PHP Warning: ini_set() has been disabled for security reasons in ..../vb/vb.php on line 114
كيف تنسجم فلسفة وأدلة الإمامة والهداية مع الغيبة الكبرى؟ [الأرشيف] - شبكة الكافي

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تنسجم فلسفة وأدلة الإمامة والهداية مع الغيبة الكبرى؟



أدب الحوار
01-14-2011, 05:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
كيف تنسجم فلسفة وأدلة الإمامة والهداية مع الغيبة الكبرى؟


إن الإمامة ضرورة ملحَّة تبتني على احتياج الناس إلى الهادي المرشد الذي يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان ويبين لهم المسار الذي ينتهي بهم إلى رضا الله تعالى ويخرجهم من الظلمات إلى النور.. وقد جاءت النصوص ـ قرآناً وسنةً ـ لتؤكد أهمية الإمامة ولتبين الهداة من بعد النبي صلى الله عليه وآله. ومن الجدير بالتنويه أن الأمة متفقة على ضرورة الإمامة واحتياج العباد إلى الأئمة، ولكن أهل السنة ادعوا أن هذه السلسلة المباركة قد انقطعت بوفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وأنه ما عاد هناك أئمة يحملون مشعل الهداية كما حملها الأئمة من قبل ممثلين في الأنبياء وأوصياء الأنبياء. وهذه الدعوى لا دليل عليها، كما أنها تنافي أدلة الإمامة العامة في القرآن الكريم، وهي التي تشمل إمامة الأنبياء منذ آدم عليه السلام وصولاً إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، وتشمل ورثة الكتاب من ذريته المباركة الذين هم ذرية إبراهيم الذين جعل الله فيهم الكتاب.


والمهم الذي نريد أن نركز عليه في هذا الموضوع هو التساؤل عن وجه انسجام أدلة الإمامة وفلسفتها مع الغيبة الكبرى، حيث يتصور البعض أن هناك تنافياً بين الأدلة التي يسوقها شيعة أهل البيت عليهم السلام لتثبيت الإمامة من جهة، وبين الغيبة التي يفسرونها بحرمان الأمة من الهادي من جهة أخرى.. فلو كان لا بد من الهادي المعصوم بعد النبي إلى قيام الساعة، فكيف انتقض هذا الأساس بالغيبة الكبرى..


وإجابة عن هذا السؤال أطرح هذا الموضوع، علماً أن الحاجة إليه شديدة كما لمست في حواراتي في غيرما مناسبة ومكان.

نسأل سؤالاً ـ للتقريب والتوضيح ـ : هل العين نعمة من الله تعالى على الإنسان؟

الجواب: نعم، وهي من أعظم نعمه، وكذا بقية القوى التي يستعملها الإنسان في الإدراك..

والآن نسأل مرة أخرى: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يخلق الله كثيراً من الناس عمياناً، أو فاقدين لواحد أو أكثر من الحواس؟

إن الجواب الصحيح عن هذا السؤال هو: أن الأصل والقاعدة الامتنانية هي أن يخرج الإنسان إلى هذه الدنيا سالماً معافى من كل سوء، والعمى مرفوض فيما يحبه الله للإنسان، إلا أن مجموعة من الظروف التي تحكم علاقات الأشياء بعضها ببعض توجب أن يحصل خلل دنيوي يذهب ضحيته بعض الناس، والله قادر على التدخل، ولكنه ـ تبارك وتعالى ـ لا يتدخل لتجري الأمور على أسبابها الطبيعية في أكثر الحالات، وفي نفس الوقت لا تتحول حالة العمى والنقص الخلقي إلى قاعدة أصلية، إلا أنها تتحقق ضمن قاعدة وقانون كلي آخر هو ضمن قوانين مخلوقات الله تعالى.. والله تبارك وتعالى يمتحن بمثل هذه الظواهر الناس، فيميز الخبيث من الطيب..
وبالرغم من وضوح هذه الإجابة، إلا أنها تحتاج إلى عقل صاف وقلب شفاف.. وإلا فالملحدون يتمسكون بالخلل في المخلوقات لينفوا وجود خالق حكيم يدير الكون ويدبره..!

والآن لنرى مدى قرب وانطباق هذا المثال على موضوعنا:

إن الأصل والقاعدة هي أن الله تعالى يحب أن يهدي مخلوقاته عبر خلفائه في الأرض، فيعطيهم العلم والحكمة والكتاب، ويعصمهم من الانحرافات، ويجعلهم أسوة للبشرية جمعاء..
إلا أن هذا لا يمنع ـ ضمن ظروف استثنائية ـ أن يُغيِّب الله خليفته، ومن تلك الظروف ـ على سبيل المثال ـ عتو الناس وعدم انصياعهم لخليفته، والله تعالى لا يحب أن يكون الناس من غير إمام يرونه ويراهم، ويلتقونه ويستمدون منه، إلا أن هذا لا يمنع في ظل الظروف الاستثنائية أن تتفعل سنة أخرى وهي سنة الغيبة.

إذاً فالأصل هو الوجود بين ظهراني الناس، لأن الدليل العقلي والنقلي يوجب ذلك، كما أن الأصل أن يولد الناس مع نعمة البصر والبصيرة، إلا أن هذا لا يعني استحالة أن تتحق شروط استثنائية توجب حرمان الناس من نعمة حضور الهادي بينهم بحيث يرونه ويراهم، كما أن الظروف (الوراثية) تقتضي أن يحرم كثير من الناس من نعمة البصر مثلاً.

إلا أن الحرمان من حضور المعصوم لا يعني الحرمان بصورة مطلقة ومطبقة من هدايته وبركة وجوده، ومن يتصور خلاف ذلك فإن السبب في ذلك هو توهم أن الفائدة من وجود المعصوم تنحصر في تأدية رزمة معينة من التعاليم الدينية فحسب، وهذا تصور غير صحيح، بل الصحيح أن لوجود المعصوم ـ حتى وهو غائب ـ ثلاث فوائد أخرى:

1 ـ التمييز بين المؤمن باعتقاده بولاية المعصوم، والكافر بإنكاره لذلك. تماماً كما كان الإيمان بنبوة رسول الله (ص) فارقاً بين المؤمن والكافر حتى بغض النظر عن التعاليم الدينية الأخرى التي يحملها النبي إلى الناس، فالنبوة والإمامة في حد نفسهما يمثلان ركناً من أركان الدين.


2 ـ الدعاء والصلوات على المؤمنين والاستغفار لهم، وهو أمر مهم جداً، وقد قال الله لرسول الله صلى الله عليه وآله: (وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) . وهكذا يبقى المؤمنون بحاجة إلى المدد المبارك الذي يُستنزل ببركة دعاء المعصوم واستغفاره، وهذا يتحقق حتى والمعصوم غائب.

3 ـ التدخل (بالصورة المناسبة للغيبة) في تسديد وترشيد المسار، خصوصاً في المنعطفات المهمة والخطرة، وهذا أيضاً لا يتنافى مع الغيبة.

هذا، ويلزم التنبيه إلى أن عصر الغيبة الكبرى يتميز بعنصر خاص وهو وجود تراث حديثي ضخم وصل عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، يمثل صمام الأمان بالنسبة إلى الشيعة، بحيث يمكنهم ببركته أن يتحركوا في عصر الغيبة ويدخلوا تجربة الامتحان والصبر، حتى يفرج الله عن وليه ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ فيكون بفرجه فرج شيعته الأبرار.

إلا أن هذا التراث الحديثي الضخم يتطلب فقاهة ومستوى عالياً نت العلم والفهم والورع؛ ليكون التعامل مع التراث تعاملاً سليماً إلى أكبر قدر ممكن، وهو ما يبرر لزوم الالتفاف حول أهل العلم والفقهاء، والحذر من الجهلة الذين يزعمون التوفر على العلم بالاستمداد مباشرة من الروايات، كما هو ملحوظ في دعاوي الفئات الضالة من المجموعات الشيعية المنحرفة.


فتلخص مما تم ذكره:
1 ـ أن القاعدة الأصلية التي تقتضيها الأدلة هي وجود وحضور المعصوم في كل زمان.
2 ـ أن غيبة (مع وجوده) المعصوم هي ضمن قاعدة استثنائية، وليس نقضاً كلياً للقاعدة الأصلية.
3 ـ أن غيبة المعصوم لا توجب تعطيل جميع وظائفه، بل هناك أمور أساسية تتوقف على وجوده ونشاطه حتى في حال غيبته.
والله ولي التوفيق.