PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
معرفة الإمامة بالمعقول والمنقول [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معرفة الإمامة بالمعقول والمنقول



قاسم
04-30-2010, 09:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين

مقدمة
من خصائص المدرسة العقائدية لأهل البيت عليهم السلام، أنها نهضت بإقامة الأدلة العقلية بالإضافة إلى الأدلة النقلية، فيما يتعلق بأصول العقيدة، وهذه ميزة انفردت بها هذه المدرسة الطاهرة عن سائر المذاهب الإسلامية فضلاً عن غير الإسلامية، فاقرأ ما كتبه الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والخواجة نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم من علمائنا (رضوان الله عليهم) في مجال العقيدة، وسترى أنهم لم يكتفوا بسرد الأدلة النقلية كما فعل أهل السنة عموماً وأصحاب الحديث خصوصاً...

وقد يقول قائل: إذا كان لدى الشيعة أدلة عقلية ونقلية تدل على صحة المسئلة الفاصلة بين الشيعة والسنة، وهي الإمامة، فلماذا أعرض عنها أهل السنة والجماعة ؟ أم أنهم لم يطلعوا عليها ؟

الجواب: بلى، قد اطلعوا على الأدلة، ورووا نفس الأحاديث التي يعتمد عليها الشيعة، لكنهم قاموا بتأويل كل تلك النصوص وصرف كل الأدلة، بغرض تصحيح خلافة أبي بكر إذ أجمعوا على صحتها، وجعلوها هي الميزان الذي توزن عليه الأدلة العقلية والنقلية، فكل ما خالفها إما أن يطرح أو يؤول، وذلك بناءا على الأصل الذي زعموه من عدالة كل الصحابة (1) فلا مانع لديهم من تضعيف الروايات، أو تكذيبها أو تأويلها، المهم أن تبقى خلافة أبي بكر صحيحة، وخير دليل على ذلك ما فعله ابن تيمية حيال حديث الغدير، وسيأتي ذكر كلامه عند إيراد الدليل النقلي، إن شاء الله تعالى...

الغاية من دراسة مسئلة الخلافة
في الوقت الذي يمنع علماء أهل السنة من دراسة ما شجر بين الصحابة من خلافات، ولا شك أن النزاع في الخلافة الذي وقع بينهم أحد أهم تلك الخلافات، بل أهمها على الإطلاق، ولو اطلع أحد على شيء من ذلك، فعليه أن يحملهم على الصحة (2)...

في هذا الوقت نفسه نرى أن الشيعة يصرون على ضرورة فتح هذا الباب، فهل يريد الشيعة بذلك إرجاع عجلة الزمان للوراء ليعطوا الخلافة لمن يستحقها ؟

الجواب: لا طبعا... قال العلامة الشيخ محمد رضا المظفر عليه الرحمة: ولا يهمنا من بحث الإمامة في هذه العصور، إثبات أنهم هم الخلفاء الشرعيون وأهل السلطة الإلهية، فإن ذلك أمر مضى في ذمة التاريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها...
وإنما الذي يهمنا منه، ما ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعية، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم، على الوجه الصحيح الذي جاء به.
وأن في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم ولا يستضيئون بنورهم إبتعادا عن محجة الصواب في الدين، ولا يطمئن المكلف من فراغ ذمته من التكاليف المفروضة عليه من الله تعالى، لأنه مع فرض وجود الإختلاف في الآراء بين الطوائف والنحل فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، إختلافا لا يرجى معه التوفيق، لا يبقى للمكلف مجال أن يتخير ويرجع إلى أي مذهب شاء ورأي اختار، بل لا بد له أن يفحص ويبحث، حتى تحصل له الحجة القاطعة بينه وبين الله تعالى على تعيين مذهب خاص، يتيقن أنه يتوصل به إلى أحكام الله، وتفرغ به ذمته من التكاليف المفروضة، فإنه كما يقطع بوجود أحكام مفروضة عليه، يجب أن يقطع بفراغ ذمته منها، فإن الإشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
والدليل القطعي دالّ على وجوب الرجوع إلى آل البيت، وأنهم المرجع الأصلي بعد النبي لأحكام الله المنزلة، وعلى الأقل قوله عليه أفضل التحيات: (إني قد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: الثقلين، وأحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
عقائد الإمامية ص 69

إذاً فدراسة هذه المسئلة على درجة كبيرة من الأهمية يدركها كل من يسعى لنيل رضى الله سبحانه وتعالى حتى يتعبد بالمذهب الحق، ويتبين من هذا ان الإختلاف الذي نشأ بشأن الخلافة ليس من قبيل الخلاف في الفرعيات، بل هو اختلاف أصلي، لأنه الأساس الذي يبتني عليه اختيار المذهب... وليس كل اختلاف ممدوح، بل أحياناً لا يكون للإختلاف سبب سوى البغي (أي الظلم والفساد) كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقال عز وجل: {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.

وأكثر من هذا، أقول: إن الإختلاف في هذه المسئلة يعني الإختلاف في تحديد المرجعية الشرعية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكل فرقة إسلامية قد اختارت لها مرجعية تبعاً للاختلاف الذي وقع وحدث فعلاً، وهذا الإختيار قد نتجت عنه اختلافات ليست في فروع الدين فحسب، بل امتدت لتصل إلى أصول الدين، فاختلف المسلمون حتى في المسائل المتعلقة بالصفات الإلهية، فوقع بينهم الجدل الكبير حول مسئلة الرؤية، فهل يُرى الله سبحانه وتعالى بالعين أم لا ؟ واختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام... الخ، وكل تلك الإختلافات منشأها الاختلاف في اختيار المرجعية...

وبعد أن عرفنا هذا، لنقرأ بعض الأدلة التي ذكرها الشيعة الإمامية، وسأكتفي بذكر ثلاثة أدلة، اثنان من العقل، وواحد من النقل، ففيها الغنى والكفاية لمن أراد الهداية، وأما من أراد العناد واللجاج فلن يقتنع بأي دليل مهما كان ذلك الدليل...

أولاً: الأدلة العقلية:

الدليل الأول: قاعدة اللطف
استدل الشيعة الإمامية على ضرورة بعثة الأنبياء عليهم السلام بقاعدة عقلية تعرف بـ "قاعدة اللطف" واستدلوا بنفس هذه القاعدة على ضرورة وجود الإمام المعصوم...

وقد عرّف الشيخ المفيد أعلى الله مقامه "اللطف" المقصود هنا بقوله: اللطف: هو ما يقرّب المكلَف معه من الطاعة، ويبعده عن المعصية، ولا حظ له في التمكين، ولم يبلغ الإلجاء.
النكت الإعتقادية ص 35

وقال في توضيحه العلامة الشيخ السبحاني: والمراد من اللطف المقرب هنا، ما عرفت من أن رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الأمة في مجالي العقيدة والشريعة، كما تترك جدالا ونزاعا عنيفا بين الأمة في تعيين الإمام. فالواجب على الله سبحانه من باب اللطف، هو سد هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في علمه بالعقيدة والشريعة، وفي العدالة والعصمة، والتدبير والحنكة، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم شعث الأمة، وجمعهم على خط واحد.
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية ص 387

وايضا شرح المرجع السيد محمد سعيد الحكيم قاعدة اللطف بقوله:
وحينئذٍ فمرجع قاعدة اللطف، إلى أن عموم البشر حيث كانوا في نقص ذاتي، جاهلين بما يصلحهم، غير معصومين من الفساد والشرّ والظلم، بل تتنازع فيهم دواعي الصلاح والفساد، والخير والشرّ، والظلم والعدل، فهم في حاجة إلى إمام معصوم يجمعهم على الصلاح والخير والعدل، ويبعدهم عن الفساد والشرّ والظلم. فمقتضى حكمة الله تعالى ورحمته أن يلطف بهم، ويزيح العلة من قبله عنهم، بأن يجعل لهم إماماً معصوماً، ويعرفهم به بحجة كافية ودليل واضح. ولعله إلى ذلك يشير قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) وحيث كانت حاجتهم لذلك مستمرة في جميع الأوقات تبعاً لدوام نقصهم وحاجتهم، فلابد من وجود إمام معصوم في كل زمان يزيح العلة. ولا يكفي إرسال النبي في وقته بعد أن لم يكن خالداً، لأنه إنما يكون إماماً لعصره، ولا تزاح به العلة بعد ذلك. لما هو المعلوم من حصول الخلاف بعده، وشيوع الشرّ والفساد وخروج الأمة - ولو ببعض فئاتها - عن حظيرة الطاعة لله تعالى، وضياع معالم الحق عليها. هذا هو مفاد قاعدة اللطف الإلهي.

وقال العلامة الحلي وهو يشرح كلام نصير الدين الطوسي أعلى الله مقامهما:
المقصد الخامس في: الإمامة:
قال: الإمام لطف، فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض.
أقول: في هذا المقصد مسائل:
الأولى: في أن نصب الإمام واجب على الله تعالى. إلى أن قال: واستدل المصنف رحمه الله على وجوب نصب الإمام على الله تعالى بأن الإمام لطف، واللطف واجب.
أما الصغرى (أي ان الإمام لطف) : فمعلومة للعقلاء، إذ العلم الضروري حاصل بأن العقلاء متى كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهاوش، ويصدهم عن المعاصي، ويعدهم على فعل الطاعات، ويبعثهم على التناصف والتعادل، كانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد. وهذا أمر ضروري لا يشك فيه العاقل.
وأما الكبرى (أي أن اللطف واجب) فقد تقدم بيانها.
قال: والمفاسد معلومة الإنتفاء، وانحصار اللطف فيه معلوم للعقلاء، ووجوده لطف، وتصرفه آخر، وعدمه منا.
شرح التجريد ص 182

قلت وفي الجملة الأخيرة رد على ابن تيمية وغيره من الذين اعترضوا على الإمامة بالنقض، بأن الإمام غائب !!!

ففيها رد عليهم بعبارة في غاية الإيجاز، وقد شرحها العلامة الحلي، بقوله:
لطف الإمامة يتم بأمور:
منها: ما يجب على الله تعالى: وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله الله تعالى.
ومنها: ما يجب على الإمام: وهو تحمله للإمامة وقبوله لها، وهذا قد فعله الإمام.
ومنها: ما يجب على الرعية: وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم، لا من الله تعالى، ولا من الإمام.
شرح التجريد ص 185

ويجب أن يكون الإمام معصوما، قال العلامة:
المسألة الثانية: في أن الإمام يجب أن يكون معصوما قال: وامتناع التسلسل يوجب عصمته، ولأنه حافظ للشرع، ولوجوب الإنكار عليه لو أقدم على المعصية فيضاد أمر الطاعة، ويفوت الغرض من نصبه، ولانحطاط درجته عن أقل العوام.
أقول: ذهبت الإمامية والإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وخالف فيه جميع الفرق، والدليل على ذلك وجوه:

الأول: أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: أن المقتضي لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الرعية، فلو كان هذا المقتضي ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر، ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي.

الثاني: أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية، ولا السنة لذلك أيضا، ولا إجماع الأمة لأن كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلا لاشتهرت ولا لأمارة إذ يمتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الأمارة الواحدة كما نعلم بالضرورة عدم اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد، أو لا لهما فيكون باطلا، ولا القياس لبطلان القول به على ما ظهر في أصول الفقه، وعلى تقدير تسليمه فليس بحافظ للشرع بالإجماع، ولا البراءة الأصلية لأنه لو وجب المصير إليها لما وجب بعثة الأنبياء وللإجماع على عدم حفظها للشرع، فلم يبق إلا الإمام، فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا الله تعالى به وما كلفناه وذلك مناقض للغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد الله تعالى.

الثالث: أنه لو وقع منه الخطأ لوجب الإنكار عليه، وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.

الرابع: لو وقع منه المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام، والتالي باطل فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أن الغرض من إقامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ من ذلك وهو مناف لنصبه.
الخامس: أنه لو وقع منه المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام، لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وثوابه وعقابه أكثر، فلو وقع منه المعصية كان أقل حالا من رعيته وكل ذلك باطل قطعا.
شرح التجريد ص 186

الخلاصة من قاعدة اللطف:
1 - ان التكليف واجب على الله سبحانه وتعالى بمقتضى رحمته ورأفته ولطفه قال المولى جل شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ}... قال السيد الخوئي أعلى الله مقامه:
تكليف عامة البشر واجب على الله سبحانه، وهذا الحكم قطعي قد ثبت بالبراهين الصحيحة، والأدلة العقلية الواضحة، فإنهم محتاجون إلى التكليف في طريق تكاملهم، وحصولهم على السعادة الكبرى، والتجارة الرابحة.
فإذا لم يكلفهم الله سبحانه، فإما:
* أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف... وهذا جهل يتنزه عنه الحق تعالى.
* وإما لأن الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم... وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق.
* وإما لأنه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك... وهو عجز يمتنع على القادر المطلق.
وإذن فلا بد من تكليف البشر، ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم على خفي التكليف وجليه: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}
البيان ص 34

2 - رسول الله صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء، والتكليف مستمر إلى قيام يوم الدين {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}...

3 – حاجة الناس إلى من يعلمهم حكم الله الواقعي في كل موضوع، مستمرة، وخير دليل حسي على ذلك هو جهل العلماء بأكثر الأحكام الشرعية الواقعية، ولذلك تراهم يختلفون، وهذه ثغرة لا يسدها سوى الإمام المعصوم المطلع على كل أسرار العقيدة والشريعة...

4 - من الضروري أنه لا يجوز لأي أحد أن ينسب لله تعالى حكماً بغير علم، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} وقال عز اسمه: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وقال سبحانه: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}...

من كل هذا ندرك أن وجود إنسان معصوم محيط بكل أسرار دين الله تعالى، ضرورة، وهو الإمام المعصوم، وهو أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن بعده أبنائه الأحد عشر عليهم السلام...

الدليل الثاني: حالة المجتمع تقتضي ضرورة تنصيب الإمام المعصوم
إن من يدرس حالة المجتمع الإسلامي الذي خلفه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يصل إلى نتيجة قطعية بأن ذلك المجتمع كان بحاجة إلى تعيين الإمام، ولم يكن مؤهلاً بعد لانتخاب الإمام بنفسه، وقد قدم لنا السيد الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه دراسة رائعة في هذا الميدان، ومما قاله في تلك الدراسة:

كيف ولد التشيع: نستطيع أن نعتبر التشيع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلا لأطروحةٍ كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصل إليها حفاظا على نموها السليم. ويمكننا أن نستنتج هذه الأطروحة استنتاجاً منطقياً من الدعوة التي كان الرسول الأعظم (ص) يتزعم قيادتها، بحكم طبيعة تكوينها والظروف التي عاشتها، فإن النبي كان يباشر قيادة دعوة إنقلابية، ويمارس عملية تغيير شاملة للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه... ولم يكن الطريق قصيراً أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقاً طويلاً وممتداً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام، فكان على الدعوة التي يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشؤه إنشاءاً جديداً، وتجعل منه الإنسان الإسلامي الذي يحمل النور الجديد وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها.

وقد خطا القائد الأعظم (ص) بعملية التغيير خطوات مدهشة في برهة قصيرة، وكان على عملية التغيير أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي (ص) الذي أدرك منذ فترة قبل وفاته أن أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في "حجة الوداع" ولم يفاجئه الموت مفاجئة. وهذا يعني أنه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم ندخل في الموقف عامل الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية للرسالة عن طريق الوحي.

وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أن النبي (ص) كان أمامه ثلاث طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة:

الطريق الأول: أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته ويتركها في مستقبلها للظروف والصدف... وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي (ص) لأنها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه.....

ثم قال:

الطريق الثاني: أن يخطط الرسول القائد (ص) لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتخذ موقفاً إيجابياً، فيجعل القيمومة على الدعوة وقيادة التجربة للأمة الممثلة على أساس نظام الشورى في جيلها العقائدي الأول، الذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثل للأمة هو الذي سيكون قاعدة للحكم ومحور قيادة الدعوة في خط نموها.

وهنا يلاحظ أن طبيعة الأشياء والموضع العام الثابت عن الرسول (ص) والدعوة والدعاة، يدحض هذه الفرضية، وينفي أن يكون النبي قد انتهج هذا الطريق واتجه إلى ربط قيادة الدعوة بعده مباشرة بالأمة، ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والأنصار على أساس نظام الشورى وفيما يلي بعض النقاط التي توضح ذلك:

1 - لو كان النبي (ص) قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعد موقفا إيجابيا يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي أن يقوم الرسول القائد (ص) بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعا دينيا مقدسا، وإعداد المجتمع الإسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعا سياسيا على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير. ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي (ص) لم يمارس عملية التوعية في نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية، لأن هذه العملية لو كانت قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي (ص) أو في ذهنية الأمة، أو على أقل تقدير في ذهنية الجيل الطليعي منها الذي يضم المهاجرين والأنصار بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي (ص) أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى. وأما ذهنية الأمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها، فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محددة لتوعية من ذاك القبيل. فإن هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين:
أحدهما: الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت.
والآخر: الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلا بعد وفاة النبي (ص).
أما الاتجاه الأول: فمن الواضح أنه كان يؤمن بالوصاية والإمامة، ويؤكد على القرابة، ولم ينعكس منه الإيمان بفكرة الشورى.
وأما الاتجاه الثاني: فكل الأرقام والشواهد في حياته وتطبيقه العملي تدل بصورة لا تقبل الشك على أنه لم يكن يؤمن بالشورى ولم يبن ممارساته الفعلية على أساسها، والشيء نفسه نجده في سائر قطاعات ذلك الجيل الذي عاصر وفاة الرسول الأعظم من المسلمين.
نلاحظ بهذا الصدد للتأكد من ذلك، أن أبا بكر حينما اشتدت به العلة، عهد إلى عمر بن الخطاب (3) فأمر عثمان أن يكتب عهده، فكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، إني أحمد إليكم الله، أما بعد، فإني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوا".
ودخل عليه عبد الرحمن بن عوف فقال: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله ؟ فقال : أصبحت موليا وقد زدتموني على ما بي، ورأيتموني استعملت رجلا منكم، فكلكم قد أصبح ورما أنفه، وكل قد أصبح يطلبها لنفسه.

وواضح من هذا الاستخلاف وهذا الاستنكار للمعارضة أن الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى وأنه كان يرى من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة، فليس هو مجرد ترشيح أو تنبيه، بل هو إلزام ونصب.

ونلاحظ أيضا أن عمر رأى هو الآخر أن من حقه فرض الخليفة على المسلمين، ففرضه في نطاق ستة أشخاص، وأوكل أمر التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعل لسائر المسلمين أي دور حقيقي في الانتخاب.

إن عقلية نظام الشورى لم تتمثل في طريقة الاستخلاف التي انتهجها عمر كما لم تتمثل في الطريقة التي سلكها الخليفة الأول، وقد قال عمر حين طلب منه الناس الاستخلاف: "لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيقة وأبي عبيدة الجراح، ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى" (4).....

ثم قال: إن الطريقة التي مارسها الخليفة الأول والخليفة الثاني للاستخلاف، وعدم استنكار تلك الطريقة والروح العامة التي سادت على الجناحين المتنافسين من الجيل الطليعي "المهاجرين والأنصار" يوم السقيفة، والاتجاه الواضح الذي بدا لدى المهاجرين نحو تقرير مبدأ انحصار السلطة بهم وعدم مشاركة الأنصار في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية التي تجعل من عشيرة النبي ( ص ) أولى العرب بميراثه، واستعداد كثير من الأنصار والآخر من المهاجرين وإعلان أبي بكر الذي فاز بالخلافة في ذلك اليوم عن أسفه لعدم السؤال من النبي عن صاحب الأمر بعده...؟ وكل ذلك يوضح بدرجة لا تقبل الشك أن هذا الجيل الطليعي من الأمة الإسلامية - بما فيه القطاع الذي تسلم الحكم بعد وفاة النبي - لم يكن يفكر بذهنية الشورى، ولم يكن لديه فكرة محددة عن هذا النظام.

فكيف يمكن أن نتصور أن النبي مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعيا وفكريا، وأعد جيل المهاجرين والأنصار لتسلم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام، ثم لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقا واقعيا لهذا النظام أو مفهوما محددا عنه ؟ ! !

كما أننا لا يمكن أن نتصور من ناحية أخرى، أن الرسول القائد (ص) وضع هذا النظام وحدد تشريعيا ومفهوميا، ثم لا يقدم بتوعية المسلمين عليه وتثقيفهم به...

وهكذا يبرهن ما تقدم على أن النبي (ص) لم يكن قد طرح الشورى كنظام بديل على الأمة إذ ليس من الممكن عادة أن تطرح بالدرجة التي تناسب مع أهميتها، ثم تختفي اختفاء كاملا عن الجميع وعن كل الاتجاهات. ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجة أكبر أن نلاحظ:

أولا: إن نظام الشورى كان نظاما جديدا بطبيعته على تلك البيئة التي لم تكن قد مارست قبل النبوة، أي نظام مكتمل للحكم، فكان لا بد من توعية مكثفة ومركزة عليه كما أوضحنا ذلك.

ثانيا: إن الشورى كفكر مفهوم غائم لا يكفي طرحه هكذا، لإمكان وضعه موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصيله وموازينه ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى، وهل تقوم هذه المقاييس على أساس العدد والكم، أو على أساس الكيف والخبرة، إلى غير ذلك مما يحدد للفكرة معالمها ويجعلها صالحة للتطبيق فور وفاة النبي (ص).

ثالثا: إن الشورى تعبر في الحقيقة عن ممارسة للأمة بشكل وآخر للسلطة عن طريق التشاور وتقرير مصير الحكم، فهي مسؤولية تتعلق بعدد كبير من الناس هم كل الذين تشملهم الشورى، وهذا يعني أنها لو كانت حكما شرعيا يجب وضعه موضع التنفيذ عقيب وفاة النبي (ص) لكان لا بد من طرحه على أكبر عدد من أولئك الناس، لأن موقفهم من الشورى إيجابي، وكل منهم يتحمل قسطا من المسؤولية.

وكل هذه النقاط تبرهن على أن النبي (ص) في حالة تبنيه لنظام الشورى كبديل له بعد وفاته يتحتم عليه أن يطرح فكرة الشورى على نطاق واسع وبعمق، وبإعداد نفسي عام، وملأ لكل الثغرات وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، وطرح للفكرة على هذا المستوى كما وكيفا وعمقا، لا يمكن أن يمارس من قبل الرسول الأعظم (ص) ثم تنطمس معالمه لدى جميع المسلمين الذين عاصروه إلى حين وفاته.

ثم قال:
ففي مجال تقييم التربية النبوية، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار:
أولا: قصر الفترة الزمنية، التي مارس النبي (ص) فيها تربيته، لأنها لا تتجاوز تقريبا عقدين من الزمن بالنسبة إلى أقدم ضحية من القلائل الذين رافقوه في بدايات الطريق، ولا تتجاوز عقدا واحدا من الزمن بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من الأنصار، ولا تتجاوز ثلاث سنوات أو أربع بالنسبة إلى الأعداد الهائلة التي دخلت الإسلام، ابتداء منذ صلح الحديبية واستمرارا إلى حين فتح مكة.

ثانيا: الوضع المسبق الذي كان هؤلاء يعيشونه من الناحية الفكرية والروحية والدينية والسلوكية قبل أن يبدأ النبي بممارسة دوره وما كانوا عليه من سذاجة وفراغ وعفوية في مختلف مجالات حياتهم، ولا أجدني بحاجة إلى توضيح إضافي لهذه النقطة، لأنها واضحة بذاتها حيث أن الإسلام لم يكن عملية تغيير في سطح المجتمع بل هو عملية تغيير في الجذور وبناء انقلابي لأمة جديدة وهذا يعني الفاصل المعنوي الهائل بين الوضع المسبق والوضع الجديد الذي بدأ النبي (ص) تربيته للأمة في اتجاهه.

ثالثا: ما زخرت به تلك الفترة من أحداث وألوان الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعددة، الأمر الذي ميز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته، عن نوع العلاقة بين شخص كالسيد المسيح وتلامذته، فلم تكن علاقة مدرس ومرب متفرغ لإعداد تلامذته وإنما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول كمرب وقائد حرب ورئيس دولة.

رابعا: ما واجهته الجماعة المسلمة نتيجة احتكاكها بأهل الكتاب، وبثقافات دينية متنوعة من خلال صراعها العقائدي والاجتماعي....

خامسا: إن الهدف الذي كان يسعى المربي الأعظم (ص) لتحقيقه على المستوي العام وفي تلك المرحلة هو إيجاد القاعدة الشعبية الصالحة، التي يمكن لزعامة الرسالة الجديدة - في حياته وبعد وفاته - أن تتفاعل معها، وتواصل عن طريقها التجربة، ولم يكن الهدف المرحلي وقتئذ تصعيد الأمة إلى مستوى هذه الزعامة نفسها بما تتطلبه من فهم كامل للرسالة، وتفقه شامل على أحكامها، والتحام مطلق مع مفاهيمها، وتحديد الهدف في تلك المرحلة بالدرجة التي ذكرناها كان أمرا منطقيا تفرضه طبيعة العمل التغييري، إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلا وفقا لممكنات عملية، ولا إمكان عملي في حالة كالحالة التي واجهها الإسلام إلا ضمن الحدود التي ذكرناها، لأن الفاصل المعنوي والروحي والفكري والاجتماعي بين الرسالة الجديدة والواقع الفاسد القائم وقتئذ، كان لا يسمح بالارتفاع بالناس إلى مستوى زعامة هذه الرسالة مباشرة وهذا ما سنشرحه في النقطة التالية ونبرهن عن طريقه على أن استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة متمثلة في إمامة أهل البيت، وخلافة علي (ع) كانت أمرا ضروريا يفرضه منطق العمل التغييري على مسار التاريخ.

سادسا: إن جزءا كبيرا من الأمة التي تركها النبي (ص) بوفاته كان يمثل مسلمة الفتح، أي المسلمين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة وبعد أن أصبحت الرسالة الجديدة سيدة الموقف في الجزيرة العربية سياسيا وعسكريا، وهؤلاء لم يتح للرسول الأعظم (ص) أن يتفاعل معهم في الفترة القصيرة التي أعقبت الفتح إلا بقدر ضئيل، وكان جل تفاعله معهم بوصفه حاكما بحكم المرحلة التي كانت الدولة الإسلامية تمر بها، وفي هذه المرحلة برزت فكرة المؤلفة قلوبهم والتي أخذت موضعها في تشريع الزكاة، وفي إجراءات أخرى، ولم يكن هذا الجزء من الأمة مفصولا عن الأجزاء الأخرى بل مندمجا فيها ومؤثرا ومتأثرا في نفس الوقت.

ففي إطار هذه الأمور الستة نجد أن التربية النبوية أنتجت إنتاجا عظيما، وحققت تحولا فريدا، وأنشأت جيلا صالحا مؤهلا لما استهدفه النبي من تكوين قاعدة شعبية صالحة للالتفاف حول الزعامة القائدة للتجربة الجديدة وإسنادها، ولهذا نجد أن ذلك الجيل كان يؤدي دوره كقاعدة شعبية صالحة ما دامت الزعامة القائدة الرشيدة كانت قائمة في شخص النبي، ولو قدر لهذه الزعامة أن تأخذ مسارها الرباني لظلت القاعدة تؤدي دورها الصالح.

غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أنها مهيأة فعلاً لكي تتسلم هذه الزعامة وتقود بنفسها التجربة الجديدة، لأن هذه التهيئة تتطلب درجة أكبر من الإنصهار الروحي والإيماني بالرسالة، وإحاطة أوسع كثيراً بأحكامها ومفهاهيمها ووجهات نظرها المختلفة عن الحياة، وتطهيرا أشمل لصفوفها من المنافقين والمندسين والمؤلفة قلوبهم الذين كانوا لا يزالون يشكلون جزءا من ذلك الجيل له أهميته العددية ومواقعه التاريخية، كما أن له آثاره السلبية، بدليل حجم ما تحدث به القرآن الكريم عن المنافقين ومكائدهم ومواقفهم.

وتواجد أفراد في ذلك الجيل قد استطاعت التجربة أن تبنيهم بناء رساليا رفيعا، وتصهرهم في بوتقتها، كسلمان وأبي ذر وعمار وغيرهم.... أقول إن تواجد هؤلاء الأفراد ضمن ذلك الجيل الواسع، لا يبرهن على أن ذلك الجيل ككل بلغ إلى الدرجة التي تبرر إسناد مهام التجربة إليه من أساس الشورى.... وحتى أولئك الأفراد الذين مثلوا النمط الرفيع رساليا من ذلك الجيل لا يوجد في أكثرهم ما يبرر افتراض كفاءتهم الرسالية لزعامة التجربة من الناحية الفكرية والثقافية على الرغم من شدة إخلاصهم وعمق ولائهم لأن الإسلام ليس نظرية بشرية لكي يتحدد فكريا من خلال الممارسة والتطبيق وتتبلور مفاهيمه غبر التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها الأحكام والمفاهيم، وزودت ربانيا بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة، فلا بد لزعامة هذه التجربة من استيعاب للرسالة بحدودها وتفاصيلها، ووعي على أحكامها ومفاهيمها وإلا اضطرت إلى استلهام مسبقاتها الذهنية ومرتكزاتها القبلية وأدى ذلك إلى نكسة في مسيرة التجربة وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارس زعامته التي تشكل الأساس لكل ذلك الامتداد تجارب الخطأ والصواب التي تتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكل ثغرة تهدد التجربة بالسقوط والانهيار.

وكل ما تقدم يدل على أن التوعية التي مارسها النبي (ص) على المستوى العام في المهاجرين والأنصار لم تكن بالدرجة التي يتطلبها إعداد القيادة الواعية الفكرية والسياسية لمستقبل الدعوة وعملية التغيير، وإنما كانت توعية بالدرجة التي تبني القاعدة الشعبية الواعية التي تلتف حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل.

وأي افتراض يتجه إلى القول بأن النبي (ص) كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعده مباشرة إلى جيل المهاجرين والأنصار، يحتوي ضمنا اتهام أكبر وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية، بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية.

الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء، ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي (ص) هو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفا إيجابيا، فيختار بأمر من الله سبحانه وتعالى شخصا يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعده إعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصل بعدة وبمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الأمة وبناءها عقائديا، وتقويتها باستمرار نحو المستوى الذي تؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية.

وهكذا نجد بأن هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة، وصيانة التجربة من الانحراف في خط نموها، وهكذا كان.

وليس ما تواتر عن النبي (ص) من النصوص التي تدل على أنه كان يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفياً عقائدياً خاصاً لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وأنه (ص) قد عهد إليه بمستقبل الدعوة وزعامة الأمة من بعده فكريا وسياسيا، ليس هذا إلا تعبيرا عن سلوك القائد الرسول للطريق الثالث الذي كانت تعرضه، وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الأشياء كما عرفنا.

ولم يكن هذا الشخص الداعي المرشح للإعداد الرسالي والقيادي والمنصوب لتسلم مستقبل الدعوة وتزعمها فكريا وسياسيا، إلا على بن أبي طالب عليه السلام، الذي رشحه لذلك عمق وجوده في كيان الدعوة، وإنه المسلم الأول والمجاهد الأول في سبيلها عبر كفاحها المرير ضد كل أعدائها، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول (ص) وأنه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره ونشأ في كنفه وتهيأت له من فرص التفاعل معه والإندماج بخطه ما لم يتوفر لأي إنسان آخر.

والشواهد من حياة النبي (ص) والإمام عليه السلام، على أن النبي (ص) كان يعد الإمام إعدادا رساليا خاصا كثيرة جدا، فقد كان النبي (ص) يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها، ويبدؤه بالعطاء الفكري والتثقيف، إذا استنفد الإمام أسئلته.

ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق، سألت القاسم بن العباس: كيف ورث على رسول الله ؟
قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً، وأشدنا به لزوقاً.

وفي حلية الأولياء، عن ابن عباس أنه يقول: كنا نتحدث أن النبي (ص) عهد إلى علي سبعين عهداً، لم يعهد إلى غيره.

وروي النسائي عن ابن عباس عن علي أنه يقول: كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق، كنت أدخل على نبي الله كل ليلة، فإن كان يصلي سبح فدخلت، وإن لم يكن يصلي أذن لي فدخلت.

وروي أيضا عن الإمام عليه السلام، قوله: كان لي مع النبي (ص) مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار.

وروى النسائي عن الإمام أيضا أنه كان يقول: كنت إذا سألت رسول الله (ص) أعطيت، وإذا سكت ابتدأني.

ورواه الحاكم في المستدرك أيضا، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

وروى النسائي عن أم سلمة أنها كانت تقول: والذي تحلف به أم سلمه أنه أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) علي عليه السلام، قالت: لما كانت غداة قبض رسول الله فأرسل إلى رسول الله، وأظنه كان بعثه في حاجة، فجعل يقول: جاء علي ؟ ثلاث مرات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلما أن جاء عرفنا أن إليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنا عند رسول الله (ص) يومئذ في بيت عائشة، وكنت في آخر من خرج من البيت، ثم جلست من وراء الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكب عليه على، فكان آخر الناس به عهدا فجعل يساره ويناجيه.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة الشهيرة وهو يصف ارتباطه الفريد بالرسول القائد وعناية النبي (ص) بإعداده وتربيته: "وقد علمتم موضعي من رسول الله والقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ لشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، وقد كنت أتبعه أتباع الفصيل لأثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورني كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، وثم بجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة"

إن هذه الشواهد وشواهد أخرى كثيرة، تقدم لنا صورة عن ذلك الإعداد الرسالي الذي كان النبي (ص) يمارسه في سبيل توعية الإمام على المستوى القيادي للدعوة، كما أن في حياة الإمام علي عليه السلام بعد وفاة القائد الرسول (ص) أرقاما كثيرة جدا تكشف عن ذلك الإعداد العقائدي الخاص للإمام علي من قبل النبي....
إلى آخر البحث القيم والنافع جدا، فليراجع...

ثانياً: الأدلة النقلية:
بعد أن قرأنا الأدلة العقلية المتقدمة، سيكون من السهل فهم الروايات التي يستدل بها الشيعة الإمامية، وهنا نجد ذخيرة كبيرة جداً من الروايات، وكل واحد منها يكفي للإيفاء بالغرض المقصود، لذا سأكتفي بذكر حديث واحد فقط، وهو أهم حديث يستدل به الشيعة الإمامية، ألا وهو حديث الغدير:

روى الكليني رحمه الله عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، والفضيل بن يسار، وبكير بن أعين، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وأبي الجارود، جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال:
أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ) وفرض ولاية أولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمدا صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية، كما فسر لهم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فلما أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله، وتخوف أن يرتدوا عن دينهم، وأن يكذبوه، فضاق صدره، وراجع ربه عز وجل، فأوحى الله عز وجل إليه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
فصدع بأمر الله تعالى ذكره، فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم، فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب.
قال عمر بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود: وقال أبو جعفر عليه السلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).
قال أبو جعفر عليه السلام: يقول الله عز وجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض.
الكافي ج 1 ص 289

وروى الشيخ الصدوق قدس سره قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد جميعا، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال:
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع ونحن معه، أقبل حتى انتهى إلى الجحفة، فأمر أصحابه بالنزول فنزل القوم منازلهم، ثم نودي بالصلاة فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أقبل بوجهه إليهم فقال لهم: إنه قد نبأني اللطيف الخبير أني ميت وأنكم ميتون، وكأني قد دعيت فأجبت وأني مسؤول عما أرسلت به إليكم، وعما خلفت فيكم من كتاب الله وحجته وأنكم مسؤولون، فما أنتم قائلون لربكم ؟
قالوا: نقول: قد بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء.
ثم قال لهم: ألستمْ تشهدون أن لا إله إلا الله ؟
وأني رسول الله إليكم ؟
وأن الجنة حق ؟
وأن النار حق ؟
وأن البعث بعد الموت حق ؟
فقالوا: نشهد بذلك.
قال: اللهم اشهد على ما يقولون، ألا وإني اشهدكم أني أشهد أن الله مولاي، وأنا مولى كل مسلم، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل تقرون لي بذلك ؟ وتشهدون لي به ؟
فقالوا: نعم، نشهد لك بذلك.
فقال: ألا من كنتُ مولاه فإن علياً مولاه، وهو هذا، ثم أخذَ بيد عليٍ عليه السلام فرفعها مع يده حتى بدت آباطهما، ثم قال: اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، ألا وإني فرطكم وأنتم واردون علي الحوض، حوضي غداً وهو حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء فيه أقداح من فضة عدد نجوم السماء، ألا وإني سائلكم غداً ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم عليّ حوضي، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني ؟
قالوا: وما هذان الثقلان يا رسول الله ؟
قال: أما الثقل الأكبر، فكتاب الله عز وجل، سبب ممدود من الله ومني في أيديكم، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة، وأما الثقل الأصغر فهو حليف القرآن وهو علي بن أبي طالب و عترته عليهم السلام، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
قال معروف بن خربوذ: فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر عليه السلام فقال: صدق أبو الطفيل رحمه الله هذا الكلام وجدناه في كتاب علي عليه السلام وعرفناه.

قال الشيخ الصدوق: وحدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير.
وحدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال: حدثنا الحسين بن محمد ابن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن محمد بن أبي عمير.
وحدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري بمثل هذا الحديث سواء.
قال مصنف هذا الكتاب أدام الله عزه: الأخبار في هذا المعنى كثيرة وقد أخرجتها في كتاب المعرفة في الفضائل.
الخصال ص 65

ورواه جماعة من أهل السنة، منهم الحاكم النيسابوري، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن احمد بن تميم الحنظلي ببغداد، ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا يحيى بن حماد... وحدثني أبو بكر محمد بن احمد بن بالويه، وابو بكر احمد بن جعفر البزار، قالا: ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثنى أبي، ثنا يحيى بن حماد... وثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، ثنا خلف بن سالم المخرمي، ثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش، قال: ثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال:
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن فقال: كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: إن الله عز وجل مولاى، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وذكر الحديث بطوله.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله (شاهده) حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل ايضا صحيح على شرطهما .

وقال الذهبي على ما نقل عنه ابن كثير في البداية والنهاية ج 5 ص 232 وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وأما اللهم وال من والاه، فزيادة قوية الإسناد.

وقال ابن حجر العسقلاني: وأما حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها: صحاح، وحسان، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة، ما بلغنا عن علي بن أبي طالب.
فتح الباري ج 7 ص 61

وصححه الألباني، ورد على ابن تيمية، ومما قاله:
وجملة القول، أنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأوّل منه متواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يظهر لمن تتبّع أسانيده وطرقه، وما ذكرتُ منها كفاية... قال: إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته، أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب ! وهذا من مبالغاته الناتجة ـ في تقديري ـ من تسرعه في تضعيف الأحاديث، قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان.
سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص1750

وقفة مع ابن تيمية في كلامه حول حديث الغدير:
تقدم ان حديث الغدير صحيح بل متواتر، وايضا هو واضح الدلالة على تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام إماماً وخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولوضوحه فإني لن أنقل شيئاً مما ذكره علمائنا، بل سأكتفي بالإحالة إلى كتاب المراجعات للسيد شرف الدين قدس سره...

وقد أشرتُ في المقدمة إلى هملجة ابن تيمية حول حديث الغدير، فأنقل كلامه ثم أعقب عليه، قال:
وأما قوله: "{من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه}... إلخ" فهذا ليس في شيء من الأمهات؛ إلا في الترمذي وليس فيه إلا: "{من كنت مولاه فعلي مولاه} وأما الزيادة (5) فليست في الحديث.
وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية... ولا ريب أنها كذب لوجوه:
أحدها: أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة وأتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه: كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل.
وقوله: "{اللهم انصر من نصره}.. إلخ" خلاف الواقع؛ قاتل معه أقوام يوم "صفين" فما انتصروا وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا: "كسعد" الذي فتح العراق لم يقاتل معه وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله.
وكذلك قوله: "{اللهم وال من والاه وعاد من عاداه} مخالف لأصل الإسلام؛ فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض وقوله: "{من كنت مولاه فعلي مولاه} فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره؛ ومنهم من حسنه...
فإن كان قاله فلم يرد به ولاية مختصا بها؛ بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم ففيه رد على النواصب.

والرد سيكون في خمس نقاط
1 – ابن يتيمة يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله !!!
ان ابن تيمية (في هذا المورد كما في غيره ايضا) يرد على النص الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالقياس...
فيقول عن حديثٍ صحيح: انه كذب، وانه مخالف لأصل الإسلام !!!
فهل أصبح أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟؟؟
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} وقال عز من قائل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}...

فالمسلم لا يرد ما بَلَغَهُ عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالنقل الصحيح فضلا عن المتواتر...

أما ابن تيمية (6) فلا مانع لديه من هذا !!!

فها هو يرد حديث الغدير وهو حديث صحيح، لأنه صريح الدلالة على عصمة أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا ما لا يتفق مع هوى ابن تيمية، نعم هوى ابن تيمية، لأن ابن تيمية قد صحح روايات لا تبلغ درجة هذا الحديث من حيث الصحة، بل صحح روايات موضوعة، كرواية الشاب الأمرد !!! ولو لم يكن حديث الغدير دالّ على العصمة، لما رده ابن تيمية...

2 – قوله: الحق لا يدور مع معين... الخ
إن رسول الله صلى الله عليه وآله يريد أن يقول: ان علياً مع الحق والحق مع علي... وان معادة علي عليه السلام ليست كمعادة عامة المؤمنين، لكن ابن تيمية لا يعجبه هذا الكلام، ولا يستسيغه أصلاً...

ولكن هذا هو الحق، وقد روى الحاكم النيسابوري، بسند صحيح على شرط الشيخين (7) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي فقال: يا علي، أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
المستدرك ج 3 ص 127

وروى الحاكم ايضا بإسناده عن أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.
قال الحاكم: هذا حديث حسن من حديث أبي عبدالله أحمد بن حنبل عن تليد بن سليمان فإني لم أجد له رواية غيرها، وله شاهد عن زيد بن أرقم.... الخ
المستدرك ج 3 ص 149

3 – قوله: ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة وأتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه...
هذه مصادرة على المطلوب، فمن أين علم ابن تيمية ان الحق مع من نازعه ؟؟؟
ومجرد وجود النص لا يكفي ليكون دليلا، لأمكان أن يكون النص غير صحيح أو منسوخ...

ثم ان ملازمة علي للقرآن وملازمة القرآن لعلي عليه السلام دائماً وأبداً هي مقتضى حديث الثقلين، الذي أخرجه الشيعة والسنة وممن أخرجه مسلم بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيبا بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي... الحديث
صحيح مسلم ج 7 ص 122

وروى الشيخ الطوسي بسنده عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي مع القرآن، والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض.
الأمالي ص 460

ورواه الطبراني عنها رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول: علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا على الحوض.
المعجم الصغير ج 1 ص 255

4 – قول ابن تيمية: وقوله: "{اللهم انصر من نصره}.. إلخ" خلاف الواقع !!!
خلاف الواقع = الكذب، فقد عرف الكذب بأنه الإخبار بخلاف الواقع !!!

وابن تيمية بهذا الإشكال لا يعترض على الحديث، وإنما يعترض على كتاب الله تعالى، ففيه قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}...

وقال تعالى في آية أخرى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}...

فكيف يخبر الله تعالى بانه ينصر رسله في الدنيا والآخرة، وفي نفس الوقت يخبر بأن الأمم السابقة كانت تكّذّب بل تقتل أنبيائها ؟؟؟

وقد انهزم المسلمون في أحد، ورسول الله وهو سيد المرسلين صلى الله عليه وآله بين أظهرهم !!!

روى مسلم بسنده عن أنس: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أحد، وشُج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}...

فالجواب هناك هو الجواب هنا (8)...

5 – تأويله للحديث:
ثم ان ابن تيمية بعد أن كذّب الحديث الشريف، تنازل قليلا، فقال انه لو قَبِلَ هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وآله، فسوف يحمله على معنىً آخر غير المعنى الذي يدل عليه ظاهر الكلام، فقبل أن يقبل الحديث لا بد من إجراء عملية محق لكل فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام من الحديث، فانظر إلى قوله (9) : (فإن كان قاله ! فلم يرد به ولاية مختصا بها؛ بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة، ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم، ففيه رد على النواصب).

وبهذا لم ينزع ابن تيمية الفضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام وخصوصيته الثابتة بهذه الحديث فحسب، بل نزع ايضا الحكمة من وقوف رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك الموقف ليقول للمسلمين: عليٌ مؤمن !!!

نعم، بناءاً على تأويل ابن تيمية يكون معنى الحديث مجرد تنصيص على ان علياً مؤمن كسائر المؤمنين، وكما ان المؤمنين بعضهم أولياء بعض فكذلك علي !!!

وهذا المعنى أقرب ما يكون إلى الهزل منه إلى الجد، ونحن ننزه رسول الله صلى الله عليه وآله عن الهزل...

وأما قوله: ففيه رد على النواصب !!!

فهو غريب، فهل كان يوجد صحابة نواصب، حتى يحتاجوا لهذا الكلام ؟؟؟

ويبقى حديث الغدير سندا لإثبات ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، يؤيده ما يقتضيه لطف الله تعالى بعباده، وتؤكده حاجة المجتمع إليه، ذلك المجتمع الذي كان يقول بلسان حاله: لم أبلغ بعد المقام الذي يؤهلني لاختيار الخليفة...

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين...

.................................................. ..............
هامش:

(1) القرطبي: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.... إلى أن قال: وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. قال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.
تفسير القرطبي ج 16 ص 321

(2) الذهبي: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم. وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا} فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة...
سير أعلام النبلاء ج 10 ص 92

(3) البخاري: عن ابن عمر قال: قيل لعمر ألا تستخلف ؟ قال: إن استخلف، فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وأن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث
صحيح البخاري ج 8 ص 126

(4) ابن كثير: وروي عن عمر أنه قال لما أحتضر: لو كان سالما حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه: أنه كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة.
البداية والنهاية ج 6 ص 370

(5) ذهب جماعة من المحدثين إلى جواز اختصار الحديث، وقد عقد الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية في علم الرواية باباً بعنوان: باب ذكر الرواية عمن أجاز النقصان من الحديث ولم يجز الزيادة، ومما رواه بسنده عن مجاهد قال: أنقص من الحديث، ولا تزد فيه. وعن خالد بن محمد الصفار قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد. قال الخطيب: ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نضر الله من سمع مقالتي فلم يزد فيها، قالوا: وهذا يدل على أن النقصان منها جائز، إذ لو لم يكن كذلك لذكره كما ذكر الزيادة.
الكفاية في علم الرواية ص 223
قلتُ: ولهذه العلة روى بعض المحدثين حديث الغدير أنقص من البعض الآخر !!!

(6) وشتان ما بين قول ابن تيمية وبين أقوال الشافعي التالية:
* قال الحميدي: روى الشافعي يوما حديثا، فقلت: أتأخذ به ؟
فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو علي زنار، حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا أقول به ؟ !
* قال الربيع: وسمعته يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلم أقل به.
* وقال أبو ثور: سمعته يقول: كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني.
* ويروى أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث، فاضربوا بقولي الحائط.
سير أعلام النبلاء ج 10 ص 34

(7) للتعرف على الحديث وسنده (اضغط هنا) (http://69.57.138.175/forum/showthread.php?t=402721535)...

(8) قال العلامة الطبرسي رحمه الله: فإن النصر قد يكون بالحجة، ويكون أيضا بالغلبة في المحاربة، وذلك بحسب ما تقتضيه الحكمة، ويعلمه سبحانه من المصلحة، ويكون أيضا بالالطاف، والتأييد، وتقوية القلب، ويكون بإهلاك العدو، وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصروا أيضا بالقهر على من ناوأهم، وقد نصروا بإهلاك عدوهم، وإنجائهم مع من آمن معهم، وقد يكون النصر بالإنتقام لهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، حين قتل به سبعون ألفا، فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه. تفسير مجمع البيان ج 8 ص 448

(9) ولا يخفى على البصير ما في هذا الأسلوب من سوء أدب تجاه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله !