكتابة عمن أجاب في المحنة، كيحيى، وأبى نصر التمار.
وقد استنكر أيوب بن أبى شيبة ليحيى ذاك الحديث عن حفص بن غياث، وإنما ذكرته عبرة ليعلم أن ليس كل كلام وقع في حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه.
ويحيى فقد قفز القنطرة، بل قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي. رحمه الله.
ميزان الاعتدال ج 4 ص 410

2 - أبو معمر الهذلي:
خ م د الإمام، الحافظ الكبير الثبت، أبو معمر، إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي الهروي، ثم البغدادي القطيعي. كان ينزل القطيعة.
حدث عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وصالح بن محمد جزرة، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، ومحمد بن عبدالرحيم صاعقة، وأبو يعلى الموصلي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وخلق سواهم.
ذكره محمد بن سعد في " طبقاته " فقال: ثقة ثبت، صاحب سنة وفضل.
قال عبيد بن شريك البزار: كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إنها سنية.
قال: فأخذ في محنة القرآن، فأجاب. فلما خرج، قال: كفرنا وخرجنا.
وروى سعيد بن عمرو البرذعي عن أبي زرعة، قال: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولاعن أحد ممن امتحن فأجاب.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 69

3 – سعدويه:
ع سعيد بن سليمان، الحافظ الثبت الإمام، أبو عثمان، الضبي الواسطي البزاز، الملقب بسعدويه.
سكن بغداد، ونشر بها العلم، ولد سنة بضع وعشرين ومئة...
وعنه: البخاري، وأبو داود، ومحمد بن يحيى الذهلي، وهلال ابن العلاء، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وصالح بن محمد جزرة، وعثمان بن خرزاذ، وخلف بن عمر العكبري، وأحمد بن يحيى الحلواني، وآخرون كثيرون.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون، لعله أوثق من عفان.
وأما أحمد بن حنبل، فكان يغض منه، ولا يرى الكتابة [ عنه ]، لكونه أجاب في المحنة تقية، ويقول: صاحب تصحيف ما شئت.
قال صالح جزرة: سمعت سعيد بن سليمان - وقيل له: لم لا تقول: حدثنا ؟ - فقال: كل شئ حدثتكم، فقد سمعته، ما دلست حديثا قط، ليتني أحدث بما قد سمعت، وسمعته يقول: حججت ستين حجة.
وقال أبو بكر الخطيب: كان سعدويه من أهل السنة، وأجاب في المحنة.
قال أحمد بن عبدالله العجلي: قيل لسعدويه بعد ما انصرف من المحنة: ما فعلتم ؟
قال: كفرنا ورجعنا.
قال محمد بن سعد: كان سعدويه كثير الحديث، ثقة، نزل بغداد، وتجر بها، وتوفي بها في رابع ذي الحجة، سنة خمس وعشرين ومئتين.
وقيل: إن سعدويه عاش مئة سنة.
سير أعلام النبلاء ج 10 ص 481




تابع لما قبله: ابن حنبل ومن أجاب في المحنة

4 - أبو نصر التمار:
م س عبدالملك بن عبد العزيز بن عبدالملك بن ذكوان بن يزيد... الإمام، الثقة، الزاهد، القدوة، القشيري مولاهم النسوي الدقيقي التمار، نزيل بغداد.
مولده عام مقتل أبي مسلم الخراساني.
وعنه: مسلم، وأحمد بن منيع، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر الصغاني، وأحمد بن زهير، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن علي القاضي وهو المروزي، وإسماعيل سمويه، وعثمان بن خرزاذ، وأبو القاسم البغوي، وابن شبيب المعمري، وخلق سواهم.
وثقه أبو داود والنسائي.
وقال أبو حاتم: ثقة، يعد من الابدال.
قال محمد بن سعد: أبو نصر من أبناء خراسان من أهل نسا، ذكر أنه ولد بعد قتل أبي مسلم الداعية بستة أشهر - قلت: قتل سنة سبع وثلاثين ومئة - قال: ونزل بغداد في ربض أبي العباس الطوسي في درب النسائية، وتجربها في التمر وغيره، وكان ثقة فاضلا خيرا ورعا.
توفي ببغداد في أول المحرم سنة ثمان وعشرين ومئتين، ودفن بباب حرب وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان بصره قد ذهب.
وكذلك أرخه البغوي وغيره.
قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا ابن معين، ولا ممن امتحن، فأجاب.
وقال أبو الحسن الميموني: صح عندي أنه - يعني أحمد - لم يحضر أبا نصر التمار حين مات، فحسبت أن ذلك لما كان أجاب في المحنة.
قلت: أجاب تقية وخوفا من النكال، وهو ثقة بحاله ولله الحمد.
سير أعلام النبلاء ج 10 ص 571

5 - أبو كريب:
ع محمد بن العلاء بن كريب، الحافظ، الثقة، الإمام، شيخ المحدثين، أبو كريب الهمداني الكوفي.
ولد سنة إحدى وستين ومئة....
وعنه: الجماعة الستة، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وعثمان بن خرزاذ، وموسى بن إسحاق، وعبد الله بن أحمد....
قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لو حدثت عمن أجاب في المحنة، لحدثت عن اثنين: أبو معمر، وأبو كريب، أما أبو معمر، فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته وامتحانه، ويحسن أمر من لم يجب. وأما أبو كريب، فأجري عليه ديناران، وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري عليه لذلك.
قال الحسن بن سفيان: قال محمد بن عبدالله بن نمير: ما بالعراق أكثر حديثا من أبي كريب، ولا أعرف بحديث بلدنا منه.
وثقه النسائي وغيره.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف: ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق أحفظ من أبي كريب.
وقال موسى بن إسحاق: سمعت من أبي كريب مئة ألف حديث.
وقال إبراهيم بن أبي طالب: قال لي محمد بن يحيى الذهلي: من أحفظ من رأيت بالعراق ؟
قلت: لم أر بعد أحمد بن حنبل أحفظ من أبي كريب.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت ابن عقدة يقدم أبا كريب في الحفظ والكثرة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لابي كريب بالكوفة ثلاث مئة ألف حديث.
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 394




خاتمة:
قد تبين مما تقدم ان علماء الجرح والتعديل يضعفون أو يتركون روايات من لا يستحق الترك، وذلك لأن التضعيف إنما نشأ بسبب عداوة شخصية أو اختلاف مشروع في الرأي وباب الاجتهاد مفتوح، وهذا ينتج عندنا الريبة في مصداقية هؤلاء العلماء، وقد أخذنا صورة توضح مدى التعصب والتناحر والتذابح الواقع بين أعلام أهل السنة، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين

قاسم 20 جمادى الثاني 1425 هـ