PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
كلام العلامة المجلسي قدس سره في دلالة حديث الغدير [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلام العلامة المجلسي قدس سره في دلالة حديث الغدير



قاسم
04-30-2010, 09:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل كمال دينه وتمام نعمته بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والصلاة والسلام على الصادع بها يوم الغدير وعلى آله الطيبين الطاهرين...


فأتتني عزيمة من إلهي *** أوعدتني إن لم أبلغ سطاها
فهداني إلى التي هي أهدى *** وحبانى بعصمة من أذاها
أيها الناس حدّثوا اليوم عني *** وليبلّغ أدنى الورى أقصاها
كل نفس كانت تراني مولى *** فلتر اليوم حيدراً مولاها
رب هذي أمانة لك عندي *** وإليك الأمين قد أدّاها
والِ من لا يرى الولاية إلا *** لعلي وعادِ من عاداها
فأجابوا: "بخٍ بخٍ" وقلوب القـ‍ *** ــوم تغلي على مغالي قلاها


أبارك للمؤمنين حلول عيد الغدير 1425هـ، وأنتهز هذه الفرصة لأتشرف بنقل كلام العلامة المجلسي قدس سره في دلالة هذا الحديث الشريف على الإمامة والخلافة، فإنني رأيت الوهابيين في المنتديات يجهلون طرق استدلالنا بالأحاديث الشريفة عموماً وبحديث الغدير خصوصاً، فهذه فرصة لهم ليتعرفوا على مذهبنا من مصادرنا المعتمدة، لا من أبناء حزم وتيمية وكثير وهلم جراً!!!


قال العلامة المجلسي قدس سره (توفي سنة 1110هـ) :
اعلم أن الاستدلال بخبر الغدير يتوقف على أمرين:
أحدهما: إثبات الخبر.
والثاني: إثبات دلالته على خلافته صلوات الله عليه.

أما الأول: فلا أظنُ عاقلاً يرتاب في ثبوته وتواتره بعد إحاطته بما أسلفناه من الأخبار التي اتفق المخالف والمؤالف على نقلها وتصحيحها، مع إن ما أوردناه قليل من كثير، وقد أوردنا كثير منها في كتاب الفتن وسيأتي في الأبواب الآتية بعضها، وقد قرعَ سمعك ذكر من صنّف الكتاب في ذلك من علماء الفريقين.
بحار الأنوار ج 37 ص 235

ثم تكلم رحمه الله عن صحة حديث الغدير، وهذا هو ديدن علمائنا، فلا يحتجون في أصول العقائد بالأحاديث الضعيفة أو المشكوك في صحتها، وإنما يحتجون بالأحاديث الثابتة المقطوع بصحتها، فالعقائد يجب أن تبنى على أسس ثابتة، ولا يصح أن تبنى على الظنون...

إلى أن قال رحمه الله:
وأما الثاني: فلنا في الإستدلال به على إمامته صلوات الله عليه مقامان:

الأول: أن المولى جاء بمعني الأولى بالأمر والمتصرّف المُطَاع في كل ما يأمر.
والثاني: أن المراد به هنا هو هذا المعنى.

أما الأول: فقد قال السيد المرتضى في كتاب الشافي: منْ كانَ لهُ أدنى اختلاط باللغة وأهلها: يعرف أنهم يضعونَ هذه اللفظة مكان "أولى" كما أنهم يستعملونها في ابن العم، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى -ومنزلته في اللغة منزلته- في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن لمّا انتهى إلى قوله تعالى: {مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ} سورة الحديد: 15 أن معنى {مَوْلَاكُمْ} أولى بكم، وأنشد بيت لبيد (1) شاهداً له "فغدت" البيت، وليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة، ولو غلط فيها أو وَهَمَ لما جاز أن يُمسِك عن النكير عليه والرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب وما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض ورد بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه -مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة رد له- كأنه قول الجميع، ولا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} سورة النساء: 33 أن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته وأحق به.
وقال الأخطل:

فأصبحت مولاها من الناس بعده * وأحرى قريش أن تهاب وتحمد


وقال أيضا يخاطب بني أمية:

أعطاكم الله جداً تنصرون به * لا جد إلا صغير بعد محتقر
لم تأشروا فيه إذا كنتم مواليه * ولو يكون لقوم غيركم أشروا

وقال غيره:

كانوا موالي حق يطلبون به * فأدركوه وما ملوا ولا تعبوا

وقال العجاج:

الحمد لله الذي أعطى الخير * موالي الحق إن المولى شكر

وروي في الحديث: "أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها: فنكاحها باطل".

وكلما استشهد به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره، وقد تقدّمت حكايتنا عن المبرد قوله: إن أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق، ومثله المولى، وقال في هذا الموضع بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى: {بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} سورة محمد: 11: والولي والمولى: معناهما سواء، وهو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم.

وقال الفرّاء في كتاب معاني القرآن: الولي والمولى في كلام العرب واحد، وفي قراءة عبدالله بن مسعود {إِنَّمَا مَوْلاَكُمْ اللّهُ وَرَسُولُهُ} سورة المائدة: 55 مكان {وَلِيُّكُمُ اللّهُ}.

وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل: والمولى في اللغة ينقسم إلى ثمانية أقسام: أولهن: المولى المنعم، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى الولي، والمولى الأولى بشيء، وذكر شاهداً عليه الآية التي قدّمنا ذكرها وبيت لبيد، والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف، واستشهد لكل واحد من أقسام المولى بشيءٍ من الشعر لم نذكره لأن غرضنا سواه.

وقال أبو عمر غلام تغلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة الذي هو:

زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا

أقسام المولى، وذكر في جملة الأقسام أن المولى: السيد وإن لم يكن مالكاً، والمولى الولي.

وقد ذكر جماعة ممن يرجع إلى مثله في اللغة أن من جملة أقسام مولى: السيد الذي ليس هو بمالك ولا معتق، ولو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهداً فيما قصدناه لأكثرنا، وفيما أدركناه كفاية ومقنع.
انتهى كلامه قدس سره.

وقال الجزري في النهاية: قد تكرّر اسم المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه، وكل من وليَّ أمراً وقام به: فهو مولاه ووليه، ومنه الحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" يُحمل على أكثر الأسماء المذكورة، ومنه الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل" وروي وليها أي متولّي أمرها.

وقال البيضاوي والزمخشري وغيرهما من المفسرين في تفسير قوله تعالى: {هِيَ مَوْلَاكُمْ} سورة الحديد: 15: هي أولى بكم.

وقال الزمخشري في قوله تعالى: {أَنتَ مَوْلاَنَا} سورة البقرة: 286: سيدنا فنحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولي أمورنا.

وأما الثاني ففيه مسالك:

المسلك الأول:
أن المولى حقيقة في الأولى، لاستقلالها بنفسها ورجوع سائر الأقسام في الإشتقاق إليها:
لأن المالك إنما كان مولى: لكونه أولى بتدبير رقيقه وبحمل جريرته.
والمملوك مولى: لكونه أولى بطاعة مالكه.
والمعتِق والمعتَق كذلك.
والناصر: لكونه أولى بنصرة من نصره.
والحليف: لكونه أولى بنصرة حليفه.
والجار: لكونه أولى بنصرة جاره والذب عنه.
والصهر: لكونه أولى بمصاهره.
والأمام والوراء: لكونه أولى بمن يليه.
وابن العم: لكونه أولى بنصرة ابن عمه والعقل عنه.
والمحب المخلص: لكونه أولى بنصرة محبه.

وإذا كانت لفظة مولى حقيقةً في الأولى: وجبَ حملها عليها دون سائر معانيها، وهذا الوجه ذكره يحيى بن بطريق في العمدة وأبو الصلاح الحلبي في التقريب.

المسلك الثاني:
ما ذكره السيد في الشافي وغيره في غيره، وهو أن ما يحتمله لفظة مولى ينقسم إلى أقسام:
منها: ما لم يكن صلى الله عليه وآله عليه.
ومنها: ما كان عليه، ومعلوم لكل أحد أنه صلى الله عليه وآله لم يرده.
ومنها: ما كان عليه، ومعلوم بالدليل أنه لم يرده.
ومنها: ما كان حاصلاً له ويجب أن يريده لبطلان سائر الأقسام واستحالة خلو كلامه من معنى وفائدة.

فالقسم الأول: هو المعتَق والحليف، لأن الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته والدفاع عنه، فيكون منتسباً إليها متعززاً بها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله حليفاً لأحدٍ على هذا الوجه.

والقسم الثاني: ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه، كالمعتِق والمالك والجار والصهر والخلف والإمام إذا عُدّا من أقسام المولى، والآخر أنه لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة وكان ظاهراً شائعاً وهو ابن العم.

والقسم الثالث: الذي يُعلم بالدليل أنه لم يرده، هو ولاية الدين والنصرة فيه والمحبة، أو ولاء العتق، والدليل على أنه صلى الله عليه وآله لم يرد ذلك: أن كل أحد يعلم من دينه وجوب تولّي المؤمنين ونصرتهم، وقد نطقَ الكتابُ به، وليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي حُكيت في تلك الحال، ويعلّمهم ما هم مضطرون إليه من دينه!!! وكذلك هم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة وبعدها، وقول ابن الخطاب في الحال -على ما تظاهرت به الرواية- لأمير المؤمنين عليه السلام: "أصبحتَ مولايَ ومولى كل مؤمن" يبطل أن يكون المراد ولاء العتق، وبمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء العتق أو إيجاب النصرة في الدين: استبعد أن يكون أراد به قسم ابن العم، لإشتراك خلو الكلام عن الفائدة بينهما، فلم يبق إلا:

القسم الرابع: الذي كان حاصلاً له ويجب أن يريده، وهو الأولى بتدبير الأمر وأمرهم ونهيهم.
انتهى.

أقول: أكثر المخالفين لجؤوا في دفع الإستدلال به إلى تجويز كون المراد الناصر والمحب، ولا يخفى على عاقل أنه ما كان يتوقف بيان ذلك على اجتماع الناس لذلك في شدّة الحر، بل كان هذا أمراً يجب أن يوصي به علياً عليه السلام بأن ينصر من كان الرسول صلى الله عليه وآله ينصره ويحب من كان يحبه، ولا يتصور في إخبار الناس بذلك فائدة يُعتدُ بها، إلا إذا أُريدَ بذلك: نوع من النصرة والمحبة يكون للأمراء بالنسبة إلى رعاياهم، أو أُريدَ به جلب محبتهم بالنسبة إليه ووجوب متابعتهم له حيث ينصرهم في جميع المواطن ويحبهم على الدين، وبهذا أيضاً يتم المُدّعى.

وأيضاً نقول: على تقدير أن يُراد به المحب والناصر أيضاً يدل على إمامته عليه السلام عند ذوي العقول المستقيمة والفطرة القويمة بقرائن الحال، فإنا لو فرضنا أن أحداً من الملوك: جمع عند قُرب وفاته جميع عسكره، وأخذَ بيدِ رجلٍ هو أقرب أقاربه وأخص الخلق به وقال: "من كنت محبه وناصره فهذه محبه وناصره" ثم دعا لمن نصره ووالاه، ولعنَ من خذله ولم يواله، ثم لم يقل هذا لأحدٍ غيره ولم يعيّن لخلافته رجلاً سواه: فهل يفهم أحدٌ من رعيته ومن حضر ذلك المجلس إلا أنه يريد بذلك استخلافه وتطميع الناس في نصره ومحبته وحث الناس على إطاعته وقبول أمره ونصرته على عدوه؟!

وبوجهٍ آخر نقول: ظاهر قوله: "من كنت ناصره فعليٌ ناصره" يتّمشى منه النصرة لكل أحد كما كان يتأتى من النبي صلى الله عليه وآله، ولا يكون ذلك إلا بالرئاسة العامة، إذ لا يخفى على منصف أنه لا يحسن من أميرٍ قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا: من كنت ناصره فهذا ناصره!!!

فأما إذا استخلفه وأمّرّه على الناس فهذا في غاية الحسن، لأنه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره.

المسلك الثالث:
ما سبق في كلام الصدوق من وجود القرينة في الكلام على أن المراد بالمولى: الأولى، وبه يثبت أنه الإمام، وهو العمدة في هذا المقام، ولا يُنكِرُه إلا جاهل بأساليب الكلام أو متجاهل لعصبيته عما تتسارع إليه الأفهام، قال السيد في الشافي: فأما الدلالة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير: الأولى، فهو إن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لمّا تقدّم التصريح به ولغيره: لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول...

يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلاً على جماعة مفهماً لهم وله عدة عبيد: "ألستم عارفين بعبدي فلان؟".
ثم قال عاطفاً على كلامه: "فاشهدوا أن "عبدي" حرٌ لوجه الله".
لم يجز أن يريد بقوله: "عبدي" بعد أن قدّم ما قدّمه إلا العبد الذي سمّاه في أول كلامه، دون غيره من سائر عبيده، ومتى أراد سواه كان عندهم لغواً خارجاً من طريق البيان.

ثم اعترض بأن ما ذكرتم من المثال إنما يقبح أن يريد غير ما مهّده سابقاً من العبيد لأنه حينئذ تكون المقدمة لغواً لا فائدة فيها، وليس الأمر في خبر الغدير كذلك، لأنه يمكن أن يكون المعنى: إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا، فإنه من جملة ما آمركم فيه بطاعتي، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم، فافترق الأمران؟!!!

ثم أجاب بأنه لو كان الأمر على ما ذكرت: لوجبَ أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته وإن قلت أن يحسن ما حكمنا بقبحه ووافقتنا عليه، ونحن نعلم أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: "ألستم تعرفون صديقي زيداً الذي كنت ابتعت منه عبدي فلاناً الذي صفته كذا وكذا وأشهدناكم على أنفسنا بالمبايعة؟ فاشهدوا أني قد وهبتُ له عبدي أو قد رددت إليه عبدي".
لم يجز أن يريد بالكلام الثاني إلا العبد الذي سمّاه وعيّنه في صلب الكلام وإن كان متى لم يرد ذلك يصح أن يحصل فيما قدمه فائدة، لأنه لا يمتنع أن يريد بما قدمه من ذكر العبد تعريف الصديق ويكون وجه التعلق بين الكلامين أنكم إذا كنتم قد شهدتم بكذا وعرفتموه فاشهدوا أيضاً بكذا، وهو لو صرّح بما قدمناه حتى يقول بعد المقدمة: "فاشهدوا أني قد وهبتُ له أو رددت إليه عبدي فلاناً الذي كنت ملكته منه" ويذكر من عبيده غير من تقدم ذكره: يحسن وكان وجه حسنه ما ذكرناه.
انتهى كلامه نوّر الله ضريحه.

أقول: فإذا ثبتَ أنَّ المراد بالمولى ههنا الأولى الذي تقدّم ذكره، والأولى في الكلام المتقدّم غير مقيد بشيء من الأشياء وحال من الأحوال، فلو لم يكن المراد العموم لزم الإلغاز في الكلام المتقدم...

ومن قواعدهم المقررة: أن حذف المتعلق من غير قرينة دالة على خصوص أمر من الأمور: يدل على العموم، لا سيما وقد انضمَّ إليه قوله صلى الله عليه وآله: "من أنفسكم" فإن للمرء أن يتصرّف في نفسه ما يشاء، ويتولى من أمره ما يشاء، فإذا حكم بأنه أولى بهم من أنفسهم: يدل على أن له أن يأمرهم بما يشاء ويدّبر فيهم ما يشاء في أمر الدين والدنيا، وأنه لا اختيار لهم معه، وهل هذا إلا معنى الإمامة والرئاسة العامة؟

وأيضاً لا يخفى على عاقل أن ما قرّرهم صلى الله عليه وآله إنما أشار به إلى ما أثبتَ الله تعالى له في كتابه العزيز حيث قال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} سورة الأحزاب: 6 وقد أجمعَ المفسرون على أن المراد به ما ذكرناه:

قال الزمخشري في كتاب الكشّاف: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ} في كل شيءٍ من أمور الدين والدنيا {مِنْ أَنفُسِهِمْ} ولهذا أطلقَ ولم يقيّد، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لحقت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وصرفهم عنه...
إلى آخر كلامه.

ونحوه قال البيضاوي وغيره من المفسرين.

وقال السيد: فأما الدليل على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة فهو أنّا نجد أهل اللغة لا يضعونَ هذا اللفظ إلا فيمن كان يملك ما وصف بأنه أولى به، وينفذ فيه أمره ونهيه، ألا تراهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية، وولد الميت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، ومرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه، ولا خلافَ بين المفسرين في أن قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} المراد به أنه أولى بتدبيرهم والقيام بأمرهم حيث وجبت طاعته عليهم، ونحن نعلم أنه لا يكون أولى بتدبير الخلق وأمرهم ونهيهم من كل أحد إلا من كان إماماً لهم مفترض الطاعة عليهم.

فإن قال: سلّمنا أن المراد بالمولى في الخبر ما تقدّمَ مِن معنى الأولى: من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم وأمرهم، ونهيهم دون أن يكون أراد به أولى بأن يوالوه ويحبوه ويعظموه ويفضلوه؟؟؟

قيل له: سؤالك يبطل من وجهين:
أحدهما: أن الظاهر من قول القائل: فلانٌ أولى بفلان أنه أولى بتدبيره وأحق بأمره ونهيه، فإذا انضاف إلى ذلك القول "أولى به من نفسه": زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه، ألا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كل موضع حصل فيه محض التدبير والإختصاص بالأمر والنهي كاستعمالهم لها في السلطان ورعيته والوالد وولده والسيد وعبده؟ وإن جاز أن يستعملوها مقيّدة في غير هذا الموضع إذا قالوا: فلان أولى بمحبة فلان أو بنصرته أو بكذا وكذا منه، إلا أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلا المعنى الأول.

والوجه الآخر: أنه إذا ثبتَ أن النبي صلى الله عليه وآله أراد بما قدّمه من كونه أولى بالخلق من نفوسهم أنه أولى بتدبيرهم وتصريفهم من حيث وجبت طاعته عليهم بلا خلاف: وجبَ أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام في الكلام الثاني، جارياً ذلك المجرى، يشهد بصحة ما قلناه أن القائل من أهل اللسان إذا قال: "فلان وفلان -وذكر جماعة- شركائي في المتاع الذي من صفته كذا وكذا" ثم قال عاطفاً على كلامه: "من كنت شريكه فعبدالله شريكه" اقتضى ظاهر لفظه أن عبدالله شريكه في المتاع الذي قدّم ذكره وأخبر أن الجماعة شركاؤه فيه، ومتى أراد أن عبدالله شريكه في غير الأمر الأول كان سفيهاً عابثاً ملغزاً.

فإن قيل: إذا نسلم لكم أنه عليه السلام أولى بهم بمعنى التدبير ووجوب الطاعة: من أين لكم عموم وجوب الطاعة في جميع الأمور التي تقوم بها الأئمة؟ ولعلّه أرادَ به أولى بأن يطيعوه في بعض الأشياء دون بعض؟

قيل له: الوجه الثاني الذي ذكرناه في جواب سؤالك المتقدم يُسقط هذا السؤال... ومما يبطله أيضاً أنه إذا ثبت أنه عليه السلام مفترض الطاعة على جميع الخلق في بعض الأمور دون بعض: وجبت إمامته وعموم فرض طاعته وامتثال تدبيره، فلا يكون إلا الإمام لأن الأمة مجمعة على أن من هذه صفته هو الإمام، ولأن كل من أوجبَ لأمير المؤمنين عليه السلام من خبر الغدير فرض الطاعة على الخلق أوجبها عامّة في الأمور كلها على الوجه الذي يجب للأئمة ولم يخص شيئاً دون شيء، وبمثل هذا الوجه نجيب من قال: كيف علمتم عموم القول لجميع الخلق مضافاً إلى عموم إيجاب الطاعة لسائر الأمور ولستم ممن يثبت للعموم صيغة في اللغة فتتعلقون بلفظة "من" وعمومها؟ وما الذي يمنع على أصولكم من أن يكون أوجب طاعته على واحد من الناس أو جماعة من الأمة قليلة العدد؟

لأنه لا خلافَ في عموم طاعة النبي صلى الله عليه وآله وعموم قوله من بعد: "فمن كنت مولاه" وإلا لم يكن للعموم صورة، وقد بيّنا أن الذي أوجبه ثانياً يجب مطابقته لما قدّمه في وجهه وعمومه في الأمور، وكذا يجب عمومه في المخاطبين بتلك الطريقة، لأن كل من أوجب من الخبر فرض الطاعة وما يرجع إلى معنى الإمامة ذهب إلى عمومه لجميع المكلفين كما ذهب إلى عمومه في جميع الأفعال.
انتهى.

وأما ما زعمَ بعضهم من أن قوله صلى الله عليه وآله: "اللهم وال من والاه" قرينة على أن المراد بالمولى الموالي والناصر فلا يخفى وهنه، إذ لم يكن استدلالنا بمحض تقدم ذكر الأولى حتى يعارضونا بذلك، بل إنما استدللنا بسياق الكلام وتمهيد المقدمة والتفريع عليها وما يحكم به عُرف أرباب اللسان في ذلك، وأما الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة، وإنما يتم هذا لو ادعى أحد أن اللفظ بعدما اطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه ويدانيه في الاشتقاق على معنى آخر، وكيف يدعي ذلك عاقل مع أن ذلك مما يعد من المحسنات البديعية؟

بل نقول تعقيبه بهذا، يؤيد ما ذكرناه ويقوّي ما أسسناه بوجوه:

الأول: أنه لمّا أثبت صلى الله عليه وآله له الرئاسة العامة والإمامة الكبرى وهي مما يحتاج إلى الجنود والأعوان، وإثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة مما يفضي إلى هيجان الحسد المورث لترك النصرة والخذلان لا سيما أنه صلى الله عليه وآله كان عالماً بما في صدور المنافقين الحاضرين من عدواته وما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته عليه السلام أكدَّ ذلك بالدعاء لأعوانه واللعن على من قصّر في شأنه، ولو كان الغرض محض كونه صلى الله عليه وآله وسلم ناصراً لهم أو ثبوت الموالاة بينه وبينهم كسائر المؤمنين لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المُبالغات والدعاء له بما يدعى للأمراء وأصحاب الولايات.

والثاني: أنه يدل على عصمته اللازمة لإمامته عليه السلام لأنه لو كان يصدر منه المعصية لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه وزجره وترك موالاته وإبداء معاداته لذلك، ودعاء الرسول صلى الله عليه وآله لكل من يواليه وينصره، ولعنه على كل من يعاديه ويخذله: يستلزم عدم كونه أبداً على حال يستحق عليها ترك الموالاة والنصرة.

والثالث: أنه إذا كان المراد بالمولى الأولى -كما نقوله- كان المقصود منه طلب موالاته ومتابعته ونصرته من القوم، وإن كان المراد الناصر والمحب كان المقصود بيان كونه صلى الله عليه وآله ناصراً ومحباً لهم، فالدعاء لمن يواليه وينصره واللعن على من يتركهما في الأول أهم وبه أنسب من الثاني، إلا أن يؤول الثاني بما يرجع إلى الأول في المآل كما أومأنا إليه سابقاً.

المسلك الرابع:
إن الأخبار المروية من طرق الخاصة والعامة الدّالة على أن قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} سورة المائدة: 3 نزلتْ في يوم الغدير: تدل على أن المراد بالمولى ما يرجع إلى الإمامة الكبرى، إذ ما يكون سبباً لكمال الدين وتمام النعمة على المسلمين لا يكون إلا ما يكون من أصول الدين بل من أعظمها، وهي الإمامة التي بها يتم نظام الدنيا والدين، وبالاعتقاد بها تقبل أعمال المسلمين، وقال الشيخ جلال الدين السيوطي -وهو من أكابر متأخري المخالفين- في كتاب الاتقان: أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب قال: نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة، ومنها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وفي الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع، لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم، وأخرج مثله من حديث أبي هريرة انتهى..

وروى السيوطي أيضا في الدر المنثور بأسانيد أن اليهود قالوا: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذنا يومها عيداً.

وروى الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، عن مهدي بن نزار الحسيني، عن عبدالله الحسكاني، عن أبي عبدالله الشيرازي، عن أبي بكر الجرجاني، عن أبي أحمد الأنصاري البصري، عن أحمد بن عمار بن خالد، عن يحيى بن عبدالحميد الحماني عن قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية قال: الله أكبر، الله أكبر، على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
قال: وقال الربيع بن أنس: نزل في المسير حجة الوداع، انتهى.
وقد مر سائر الأخبار في ذلك.

المسلك الخامس:
إن الأخبار المتقدّمة الدالة على نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} سورة المائدة: 67 مما يعيّن أن المراد بالمولى الأولى والخليفة والإمام، لأن التهديد بأنه إن لم يبلغه فكأنه لم يبلّغ شيئاً من رسالاته وضمان العصمة له، يجب أن يكون في إبلاغ حكم يكون بإبلاغه إصلاح الدين والدنيا لكافة الأنام، وبه يتبيّن الناس الحلال والحرام إلى يوم القيامة، ويكون قبوله صعباً على الأقوام، وليس ما ذكروه من الاحتمالات في لفظ المولى مما يظن فيه أمثال ذلك إلا خلافته وإمامته عليه السلام، إذ بها يبقى ما بلّغه صلى الله عليه وآله من أحكام الدين، وبها ينتظم أمور المسلمين، ولضغائن الناس لأمير المؤمنين كان مظنة إثارة الفتن من المنافقين، فلذا ضمن الله له العصمة من شرهم...

قال الرازي في تفسيره الكبير في بيان محتملات نزول تلك الآية:
العاشر: نزلت هذه الآية في فضل علي عليه السلام، ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وقال الطبرسي رحمه الله: روى العياشي في تفسيره بإسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبدالله قال: أمرَ الله تعالى أن ينصب علياً للناس فيخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه الآية، فقامَ صلى الله عليه وآله بولايته يوم غدير خم.

وهذا الخبر بعينه حدثناه السيد أبو الحمد عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التأويل، وفيه أيضا بالإسناد المرفوع إلى حيان بن علي العنزي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي عليه السلام فأخذ رسول الله صلى الله وآله وسلم بيده فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعاً إلى ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي عليه السلام أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يبلّغ فأخذَ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام أن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله أن يستخلف علياً عليه السلام فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره بأدائه، والمعنى: إن تركت تبليغ ما أنزل إليك وكتمته، كنتَ كأنك لم تبلّغ شيئاً من رسالات ربك في استحقاق العقوبة.

المسلك السادس:
هو أن الأخبار الخاصية والعامية المشتملة على صريح النص في تلك الواقعة إن لم ندعِ تواترها معنى -مع أنها كذلك- فهي تصلح لكونها قرينة لكون المراد بالمولى ما يفيد الإمامة الكبرى والخلافة العظمى، لا سيما مع انضمام ما جرت به عادة الأنبياء عليهم السلام والسلاطين والأمراء من استخلافهم عند قرب وفاتهم...

وهل يريب عاقل في أن نزول النبي صلى الله عليه وآله في زمان ومكان لم يكن نزول المسافر متعارفاً فيهما، حيث كان الهواء -على ما روي- في غاية الحرارة حتى كان الرجل يستظل بدابته ويضع الرداء تحت قدميه من شدة الرمضاء، والمكان مملوءاً من الأشواك، ثم صعوده على الأقتاب والدعاء لأمير المؤمنين علي عليه السلام على وجه يناسب شأن الملوك والخلفاء وولاة العهد، لم يكن إلا لنزول الوحي الإيجابي الفوري في ذلك الوقت لاستدراك أمرٍ عظيم الشأن، جليل القدر، وهو استخلافه والأمر بوجوب طاعته؟.

المسلك السابع:
نقول: يكفي في القرينة على إرادة الإمامة من المولى فهم من حضر ذلك المكان وسمع هذا الكلام: هذا المعنى، كحسّان حيث نظمه في أشعاره المتواترة، وغيره من شعراء الصحابة والتابعين وغيرهم، وكالحارث بن النعمان الفهري كما مر عن الثعلبي وغيره أنه هكذا فهم الخطاب حيث سمعه، وغيرهم من الصحابة والتابعين على ما مر بيانه في ضمن الأخبار...

ولَنِعْمَ ما قال الغزّالي في كتاب سر العالمين في مقالته الرابعة التي وضعها لتحقيق أمر الخلافة بعد عدة من الأبحاث وذكر الإختلاف:
لكنْ أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته صلى الله عليه وآله في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقال عمر: "بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن لقد أصبحتَ مولايَ ومولى كل مؤمن ومؤمنة" فهذا تسليمٌ ورضى وتحكيم، ثم بعدَ هذا: غلبَ الهوى بحب الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار: سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخِلافِ الأول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم {وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} سورة آل عمران: 187
انتهى.

أقول: لا يخفى على من شمَ رائحة الإنصاف، أن تلك الوجوه التي نقلناها عن القوم مع تتميمات ألحقناها بها ونكات تفرّدنا بإيرادها: لو كان كل منها مما يمكن لمباهت ومعاند أن يناقش فيها، فبعد اجتماعها وتعاضد بعضها ببعض، لا يبقى لأحدٍ مجال الريب فيها... والعجب من هؤلاء المخالفين مع ادعائهم غاية الفضل والكمال، كيف طاوعتهم أنفسهم أن يبدوا في مقابلة تلك الدلائل والبراهين احتمالات يحكم كل عقل باستحالتها؟!
ولو كان مجرد التمسك بذيل الجهالات والإلتجاء بمحض الاحتمالات مما يكفي لدفع الاستدلالات لم يبق شيء من الدلائل إلا ولمباهت فيه مجال!!!
ولا شيء من البراهين إلا ولجاهل فيه مقال!!!
فيكف يُثبتونَ الصانع ويقيمون البراهين فيه على الملحدين؟!!!
وكيف يتكلمون في إثبات النبوات وغيره من مقاصد الدين؟!!!

أعاذنا الله وإياهم من العصبية والعناد، ووفقنا جميعاً لمّا يهدي إلى الرشاد.

تذييل:
قال أبو الصلاح الحلبي في كتاب تقريب المعارف وقد لخّصه من الشافي:
فإن قيل: فطرقكم من هذا الخبر يوجب كون علي عليه السلام إماماً في الحال والإجماع بخلاف ذلك، قلنا: هذا يسقط من وجوه:

أحدها: أنه جرى في استخلافه علياً صلوات الله عليهما على عادة المستخلفين الذين يطلقون إيجاب الإستخلاف في الحال ومرادهم بعد الوفاة، ولا يفتقرون إلى بيان لعلم السامعين بهذا العرف المستقر.

وثانيها: أن الخبر إذا أفاد فرض طاعته وإمامته عليه السلام على العموم وخرج حال الحياة بإجماع بقي ما عداه، وليس لأحد أن يقول على هذا الوجه: فألحقوا بحال حياة النبي صلى الله عليه وآله أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام لأنا إنما أخرجنا حال الحياة من عموم الأحوال للدليل، ولا دليل على إمامة المتقدمين، ولأن كل قائل بالنص قائل بإيجاب إمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، فإذا كان الخبر دالاً على النص بما أوضحنا سقط السؤال.

وثالثها: أنا نقول بموجبه من كونه عليه السلام مفترض الطاعة على كل مكلف وفي كل أمر وحال منذ نطق به إلى أن قبضه الله تعالى إليه وإلى الآن، وموسوماً بذلك، ولا يمنع منه إجماع، لاختصاصه بالمنع من وجود إمامين، وليس هو في حياة النبي صلى الله عليه وآله كذلك، لكونه عليه السلام مرعياً للنبي صلى الله عليه وآله وتحت يده وإن كان مفترض الطاعة على أمته كالنبي صلى الله عليه وآله، لأنه لم يكن الإمام إماماً من حيث فرض الطاعة فقط، لثبوته للأمراء، وإنما كان كذلك لأنه لا يد فوق يده، وهذا لم يحصل إلا بعد وفاته صلوات الله عليه وآله.
انتهى.

أقول: من أراد الإحاطة على الاعتراضات الموردة في هذا المقام وأجوبتها الشافية فليرجع إلى كتاب الشافي، وفيما ذكرناه كفاية لإتمام الحجة ووضوح المحجة {وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}...
انتهى كلام العلامة المجلسي قدس سره
بحار الأنوار ج 37 ص 235 إلى ص 253

..................................................
هامش:
(1) تمام البيت كما يلي:

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه *** مولى المخافة خلفها وأمامها

وهو من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، إحدى المعلقات السبع التي هي عيون الشعر العربي، وقد شرحها أبو عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني (توفي سنة 486هـ) وقال في شرح هذا البيت ما نصه:
وقال ثعلب: إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء، كقوله تعالى: {مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ} أي أولى بكم.
شرح المعلقات السبع ص 108 تحقيق الدكتور محمد خير أبو الوفا.

ترجمة ثعلب:
قال الذهبي: العلامة المحدث، إمام النحو، أبو العباس، أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي، صاحب "الفصيح والتصانيف". ولد سنة مئتين، وكان يقول: ابتدأت بالنظر وأنا ابن ثماني عشرة سنة، ولما بلغت خمساً وعشرين سنة، ما بقي علي مسألة للفراء، وسمعت من القواريري مئة ألف حديث....
قال الخطيب: ثقة حجة، دين صالح، مشهور بالحفظ....
قال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلب، فذكر له الفراء، فقال: لا يعشره...
توفي سنة 291
سير أعلام النبلاء ج 14 ص 5

قال شعيب الأرنؤوط: لا يعشره: أي لا يبلغ عشر علمه...

وقال خيرالدين الزركلي: إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، محدثاً، مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة حجة.
الأعلام ج 1 ص 267