المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول الجلي في صحة رواية أبي بلج في مناقب علي



التلميذ
05-27-2010, 05:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف البرية أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم إلى قيام يوم الدّين، وبعد:
فهذه رسالة حررتها للردّ على من زعم أن رواية أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس الآتية ضعيفة سنداً أو منكرة متناً، وأسميتها (القول الجلي في صحة رواية أبي بلج في مناقب علي)، ونص الرّواية في مسند أحمد بن حنبل هو:
( حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بلج، حدثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالسٌ إلى ابن عباس إذا أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس أمّا أن تقوم معنا وإمّا أن تخلونا هؤلاء، قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم، قال وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال فابتدؤا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا، قال فجاء ينفض ثوبه ويقول أف وتف وقعوا في رجل له عشرٌ، وقعوا في رجل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً يحب الله ورسوله قال فاستشرف لها من استشرف، قال أين علي؟ قالوا هو في الرحل يطحن، قال وما كان أحدكم ليطحن، قال فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر قال فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي، قال ثم بعث فلاناً بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها منه، قال لا يذهب بها إلاّ رجل مني وأنا منه، قال وقال لبني عمه أيكم يواليني في الدنيا والآخرة، قال وعلي معه جالسٌ فأبوا، فقال علي أنا أواليك في الدنيا والآخرة، قال أنت وليي في الدنيا والآخرة قال فتركه ثم أقبل على رجل منهم فقال أيكم يواليني في الدنيا والآخرة فأبوا قال فقال علي أنا أواليك في الدنيا والآخرة فقال أنت وليي في الدنيا والآخرة، قال وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، قال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قال وشري على نفسه لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه قال وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر وعلي نائمٌ قال وأبو بكر يحسب أنه نبي الله قال فقال يا نبي الله قال فقال له علي ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار قال وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله وهو يتضور قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا انك للئيمٌ كان صاحبك نراميه فلا يتضور وأنت تتضور وقد استنكرنا ذلك قال وخرج بالناس في غزوة تبوك قال فقال له علي أخرج معك قال فقال له نبي الله لا فبكى علي فقال له أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى الا أنك لست بنبي انه لا ينبغي أن أذهب الا وأنت خليفتي قال وقال له رسول الله أنت وليي في كل مؤمن بعدي وقال سدوا أبواب المسجد غير باب علي فقال فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريقٌ غيره قال وقال من كنت مولاه فإن مولاه علي قال وأخبرنا الله عز وجل في القرآن انه قد رضي عنهم عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم هل حدثنا انه سخط عليهم بعد قال وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال ائذن لي فلأضرب عنقه قال أو كنت فاعلا وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم) فالرّد عليهم يكون في نقطتين رئيسيتين:

الأولى : في إثبات صحة سند الرواية .
الثانية: في مناقشة ما ادّعوا أنّه مكذوب أومنكر من متن الرّواية .
فأقول متوكلاً على الله ومستعيناً به :

لقد زعم بعض علماء السنيين أنّ الرّواية المذكورة ضعيفة من ناحية السند، وأعلّها بعضهم بالانقطاع في السند فزعم أنها موقوفة على عمرو بن ميمون، وأعلّها بعضهم بوجود أبي بلج في سندها، وهو مجروح .

أمّا من أعلّها بالانقطاع في السند، وزعم أنّها موقوفة على عمرو بن ميمون فابن تيمية، فقال في كتابه منهاج السنة 5/34 وهو يرد على ابن المطهر الحلي رحمه الله حول استشهاده بالرواية المذكورة : ( أن هذا ليس مسنداً، بل هو مرسل لو ثبت عن عمرو بن ميمون ) .

قلت : إنّ جميع من روى هذه الرواية من أصحاب كتب الحديث رواها بسنده عن عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس، فالرواية متصلة السند إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عبّاس رضوان الله تعالى عليه .

وأما من أعلها بوجود أبي بلج في سندها، فنذكر منهم :

قال مقبل بن هادي الوادعي معلقاً على قول الحاكم في حكمه على الرّواية : ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة) ، قال مقبل الوادعي: ( لا، أبو بلج يحيى بن سليم ويقال: ابن أبي سليم مختلف فيه، والراجح ضعفه، إذ الجرح فيه مفسّر، قال البخاري: فيه نظر، وهي من أردى عبارات التجريح عند البخاري )
( مستدرك الحاكم 3/155 رواية رقم: 4715، الطبعة المتضمنة انتقادات الذهبي وبذيله تتبع أوهام الحاكم لمقبل بن هادي الوادعي ، طبعة دار الحرمين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى: 1417هـ - 1997م ) .

وقال محققا المجلد الرابع من مسند أحمد بن حنبل وهما الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وهما بصدد الحكم على الرّواية : ( إسناده ضعيف بهذه السياقة، أبو بلج واسمه يحيى بن سليم ، أو ابن أبي سليم وإن وثقه غير واحد، قال البخاري : فيه نظر، وأعدل الأقوال فيه أن يقبل حديثه فيما لا ينفرد به كما قال ابن حبّان في المجروحين وفي متن حديثه هذا ألفاظ منكرة، بل باطلة لمنافاتها ما في الصحيح، ولبعضه الآخر شواهد ... )
( مسند أحمد 5/181، والرواية برقم: 3061، طبعة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1416هـ - 1995م من تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ) .

وقال محقق كتاب خصائص علي الداني بن منير آل زهوي أبو عبد الله السلفي معلقاً على الرواية : ( إسناده ضعيف، والحديث لا يصح من هذا الوجه، علة الإسناد؛ يحيى بن أبي سليم، أبو بلج الفزاري، وثقه ابن معين والدار قطني، وقال البخاري: «فيه نظر» ، وقال أحمد : «روى حديثاً منكراً» وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: «يخطىء» وقال في المجروحين: 3/113 : «كان ممن يخطئ، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا أتى منه ما لا ينفك البشر عنه فيسلك به مسلك العدول، فأرى أن لا يحتج بما انفرد به من الرواية، وهو ممن أستخير الله فيه » .
قلت: وهذا مما انفرد به.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : «هو صالح، لا بأس به».
ونقل أبو أحمد الحاكم في «الأسامي والكنى» 2/352/886 عن أحمد أنّه ضعفه .
وقال الحافظ في «التقريب » 8003 : «صدوق ربما أخطأ» ...)
( خصائص علي صفحة 36 الرواية رقم: 24 ، طبعة المكتبة العصرية بصيدا، بيروت ، تحقيق الداني بن منير آل زهوي ) .

وقال محقق كتاب السنة لابن أبي عاصم الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعه محمد بن سعود الإسلامية بالرّياض: ( إسناده ضعيف بهذا السياق، فيه يحيى بن سليم، وثقه غير واحد، وقال البخاري : فيه نظر، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/34- 36 بعد أن ذكر الحديث : وفيه ألفاظ هي كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... انظر منهاج السنة )
( انظر تعليقه هذا في هامش الصفحة 902 المجلد الثاني ، رواية رقم: 1386 من كتاب السنة لابن أبي عاصم من تحقيقه) .

فيتلخص من كل ما نقلناه من أقول هؤلاء المضعفين لسند الرواية الآتي :
أن البعض اعتمد في تضعيف الرّواية على ما ورد من جرح من بعض العلماء في أبي بلج يحيى بن سليم، فذكروا أن البخاري قال عنه: (فيه نظر) ، وأن ابن حبّان قال عنه بأنه يخطي وأنه ممن لا يحتج بخبره إذا انفرد به ، وزعم بعضهم أن أحمد بن حنبل ضعفه، وأنّه قال عنه : ( روى حديثاً منكراً ) .

فنقول في الرّد عليهم :

أولاً : إن أبا بلج وهو يحيى بن سليم أو أبي سليم، ويقال : يحيى بن أبي الأسود الفزاري، وثقه ابن معين، والدار قطني، والنسائي، وابن سعد، وقال أبو حاتم : (لا بأس به ) ومثل قوله فيه قاله يعقوب بن سفيان الفسوي، وقالوا عنه : ( كان يذكر الله كثيراً ) ، وروى عنه شبعة بن الحجاج، فهو ثقة عنده، لأن شعبة لا يروي عن أحد إلاّ إذا كان ثقة عنده .

ثانياً : أما عن قول البخاري فيه (فيه نظر) ، فنقول في دحضه :
1- إن هذا القول لم يصح صدوره عن البخاري في أبي بلج، فإنّه ترجم له في كتابه التاريخ الكبير ولم يورد فيه جرحاً، ولم يترجمه في التاريخ الصغير، ولم يذكره في كتابه الضعفاء، فأين قال فيه: (فيه نظر)؟ ولا يوجد في كتاب آخر لغيره بسند صحيح متصل إلى البخاري يصح به نسبة هذا القول له، فيكون هذا القول المنسوب للبخاري كعدمه لا يؤثر في وثاقة الرجل بشيء.
2- لو سلّمنا أن البخاري قال عنه: (فيه نظر) فهذه العبارة قد اختلف فيها علماء السنيين وهل هي من الجرح المفسّر أم لا ؟ فهذا الشيخ محمد بن ناصر الألباني يقول وهو بصدد الحديث عن الراوي قيس أبي عمارة : ( وملت إلى توثيق ابن حبّان إياه، لأن قول البخاري المتقدم: فيه نظر جرح غير مفسّر ) ( سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/379 برقم: 195 )، وأمّا مقبل الوادعي فقد مرّ عليك أنه اعتبرها جرحاً مفسّرا.
3- لو سلّمنا بصدور هذه العبارة من البخاري وبأنها جرح مفسّر؛ فقد اختلف علماؤهم أيضاً في هذه العبارة وهل هي من نوع الجرح الشديد أم من الخفيف، قال الشيخ حاتم العوني في كتابه (المرسل الخفي) (1/440) : ( وأنبه هنا: أن قول البخاري (فيه نظر ) إن كان المقصود به الراوي، فهي تليين خفيف،وليست تلييناً شديداً كما ادعاه بعض الأئمة المتأخرين كالذهبي وابن كثير وغيرهما، وقد رد على هذا الفهم الخاطئ لتلك العبارة في صدورها من الإمام البخاري الأستاذمسفر بن عزم الله الدميني في دراسة موازنة، جمع فيها المواطن التي أطلق فيهاالبخاري تلك العبارة، ووازنها بأقوال العلماء غيره في الذين قيلت فيهم، فخرج بأنمن قيل فيه إنه ( فيه نظر ) فإنه تليين خفيف الضعف، وأن البخاري في إطلاق هذه العبارة مثل غيره من الأئمة، لا كما زعم من أن له اصطلاحاً خاصاً به في إطلاقها.
ولم أطلع على هذه الدراسة الموازنة التي قام بها الأستاذ الدميني وفقه الله، لكنهذكر القيام بها ولخص نتائجها في دراسة أخرى له، عمن قال فيه البخاري (سكتوا عنه) وذلك في رسالة أسماها ( قول البخاري : سكتوا عنه) انتهى .

وعليهما – أي على ما أوردناه في 1 و 2 – فإن هذا الجرح من البخاري لأبي بلج – على فرض صحة صدوره منه – لا ينزل برتبة حديثه عن رتبة الحديث الحسن المحتج به، نعم قد يقول قائل إن الاحتياط يقتضي أن تأخذ بأشد الأقوال في تفسير هذا الجرح بأن تعتبره جرحاً مفسراً وشديداً ، فنقول في جوابه: إنّ توثيق من وثقه من علماء الجرح والتعديل وجلهم من أساطين رجال الجرح والتعديل يجعلنا نعرض عن الأخذ بأشد الأقوال إلى الأخذ بأخفّها، هذا كلّه على فرض صحة صدور هذه العبارة من البخاري في حق أبي بلج، ومع عدم ثبوتها فإن حديثه من رتبة الحديث الصحيح لا الحسن، نعم قد يقول قائل كيف تجعل حديثه من رتبة الحديث الصحيح في حال عدم صحة ما نسب إلى البخاري من قول فيه وقد جرحه وليّنه غيره، قلت في جوابه أننا نقول أنّ حديثه من هذه الرتبة في حال عدم وجود جرح آخر فيه، أمّا مع وجوده فلا بد من النظر في هذا الجرح هل هو جرح معتبر أم لا، وهل هو جرح ينزل برتبة حديثه عن الصحيح إلى الحسن أو الضيعف أم لا، وهذا ما سيتضح من خلال ما نورده في النقاط التالية .

وأمّا جرح ابن حبّان فلا يعوّل عليه أيضاً، لأنّه متعنت في الجرح، والمتعنت في الجرح لا يقبلون جرحه ما لم يوافقه عليه أحد، يقول أبو الحسنات : ( ومنها: - أي من موارد ردّ الجرح وعدم قبوله - أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين فان هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب فيجرحون الراوي بأدنى جرح ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أولي الألباب فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر وجرحه لا يعتبر إلاّ إذا وافقه غيره ممن ينصف ويعتبر، فمنهم أبو حاتم والنسائي وابن معين وابن القطان ويحيى القطان وابن حبان وغيرهم فإنهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليتثبت العاقل في الرواة الذين تفردوا بجرحهم وليتفكر فيه) ( الرفع والتكميل في الجرح والتعديل صفحة 117- 118 ) .

وهذا الجرح من ابن حبّان لم يوافقه عليه أحد، فالبخاري لم يثبت جرحه، وما نسب إلى أحمد من جرح لم يثبت كما سيأتي ، إضافة إلى ذلك فأنّه وثقه جماعة من المتعنتين، منهم النسائي وابن معين وأبو حاتم، فلكل ذلك يرد جرح ابن حبّان له، ويبقى الرجل ثقة، ولهذا نجد أن الشيخ أحمد محمد شاكر – ومع إطلاعة على جرح ابن حبّان – لم يجعل له أدنى اعتبار ، وقال عن أبي بلج أنه ( ثقة) ( انظر مسند أحمد المجلد الثالث هامش صفحة 331 طبعة دار الحديث، القاهرة ، والمجلد المذكور من تحقيق وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر ) .

وعلماء أهل السنة أنفسهم لم يقبلوا جرح ابن حبّان لبعض الرواة، فهذا الذهبي يقول في ميزان الاعتدال : ( أفلح بن سعيد م س المدني القبائي صدوق روى عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ومحمد بن كعب وعنه ابن المبارك والعقدي وعدة وثقة ابن معين وقال أبو حاتم صالح الحديث، وقال ابن حبان يروي عن الثقات الموضوعات لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحال.
قلت: ابن حبان ربما قصب الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه ) ( ميزان الاعتدال 1/441) .

وقال الذهبي في الميزان أيضاً بترجمة محمد بن الفضل : (محمد بن الفضل ع السدوسي أبو النعمان عارم شيخ البخاري، حافظ صدوق مكثر ، روى عن الحمادين وجرير بن حازم ومحمد بن راشد وعنه أحمد والبخاري وأبو زرعة وخلق، قال ابن وارة حدثنا عارم الصدوق الأمين، وقال أبو حاتم إذا حدثك عارم فاختم عليه، عارم لا يتأخر عن عفان وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه، وقال أبو حاتم أيضا اختلط عارم في آخر عمره وزال عقله فمن سمع منه قبل العشرين ومائتين فسماعه جيد، ولقيه أبو زرعة سنة اثنتين وعشرين، وقال البخاري تغير عارم في آخر عمره، وقال أبو داود بلغني أن عارما أنكر سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم راجعه عقله ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين، وقال الدارقطني تغير بآخره وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة .

قلت: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور في عارم فقال اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به فوقع في حديثه المناكير الكثيرة فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل ولا يحتج بشيء منها .
قلت: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثا منكرا فأين ما زعم ... ) ( ميزان الاعتدال 6/298) .

وقد قدح في ابن حبّان أهل سجستان لخلل في دينه وأخرجوه منها، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ 3/921 في ترجمته : ( وقال أبو إسماعيل الهروي سألت يحيى بن عمار عنه فقال نحن اخرجناه من سجستان كان له علم ولم يكن له كبير دين ) .




أما عن جرح أحمد بن حنبل له، فإنهم نقلوا أنّ أحمد بن حنبل قال عن أبي بلج أنّه روى حديثاً منكراً ، وأن أحمد أنكر عليه أحاديث ومن جملتها حديث طويل في مناقب علي، وذكر أبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى أنّ أحمد ضعّف أبا بلج.
فأما تضعيف أحمد لأبي بلج بكلمة أو عبارة دالة على الجرح فلم أهتدي إليه، بل أجزم بأنّه ليس موجوداً في مصدر من المصادر ، إذ لو كان موجوداً لذكره بلفظه من ترجم لأبي بلج أو بعضهم، وأمّا إن كان أبو أحمد الحاكم يريد من التضعيف ما نسب لأحمد من قول أن أبا بلج روى حديثاً منكر أو أحاديث منكرة فأقول :
1- إني لم أجد إنكار أحمد هذا في كتاب من كتبه، ولا في سند صحيح متصل - حسبب تتبعي- فأين قال أحمد هذا وأين السند إليه، وهل هو صحيح أم لا؟، إذ لا بد من قبول جرح الجارح أن يكون ثابتاً عنه، يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي: ( ... إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا؟ ) ( التنكيل 1/62 ) .
ويقول الشيخ إبراهيم بن عبد الله اللاحم: ( النقل عن أئمة النقد في الرواة لا يختلف عن أي منقول عن غيرهم، في ضرورة ثبوته عمن نقل عنه، وإلاّ لم يصح بناء حكم عليه، وبادئ ذي بدء لابد من التسليم بوجود أقوال ونصوص نسبت إلى أئمة النقل وبعد التمحيص تبين عدم ثبوتها وأن الأمر لا يخلو من لبس وقد واجه ذلك أئمة النقد أنفسهم، فجاء عنهم نفي شيء مما نسب إليهم أو بيان الصواب فيما نقل عنهم ) ( الجرح والتعديل صفحة 108 ) .
وقال : ( فيشترط في النقل صحة الإسناد، باتصاله، وثقة رواته، وسلامته من الشذوذ والعلل، ولست مبالغا في ذلك، فالنقل لنقد الراوي خبر كسائر الأخبار، لابد فيه من هذه الشروط ) (الجرح والتعديل صفحة 312 ) .
إذاً لا بدّ للأخذ بحكم أحمد هذا والتعويل عليه من التثبت من صحة صدوره عنه، ولم يثبت ذلك عنه .
2- إن أحمد بن حنبل يطلق المنكر على الحديث الفرد، الذي يتفرد به الراوي ولم يكن له متابعاً عليه، وليس هذا عنده طعناً في الراوي وجرحاً فيه، يقول ابن حجر ، وهو يتحدث عن الراوي محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : ( ...محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي من صغار التابعين، مدني مشهور وثقه ابن معين والجمهور وذكره العقيلي في الضعفاء وروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول وذكره في حديثه شيء يروي أحاديث مناكير .قلت: - القائل ابن حجر - المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له ... ) ( مقدمة فتح الباري صفحة 437 ) .
3- إنّ أحمد بن حنبل أخرج هذه الرواية في مسنده ( مسند أحمد 3/331 رواية رقم: 3062 تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر و حمزة الزين ) ، فلو كانت هذه الرواية من المنكرات عنده لما أخرجها في مسنده، وليست هي من زيادات ابنه عبد الله بل من روايته هو.
4- لقد أثر عن أحمد بن حنبل أنّه يرى اعتبار وحجية روايات مسنده، فهو يقول عن كتابه المسند : ( إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً ، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن كان فيه وإلاّ فليس بحجة) ( من له رواية في مسند أحمد صفحة 9) .
وفي كتاب النكت على مقدمة ابن الصلاح صفحة 351: ( وذكر الحافظ أبو موسى المديني في كتاب فضائل مسند أحمد أنّ عبد الله سأل أباه عن هذا المسند، فقال جعلته أصلاً للإسلام يرجعون إليه فما ليس فيه فليس بصحيح ) .
وكلامه هذا صريح في أنّه يرى حجية وصحة روايات مسنده.
والخلاصة: أن جرح البخاري لم يثبت وقول أحمد بن حنبل في أبي بلج لم يثبت عنه أيضاً، ولو ثبت فلا يعتد به لأن أحمد لا يريد به إلاّ تفرد الراوي بالرواية وعدم وجود المتابع له عليها، وأثبتنا أنّ جرح ابن حبّان غير معتبر، فيكون أبو بلج سليماً من الجرح، وثقة لتوثيق عدد من أساطين علماء الجرح والتعديل عند أهل السنة له، بل بعضهم من المتعنتين المتشددين، وحينها لا يبقى أيُّ اعتبار لقول ابن حجر عن أبي بلج بأنّه صدوق يخطىء ، بل هو ثقة كما قال الشيخ أحمد محمد شاكر .
وحتى نكون موضوعيين ومنصفين أيضاً ، فنقول إن أبا بلج مجروح أيضاً من قبل رجل آخر من علماء أهل السنة وهو الجوزجاني ، فإنّه قال عنه في كتابه صفحة 117 : ( ليس بثقة ) .
لكن العجيب أنني وجدت في نسختي من كتاب تهذيب التهذيب في ترجمة أبي بلج ما نصّه : ( ... وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وأبو الفتح الأزدي : كان ثقة ... ) ( تهذيب التهذيب 6/316- 317 ) ، وهذا واضح في أن الجوزجاني قد حكم بوثاقة أبي بلج، كما ويفيد هذا النص أن أبا الفتح الأزدي من جملة من وثق أبا بلج ... إذا علمت هذا، فنقول: سلمنا أن ما في تهذيب التهذيب اشتباه من مؤلفه أو الناسخ أو الطابع وأن جرح الجوزجاني ثابت لأبي بلج لوجوده في كتابه أحوال الرجال، لكن نقول أيضاً أن جرح الجوزجاني غير معتد به وذلك لأنّه مشهور بالنصب فهو يتحامل على أهل الكوفة لاشتهارهم بالتشيّع لأهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فهذا ابن حجر يقول في لسان الميزان : (وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة، سببها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب. وذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة. حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث وأركان الرواية...) ( لسان الميزان 1/16) .
وكل من نقلنا أقوالهم من علماء السنيين فيما سبق ممن ضعفوا الرواية بأبي بلج لم يذكروا جرح الجوزجاني له ، فالظاهر أن ذلك لعلمهم أنّ جرحه لمثل أبي بلج لا يساوي فلسا، وما أظن أنهم جميهم لم يطّلعوا على جرحه .
ثم أقول أيضاً : ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب 6/316 أن ابن عبد البر وابن الجوزي نقلا أنّ ابن معين ضعّف أبا بلج، ونقول في الرّد على ذلك :
1- أنّه مرّ عليك أن ابن معين قد وثق أبا بلج ، وتوثيقه له ثابت رواه مسنداً ابن عدي في الجرح والتعديل 9/153 .
2- لم يثبت ما نسبه ابن عبد البر وابن الجوزي إلى ابن معين من تضعيف لأبي بلج بسند صحيح عنه، فلا يعتد بهذا الجرح .
3- على فرض صحة صدور هذا التضعيف من ابن معين لأبي بلج مع صحة صدور التوثيق منه له، فإنّه لا يريد به أنّه ممن يرد حديثه، وإنّما هو ضعيف نسبة إلى راو آخر سئل عنه ابن معين، لا أنه ضعيف بمفرده ، قال ابن حجر : ( وقد وثقه – أي أبا بلج – يحيى بن معين والنسائي ومحمد بن سعد والدار قطني، ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنّه ضعفه، فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمّن فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبّه عليها أبو الوليد الباجي في كتابه رجال البخاري ) ( الرفع والتكميل في الجرح والتعديل صفحة 114 نقلاً عن بذل الماعون لابن حجر ) .
فجرح ابن معين له لم يثبت عنه، وإن ثبت فهو غير قادح في وثاقته لأن تضعيف نسبي.


ولقد اعتبر الشيخ أبو إسحاق الحويني الأثري أنّ جرح البخاري لأبي بلج ليس له مبرراً، واحتمل أن جرح من جرحه إنّما كان بسبب روايته لرواية أنكروها عليه، فقال الشيخ الأثري : ( ... وأما البخاري فقال فيه نظر، وهذا جرح شديد لا أرى له مسوّغاً إلاّ أن يكون قاله لكونه روى حديثاً عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عمرو: «ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد» فإنهم أنكروا على أبي بلج أن يحدّث بهذا .
وهذا الحديث أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ 2/103 من طريق شعبة عن أبي بلج ثم روى بإسناده عن ثابت قال : «سألت الحسن عن هذا الحديث فأنكره» ، وقال الذهبي في الميزان: «وهذا الخبر من بلاياه»، فالظاهر أنّ من جرحه إنّما كان لهذا الخبر، وهذا لا يقتضي – إن صحّ الاحتمال – ردّ جميع مروياته وإنّما ما علم أنّه خالف فيه، أو نحو ذلك، والله أعلم ) ( خصائص علي صفحة 45 بتحقيق الشيخ المذكور ) .

قلت: لقد روى الرّواية التي احتمل الشيخ أبو إسحاق الحويني الأثري أنها السبب في جرح من جرح أبا بلج البزار في مسنده 6/442 فقال : ( أخبرنا محمد بن بشير، قال: أخبرنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : يأتي على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، يعني من الموحدين ).
ولا أعلم أين تكمن النكارة في هذه الرواية عند هؤلاء العلماء حتى تكون سبباً لجرح أبي بلج، فمعناها صحيح عندهم فهم يقولون أنّه لا يخلد في جهنم موحد، فأصحاب المعاصي من أهل التوحيد فإنهم وإن دخلوا جهنم لا يخلدون فيها وإنما يخرجون منها إمّا بالشفاعة والعفو أو بانقضاء مدة العقاب، فهذه الرواية تشير إلى الفترة مما بعد خروج آخر إنسان من جهنم من غير الخالدين فيها وبعدها لا يُدخل فيها أحدٌ ولا يُخرج منها أحد، فالرواية عندهم بهذا التوجيه لا نكارة فيها أبداً وبتاتاً، فمن جعلها مستنداً في جرح أبي بلج فهو مخطىء .
ثم إنه – على فرض أنها رواية منكرة – فلماذا ترمى تبعتها على أبي بلج وقد وقع في سندها غيره من الرواة كشعبة بن الحجاج وعمرو بن ميمون وعبد الله بن عمرو بن العاص؟ لماذا لا ترمى تبعتها على شعبة مثلاً أو عمرو بن ميمون أو عبد الله بن عمرو بن العاص أو غيرهم ممن وقع في سند الرواية ؟
هل هؤلاء معصومون لا يخطئون ولا يشتبهون ولا يسهون ولا ينسون ولا ... ولا ... أم ماذا؟

ثم إنّ هناك زعماً آخر زعمه عبد الغني المصري وهو: أنّ أبا بلج أخطأ في اسم عمرو بن ميمون فهو لم يرو هذه الرواية عن عمرو بن ميمون وإنّما رواها عن ميمون أبي عبد الله ، فقال ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي : ( وذكر عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ أنّ أبا بلج أخطأ في اسم عمرو بن ميمون هذا، وليس هو بعمرو بن ميمون المشهور وإنّما هو ميمون أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سمرة وهو ضعيف وليس هذا ببعيد ) .
قلت : وهذا مجرّد إدّعاء فياسبحان الله !! ألا ترون كيف أنّ بعضهم يحاول أن يطعن في روايات فضائل الإمام علي عليه السلام بدون حجة ولا برهان ، فنعوذ بالله من هذا النصب الخفي الذي يودي بصاحبه إلى هذه المهالك، فأبو بلج معروف بالرواية عن عمرو بن ميمون، ولم أجد رواية واحدة – حسب تتبعي - لأبي بلج عن ميمون أبي عبد الله .
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات فأصحابها أدعياء
ثم إنّه قد صحح لأبي بلج جماعة من العلماء ، منهم الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحن والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة فهو ثقة عندهما أيضاً.
أما من صحح الرواية المذكورة فالحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 3/143 رواية رقم: 4652، فقال بعد روايته لها : ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي على تصحيحها في تلخيص المستدرك، وصححها الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 13/26-29 لإخراجه لها في كتابه المذكور وقد التزم فيه بالصحة.
قال محقق كتاب الأحاديث المختارة ابن دهيش في مقدمة التحقيق : ( فالمتكلمون في علوم الحديث يقسمون كتب الحديث على مراتب ويذكرون منها كتب الصحة، أي كتب الأحاديث الصحيحة، وجميع من تكلم في مراتب الكتب ممن جاء بعد الضياء جعل «المختارة» من كتب الصحة ) ( الأحاديث المختارة 1/18 ) .
وصححها الشيخ أحمد محمد شاكر ( أنظر تصحيحه لها في كتاب مسند أحمد 3/331 رواية رقم: 3062 طبعة دار الحديث بالقاهرة من تحقيق الشيخ المذكور وحمزة أحمد الزين) .
وحكم محقق كتاب الشريعة للآجري (الوليد بن محمد بن نبيه سيف الناصر) على متن هذه الرواية بالنكارة (الشريعة للآجري 3/193) ، وأما إسنادها فحكم عليه بأن ظاهره الصحة أو الحسن، فقال : (قلت: ظاهر إسناد هذا الحديث هو الصحة أو الحسن ...) ( الشريعة للآجري 3/195).
وحسن إسنادها محقق كتاب فضائل الصحابة وصي الله بن محمد عبّاس الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ( انظر تحسينه للرواية في كتاب فضائل الصحابة 2/849 رواية رقم: 1168 ) .
وحسّنه أيضاً الشيخ أبو إسحاق الحويني الأثري محقق كتاب فضائل الإمام علي ( إنطر كتاب فضائل الإمام علي هامش صفحة 44 رواية رقم : 23 بتحقيق الشيخ المذكور ) .
والذي نخلص إليه : أن أبا بلج ثقة، وأنّ روايته في رتبة الحديث الصحيح، وقد أصاب من صحح روايته ولم يصب من حسّنها فأبو بلج ثقة وسائر رواتها ثقات فالحكم الصحيح على سندها أنّه صحيح .
وبعد أن انتهينا من الحديث عن إسناد الرّواية جاء الدور للحديث عن متنها، ومناقشة ما وضعه البعض من إشكالات على بعض فترات متنها وما وصفوه منها بأنه منكر أو باطل أو كذب . ..
قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة 5/34 وهو يرد على ابن المطهر الحلي استشهاده بالرواية : (... وفيه ألفاظ هي كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنك لست بنبي لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي» فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته في المدينة غيره، وغزا حنينا والطائف وعلي معه، وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره... ) .
قلت: والظاهر أنّ ما يزعم ابن تيمية أنّه كذب هو قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي : (لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي ) وإلاّ فقوله صلى الله عليه وآله : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنك لست بنبي) مما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مخرج في صحاح أهل السنة.
ثم إن قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: ( لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي ) صدر منه صلى الله عليه وآله عندما كان متوجهاً إلى غزوة تبوك ، وذلك أن عليا عليه السلام خرج إلى الجرف لتوديع النبي صلى الله عليه وآله فبكى أمير المؤمنين عليه السلام لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة، فقد حزّ في نفسه أن يخرج النبي صلى الله عليه وآله إلى غزوة ولا يكون المشارك فيها، أو يخرج النبي صلى الله عليه وآله إلى وجهة ولا يكون رفيقه فيها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقال له أيضاً : (لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي) أي لا ينبغي أن أذهب في وجهتي هذه إلاّ وأنت خليفتي على المدينة، وذلك لأن من جملة من بقي في المدينة وتخلف فيها ولم يخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله لتبوك المنافقون، وهم كثرٌ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلربما علم النبي صلى الله عليه وآله من خلال الوحي أن المنافقين يضمرون المكائد والدسائس للمسلمين في المدينة أثناء غيابه ومن معه من المسلمين عنها، فخلف رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً عليها لإرهاب المنافقين خوفاً على من فيها من المسلمين من مكائدهم ودسائسهم وغوائلهم، لأنه صلوات الله وسلامه عليه لم يجد من بين أصحابه من له أهلية كسر شوكة هؤلاء المنافقين إلاّ عليّاً، فعلي عليه السلام هو القادر على ذلك ولوحده دون معونة أحد، فلذلك خلفه صلى الله عليه وآله على المدينة ولم يخلف معه أحداً من المقاتلين، لأن مجرد وجوده عليه السلام في المدنية يخيف المنافقين ويمنعهم من فعل أي عمل فيه إساءة للمسلمين لما يعرفونه من شدّة سطوته وبأسه، ولذلك لمّا أن علم المنافقون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خلّف عليّاً عليه السلام على المدينة أخذوا يبثون الإشاعات والأكاذيب مدّعين أن النبي صلى الله عليه وآله إنما ترك عليا عليه السلام على المدنية لأنّه كره صحبته، وفي ظني أنهم كانوا يهدفون من ذلك إخلاء المدينة من علي عليه السلام لتحقيق أهدافهم الخبيثة المبيّتة للكيد بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن فيها من أهلها من المسلمين فأشاعوا ذلك ليحفزّوا عليّاً عليه السلام على مطالبة رسول الله صلى الله عليه وآله والإلحاح عليه ليكون من جملة الخارجين معه، أو ليدفعوا النبي صلى الله عليه وآله إلى تكذيبهم باصطحابه عليّاً عليه السلام معه فتخلوا لهم المدينة، وعليه فليس المراد من عبارته صلى الله عليه وآله المذكورة أنه لا ينبغي أن يذهب إلى أي وجهة عن المدينة إلاّ ويكون الخليفة عليها عليّاً كما فهمه ابن تيمية منها، وإنّما حقيقته ما أوضحناه .





قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية 5/35 : ( ... وكذلك قوله وسد الأبواب كلها إلا باب علي فإن هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي مات فيه إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد خوخه إلاّ سدت إلاّ خوخه أبي بكر، ورواه ابن عباس أيضا في الصحيحين ) .

قلت : أمّا زعمه أنّ حديث سدّوا الأبواب إلاّ باب علي عليه السلام موضوع وضعته الشيعة فهو قول عار من البرهان، وزعم يحتاج إثباته إلى دليل، بل هو من جملة افتراءاته وبهته للشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام، فالحديث صحيح له عدّة طرق منها الصحيح والحسن، ومن طرقه طريق أبي بلج فقد أثبتنا أنه طريق صحيح لعدم قدح جرح بعضهم في وثاقة أبي بلج وعدم ثبوت جرح البعض ، وقد أورده - أي حديث سدّوا الأبواب إلاّ باب علي - الكتاني في كتابه نظم المتناثر على أنّه من الأحاديث المتواترة، وقد ذكرت في كتابي ( إتحاف أولي الألباب بصحة حديث سدّ الأبواب) روايته من طريق ثلاثة عشر صحابيّاً، والحديث المتواتر عندهم لا ينظر في سنده، فكيف والحديث صحيح صححه الكثير من علماء أهل السنة، ويكفي في صحته أنّ أحمد بن حنبل قد أخرجه في مسنده من رواية ثلاثة من الصحابة وهم ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، وأكتفي هنا بنقل أقوال بعض علماء أهل السنة ممن صحح الحديث لا كلهم ( ومن أراد الإطلاع على المزيد من أسماء العلماء وأقوالهم في تصحيح هذا الحديث فعليه بمراجعة كتابنا إتحاف أولي الألباب بصحة حديث سدّ الأبواب ) ، فمن جملتهم ابن حجر العسقلاني، فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح : (ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في سد الأبواب إلاّ باب علي رضي الله تعالى عنه، وهو في المسند من رواية الإمام أحمد عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن أسيد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر رضي الله تعالى عنهما، ولقد أوتي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم، زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، ورواته ثقات إلاّ أن هشام بن سعد قد ضعف من قبل حفظه،وأخرج له مسلم فحديثه في رتبة الحسن لا سيمّا مع ما له من الشواهد.
وقد تبين أنه من رواية أحمد لا من رواية ابنه.
وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أورده النسائي في الخصائص بسند صحيح عن أبي إسحاق، عن العلاء بن عرار قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبرني عن علي وعثمان رضي الله عنهما فقال: أما علي رضي الله عنه فلا تسأل عنه أحداً وانظر الى منزلته من الرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سدّ أبوابنا في المسجد وأقر بابه.
والعلاء وثقه ابن معين .
ورواه ابن أبي عاصم من طريق عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق سألت ابن عمر رضي الله عنهما فذكره، وأما حديث سعد بن مالك في ذلك فهو من رواية أحمد أيضاً لا من رواية ابنه وإسناده حسن أيضاً.
وأما ادعاء ابن الجوزي أنهما من وضع الرافضة فكلامه في ذلك دعوى عرية عن البرهان.
وقد أخرج النسائي في خصائص علي رضي الله عنه حديث سعد رضي الله عنه وأخرج فيه أيضاً حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه بإسناد صحيح .
قلت: وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: وسدّ أبواب المسجد غير باب علي رضي الله عنه، قال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره في حديث طويل، وقد أخرج أحمد في مسنده أيضا هذين الحديثين، وكذا أخرجهما الترمذي لكنه قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما بعد أن أخرجه عن محمد بن حميد، عن إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عنه غريب لا نعرفه عن شعبة إلاّ من هذا الوجه، وتعقبه الحافظ الضياء في المختارة بأن الحاكم والطبراني روياه من طريق مسكين ابن بكير عن شعبة وهي أصح من طريق الترمذي، ورواية أحمد هي من طريق أبي عوانة، عن أبي بلج، وأبو بلج وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وقال البخاري فيه نظر(1) انتهى .
والحديث الذي أشار إليه من رواية الحاكم رويناه أيضاً في المجلس الرابع من أمالي أبي جعفر محمد بن عمرو بن البختري، قال: حدثنا أبو الأصبع القرقساني، حدثنا أبو جعفر النفيلي، حدثنا مسكين بن بكير، حدثنا شعبة به.
ويشهد له حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيري وغيرك، رواه الترمذي.
ذلك أن بيت علي رضي الله عنه كان من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فكان يحتاج إلى استطراق المسجد، وشاهد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلاّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن بيته كان في المسجد وهذا مرسل قوي ...) ( النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/462- 470 ) .
وقال في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد : (حديث سدّوا الأبواب إلاّ باب علي ذكره من رواية سعد ومن رواية ابن عمر، [و] قول ابن الجوزي إنه باطل وإنه موضوع دعوى لم يستدل عليها إلاّ بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلاّ عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك إذ فوق كل ذي علم عليم وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان، بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهره له، وهذا الحديث من هذا الباب، هو حديث مشهور له طرق متعددة كل طريق منها على إنفرادها لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها مما يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث، وأما كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلم ليس بينهما معارضة، وقد ذكر البزار في مسنده أن حديث سدّوا كل باب في المسجد إلاّ باب علي جاء من رواية أهل الكوفة، وأهل المدينة يروون إلاّ باب أبي بكر، قال: فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالمراد بها هذا المعنى فذكر حديث أبي سعيد الذي سأذكره بعد، قال على إن روايات أهل الكوفة جاءت من وجوه بأسانيد حسان انتهى.
وها أنا أذكر بقية طرقه ثم أبين كيفية الجمع بينه وبين الذي في الصحيحين، فمن طرقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً في مسند زيد بن أرقم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عون، عن ميمون عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد، قال: فقال يوماً: سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي، قال: فتكلم في ذلك أناس، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته.
ورواه النسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار بندار، عن محمد بن جعفر وهو غندر بهذا الإسناد ، ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وقال صحيح الإسناد، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طريق المسند أيضاً، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق النسائي وأعله بميمون فأخطأ في ذلك خطأً ظاهراً، وميمون وثقة غير واحد وتكلم بعضهم في حفظه، وقد صحح له الترمذي حديثاً غير هذا تفرد به عن زيد بن أرقم، ولم يذكر شيخنا هذه الطريقة وهي على شرطه، وكأنه أغفلها لأن ابن الجوزي لم يوردها من طريق المسند.
ومن طرقه أيضاً ما رواه النسائي في السنن الكبرى عن محمد بن وهب، عن مسكين بن بكير ، وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار من وجه آخر عن مسكين، ورواه الترمذي عن محمد بن حميد، عن إبراهيم بن المختار كلاهما عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب علي.
وروى الإمام أحمد والنسائي أيضاً من طريق أبي عوانة الوضاح، عن أبي بلج يحيى، عن عمرو بن ميمون قال: قال ابن عباس في أثناء حديث: وسدّ أبواب المسجد غير باب علي فكان يدخل المسجد وهو جنب وهو طريقه ليس له طريق غيره.
وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار عن حاتم بن عقيل، عن يحيى بن إسماعيل، وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي نعيم في الحلية قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا أبو شعيب كلاهما عن يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو عوانه به، وأعله بأبي بلج وبيحيى بن عبد الحميد فلم يصب لأن يحيى لم ينفرد به.
وأخرج النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى بمعناه، ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعيد من طريق الحكم بن عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب إلاّ باب علي، فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلاّ باب علي، فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدّها، لم يروه عن الحكم إلاّ معاوية بن ميسرة بن شريح قلت : وهو حفيد القاضي شريح الكندي، قال البخاري في تاريخه: سمع الحكم بن عتيبة ولم يذكر فيه جرحاً وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الطبراني في الكبير: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا ناصح، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمره قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسدّ الأبواب
كلها غير باب علي، فقال العباس: يا رسول الله قدر ما أدخل وحدي وأخرج، قال: ما أمرت بشيء من ذلك، فسدّها كلها غير باب علي وربما مر وهو جنب.
وروى النسائي أيضاً حديث ابن عمر بسند آخر صحيح أورده من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن العلاء بن عرار، قال: قلت لعبد الله بن عمر: أخبرني عن علي وعثمان، فقال: أما علي فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزله من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سدّ أبوابنا في المسجد وأقر بابه، ورجاله رجال الصحيح إلاّ العلاء وهو ثقة، وثقه يحيى بن معين وغيره وعرار أبوه بمهملات.
وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار من طريق عبد الله بن سلمة الأفطمس أحد الضعفاء عن الزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه نحوه وفيه هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار إلى بيت علي إلى جنبه ...الحديث .
فهذه الطرق المتظافرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية وهذه غاية نظر المحدث ... ) (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد صفحة 16-18 ) .
وقال ابن حجر في أجوبته على أحاديث مصابيح السنة: ( وقد ورد من طرق كثيرة صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلاّ باب علي فشق ذلك على بعض الصحابة فأجابهم بعذره في ذلك ) (مشكاة المصابيح 2/554 ) .
وقال في فتح الباري : ( ... منها حديث سعد بن أبي وقاص قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي.
وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقات من الزيادة فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدّها.
وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب علي، وفي رواية وأمر بسدّ الأبواب غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، أخرجهما أحمد والنسائي ورجالهما ثقات.
وعن جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب كلها غير باب علي فربما مر فيه وهو جنب أخرجه الطبراني.
وعن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر، ولقد أعطى علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له وسدّ الأبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، أخرجه أحمد وإسناده حسن.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار –بمهملات- قال: فقلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمان فذكر الحديث وفيه وأما علي فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقر بابه، ورجاله رجال الصحيح إلاّ العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلا ًعن مجموعها ) (فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7/14).
وصححه المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي فقال: ( أخرج أحمد والنسائي بإسناد قوي عن سعد بن أبي وقاص قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي، و قد ورد في الأمر بسدّ الأبواب إلاّ باب علي أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح وقال بعد ذكرها: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها ) (تحفة الأحوذي 10/ 122).
فحكم على رواية سعد بن أبي وقاص للحديث بإسناد أحمد والنسائي أنها قوية السند، وارتضى تصحيح الحافظ ابن حجر.
وصححه أبو عبد الرحمن تركي بن عبد الله الوادعي في تعليقة له في هامش صفحة 332 من كتاب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لابن المغازلي بتحقيقه وهو يرد إدعاء المعلمي وزعمه أن جميع طرق حديث سدّ الأبواب لا تسلم من وهن ، فقال في الرّد عليه : (قلت: بل قد تقدمت رواية أبي بلج برقم 307 وهي حسنة، فحديث سدّ الأبواب إلاّ باب علي بمجموع طرقه يرتقي إلى الصحة ) .
وصححه الشوكاني في الفوائد المجموعة فقال وهو يتكلم عن حديث سدّوا الأبواب إلاّ باب علي : ( ... وبالجملة فالحديث ثابت لا يحل لمسلم أن يحكم ببطلانه، وله طرق كثيرة جداً قد أوردها صاحب اللآلىء، وقد صحح حديث زيد بن أرقم في المستدرك وكذلك الضياء في المختارة وإعلاله بميمون غير صحيح، فقد وثقه غير واحد وصحح له الترمذي وأما حديث ابن عمر فقد رواه أحمد في المسند بإسناد رجاله ثقات وليس فيه هشام ابن سعد والكلام على رد ما قاله ابن الجوزي يطول وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى ) (الفوائد المجموعة صفحة 366 ).
وصححه السيوطي في كتابه «شد الأثواب في سد الأبواب» : فقال: (وأخرج النسائي بسند صحيح ، عن ابن عمر أنه سئِل عن علي فقال : انظرْ إلى منزله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ بابه ) (شد الأثواب في سد الأبواب منسوخ من مخطوطة للكتاب من مخطوطات المدينة المنورة ، تحقيق الدكتور مصطفى عمار منلا رئيس قسم المخطوطات والوثائق بمركز بحوث ودراسات المدينة، والكتاب منشور ضمن مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.
) .
وصححه الكتاني في كتابه نظم المتناثر فقال : ( أما سدّ الأبواب إلاّ باب علي ، فممن رواه سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وجابر بن سمرة، وابن عمر، وعلي، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي... )
وقال : ( ... وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث سدّ باب علي مقتصراً على بعض طرقه وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته وليس ذلك بقادح، وأعله أيضاً بمخالفته للأحاديث الصحيحة في باب أبي بكر وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به حديث أبي بكر في الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ في ذلك خطئاً شنيعاً لرده الأحاديث الصحيحة بتوهم المعارضة مع إمكان الجمع...) .
ثم نقل عن اللئالئ المصنوعة للسيوطي قول ابن حجر في كتابه القول المسدد في الذب عن مسند أحمد في الرّد على دعوى ابن الجوزي وضع الحديث (نظم المتناثر 191- 192 ) .
وصححه البدخشي في كتابه مفتاح النجا في مناقب آل العبا «مخطوط» فقال: (وأخرج أحمد والنسائي بإسناد رجاله ثقات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسدت غير باب علي ، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره) .
وقال البدخشي أيضاً في نفس المصدر: (وأخرج أحمد بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم، زوّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته وولدت له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه، وأعطاه الراية يوم خيبر ) .
وصححه الشيخ عبد الله الهرري الحبشي في كتابه المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية فقال بعد أن نقل كلام ابن تيمية وحكمه على الحديث بالوضع واتهامه الشيعة بوضعه : (قلت: والحديث صحيح ) (المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية صفحة 353).
والحديث صحيح أيضاً عند الضياء المقدسي، فقد أخرجه في كتابه الأحاديث المختارة، وقد التزم فيه بالصحة .
ومن كل ما أوردناه يتبين أن الحديث صحيح، وأن حكم ابن تيمية ومن تابعه عليه بالوضع أو الضعف باطل، وهو نوع معاداة للإمام علي عليه السلام بإنكار ما ثبت له من فضائل ومن مناقب من خلال الروايات الصحيحة .
ويتبيّن من بعض روايات حديث سدّوا الأبواب إلاّ باب علي عليه السلام أن هذا من خصائصه ومن فضائله التي لم يشاركه فيها أحد غيره :
منها ما ورد في الرواية عن ابن عباس أنه قال : (...وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره... ) ثم عدد هذه الفضائل العشر وذكر من جملتها سدّ الأبواب إلاّ بابه، والرواية أخرجها الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين وصحح إسنادها ووافقه على تصحيحها الذهبي في تلخيص المستدرك .
ويؤيد ذلك رواية ابن عمر لمّا أن سئل عن علي عليه السلام وعثمان، فقال عن علي عليه السلام http://www.wahajr.net/hajrvb/images/smilies/frown.gif...انظر إلى منزله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ بابه)، فذكر ابن عمر هذه الفضيلة على أنها مما اختص به علي عليه السلام دون غيره ولم يستثن أبا بكر من الأمر بسدّ الأبواب، ورواية ابن عمر هذه صححها جماعة من العلماء، وقد مرّ عليك تصحيح بعضهم لها .
ويؤيده رواية سعد بن أبي وقاص التي رواها ابن المغازلي من طريق خارجة بن سعد، والتي قال فيها : ( كانت لعلي مناقب لم تكن لأحد ؛ كان يبيت في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، وسدّ الأبواب إلاّ بابه ) ، وهذه مؤيدات تؤيد احتمال اختلاق رواية سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر أو خوخة أبي بكر، بل هي من الموضوعات لمقابلة رواية سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي علي عليه السلام، ووجودها في الصحيح لا يغني من الحق شيئاً .


قال ابن تيمية في منهاج السنة 5/35- 36 : (ومثل قوله أنت وليي في كل مؤمن بعدي فإن هذا منهاج السنة النبوية موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ) .

قلت : زعم ابن تيمية أن قوله : ( أنت وليي في كل مؤمن بعدي ) موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث غير صحيح، بل هو من جملة أكاذيبه ودعاويه الباطلة فإن الكثيرين من حفاظ وعلماء أهل السنة رووا هذا الحديث في مصنفاتهم وصححه الكثيرون منهم، وقد أثبتنا أن رواية أبي بلج التي وردت فيها هذه العبارة صحيحة سنداً ونقلنا أسماء جملة ممن صحح هذه الرواية أو حسّنها وأضيف هنا أسماء جملة من العلماء والحفاظ من أهل السنة ممن أخرجوا هذا الحديث، ثم نلحقه بذكر أسماء جملة من العلماء ممن حكم عليه بالصحة أو الحسن .

أخرجه بلفظ: «وهو ولي كل مؤمن بعدي» أو «وهو ولي كل مؤمن من بعدي» ابن حبان في صحيحه 15/373 برقم : 6929 والترمذي في سننه 5/632 ، والنسائي في السنن الكبرى 5/45 برقم : 8146 و 5/132 برقم : 8474 ، وأحمد بن حنبل في مسنده 4/437 برقم : 19942 وفي فضائل الصحابة 2/605 برقم : 1035 و 2/649 برقم : 1104 ، وأبو يعلى في مسنده 1/293 برقم : 355 ، والطيالسي في مسنده 1/111 برقم : 829 ، والطبراني في المعجم الكبير 18/128 .
ورواه بلفظ «وعلي ولي كل مؤمن بعدي » ابن أبي شيبة في مصنفه 6/372 برقم : 32121 ، وهو في فضائل الصحابة لابن حنبل
ورواه بلفظ «وهو وليكم بعدي» أحمد بن حنبل في مسنده 5/356 برقم : 23062 ، وهو أيضاً في فضائل الصحابة 2/688 برقم : 1175.
ورواه بلفظ «وهذا وليكم بعدي» النسائي في السنن الكبرى 5/133 برقم : 8475.
ورواه بلفظ «وإنه وليكم من بعدي» الطبراني في المعجم الأوسط 6/163 برقم : 6085 .
وغيرهم.
وقد ردّ بعض العلماء على ابن تيمية تكذيبه لهذا الحديث وأنكروا عليه ذلك منهم محمد ناصر الدين الألباني في سلسلته الصحيحة ، واتهمه بالجرأة لتكذيبه الحديث قال الألباني : ( فمن العجيب حقاً أن يتجرأ شيخ الإسلام (!!!) ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه ) (سلسلة الأحاديث الصحيحة 5/263 )
واعتبر تكذيبه له ناشئاً من تسرّعه ومبالغته في الرّد على الشيعة فقال: ( فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلاّ التسرع والمبالغة في الرّد علي الشيعة ) (سلسلة الأحاديث الصحيحة 5/264 ) .
وممن أنكر على ابن تيمية تكذيبه لهذا الحديث الشيخ عبد الله الهرري ، حيث قال في كتابه (المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية ) : ( سلك ابن تيمية عند كلامه على الأحاديث التي في فضائل علي رضي الله عنه مسلك التوسع في تضعيف هذه الأحاديث بل والحكم على أكثرها بالوضع وذلك ليصرفها عن إثبات فضائل لعلي رضي الله عنه ، فحاله ما ذكر ابن حجر أنه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد ،يعني الصحيح والحسن .
وليعلم الناظرون أن ابن تيمية يضعف أحاديث ولا يبالي بتصحيح الحفاظ لها لشدة تعلق قلبه بتأييد هواه ، كما أن من دأبه دعوى اتفاق العلماء على البدع التي يهواها كذباً وزوراً من غير استحياء من الله ولا من أهل العلم .
فهذا شأن ابن تيمية فإنه يحتج بالحديث الموضوع الذي يوافق هواه ويحاول أن يصححه ، ويضعف الأحاديث الثابتة والمتواترة التي تخالف رأيه وعقيدته ، حتى قال فيه تلميذه الذهبي في رسالة أرسلها له على شكل نصيحة بعد كلام ما نصه : ( إلى كم تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين ، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك ، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار أو التأويل والإنكار ) .
ومن هذه الأحاديث التي حكم عليها ابن تيمية بناء على هواه ... ) وذكر الشيخ الهرري الحديث الأول وهو قوله صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية» ثم قال : ( الحديث الثاني : قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : «أنت ولي كل مؤمن بعدي» يقول ابن تيمية في منهاجه ما نصه : ( ومثل قوله : «أنت ولي في كل مؤمن بعدي »فإن هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ) ويقول فيه أيضاً ما نصه : ( وكذلك قوله : «وهو ولي كل مؤمن بعدي »كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
ثم ذكر الهرري مجموعة من المصادر المعتمدة عند أهل السنة التي روت الحديث المذكور، وذكر تصحيح الحاكم النسابوري له على شرط مسلم وتقوية ابن حجر للحديث في كتابه الإصابة (المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية 348 – 351 ) .

ثم إنّ هذا الحديث مروي بأسانيد صحيحة لا مطعن ولا مغمز فيها ، ولذلك صححه العديد من الحفاظ والعلماء عند أهل السنة .
قال ابن حجر في الإصابة 4/569: ( وأخرج الترمذي بإسناد قوي عن عمران بن حصين قصة قال فيها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تريدون من علي إنّ علياً مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي»).
وقال المتقي الهندي : ( «علي مني وأنا من علي ، وعلي ولي كل مؤمن» ش، عن عمران بن حصين صحيح ) (كنز العمال 11/608 برقم : 32941 ).
وقال أيضاً : ( عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم علياً فغنموا فصنع علي شيئاً أنكروه، وفي لفظ ؛ فأخذ علي من الغنيمة جارية فتعاقد أربعة من الجيش إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلموه، وكانوا إذا قدموا من سفر بدؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّموا عليه ونظروا إليه، ثم ينصرفون إلى رحالهم ، فلما قدمت السرية سلّموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر أن علياً قد أخذ من الغنيمة جارية ؟ فأعرض عنه ، ثم قام الثاني فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم قام الثالث فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم قام الرابع فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف الغضب في وجهه فقال : «ما تريدون من علي ؟ علي مني وأنا من علي ، وعلي ولي كل مؤمن بعدي» ش، وابن جرير وصححه ) (كنز العمال 13/142 برقم : 36444) .
وقال الصالحي الشامي : ( وروى ابن أبي شيبة وهو صحيح عن عمرو رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «علي مني وأنا منه ، وعلي ولي كل مؤمن بعدي» ) (سبل الهدى والرشاد 11/297 ).
وأخرج ابن أبي عاصم في كتابه السنة بسنده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «علي مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي» قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني : ( إسناده صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم ) (السنة لابن أبي عاصم 550 برقم : 1187 ) .
وقال الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض : ( إسناده صحيح رجاله رجال مسلم) (السنة لابن أبي عاصم، تحقيق الدكتور المذكور صفحة 799 رواية رقم : 1221 ) .
والحديث صحيح عند ابن حبّان فقد أخرجه في صحيحه ، وقال عنه الشيخ شعيب الأرنؤوط محقق صحيح ابن حبّان : ( إسناده قوي) (صحيح ابن حبّان 15/373 رواية رقم : 6929 ) .
وصححه الشيخ الألباني في كتابه العليقات الحسان على صحيح ابن حبّان 10/67-68 رواية رقم : 6890 ، وفي كتابه صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان 2/352- 353 رواية رقم : 1849 .
وصححه الألباني أيضاً في سلسلته الصحيحة كما سيأتي وصحيح سنن الترمذي (صحيح سنن الترمذي 3/521 ) .
وصححه محققا موارد الظمآن ، الشيخ حسين سليم أسد وعبده علي الكوشك (أنظر موارد الظمآن 7/134 رواية رقم 2203 ، تحقيق حسين سليم أسلم وعبده علي الكوشك ) .
وصححه الشيخ حمزة أحمد الزين محقق مسند أحمد بن حنبل (مسند أحمد بن حنبل 15/78 رواية رقم: 19813 ) .
وقال الحافظ السيوطي في كتابه القول الجلي الحديث 40 : ( الحديث الأربعون : عن عمران بن الحصين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «علي مني وأنا مـن علي وهو ولي كل مؤمن بعدي» أخرجـه ابن أبي شيبـة وصححه ) (دراسات في منهاج السنة 282 ) .
وصححه الحاكم النيسابوري ووافقه الذهبي على تصحيحه ، وصححه غير هؤلاء .
وحسن إسناده الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي محقق كتاب مسند الطيالسي ( أنظر مسند الطيالسي 2/169 رواية رقم: 868 بتحقيق الدكتور المذكور ) .
وحسّنه الترمذي في كتابه سنن الترمذي 5/632 رواية رقم: 3712 .
وحسّنه غير هؤلاء ، فكيف يدّعي ابن تيمية أن هذا الحديث موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ؟ أليس هذا هو النصب بعينه لأمير المؤمنين عليه السلام برد ما ثبت له من فضائل من خلال الروايات الصحيحة والحكم عليها بالوضع والاختلاق بدون دليل وإنما دفعاً بالصدر .


قال الشيخ شعيب الأرنؤوط أثناء في تعليقة له على الرواية : ( وقصة نوم علي رضي الله عنه في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم رويت في كتب السير وغيرها، وليس فيها إسناد قائم ... ) ( مسند أحمد 5/185 ) .
قلت : إنّ عجبي لا ينقضي مما تسطره أيدي هؤلاء من أمور باطلة ودعاوى فارغة ومنكرات مقيتة، فهل لمثل قصة مبيت الإمام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة يحتاج المرء إلى إسناد قائم ، وهي حادثة مشهورة مجمع عليها، تناقلتها الأجيال المسلمة من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى يومنا هذا بالتواتر، والحق أنّه لا يشكك فيها إلاّ ناصبي بغيض لا تقر له عين وهو يرى لأمير المؤمنين فضيلة يتميّز بها على غيره.
ولقد نقل ابن أبي الحديد المعتزلي أن شيخه أبو جعفر الإسكافي قال عن حديث مبيت الإمام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة بأنه ثابت بالتواتر ولا يجحده إلاّ مجنون أو غير مخالط لأهل الملة ( شرح نهج البلاغة 13/261- 262 ) .
ثم كيف تدّعي أيها الأرنؤوط أن الرواية ليس لها سند قائم، ورواية أبي بلج الصحيحة سنداً تصدح عالياً بصدق هذه الحادثة وصحتها ؟
ولها مؤيدات من الرّوايات منها رواية عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره قال : (سمعت أبي يحدث ، عن عكرمة في قوله تعالى: ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) ، قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر إلى الغار أمر علي بن أبي طالب ، فنام في مضجعه ، وبات المشركون يحرسونه ، فإذا رأوه نائماً حسبوا أنه النبي قاصلى الله عليه وسلم فتركوه ، فلما أصبحوا وثبوا عليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا هم بعلي ، فقالوا : أين صاحبك ؟ ، قال : لا أدري ، قال : فركبوا الصعب ، والذلول في طلبه ) .
وهذا مرسل صحيح الإسناد رواته ثقات، وعكرمة البربري من الرّواة عن ابن عبّاس ورواية أبي بلج عن ابن عبّاس أيضاً فاحتمال أنّ عكرمة أخذ ذلك عن ابن عباس كبير جداً ، وهذه أسماء جملة من العلماء من أهل السنة ممن أوردوا هذه الحادثة في مصنفاتهم وأرسلوها إرسال المسلمات ولم يعترض عليها أحد منهم :
ابو الفداء في تاريخه 1/185 : ( وأما ما كان من حديث الهجرة فإنّه لما علمت قريش أنّه قد صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنصار، وأنّ أصحابه بمكة قد لحقوا بهم خافوا من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فاجتمعوا واتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلة رجلاً ليضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد، ليضيع دمه في القبائل، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عليّاً أن ينام على فراشه وأن يتشح ببرده الأخضر، وأن يتخلّف عنه ليؤدي ما كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الودائع إلى أربابها ... ) .
وقال زين الدين ابن الوردي في تاريخه 1/106 : ( ولما علمت قريش أنّه صار له أنصار، وأن أصحابه بمكة قد لحقوا بهم خافوا من خروجه إلى المدينة فاتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة رجلا ليضربوه بسيوفهم ضربة واحدة فيضيع دمه في القبائل وبلغه ذلك فأمر عليا أن ينام على فراشه وأن يتشح ببرده الأخضر ... ) .
وقال القرطبي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) : ( ... هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه ورصدوه على باب منزل طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ) ( تفسير القرطبي 7/397 )
وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) : ( ... ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا هذا شر شاغل لا يطاق فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ... ) ( تفسير القرطبي 8/144 ) .
وقال ابن حجر في فتح الباري : ( وذكر موسى بن عقبة عن بن شهاب قال فرقد علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يورى عنه وباتت قريش تختلف وتأتمر أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه حتى أصبحوا فإذا هم بعلي فسألوه فقال لا علم لي فعلموا أنه فر منهم ) ( فتح الباري 7/236 ) .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة 4/104 : ( ... أَنبأَنا عبيد الله بن أَحمد بإِسناده عن يونس بن بكير عن ابن إِسحاق قال وأَقام رسول الله يعنى بعد أَن هاجر أَصحابه إِلى المدينة ينتظر مجيء جبريل عليه السلام وأَمر له أَن يخرج من مكة بإِذن الله له في الهجرة إِلى المدينة حتى إِذا اجتمعت قريش فمكرت بالنبي وأَرادوا برسول الله ما أَرادوا أَتاه جبريل عليه السلام وأَمره أَن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه فدعا رسول الله علي بن أَبي طالب فأَمره أَن يبيت على فراشه ويَتَسجى ببُرد له أَخضر ففعل ثم خرج رسول الله على القوم وهم على بابه ... ) .
وقال جمال الدين الزيلعي في كتابه تخريج الأحاديث والآثار 2/25- 26 : (روي أن الأنصار لما أسلموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم فرقت قريش أن يتفاقم أمره فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا فقال أبو البختري إن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا عليه بابه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون فقال إبليس بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم فقال إبليس بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل رأيي أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوي بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا فقال الشيخ صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ألا يبيت في مضجعه ... )
وقال البيهقي في دلائل النبوّة 2/469 : (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس عن ابن إسحاق قال وأقام رسول الله ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه دعا رسول الله علي بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر ففعل ... ).
وقال ابن تيمية في منهاج السنة 7/112 - 113 : (الثالث: ان النبي صلى الله عليه و سلم لما هاجر هو و أبو بكر إلى المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب علي و إنما كان مطلوبهم النبي صلى الله عليه و سلم و أبا بكر و جعلوا في كل واحد منهما ديته لمن جاء به كما ثبت ذلك في الصحيح الذي لا يستريب أهل العلم في صحته و ترك عليا في فراشه ليظنوا ان النبي صلى الله عليه و سلم في البيت فلا يطلبوه فلما اصبحوا وجدوا عليا فظهرت خيبتهم و لم يؤذوا عليا ... )
ومن جملة العلماء الذين نقلوا خبر مبيت الإمام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة هجرته وأرسلة إرسال المسلّمات :
علي بن سلطان القارئ في مرقاة المفاتيح 11/78 .
أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط 4/481.
أبو السعود العمادي في تفسيره 4/19.
البيضاوي في تفسيره 3/104 .
ابن سعد في الطبقات الكبرى 1/228 .
ابن الجوزي في زاد المعاد 3/51 .
محمد بن عبد الوهاب في مختصر السيرة صفحة 126.
عز الدين بن جماعة في المختصر الكبير صفحة 48.
ابن خلدون في تاريخه 2/421 .
علي نايف الشحود في موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله 6/234 و 12/18 .
أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم 3/47.
بدر الدين الشبلي الحنفي في آكام المرجان صفحة 285.
ابن جرير الطبري في تاريخه 1/567.
ابن عثيمين في شرح ثلاثة الأصول صفحة 96.
محمد بن عمر الحضرمي الشافعي في سيرة النبي المختار صفحة 210 .
شهاب الدين الألوسي في تفسيره روح المعاني 9/198 .
بدر الدين العيني في عمدة القارئ 17/46 .
أبو الربيع الكلاعي الأندلسي في الاكتفاء 1/335 .
علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية 2/191 .
ابن هشام في السيرة النبوية 3/8 .
ابن طاهر المقدسي في البدء والتاريخ 4/170 .
ابن كثير في البداية والنهاية 3/176 .
أبو الحسن الشيباني في الكامل في التاريخ 2/4 .
العاصمي المكي في سمط النجوم العوالي 1/342 .
إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان 3/328 .
وغيرهم كثير ...

ملاحظة :
من أراد أن يعرف مقدار الأمانة التي يتمتع بها الشيخ شعيب الأرنؤوط فعليه بمراجعة مقدمة الشيخ حسين سليم أسد لمسند أبي يعلى .


واضاف المعتمد في التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم

أهدي إليكم مولانا هذا السند الحسن
السيرة النبوية لإبن كثير ج2 ص 239
و قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى { و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه و سلم و قال بعضهم : بل اقتلوه و قال بعضهم : بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه و سلم على ذلك فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه و سلم تلك الليلة و خرج النبي صلى الله عليه و سلم حتى لحق بالغار و بات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه و سلم
فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ فقال : لا أدري
فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال
و هذا إسناد حسن و هو من أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار و ذلك من حماية الله و رسوله صلى الله عليه و سلم


واكمل الشيخ قائلا

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

أحسنت مولاي المعتمد في التاريخ http://www.wahajr.net/hajrvb/images/smilies/flw.jpg
لقد أطلعت على هذه الرواية مسبقاً وهي مدرجة فعلاً في البحث وما نقلته هنا كان من مسودة البحث لا من أصل البحث بعد تنسيقه وترتيبه والإضافة عليه .

فالرواية التي ذكرتها ، أخرجها الطبراني في المعجم الكبير وعبد الرزاق في مصنفه وأحمد بن حنبل في مسنده والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ونقلها عن أحمد ابن حجر في فتح الباري 7/236 وحسّنها فقال :
(وذكر أحمد من حديث بن عباس بإسناد حسن في قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه فلما أصبحوا ورأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا قال لا أدري فاقنصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال )

وهذه الرواية أيضاً عن ابن عباس وكل طريق منهما يقوى بالآخر، علما أن طريق أبي بلج صحيح لذاته، ويتبين من ذلك أيضاً أنّها ليست من انفرادات أبي بلج .



ملاحظات على بعض ما ورد في متن هذه الرّواية

الملاحظة الأولى :
ورد في الرّواية ما هذا نصّه :
(... فجاء أبو بكر وعلي نائمٌ قال وأبو بكر يحسب أنه نبي الله قال فقال يا نبي الله قال فقال له علي إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار ... )
فهذا المقطع من الرواية يدل على أن مصاحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وآله كانت بعد أن جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأنّه صلوات الله وسلامه عليه قد انطلق إلى بئر ميمون ، فذهب أبو بكر إليه ومن هناك صاحبه في طريق الهجرة ، بينما تدل روايات أخرى أن النبي صلى الله عليه وآله ذهب بنفسه ليلة الهجرة إلى بيت أبي بكر ثم خرجا معاً إلى غار ثوم ومن ثم إلى المدينة، وتدل روايات أخرى على أنّه صلى الله عليه وآله رأى أبا بكر في الطريق فاصطحبه معه .. ولكن ما الصواب منها؟! هذا ليس محل بحثنا .
وإنما نورد هذا التساؤل على هذا المقطع من الرواية وهو :
كيف دخل أبو بكر إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وكيف خرج منه ومن أين ولماذا لم يره المشركون وهم يحوطون بالبيت؟


الملاحظة الثانية :
ورد في الرّواية أيضاً ما نصّه :
(وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال ائذن لي فلأضرب عنقه قال أو كنت فاعلا وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم )
وهذا المقطع من الرواية يفيد أنّ الله سبحانه وتعالى قد غفر لأهل بدر ذنوبهم أو بعبارة أخرى أنّ ذنوبهم تقع مغفورة والتساؤلات التي نوردها هنا هي :
1- كيف يجوز من الحكيم أن يخبر مكلّفاً ليس بمعصوم بأنّه لا عقاب عليه وفيمكنه أن يفعل ما يشاء ؟
2- إذا كان الله عزّ وجل رخّص لهم أن يفعلوا ما يشاؤون من الذنوب والمخالفات الشريعة فلماذا يقيم عمر الحد على بعضهم كإقامته الحد على مسطح وكان بدريا، وقدامة بن مظعون وهو كذلك؟
3- إنّ هذا الترخيص مخالف للعقل والقرآن وأساس التشريع الديني ، فهذا الحق يقول عن سيّد البشر وخاتم المرسلين وقائد البدريين والمجاهدين : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * )
وقال تعالى : (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )
فلم يقل له تعالى افعل ما شئت فقد غفرت لك ؟

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين وعلى من تبع نهج محمد وآله إلى قيام يوم الدّين .

ملاحظة : لقد ذكرت خلال بعض المداخلات والردود أن ما أنشره هنا هو من مسودة البحث ، أما البحث المعد للطباعة ففيه إضافات وزيادات كثيرة في مختلف المباحث والنقاط .
وأسأل من المؤمنين أن لا ينسوني من صالح الدعاء
على أمل أن ألتقي بكم في عمل آخر إن شاء الله تعالى