المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيعة هم الذين ردوا الغزو المغولي ..



الشيخ العاملي
05-09-2010, 09:12 PM
مقدمة

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين .

وبعد ، فإن من سنن التاريخ أن الأمة الغالبة تفرض ثقافتها على الأمم المغلوبة ، وقد أجمع المؤرخون على أن هذه القاعدة لم تنخرم إلا في الغزو المغولي لبلاد المسلمين فإن الأمة المغلوبة فرضت ثقافتها عليهم فأسلموا وذابوا في بحرها !
أما سبب لك فهو جهود شخصيتين: إسم أحدهما محمد بن محمد بن الحسن المشهور باسم خواجة نصير الدين الطوسي قدس سره ، والثاني يوسف بن المطهر المشهور باسم العلامة الحلي قدس سره ! فقد واجه هذان المرجعان العبقريان المدَّ المغولي وركَّزا عملهما على قادته فأجادا العلاقات والأساليب مع طاغيتهم الأكبر هولاكو وأبنائه ووزرائه، وأثمرت جهودهما بسرعة نسبية فأسلم على أيديهما أبناء هولاكو وكبار قادة جيشهم ، فتغيرت نظرتهم وشعورهم تجاه الإسلام وأمته ، وبعضهم أسلم وحسن إسلامه ، وكان أولهم إسلاماً أحمد بن هولاكو ، وأكثرهم أثراً نيقولاوس بن آرغون بن أبغا بن هولاكو ، الذي عرف بلقب(خدابنده)وهي كلمة فارسية بمعنى عبدالله ، فقد أسلم وتشيع على يد العلامة الحلي قدس سره وتسمى بمحمد ، ورافقه العلامة حتى وفاته سنة716 وتسلم بعده ابنه أبو سعيد ، فعاد العلامة الى بلده الحلة ، وعاش بقية عمره المبارك ليكتب بقية مؤلفاته ويلقى ربه وهو قرير العين بما أنجز .
قال ابن خلدون في تاريخه:7/726: (فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد جنكيزخان من المغل ثم من الططر ، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز ، وأصبحوا وكأنهم في تلك الممالك خلف من السلجوقية والغز ، واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد وانقرض ملك بني هولاكو بموت أبي سعيد آخرهم سنة أربعين من المائة الثامنة ، وافترقت دولتهم بين عمال الدولة وقرابتها من المغل ). انتهى.
كان الزحف المغولي قوياً عاتياً ، سرعان ما شمل أكثر بلاد الأمة وتسلط المغول على مقدراتها ، فحكم منهم واحد وعشرون ملكاً لأكثر من قرن ونصف وكان عددهم في أول زحفهم مئات الألوف، وربما بلغوا بعد قرن ونصف عشرة ملايين ، ولم يسجل التاريخ رجوع جماعات منهم الى موطنهم الأصلي برِّ الصين ، ومعناه أنهم سكنوا وتناسلوا في بلاد المسلمين وذابوا في بحر الأمة حتى أنك الآن لاتعرف أبناءهم إلا بصعوبة ، بما بقي من أسمائهم أو ملامحهم.

لقد كان العمل الأصعب هو عطف أذهانهم وقلوبهم من الوثنية الى الإسلام ، وتبديل تعطشهم الى الدماء والتدمير والسيطرة الى حب الهدوء والتقوى !
وهو أمرٌ لم يتمكن منه إلا المرجعان نصير الدين الطوسي قدس سره وتلميذه العلامة الحلي قدس سره بما آتاهما الله من شخصية شمولية ، جاذبة حتى لأعدائها !
(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).





الفصل الأول


خلاصة عن المغول وغزوهم بلاد المسلمين






المغول قبائل شمال الصين (منغوليا)


كانت الصين ستة أقسام يحكم كل قسم ملك ، والقسم المجاور لآسيا الوسطى يشمل منغوليا الفعلية وعاصمته طوغاج والمسافة بينها وبين بخارى مسير ستة أشهر وشعبها قبائل التتار أو المغول أوالمنجول .
وكان ملكهم في مطلع القرن السابع الهجري أو الخان الكبير جنكزخان ، ويقابله السلطان السلجوقي خوارزم شاه ، الحاكم العام لخراسان وشرق آسيا من قبل الخليفة العباسي في بغداد . (راجع تاريخ أبي الفداء/744).
قال الذهبي في تاريخه:44/22: (وجاءه من جنكس خان رسلٌ وهم محمود الخوارزمي وخواجا علي البخاري ، ومعهم من طُرَف هدايا الترك من المسك وغيره ، والرسالة تشتمل على التهنئة بسلامة خوارزم شاه ويطلب منه المسالمة والهدنة ، وقال: إن الخان الأعظم يسلم عليك ويقول: ليس يخفى عليَّ عظم شأنك ، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم ، وأرى مسالمتك من جملة الواجبات ، وأنت عندي مثل أعز أولادي ، وغير خاف عنك أنني ملكت الصين ، أنت أخبر الناس ببلادي وإنها مثارات العساكر والخيول ، ومعادن الذهب والفضة ، وفيها كفاية عن طلب غيرها ، فإن رأيت أن نعقد بيننا المودة وتأمر التجار بالسفر لتعم المصلحتان ، فعلتَ .
فأحضر السلطان خوارزم شاه محموداً الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا ولا بد لك من موالاة فينا ووعده بالإحسان إن صدقه ، وأعطاه معضدة مجوهرة نفيسة وشرط عليه أن يكون عيناً له على جنكز خان فأجابه ، ثم قال له: أصدقني أجنكز خان ملك طمغاج الصين؟ قال: نعم . فقال: ما ترى في المصلحة؟ قال الإتفاق . فأجاب إلى ملتمس جنكز خان . قال فَسُرَّ جنكز خان بذلك ، واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار ، وكان خال السلطان خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر ومعه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار وما قصدهم إلا إفساد الحال وأن يجسوا البلاد ، فإن أذنت لي فيهم فأذن له بالإحتياط عليهم وقبض عليهم واصطفى أموالهم . فوردت رسل جنكز خان إلى خوارزم شاه تقول: إنك أعطيت أمانك للتجار فغدرت ، والغدر قبيح ، وهو من سلطان الإسلام أقبح ، فإن زعمت أن الذي فعله خالط بغير أمرك فسلمه إلينا ، وإلا فسوف تشاهد مني ما تعرفني به . فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا ! فيا لها حركة لما هدرت من دماء الإسلام ! أجرت بكل نقطة سيلاً من الدم ً ثم إنه اعتمد من التدبير الردئ لما بلغه سير جنكز خان إليه أنه أمر بعمل سور سمرقند ثم شحنها بالرجال ، فلم تغن شيئاً وولت سعادته وقضي الأمر). انتهى. ونحوه سمت النجوم للعصامي/216 ، وغيره .



الدراسات الحديثة عن المغول


صدرت في عصرنا عدة دراسات عن المغول ، لباحثين مسلمين وغربيين ، تصل الى عشرين مؤلفاً وعشرات المقالات ، لكن القليل منها يتصف بالموضوعية وإنصاف الشيعة ، لأن الباحثين يرددون اتهام ابن تيمية للشيعة بأن الوزير الشيعي ابن العلقمي تآمر مع المغول وساعدهم في احتلال بغداد ، مع أن ابن تيميى معروف بتعصبع وعدائه للشيعة ، وستعرف زيف اتهامه وأن المؤرخين العراقيين المعاصرين للحادثة نفوا ذلك ومنهم الإمام الحنبلي ابن الفوطي!
وسبب كثرة الكتابة المعاصرة عن المغول أن حملتهم على البلاد الإسلامية تزامنت مع الحملات الخامسة ، وأن لويس التاسع ملك فرنسا وبابا المسيحية كليمنصو الرابع وغيرهما اتصلوا بالمغول من أجل التحالف أو التعاون معهم لاحتلال البلاد الإسلامية ! الأمر الذي جعل عدداً من الغربيين ينشرون وثائق ذلك ويكتبون عنه ، وقلدهم بعض المسلمين .
والسبب الثاني لكثرة كتاباتهم ، أن الفترة التي حكم فيها القادة المغول الشيعة في العراق ، كانت بالقياس الى ما قبلها وما بعدها ، مميزةً بازدهارها العمراني والثقافي وحريتها المذهبية والعامة ، وأهمية كتبها ومكتباتها ، وهو أمر ألفت الباحثين ولكنهم لم يفصحوا عن سببه الحقيقي وهو أن الحكم الشيعي كان يعطي دائماً الحرية المذهبية والعامة ، بينما يمارس غيره الإضطهاد المذهبي والعام ! وسوف نتعرض الى ذلك .
والسبب الثالث ، أن المغول بعد نحو قرنين من غزوهم الأول لبلاد المسلمين ، ودخول أكثر قادتهم وجنودهم في الإسلام ، وتشيع أكثرهم بيد علماء الشيعة ، وتسنن بعضهم بيد علماء السنة ، اتجهوا نحو الهند فأسسوا فيها دولاً متعددة ، كان لها رجالها وتاريخها وثقافتها وحضارتها . فصار الحكم المغولي في الهند موضوعاً من التاريخ والعمران ، وقلت فيه الصراعات والحروب !
لذلك صرت تجد كتباً عن تاريخ المغول ، وعن دولهم وعن ثقافتها وفنونها ،
كما أن موطنهم الأصلي دولة جكهورية منغوليا نشطت في كتابة تاريخها وتاريخ قبائلها: راجع مثلاً موقع: http://www.china.org.cn/a-xibu/2JI/3...g/nei-ban.html (http://www.china.org.cn/a-xibu/2JI/3JI/neimeng/nei-ban.html)
ومما كتبوا فيه: (تقع منطقة منغوليا الداخلية في شمال الصين ، وتمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي على شكل مستطيل، والمسافة المستقيمة من الشرق إلى الغرب2400 كيلومتر ، ومن الشمال إلى الجنوب1700 كيلومتر ، تعبر منطقة شمال الصين الشرقي ومنطقة شمالها ومنطقة شمالها الغربي. ومساحتها الإجمالية118،300 كيلومتر مربع، ومشكلاً 3،12% من مساحة الصين . وتحتل مساحتها المركز الثالث بين المقاطعات والبلديات والمناطق الذاتية الحكم في الصين. وتتاخم 8 مقاطعات ومناطق من جهات الشرق والجنوب والغرب ، وتتاخم من الشمال جمهورية منغوليا وروسيا . وطول خط الحدود داخل المنطقة4200 كيلومتر) . انتهى.
وكذلك موقع تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة: http://www.hukam.net/family.php?fam=787 (http://www.hukam.net/family.php?fam=787)
وكتاب تاريخ المغول لعباس إقبال http://web.cultural.org.ae/new/Publications/ (http://web.cultural.org.ae/new/Publications/)
وكتاب المغول للسيد الباز العريني .
وكتاب المماليك" للسيد الباز العريني.
وكتاب العالم الإسلامي في العصر المغولي لشبولر ....الخ.



* *





حملة المغول الأولى


كانت حملة المغول الأولى سنة616، بقيادة جنكيز خان: (فسار إلى بلاد تركستان وما وراء النهر وملكها من أيدي الخطا ، ثم حارب خوارزم شاه إلى أن غلبه على ما في يده من خراسان وبلاد الجبل ، ثم تخطى أرانيه فملكها ، ثم ساروا إلى بلاد شروان وبلد اللان واللكز فاستولوا على الأمم المختلفة بتلك الأصقاع ، ثم ملكوا بلاد قنجاق ، وسارت طائفة أخرى إلى غزنة وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ، فملكوا ذلك كله في سنة أو نحوها ، وفعلوا من العيث والقتل والنهب ما لم يسمع بمثله في غابر الأزمان ).(تاريخ ابن خلدون:3/534).
وقد وصف التاريخ جرائمهم في مدينة بخارى بعد أن هزموا العشرين ألف جندي المدافعين عنها: (فاصطفى أموال تجارها وأحلها لجنده ، فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، وأسروا الذرية والنساء وفعلوا معهن الفواحش بحضرة أهليهن ، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب ، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال ، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها ، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند) ! (النهاية:13/99) .



سلطان سلاطين الخلافة يموت من الخوف !

كان سلطان سلاطين البلاد الإسلامية خوارزم شاه سنياً متعصباً ضد الشيعة ، وكانت بيده إمكانات دول وجيوشها ، لكنه أصيب بالذعر من هلاكو وهرب أمامه من بلد الى بلد حتى وصل الى البحر أو الهند وهلك وانقطعت أخباره ؟! قال عنه الذهبي في سيره:22/224: (وكان خوارزم شاه محمد قد عظم جداً ، ودانت له الأمم ، وتحت يده ملوك وأقاليم).انتهى.
وقال ابن العبري/227: (وكان السلطان غياث الدين مقبلاً على المجون وشرب الشراب غير مرضي الطريقة ، منغمساً في الشهوات الموبقة ، تزوج ابنة ملك الكرج فشغفه حبها وهام بها إلى حد أن أراد تصويرها على الدراهم فأشير عليه أن يصور صورة أسد عليه شمس لينسب إلى طالعه ويحصل به الغرض ! وخلَّف غياث الدين ثلاثة بنين عز الدين وأمه رومية ابنة قسيس ، وركن الدين وأمه أيضاً رومية ، وعلاء الدين و أمه الكرجية . فولي السلطنة عز الدين وهو الكبير وحلف له الأمراء وخُطب له على المنابر . وكان مدبره والأتابك له الأمير جلال الدين قرطاي رجل خير ديِّن صائم الدهر ممتنع عن أكل اللحم ومباشرة النساء ، لم ينم في فراش وطئ ، وإنما كان نومه على الصناديق في الخزانة ، أصله رومي وهو من مماليك السلطان علاء الدين وتربيته ، وكان له الحرمة الوافرة عند الخاص والعام).
وقال عنه السبكي في الطبقات:1/329: ( وأما خوارزمشاه فكان سعده قد تكامل ورأى من العظمة ما لم يعهد مثله لملك من زمن مديد وطالت مدته... ملك(بلاد) الخطا ، وما وراء النهر وخوارزم وأصفهان ومازندران وكرمان ومنجان وكش وجكان والغور وغزنة وأميان وأترار وأذربيجان إلى ما يليها من الهند وبلاد الترك ، وجميع ما وراء النهر إلى أطراف الصين ، وخطب له على منابر دربند شروان وبلاد خراسان وعراق العجم وغيرها من الأقاليم المتسعة والمدن الشاسعة ، مع المكنة الزائدة ، وطول المدة... وقيل إنهم وجدوا في خزانة من خزائنه عشرة الآف ألف دينار ، وألف حمل من الأطلس).انتهى. (وهزموا خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش، فلحق بجزيرة في بحر طبرستان فامتنع بها إلى أن مات). (تاريخ ابن خلدون:3/534).

وقال في الكامل:12/361: (عمد جنكزخان لعنه الله وسيَّر عشرين ألف فارس وقال لهم أطلبوا خوارزمشاه أين كان ولو تعلق بالسماء ، حتى تدركوه وتأخذوه ).

وقال الذهبي في سيره:22/238: (ثم جهز جنكزخان خلف خوارزم شاه فعبروا جيحون خوضاً وسباحة ، فانهزم منهم وهم وراءه ثم عطفوا فأخذوا الري ، ومازندران ، وظفروا بأم خوارزم شاه ومعها خزائنه ، فأسروها).
وفي طبقات الشافعية:1/337: (فرأوا في الطريق أم السلطان خوارزمشاه ، وكانت قد سمعت بهزيمة ابنها وهي في خوارزم وخوارزم دار ممكتهم العظمى ، فأخرجت من الحبس عشرين سلطاناً كانوا في سجن ولدها وقتلتهم ، وأودعت بعض القلاع من الأموال ما لايدرك كثرةً ، ثم سارت فرأوها ومعها من الأموال والجواهر والنفائس ما لا يعد كثرةً ، فاستأصلوا ذلك كله) !
وفي سير أعلام النبلاء:22/233: (ودخلت سنة616 ، وما زال أمر خوارزم شاه في إدبار وسعده في سفال وملكه في زوال ، وهو في تقهقر واندفاع ، إلى أن قارب همذان وتفرق عنه جمعه حتى بقي في عشرين ألفاً ، فما بلع ريقه إلا وطلائع المغل قد أظلته وأحدقوا به(وكانوا عشرين ألفاً بقدر جيشه !) فنجا بنفسه ، واستحر القتل بجنده وفرَّ إلى الجبل ثم إلى مازندران ، ونزل بمسجد على حافة البحر يصلي بجماعة ويتلو ويبكي ، ثم بعد أيام كبسه العدو فهرب في مركب صغير فوصل إليه نشابهم وخاض وراءه طائفة فبقي في لجة ، ومرض بذات الجنب فقال: سبحان الله ما بقي لنا من مملكتنا قدر ذراعين ندفن فيها !
فوصل إلى جزيرة فأقام بها طريداً وحيداً مجهوداً ، ومات فكفنه فراشه في عمامته سنة سبع عشرة وست مئة) . أي قبل غزو بغداد بنصف قرن !

وقال في شرح نهج البلاغة:8/227: (فكان كلما رحل عن منزل نزله التتار حتى وصل إلى بحر طبرستان فنزل هو وأصحابه في سفن ، ووصل التتار فلما عرفوا نزوله البحر رجعوا وأيسوا منه....ثم اختلف في أمر خوارزم شاه ، فقوم يحكون أنه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة فتوفي بها ، وقوم يحكون أنه غرق في البحر ، وقوم يحكون أنه غرق ونجا عرياناً فصعد إلى قرية من قرى طبرستان ، فعرفه أهلها فجاءوا وقبلوا الأرض بين يديه وأعلموا عاملهم به فجاء إليه وخدمه ، فقال له خوارزم شاه إحملني في مركب إلى الهند ، فحمله إلى شمس الدين أنليمش ملك الهند وهو نسيبه من جهة زوجته والدة منكبوني بن خوارزم شاه الملك جلال الدين ، فإنها هندية من أهل بيت الملك ، فيقال إنه وصل إلى أنليمش وقد تغير عقله مما اعتراه من خوف التتار أو لأمر سلطه الله تعالى عليه فكان يهذي بالتتار بكرة وعشياً) !!

وأخيراً ، يكفيك أن تعرف من القصة التالية سبب انهيار نظام الخلافة، فهي تكشف سوء الخليفة وسُخف سلاطين السلاجقة وشذوذهم ! لكنهم يبرؤونهم لمجرد أنهم سنيون ! ثم يتهمون غيرهم بأنهم كانوا سبب انهيار الدولة لمجرد أنهم شيعة !
قال ابن الأثير في الكامل:12/495: (وكان جلال الدين سئ السيرة قبيح التدبير لملكه لم يترك أحداً من الملوك المجاورين له إلا عاداه ونازعه الملك وأساء مجاورته ، فمن ذلك أنه أول ما ظهر في أصفهان وجمع العساكر قصد خوزستان فحصر مدينة ششتر وهي للخليفة فحصرها ! وسار إلى دقوقا فنهبها وقتل فيها فأكثر وهي للخليفة أيضاً ، ثم ملك آذربيجان وهي لأوزبك فملكها ، وقصد الكرج وهزمهم وعاداهم ، ثم عادى الملك الأشرف صاحب خلاط ، ثم عادى علاء الدين صاحب بلاد الروم ، وعادى الإسماعيلية ونهب بلادهم وقتل فيهم فأكثر وقرر عليهم وظيفة من المال كل سنة وكذلك غيرهم . فكل من الملوك تخلى عنه ولم يأخذ بيده ، فلما وصلت كتب مقدم الإسماعيلية إلى التتر يستدعيهم إلى قصد جلال الدين بادر طائفة منهم فدخلوا بلاده واستولوا على الري وهمذان وما بينهما من البلاد ثم قصدوا آذربيجان فخربوا ونهبوا وقتلوا من ظفروا به من أهلها وجلال الدين لايقدر على أن يلقاهم ولا يقدر على منعهم على البلاد قد ملئ رعباً وخوفاً !
وانضاف إلى ذلك أن عسكره اختلفوا عليه وخرج وزيره عن طاعته في طائفة كثيرة من العسكر . وكان السبب أن ظهر من قلة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله وذلك أنه كان له خادم خصي وكان جلال الدين يهواه واسمه قلج ، فاتفق أن الخادم مات فأظهر من الهلع والجزع عليه ما لم يسمع بمثله ولا لمجنون ليلى ! وأمر الجند والأمراء أن يمشوا في جنازته رجالة ، وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ فمشى الناس رجالة ومشى بعض الطريق راجلاً فألزمه أمراؤه ووزيره بالركوب ، فلما وصل إلى تبريز أرسل إلى أهل البلد فأمرهم بالخروج عن البلد لتلقي تابوت الخادم ففعلوا ، فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا ولم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما فعلوا ، وأراد معاقبتهم على ذلك فشفع فيهم أمراؤه فتركهم !
ثم لم يدفن ذلك الخصي وإنما كان يستصحبه معه أين ما ساروا وهو يلطم ويبكي فامتنع من الأكل والشراب ، وكان إذا قدم له قدم له طعام يقول إحملوا من هذا إلى قلج ولا يتجاسر أحد يقول إنه مات ، فإنه قيل له مرة إنه مات فقتل القائل له ذلك ! إنما كانوا يحملون اليه الطعام ويعودون يقولون إنه يقبل الأرض ويقول إنني أصلح مما كنت ! فلحق أمراءه من الغيظ والأنفة من هذه الحالة ما حملهم على مفارقة طاعته والإنحياز عنه مع وزيره ، فبقي حيران لا يدري ما يصنع لاسيما لما خرج التتر فحينئذ دفن الغلام الخصي ، وراسل الوزير واستماله وخدعه إلى أن حضر عنده ، فلما وصل اليه بقي أياماً وقتله جلال الدين! وهذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها).انتهى.



شملت حملتهم بلاد القفقاز وروسيا وشرق أوروبا

روت مصادر التاريخ أخبار غزو جيش جنكيز لأرمينية والقفقاز وجورجيا وبلغاريا وبولنا والمجر وروسيا ! وهذه بعض نصوصها:
في كامل ابن الأثير:12/383: (لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران بعضه بالملك وبعضه بالصلح وساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضاً ، وكان الكرج قد أعدوا لهم واستعدوا وسيروا جيشاً كثيراً إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها ، فوصل إليهم التتر فالتقوا فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين فأخذهم السيف فلم يسلم منهم إلا الشريد . ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفاً ونهبوا ما وصلوا اليه من بلادهم وخربوها وفعلوا بها ما هو عادتهم ، فلما وصل المنهزمون إلى تفليس وبها ملكهم جمع جموعاً أخرى وسيرهم إلى التتر أيضاً ليمنعوهم من توسط بلادهم ، فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا مضيق ولا غير ذلك ! فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس فأخلوا البلاد ! ففعل التتر فيها ما أرادوا من النهب والقتل والتخريب ، ورأوا بلاداً كثيرة المضايق والدربندات فلم يتجاسروا على الوغول فيها فعادوا عنها .
وداخل الكرج منهم خوف عظيم حتى سمعت عن بعض أكابر الكرج وكان قدم رسولاً أنه قال من حدثكم أن التتر انهزموا وأسروا فلا تصدقوه ! وإذا حدثتم أنهم قُتلوا فصدقوا ، فإن القوم لا يفرون أبداً ولقد أخذنا أسيراً منهم فألقى نفسه من الدابة وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات ولم يسلم نفسه للأسَرة .
لما عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخي وقاتلوا أهلها فصبروا على الحصر ، ثم إن التتر صعدوا سورها بالسلاليم...
فملك التتر البلد وقتلوا فيه فأكثروا ونهبوا الأموال فاحتازوها . فلما فرغوا منه أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك فأرسلوا رسولاً إلى شروان شاه ملك دربند شروان يقولون له ليرسل إليهم رسولاً يسعى بينهم في الصلح ، فأرسل عشرة رجال من أعيان أصحابه فأخذوا أحدهم فقتلوه ثم قالوا للباقين: إن أنتم عرفتمونا طريقاً نعبر فيه فلكم الأمان وإن لم تفعلوا قتلناكم كما قتلنا هذا ! فقالوا لهم إن هذا الدربند ليس فيه طريق البتة ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق ، فساروا معهم إلى ذلك الطريق ، فعبروا فيه وخلفوهم وراء ظهورهم..
لما عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال وفيها أمم كثيرة منهم اللان واللكز وطوائف من الترك ، فنهبوها وقتلوا من اللكز كثيراً وهم مسلمون وكفار وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد ، ووصلوا إلى اللان وهم أمم كثيرة وقد بلغهم خبرهم فجدوا وجمعوا عندهم جمعاً من قفجاق فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى ، فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون نحن وأنتم جنس واحد وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم ولا دينكم مثل دينهم ، ونحن نعاهدكم أننا لا نعترض إليكم ونحمل إليكم من الأموال والثياب ما شئتم وتتركون بيننا وبينهم . فاستقر الأمر بينهم على مال حملوه وثياب وغير ذلك فحملوا إليهم ما استقر ، وفارقهم قفجاق فأوقع التتر باللان فقتلوا منهم وأكثروا ونهبوا وسبوا ، وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح فلم يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول ، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم ! وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر ففروا من غير قتال ، وأبعدوا وبعضهم اعتصم بالغياض وبعضهم بالجبال وبعضهم لحق ببلاد الروس !
وأقام التتر في بلاد قفجاق وهي أرض كثيرة المراعي في الشتاء والصيف ، وفيها أماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى ، وأماكن حارة في الشتاء كثيرة المرعى ، وهي غياض على ساحل البحر ، ووصلوا إلى مدينة سوادق وهي مدينة قفجاق التي منها مادتهم فإنها على بحر الخزر والمراكب تصل إليها وفيها الثياب فتشتري منهم وتبيع عليهم الجواري والمماليك والبرطاسي والقندر والسنجاب وغير ذلك مما هو في بلادهم ، وبحر خزرية هذا بحر متصل بخليج القسطنطينية .
لما استولى التتر على أرض قفجاق كما ذكرنا سار طائفة كثيرة منهم إلى بلاد الروس ، وهي بلاد كثيرة طويلة عريضة تجاورهم ، وأهلها يدينون بالنصرانية فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم واتفقت كلمتهم على قتال التتر إن قصدوهم وأقام التتر بأرض قفجاق مدة ، ثم إنهم ساروا سنة عشرين وستمائة إلى بلاد الروس فسمع الروس وقفجاق خبرهم وكانوا مستعدين لقتالهم ، فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها ، فبلغ مسيرهم التتر فعادوا على أعقابهم راجعين فطمع الروس وقفجاق فيهم ، وظنوا أنهم عادوا خوفاً منهم وعجزاً عن قتالهم فجدوا في اتباعهم ولم يزل التتر راجعين وأولئك يقفون أثرهم اثني عشر يوماً ! ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفجاق فلم يشعروا بهم إلا وقد لقوهم على غرة منهم ، لأنهم كانوا قد أمنوا التتر واستشعروا القدرة عليهم فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغاً عظيماً ، فصبر الطائفتان صبراً لم يسمع بمثله ، ودام القتال بينهم عدة أيام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا فانهزم قفجاق والروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلا القليل ونهب جميع ما معهم ، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة ، وتبعهم كثير يقتلون وينهبون ويخربون البلاد حتى خلا أكثرها ، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس وأغنيائهم وحملوا ما يعز عليهم وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام ...
لما فعل التتر بالروس ما ذكرناه ونهبوا بلادهم ، عادوا عنها وقصدوا بلغار أواخر سنة عشرين وستمائة ، فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم ، فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل ناحية فقتل أكثرهم ولم ينج منهم(البلغار)إلا القليل ! قيل كانوا نحو أربعة آلاف رجل فساروا إلى سقين عائدين إلى ملكهم جنكزخان .
وخلت أرض قفجاق منهم فعاد من سلم منهم إلى بلادهم ، وكان الطريق منقطعاً مذ دخلها التتر ، فلم يصل منهم شئ من البرطاسي والسنجاب والقندر وغيرها مما يحمل من تلك البلاد ، فلما فارقوها عادوا إلى بلادهم واتصلت الطريق ، وحملت الأمتعة كما كانت...). انتهى.




نماذج من قسوة المغول ووحشيتهم !

يتعجب الإنسان من سعة سرعة هذه الحملة الوحشية الكاسحة ، رغم بُعد المناطق التي غزتها ، ووعورة طرقها ، وإحكام حصونها ، ودفاع أهلها عنها ، وكان أحياناً قوياً ومستميتاً ! لكن يبطل عجبه عندما يقرأ عن حالة الرعب العامة التي أصابت الشعوب والحكام والجيوش والشعوب من مجرد إسم.. المغول !
وهذه نصوص موجزة من تاريخ ابن الأثير المعاصر لغزو المغول:12/358 وبعدها:
(فلو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً ، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ! ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس . وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس ، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل !
وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه ، وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال ، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة ، فإنا لله وإنا اليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم....
ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عدداً فقتلوا كل من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم ، واستولى هؤلاء التتر عليها فعلوا هذا في أسرع زمان ، لم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير .
ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد . هذا ما لم يطرق الأسماع مثله ، فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنما ملكها في نحو عشر سنين ، ولم يقتل أحداً إنما رضي من الناس بالطاعة ، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلاً وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرةً ، في نحو سنة ولم يبق أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه...
ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير ، وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير ! فهم إذا نزلوا منزلاً لا يحتاجون إلى شئ من خارجه .
وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ، ولا يحرمون شيئاً فإنهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها ، ولا يعرفون نكاحاً بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال ، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه....
ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلد بأن لايتخلف أحد ومن تخلف قتل ، فحضروا جميعهم.... ثم أمرهم بالخروج من البلد فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه وأحاط بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم فاقتسموهم . وكان يوماً عظيماً من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان تفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق واقتسموا النساء أيضاً وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس وارتكبوا من النساء العظيم والناس ينظرون ويبكون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئاً مما نزل بهم فمنعهم من لم يرض بذلك واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قتل !
واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة فكل من أعيا وعجز عن المشي قتل ! فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم حتى تقدموا شيئاً فشيئاً ليكون أرعب لقلوب المسلمين فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه... وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلد والقوة رجالة ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتر يتأخرون وأهل البلد يتبعوهم ويطمعون فيهم ، وكان الكفار قد كمنوا لهم كميناً فلما جاوزوا الكمين خرجوا عليهم...فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد(سمرقند)أن يخرج أهله جميعهم ومن تأخر قتلوه ، فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان ففعلوا مع أهل بخارى من النهب والقتل والسبي والفساد ، ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله وافتضوا الأبكار وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال وقتلوا من لم يصلح للسبي ، وكان ذلك في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة....
فوصلوا إلى الري على حين غفلة من أهلها فلم يشعروا إلا وقد وصلوا إليها وملكوها ونهبوها وسبوا الحريم واسترقوا الأطفال وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها ولم يقيموا ومضوا مسرعين في طلب خوارزمشاه فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها ...
ثم وصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا في قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف فاقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى . ثم فارقوا قزوين فعد القتلى من أهل قزوين فزادوا على أربعين الف قتيل....
ووصلوا إلى تبريز وبها صاحب أذربيجان أوزبك بن البهلوان فلم يخرج إليهم ولا حدث نفسه بقتالهم لانشغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلاً ونهاراً لا يفيق.... ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه...!
فلما حصروها(مراغة)قاتلهم أهلها فنصبوا عليها المجانيق وزحفوا إليها وكانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من أسارى المسلمين بين أيديهم يزحفون ويقاتلون فإن عادوا قتلوا ، فكانوا يقاتلون كرهاً وهم المساكين كما قيل كالأشقر إن تقدم ينحر وإن تأخر يعقر ! وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين فيكون القتل في المسلمين الأسارى وهم بنجوة منه ! فأقاموا عليها عدة أيام ثم ملكوا المدينة عنوة وقهرا رابع صفر ووضعوا السيف في أهلها فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء ونهبوا كل ما يصلح لهم وما لا يصلح لهم وأحرقوه واختفى بعض الناس منهم فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا في الدروب ان التتر قد رحلوا فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل ! وبلغني أن امرأة من التتر دخلت داراً وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلاً فوضعت السلاح وإذا هي امرأة فقتلها رجل أخذته أسيراً !
وسمعت من بعض أهلها أن رجلاً من التتر دخل داراً فيه مائة رجل فما زال يقتلهم واحداً واحداً حتى أفناهم ولم يمد أحد يده اليه بسوء ! ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا نعوذ بالله من الخذلان !
ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل فخفنا...
وكانت الأقوات متعذرة في تلك البلاد جميعها لخرابها وقتل أهلها وجلاء من سلم منهم فلا يقدر أحد على الطعام إلا قليلاً ، وأما التتر فلا يبالون لعدم الأقوات لأنهم لا يأكلون إلا اللحم ولا تأكل دوابهم إلا نبات الأرض حتى إنها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها .
وقوي التتر على المسلمين(في أربيل)فأفنوهم قتلاً ولم يسلم إلا من كان عمل له نفقاً يختفي فيه ، وبقي القتل في المسلمين عدة أيام ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوه... ثم إنهم ملكوا البلد(بيلقان)عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة حتى إنهم يشقون بطون الحبالى ويقتلون الأجنة وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها وكان الانسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحداً بعد واحد حتى يفرغ من الجميع لا يمد أحد منهم اليه يداً .
وفي الكامل:12/386: ( ولما وصل التتر إلى سوادق ملكوها وتفرق أهلها منها فبعضهم صعد الجبال بأهله وماله وبعضهم ركب البحر وسار إلى بلاد الروم التي بيد المسلمين من أولاد قلج أرسلان .
تقدموا إلى مرو وحصروها... قبض عليهم وعلى أميرهم وكتفوهم فلما فرغ منهم قال لهم: أكتبوا لي تجار البلد ورؤسائه وأرباب الأموال في جريدة ، واكتبوا لي أرباب الصناعات والحرف في نسخة أخرى ، واعرضوا ذلك علينا ففعلوا ما أمرهم ، فلما وقف على النسخ أمر أن يخرج أهل البلد منه بأهلهم فخرجوا كلهم ولم يبق فيه أحد ، فجلس على كرسي من ذهب وأمر أن يحضر أولئك الأجناد الذين قبض عليهم ، فأحضروا وضربت رقابهم صبراً والناس ينظرون إليهم ويبكون ، وأما العامة فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال فكان يوماً مشهوداً من كثرة الصراخ والبكاء والعويل وأخذوا أرباب الأموال فضربوهم وعذبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال فربما مات أحدهم من شدة الضرب ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه ! ثم إنهم أحرقوا البلد وأحرقوا تربة السلطان سنجر ونبشوا القبر طلباً للمال فبقوا كذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة وقال: هؤلاء عصوا علينا فقتلوهم أجمعين ! فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل !
ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي فلم يكن لهم بالتتر قوة فملكوا المدينة وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بمال كما فعلوا بمرو وأقاموا خمسة عشر يوماً يخربون ويفتشون المنازل عن الأموال .
وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم ان قتلاهم سلم منهم كثير ونجوا إلى بلاد الإسلام فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رؤوسهم لئلا يسلم من القتل أحد ، فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك أيضاً وخربوها وخربوا المشهد الذي فيه الامام علي بن موسى الرضا والرشيد حتى جعلوا الجميع خراباً .
وفي الكامل:12/394: (فلما وصلوا إلى البلد(خوارزم)زحفوا زحفاً متتابعاً فملكوا طرفاً منه فاجتمع أهل البلد وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا ، فلم يقدروا على إخراجهم ولم يزالوا يقاتلونهم والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة ، وكلما ملكوا محلة قاتلهم المسلمون في المحلة التي تليهم ، فكان الرجال والنساء والصبيان يقاتلون فلم يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه ، وقتلوا كل من فيه ونهبوا كل ما فيه ، ثم إنهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق البلد جميعه وتهدمت الأبنية وبقي موضعه ماء أ ولم يسلم من أهله أحد البتة فإن غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله منهم من يختفي ومنهم من يهرب ومنهم من يخرج ثم يسلم ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو وأما أهل خوارزم فمن اختفى من التتر غرفه الماء أو قتله الهدم فأصبحت خرابا يباباً...
وفي الكامل:12/397: (فلما كان الغد عاد الكفار إلى غزنة وقد قويت نفوسهم بعبور المسلمين الماء إلى جهة الهند وبعدهم ، فلما وصلوا إليها ملكوها لوقتها لخلوها من العساكر والمحامي فقتلوا أهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ،ولم يبق أحد وخربوها وأحرقوها وفعلوا بسوادها كذلك نهبوا وقتلوا وأحرقوا ، فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس) !!



(الياسة) شريعة المغول التي وضعها جنكيز خان

قال الذهبي في تاريخه:45/186: (جنكزخان ، طاغية التتار وملكهم الأول ، الذي خرب البلاد وأباد العباد ، وليس للتتار ذكر قبله ، وإنما كانوا ببادية الصين فملكوه عليهم وأطاعوه طاعة أصحاب نبي لنبي، بل طاعة العباد المخلصين لرب العالمين) !

وفي صبح الأعشى:4/314: (أما عقيدتهم فقد قال الصاحب علاء الدين بن عطاء ملك الجويني: إن الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى ، وأنه خلق السموات والأرض ، وأنه يحيي ويميت ويغني ويفقر ويعطي ويمنع ، وأنه على كل شئ قدير ، وإن منهم من دان باليهودية ، ومنهم من دان بالنصرانية ، ومنهم من اطرح الجميع ، ومنهم من تقرب بالأصنام . قال: ومن عادة بني جنكزخان أن كل من انتحل منهم مذهباً لم ينكره الآخر عليه .
ثم الذي كان عليه جنكزخان في التدين وجرى عليه أعقابه بعده: الجري على منهاج ياسة التي قررها ، وهي قوانين خمنها من عقله وقررها من ذهنه ، رتب فيها أحكاماً وحدد فيها حدوداً ، بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية ، وأكثرها مخالف لذلك ، سماها الياسة الكبرى ، وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته ، تتوارث عنه في أعقابه ، وأن يتعلمها صغار أهل بيته .
منها: أن من زنى قتل ، ومن أعان أحد خصمين على الآخر قتل ، ومن بال في الماء قتل ، ومن أعطي بضاعة فخسر ثم أعطي ثانياً فخسر ثم أعطي ثالثاً فخسر قتل، ومن وقع حمله أو قوسه فمر عليه غيره ولم ينزل لمساعدته قتل ، ومن وجد أسيراً أو هارباً أو عبداً ولم يرده قتل ، ومن أطعم أسير قوم أو سقاه أو كساه بغير إذنهم قتل ، إلى غير ذلك من الأمور التي رتبها مما هم دائنون به إلى الآن ، وربما دان به من تحلى بحلية الإسلام من ملوكهم . ومن معتقدهم في ذبح الحيوان أن تُلَفُّ قوائمه ويشق جوفه ، ويدخل أحدهم يده إلى قلبه فيمرسه حتى يموت ، أو يخرج قلبه ! ومن ذبح ذَبْحَةَ المسلمين ذُبح .
(والى الآن مازالت طريقة ذبحهم في منغوليا: http://www.lahdah.com/vb/archive/index.php/t-13953.html (http://www.lahdah.com/vb/archive/index.php/t-13953.html))
وأما عاداتهم في الأدب فكان من طريقة جنكزخان أن يعظم رؤساء كل ملة ويتخذ تعظيمهم وسيلة إلى الله تعالى ! ومن حال التتر في الجملة إسقاط المؤن والكلف عن العلويين ، وعن الفقهاء ، والفقراء ، والزهاد ، والمؤذنين ، والأطباء ، وأرباب العلوم على اختلافهم ، ومن جرى هذا المجرى .
ومن آدابهم المستعملة أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاماً حتى يأكل المطعم منه ولو كان المطعم أميراً والآكل أسيراً ، ولا يختص أحد بالأكل وحده بل يطعم كل من وقع بصره عليه ، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه بل يقسمونه بالسوية ، ولا يخطوا أحد موقد نار ولا طبقاً رآه ، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير إذن ، وأن لا يدخل أحد يده في الماء بل يأخذ منه ملء فيه ويغسل يديه ووجهه ، ولا يبول أحد على الرماد .
ويقال إنهم كانوا لايرون غسل ثيابهم البتة ، ولا يميزون بين طاهر ونجس .
ومن طرائقهم أنهم لا يتعصبون لمذهب ، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلاً ، ولو ترك ملء الأرض ، ولا يدخلونه خزانة السلطان .
ومن عاداتهم أنهم لا يفخمون الألفاظ ولا يعظمون في الألقاب ، حتى يقال في مراسيم السلطان رسم القان بكذا ، من غير مزيد ألقاب .
وأما حالهم في طاعة ملكهم فإنهم من أعظم الأمم طاعة لسلاطينهم ، لا لمال ولا لجاه ، بل ذلك دأب لهم ، حتى إنه إذا كان أمير في غاية من القوة والعظمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب ، متى أذنب ذنباً يوجب عقوبة وبعث السلطان إليه من أخس أصحابه من يأخذه بما يجب عليه ، ألقى نفسه بين يدي الرسول ذليلاً ليأخذه بموجب ذنبه ، ولو كان فيه القتل . ومن طريقة أمرائهم أنه لا يتردد أمير إلى باب أمير آخر ، ولا يتغير عن موضعه المعين له ، فإن فعل ذلك عوقب أو قتل ، وإذا عرضوا آلات الحرب على أمرائهم وفوا في العرض حتى بالخيط والإبرة . ورعاياهم قائمون بما يلزمون به من جهة السلطان طيبة به نفوسهم . وإن غاب أحد من الرجال قام النساء بما عليهم) . انتهى.

وأضاف السيد الأمين في كتابه الإسماعيلية والمغول/77: (أمر بتنظيم حلقات الصيد لما لها من الأهمية في التدريب على أساليب الحرب... ونهى أتباعه عن الإسراف في شرب الخمر وعن عصيان الولد لأوامر أبويه ، ومخالفة الصغير للأخ الكبير ، وامتناع الغني عن إعانة الفقير ، وعدم احترام المرؤوسين للرؤساء).
وقال المقريزي في المواعظ والإعتبار/1445: (وشرَط أن لا يكون على أحد من وُلْد علي بن أبي طالب رضي الله عنه مؤنةٌ ولا كلفة ، وأن لا يكون على أحد من الفقراء ولا القراء ولا الفقهاء ولا الأطباء ، ولا من عداهم من أرباب العلوم وأصحاب العبادة والزهد والمؤذنين ومغسلي الأموات ، كلفة ولا مؤنة ، وشرَط تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى) . انتهى.
أقول: اتفقت المصادر الأصلية التي روت نص الياسة على فقرة إعفاء الأولياء ورجال الدين وأشباههم من الضرائب ، وفي أولهم أبناء علي بن أبي طالب عليه السلام . وهذا يدل على نظرة جنكيز الإيجابية الى السادة أبناء علي والزهراء‘وأنهم أولياء ودعاة وليسوا من أجهزة الدولة ، ويدل على أن بعضهم كان يعيش في بلاد ما وراء النهر المحاذية لبلاد المغول ، وقد يكون بعضهم وصل الى داخل الصين . وقد كان للمغول علاقة مع شيخ صوفي كبير قالوا إن له نفوذاً أسطوريأً في منطقة ما وراء النهر ، هو سعيد بن المطهر الباخرزي ، وكان يسكن بخارى ويعتقد به المسلمون ويحترمه التتار ومنهم جنكيز خان وابنه هولاكو ! وقالوا إنه أسلم على يده بركة ابن عم هولاكو ، وكذلك كانوا يحترمون تلميذه جد الجوينيين ، وقد اصطحب هولاكو أحدهم في غزوه لبغداد وجعله حاكم العراق . وسيأتي الحديث عن تشيع الجوينيين .
أما سبب وجود صفات إنسانية في هولاكو وأمثاله من الطغاة ، فقد بينه الإمام الصادق عليه السلام كما الكافي:2/101، قال: (إن الله تبارك وتعالى أعار أعداءه أخلاقاً من أخلاق أوليائه ، ليعيش أولياؤه مع أعدائه في دولاتهم . وفي رواية : ولولا ذلك لما تركوا ولياً لله إلا قتلوه).



* *




أمير المؤمنين عليه السلام أخبر عن فتنة المغول !

(من كلام له عليه السلام يخبر به عن الملاحم... منها في وصف الأتراك:
(كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المِجَانُّ المُطَرِّقة ، يلبسون السَّرَقَ والديباج ويَعْتَقِبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرارُ قتل حتى يمشى المجروح على المقتول ، ويكون المُفلت أقلَّ من المأسور !
فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! فضحك وقال للرجل وكان كلبياً: يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلمٌ من ذي علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ، ومن يكون النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلا الله ، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه صلى الله عليه وآله فعلمنيه ، ودعا لي بأن يعيَه صدري ، وتَضْطَمَّ عليه جوانحي).
الشرح: المجان: جمع مجن بكسر الميم وهو الترس ، وإنما سمى مجناً لأنه يستتر به . والجنة: السترة والجمع جُنن ، يقال استجن بجنة أي استتر بسترة . والمطرقة بسكون الطاء التي قد أطرق بعضها إلى بعض أي ضمت طبقاتها فجعل بعضها يتلو بعضاً ، يقال: جاءت الإبل مطاريق أي يتلو بعضها بعضاً . والنعل المطرقة المخصوفة ، وأطرقت بالجلد والعصب أي ألبست ، وترس مطرق وطراق النعل: ما أطرقت وخرزت به . وريش طراق إذا كان بعضه فوق بعض ، وطارق الرجل بين الثوبين إذا لبس أحدهما على الآخر ، وكل هذا يرجع إلى مفهوم واحد وهو مظاهرة الشئ بعضه بعضاً . ويروى: المجان المطرَّقة بتشديد الراء أي كالترسة المتخذة من حديد مطرق بالمطرقة . والسَّرق: شقق الحرير وقيل لا تسمى سرقاً إلا إذا كانت بيضاً الواحدة سرقة . ويعتقبون الخيل أي يجنبونها لينتقلوا من غيرها إليها . واستحرار القتل شدته ، استحر وحرَّ بمعنى ، قال ابن الزبعرى: حيث ألقت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل والمفلت: الهارب .
واعلم أن هذا الغيب الذي أخبر عنه عليه السلام قد رأيناه نحن عياناً ووقع في زماننا وكان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا ، وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق حتى وردت خيلهم العراق والشام ، وفعلوا بملوك الخطا وقفجاق وببلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم ما لم تحتو التواريخ منذ خلق الله تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله ! فإن بابك الخرمي لم تكن نكايته وإن طالت مدته نحو عشرين سنة ، إلا في إقليم واحد وهو آذربيجان ، وهؤلاء دوخوا المشرق كله ، وتعدت نكايتهم إلى بلاد إرمينية وإلى الشام ، ووردت خيلهم إلى العراق ! وبخت نصر الذي قتل اليهود إنما أخرب بيت المقدس وقتل من كان بالشام من بني إسرائيل ، وأي نسبة بين من كان بالبيت المقدس من بني إسرائيل إلى البلاد والأمصار التي أخربها هؤلاء وإلى الناس الذين قتلوهم من المسلمين وغيرهم). انتهى. (شرح نهج البلاغة:8/215).
أقول: هذه واحدة من معجزات أمير المؤمنين الكثيرة عليه السلام ،وعقيدتنا أن أوصياء النبي صلى الله عليه وآله الإثني عشر: علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين^، يعلمون كثيراً من الغيب ، مما علمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأكرمهم به الله تعالى .
ففي بصائر الدرجات/326، والخصال/644: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال على منبر المدائن في حديث: (يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسرَّ إليَّ ألف حديث في كل حديث ألف باب لكل باب ألف مفتاح ، وإني سمعت الله جل جلاله يقول: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، وإني أقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفرٌ يدعون بإمامهم وهو ضبٌّ ولو شئت أن أسميهم لفعلت ) ! انتهى.

فالأحاديث التي علمه إياها النبي صلى الله عليه وآله أو الموضوعات الأصلية: ألفٌ وفي كل واحد منها ألف باب ، ولكل باب ألفُ مفتاح ! وكلها أسرارٌ لا يمكن للإنسان العادي أن يستوعبه أو يؤتمن عليه ولايسئ استعماله !
وهذا المستوى من القدرة على الإستيعاب والأمانة والتحمل ، لايتحقق إلا في أناس نادرين ، يكون أحدهم أهلاً لأن يصطفيه الله تعالى ، فيطوِّر قدراته العقلية والنفسية ، ويجعل في شخصيته جنبةً ملائكية يتلقى بها هذه العلوم !
وعندما يعطيه هذه العلوم يجعل معه ملائكة يحفظونها ويحفظونه ، ليعيش حياته الطبيعية بالعلم الظاهري ويستعمل طرفاً من العلم اللدني في وقته المناسب ! وهذا هو معنى قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً . (سورة الجـن:26ـ27) فالمرتضى من ربه من رسول أو وصي يتحمل غيب الله تعالى ، ويخصص له الله ملائكةً يسددونه حتى لا يتضرر بالغيب الإلهي ، ويستعمله في غرضه الصحيح !
وقد سأل حمران بن بكير الإمام الباقر عليه السلام عن الغيب في هذه الآية فأجابه: (إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، وكان والله محمدٌ صلى الله عليه وآله ممن ارتضى . وأما قوله: عالم الغيب ، فإن الله تبارك وتعالى عالم بما غاب عن خلقه فما يقدِّر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يقضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشية فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه. فأما العلم الذي يُقَدِّرُهُ الله ويُمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم إلينا) . (بصائر الدرجات/133) .
وفي الكافي:1/222عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف علماء السلطة ورواتها: (يَمُصُّونَ الثَّماد ويَدَعُونَ النهر العظيم! قيل له: وما النهر العظيم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ! إن الله عز وجل جمع لمحمد سنن النبيين من آدم وهلمَّ جرَّاً إلى محمد . قيل له: وما تلك السنن؟قال:علم النبيين بأسره ! وإن رسول الله صلى الله عليه وآله صيَّر ذلك كله عند أمير المؤمنين . فقال له رجل: يا ابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين؟ فقال أبو جعفر: إسمعوا ما يقول إن الله يفتح مسامع من يشاء ! إني حدثته أن الله جمع لمحمد صلى الله عليه وآله علم النبيين وأنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يسألني: أهو أعلم أم بعض النبيين )؟!
وفي الكافي:1/224عن الإمام الباقر عليه السلام : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله :إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم ، وما من نبي مضى إلا وله وصي ، وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي ، منهم خمسة أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد . وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد ، وورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله . أما إن محمداً ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين) . انتهى.



بركة خان المغولي الذي ضخموه !

من الأمور الملفتة في مصادر تاريخ المغول أن أتباع الخلافة ضخموا شخصين هما الباخرزي الصوفي ، وسيأتي ذكره في الحديث عن الجوينيين .
والثاني بركة خان بن توشي خان بن جنكيز خان ، فقالوا إنه أسلم على يد الباخرزي وأسلمت مملكته وأقام شعائر الإسلام ، وأن الشيخ الباخرزي وبركة نهيا هولاكو عن عزمه احتلال بغداد وقتل الخليفة ، فتأخر بسبب ذلك سنتين !
وكثرت رواياتهم عن (فضائل) بركة خان ، ومراسلاته وهداياه المتبادلة مع الخليفة ومع سلطان مصر ، وقد صوروا معركته مع هولاكو بأنها كانت بتحريك سلاطين المسلمين ! وأكثر من بالغ في أمر بركة القلقشندي في مآثر الخلافة والعيني في عقد الجمان وابن خلدون:5/529 .
قال الذهبي في تاريخه:49/189: ( بركة بن توشي بن جنكزخان المغلي ملك القفجاق وصحراء سوداق ، وهي مملكة متسعة مسيرة أربعة أشهر وأكثرها براري ومروج وبينها وبين أذربيجان باب الحديد في الدربند المعروف... وكان قد أسلم وكاتب الملك الظاهر... وله عساكر عظيمة ومملكة تفوق مملكة هولاكو من بعض الوجوه وكان يعظم العلماء ويعتقد في الصالحين ولهم حرمة عنده . من أعظم الأسباب لوقوع الحرب بينه وبين هولاكو كونه قتل الخليفة...وقد سافر من سقسين سنة نيف وأربعين إلى بخارى لزيارة الشيخ سيف الدين الباخرزي ، فقام على باب الزاوية إلى الصباح ثم دخل وقبل رجل الشيخ . وأسلم معه جماعة من أمرائه . وهذا في ترجمة الباخرزي ، نقله ابن الفوطي) .
وقال القلقشندي في مآثر الإنافة:2/90: (وكان للمستعصم وزير يقال له مؤيد الدين بن العلقمي رافضي فشق ذلك عليه فكتب الى هولاكو بن طولى بن جنكزخان ملك التتر وأطمعه في البلاد فخرج هولاكو للاستيلاء على بلاد الخليفة . وكان بركة بن طوجى خان صاحب بلاد الشمال التي قاعدتها الآن السراي قد أسلم على يد الباخرزي أحد مشايخ الصوفية وأوصاه بالخليفة المستعصم وكتب بركة الى الخليفة يعرفه ذلك ، وأنه معاضده وناصره وانتظمت الصحبة بينه وبين الخليفة ، فمرَّ هولاكو على بركة قاصداً بغداد فاعترضه بركة ومنعه من ذلك وقال إن الخليفة صاحبي فلا سبيل الى وصولك اليه ، وإن لم ترجع عنه حاربتك ! فتوقف هولاكو حينئذ عن قصد بغداد سنتين حتى مات بركة فقصد بغداد حينئذ). انتهى.
أقول: عندما تدقق في أمر بركة هذا تجد أن ما قالوه فيه كذب ! فلم ينهَ ابن عمه هولاكو عن غزو بغداد وقتل الخليفة بل مدَّه بجيش لذلك !
قال الذهبي في تاريخه:48/35: (وركب هولاكو إلى العراق ، وكان على مقدمته باجو نوين وفي جيشه خلق من الترك والكرج ، ومن عسكر بركة ابن عم هولاكو ومدد من صاحب الموصل) ! ونحوه في سيره:23/181 .
كما نصت مصادرهم على أن بركة توجه في تلك المدة الى غزو بلاد الأتراك السلاجقة المسلمين ، وفرض عليهم مالية ضخمة حتى رجع الى مملكته !
قال ابن كثير في النهاية:13/277: (ثم أغار بركه خان على بلاد القسطنطينية فصانعه صاحبها ، وأرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركه خان ).
كما يظهر لك كذبهم عندما تعرف أن هولاكو هلك سنة662وبركة سنة665 ، فكيف تأخر هولاكو سنتين فلم يغزُ بغداد حتى مات بركة؟!(سير الذهبي:23/366).

أما حرب بركة مع هولاكو فليس من أسبابها قتل صديقه الخليفة كما زعم الذهبي (من أعظم الأسباب لوقوع الحرب بينه وبين هولاكو كونه قتل الخليفة) !
بل سببها أن بركة خان لم تكفه غنائم غزوته لتركيا فطلب من هولاكو أن يعطيه سهماً من أموال البلاد التي غزاها أو حكمها ، فلم يعطه !
قال ابن كثير:13/272: (وفيها وقع الخلف بين هولاكو وبين السلطان بركه خان ابن عمه ، وأرسل إليه بركه يطلب منه نصيباً مما فتحه من البلاد وأخذه من الأموال والأسرار، على ما جرت به عادة ملوكهم ! فقتل رسله فاشتد غضب بركه ، وكاتب الظاهر(بيربس سلطان مصر) ليتفقا على هولاكو) .
وهذه هي الحرب الثانية له مع هولاكو ، أما الحرب الأولى فكانت قبل غزو هولاكو لبغداد ، وقصتها أن طاغية المغول جنكيز خان هلك سنة624(سير الذهبي:23/158) وكان له ستة أولاد ، فرأى في ولده أوكتاي الكفاءة أكثر من إخوته ، فتشاور معهم وأوصى له بالملك (تاريخ الذهبي:45/186).
وأفضل من روى سبب حرب بركة مع هولاكو النويري في نهاية الإرب/6227، وخلاصة ما قاله: أن طوجي أوتوشي بن هولاكو غزا المنطقة الشمالية أو البلاد الشمالية بأمر أخيه منكوقاآن سنة 627، وحكمها الى أن توفي سنة641 ، وحكمها بعده ابنه باطوخان ، نحو عشر سنين الى أن مات سنة650 ، وكان له ثلاثة أولاد طغان وبركة وبركجار فنازعهم عمهم صرطق بن توشي وحكم سنة وشهرين ومات سنة 652 ولم يكن له أولاد .
وكانت زوجة طغان واسمها براق شين تريد الحكم لابنها تدان منكوا ، لكن أعمام ولدها وقادة الجيش لم يقبلوا وولوا عليهم بركة ، فكتبت براق الى هولاكو تستغيثه وتطلب منه أن يحتل المنطقة ويحكمها ، ثم خرجت قاصدة هولاكو فلحقوا بها في الطريق وقتلوها . وطمع هولاكو بأن يساعده أنصارها فغزا مملكة بركة وكانت بينهما حرب طاحنة ! وهذا كل ما في الأمر ، لا إسلام فيه ولا من يسلمون ! قال ابن كثير:13/277: (وفيها التقى بركه خان وهولاكو ومع كل واحد جيوش كثيرة ، فاقتتلوا فهزم الله هولاكو هزيمة فظيعة وقتل أكثر أصحابه وغرق أكثر من بقي ، وهرب هو في شرذمة يسيرة ولله الحمد . ولما نظر بركه خان كثرة القتلى قال: يعز عليَّ أن يقتل المغول بعضهم بعضاً ولكن كيف الحيلة فيمن غيَّر سنة جنكيز خان) ؟! انتهى.
وبذلك اعترف بركة أن حربه من أجل سنة جنكيز خان التي تعطيه حق الحكم لأنه حفيد توشي خان فاتح المنطقة ، ولأن هولاكو لاحق له فهو الذي غيَّر سنة جده ! ثم أظهر بركة تأسفه على قتال المغول مع بعضهم ! ورووا أنه دفن جثث جيش هولاكو الذين تجمعوا على جليد النهر فانخسف بهم !
ومن الغريب أنهم رووا أن بركة توجه بعد معركته مع هولاكو مباشرة لغزو بلاد المسلمين ، لكنهم أغمضوا عيونهم عن ذلك !
قال العيني في عقد الجمان/189 ،(وأما الحرب الذي وقع بين بركة خان وهلاون فكان حرباً عظيماً انكسر فيها هلاون كسراً شنيعاً وقتل أكثر أصحابه وغرق أكثر من بقي ، وهرب هو في شرذمة قليلة من أصحابه . وبعد فراغ بركة خان من الحرب عاد على بلاد القسطنطينية وصانعه صاحبها ).
بل يحتمل أن تكون هذه الحملة الثانية لبركة على تركيا فقد روى ابن العبري/223 أنه غزا تركيا سنة640 ، أي قبل حملة هولاكو بخمس عشرة سنة ،قال: (وفي سنة أربعين وستمائة سار السلطان غياث الدين كيخسرو(السلجوقي)إلى أرمينية في جمع كثيف وجهاز لم يتجهز أحد مثله في عساكره وعساكر اليونانيين والفرنج والكرج والأرمن والعرب لمحاربة التاتار ، فالتقى العسكران بنواحي أرزنكان بموضع يسمى كوساذاغ ، وأول وهلة باشر المسلمون ومن معهم الجيوش النصرانية الحرب وذُهلوا وأدبروا وولوا هاربين فانهزم السلطان مبهوتاً فأخذ نساءه وأولاده من قيسارية وسار إلى مدينة أنقورة فتحصن بها ! وأقام المغول يومهم ذلك مكانهم ولم يقدموا على التقدم فظنوا أن هنال كميناً إذ لم يروا قتالاً يوجب هزيمتهم وهم في تلك الكثرة من الأمم المختلفة . فلما تحققوا الأمر انتشروا في بلاد الروم فنازلوا أولاً مدينة سيواس فملكوها بالأمان وأخذوا أموال أهلها عوضاً عن أرواحهم وأحرقوا ما وجدوا بها من آلات الحرب وهدموا سورها ! ثم قصدوا مدينة قيسارية فقاتل أهلها أياماً ثم عجزوا ففتحوها عنوةً ورموا فيها السيف وأبادوا أكابرها وأغنياءها معاقبين على إظهار الأموال وسبوا النساء والأولاد وخربوا الأسوار ، وعادوا ولم يتوغلوا في باقي بلاد السلطان) ! انتهى.
وختاماً ، فإن تزويرهم لتاريخ بركة ، يجعلنا نشك في روايتهم أن الباخرزي نهى هولاكو عن غزو بغداد وقتل الخليفة ! وكذلك في تعظيمهم لمقام الباخرزي! والمؤكد أنه كان صوفياً يعتقد المسلمون وبعض التتار أنه من أولياء الله ، ويبدو أنه ما كان يتدخل في شئ من السياسة حتى لو خربت الدنيا !



بركة يتودد الى الظاهر بيبرس لمصلحة المغول

كان بركة خان يتودد الى المسلمين لا حبّاً بهم ولا بالإسلام ، بل نكايةً بهولاكو ، وقد استفاد من ذلك أنه أرسل دفعات من جيش المغول الى مصر فاستقبلهم السلطان ، ووظفهم وصار لهم شأن في تاريخ مصر .
قال المقريزي في المواعظ والإعتبار/1447: ( فلما كثرت وقائع التتر في بلاد المشرق والشمال وبلاد القبجاق ، وأسروا كثيرا منهم وباعوهم تنقلوا في الأقطار واشترى الملك الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية ، ومنهم من ملك ديار مصر وأولهم المعز أيبك.... ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس وملؤوا مصر والشام وخطب للملك بركة بن يوشي بن جنكز خان على منابر مصر والشام والحرمين ! فغصت أرض مصر والشام بطوائف المُغُل وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم . هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعباً من جنكز خان وبنيه ، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم ، وكانوا إنما رُبَّوا بدار الإسلام ولقنوا القرآن وعرفوا أحكام الملة المحمدية ، فجمعوا بين الحق والباطل وضموا الجيد إلى الردئ وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام ، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية كتداعي الزوجين وأرباب الديون ونحو ذلك .
واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع لعادة جنكز خان والإقتداء بحكم الياسة ! نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوايدهم والأخذ على يد قويهم وإنصاف الضعيف منه على مقتضى ما في الياسة ! وجعلوا إليه من ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند الإختلاف في أمور الإقطاعات لينفذ ما استقرت عليه أوضاع الديوان وقواعد الحساب ، وكانت من أجلِّ القواعد وأفضلها حتى تَحَكَّمَ القبط في الأموال وخراج الأراضي فشرَّعوا في الديوان ما لم يأذن به الله تعالى ليصير لهم ذلك سبيلا إلى أكل مال الله تعالى بغير حقه).

وقال المقريزي في السلوك/264: (وكتب السلطان إلى النواب بإكرام الوافدية من التتار والإقامة لهم ما يحتاجون إليه من العليق والغنم وغيره ، وسيرت إليهم الخلع والإنعامات والسكر ونحوه ، وساروا إلى القاهرة فخرج السلطان إلى لقائهم في سادس عشري ذي الحجة ولم يتأخر أحد عن مشاهدتهم ، فتلقاهم وأنزلهم في دور بنت لهم في اللوق ظاهر القاهرة ، وعمل لهم دعوة عظيمة هناك ، وبعث إليهم الخلع والخيول والأموال . وأمَّر السلطان أكابرهم ، ونزل باقيهم في جملة البحرية وكانوا مائتي فارس بأهاليهم فحسنت حالهم ودخلوا في الإسلام)!
مختصر المواعظ والاعتبار - المقريزي - ص 1240 - 1241
فلما بلغ التتار ما فعله السلطان مع هؤلاء وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة وهو يقابلهم بمزيد الأحسان فتكاثروا بديار مصر وتزايدت العمائر في اللوق وما حوله وصار هناك عدة أكال عامرة آهلة إلى أن خربت شيئا بعد شيء وصارت كيمانا وفيها ما هو عامر إلى يومنا هذا ولما قدمت رسل القان بركة في سنة إحدى وستين وسبعمائة أنزلهم السلطان الملك الظاهر باللوق وعمل لهم فيه مهما وصار يركب في كل سبت وثلاثاء للعب الأكرة باللوق في الميدان . وفي سادس ذي الحجة من سنة إحدى وستين قدم من المغل والبهادرية زيادة على الف وثلثمائة فارس فانزلوا في مساكن عمرت لهم باللوق بأهاليهم وأولادهم

ومن ذكاء بركة المغولي أنه زوج ابنته(إلتطمش) الى الظاهر بيربس ، فأنجبت له ولداً وسمته بركة خان على إسم ابيها ، وأقنعت بيبرس فجعله ولي عهده ، وكان عمره 19سنة عند وفاته فحكم مدة وكان سلوكه مشيناً فثار عليه الأمراء ، وخلعوه وبايعوا أخاه سلامة مكانه !
قال في النجوم الزاهرة:7/259: (السلطان الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالى محمد المدعو بركة خان بن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي النجمي ، الخامس من ملوك الترك بمصر .سميَ بركة خان على اسم جده لأمه بركة خان بن دولة خان الخوارزمي).
وفي نهاية ابن كثير:13/338: (غلبت عليه الخاصكية فجعل يلعب معهم في الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى فربما جاءت النوبة عليه فينزل لهم ! فأنكرت الامراء الكبار ذلك وأنفوا أن يكون ملكهم يلعب مع الغلمان ويجعل نفسه كأحدهم ، فراسلوه في ذلك ليرجع عما هو عليه فلم يقبل فخلعوه )
وفي الأعلام للزركلي:6/52: ( وكان حسن الشكل جسيماً كريماً على الرعية ، عيَّ اللسان منقطع الحجة ،يسمع الخطاب ولا يرد الجواب . وقال ابن تغري بردي: كان سيئ التدبير . مدة سلطنته سنتان وشهران وثمانية أيام). انتهى.
راجع وافي الصفدي:9/204، وسمت النجوم العوالي للعصامي/1282، وصبح الأعشى:10/164، وفيه أن بيربرس أضاف له لقب (خان) فخالفه المصريون ، وهو يدل على الهوى المغولي في دمه .



اتفق المغول على تمليك حفيد جنكيز فأصدر أمره بالحملة

اختلف أولاد الطاغية جنكيز خان على خلافته ، الى أن توصلوا في سنة649 الى تتويج حفيده منكوآن أو مونككا ، ولكن ذلك لم يؤثر على قوة المغول ومواصلتهم غزو شرق أوربا وتركيا ، وغاراتهم على بغداد .
قال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول/217، و232، ونحوه الذهبي:45/186: (وفيها (648) اجتمع أولاد الملوك وأمراء المغول فوصل من حدود قراقورم مونككا بن تولي خان ، وأما سيرامون وباقي أحفاد وخواتين قاآن فسيروا قنقورتقاي وكتبوا خطهم أنه قائم مقامهم ، وأن باتوا هو أكبر الأولاد وهو الحاكم وهم راضون بما يرضاه . وأما أغول غانميش خاتون زوجة كيوك خان ومن معها من أولاد الملوك فوصلوا إلى خدمة باتوا ولم يقيموا عنده أكثر من يوم ، بل رجعوا إلى أوردوهم واستنابوا أميراً منهم يقال له تيمور نوين وأذنوا له أن يوافق على ما يتفق عليه الجمع كله ، وإن اختلفت الأهواء لا يطيع أحداً حتى يعلمهم كيفية الحال . فبقي جغاتاي ومونككا وسائر من كان حاضراً من الأولاد والأحفاد والأمراء يتشاورون أياماً في هذا الأمر وفوضوا الأمر إلى باتوا لأنه أكبر الجماعة وأشدهم رأياً ، فبعد ثلاثة أيام من يوم التفويض قال: إن مثل هذا الخطب الخطير ليس فينا من يفي بحق القيام به غير مونككا فوافقوه كلهم على ذلك ، وأجلسوه على سرير المملكة وباتوا مع باقي الأولاد والأكابر خدموه جاثين على ركبهم كالعادة . وانصرف كل واحد إلى مقامه على بناء أنهم يجتمعون في السنة المقبلة ويعملون مجمعا كبيراً ليحضره من الأولاد والأكابر من لم يحضر الآن . وفي سنة تسع وأربعين وستمائة في وقت الربيع حضر أكثر الأولاد مثل بركة أغول وأخوه بغاتيمور وعمهم الجتاي الكبير والأمراء المعتبرون من أردو جنكزخان . وفي اليوم التاسع من ربيع الآخر كشفوا رؤوسهم ورموا مناطقهم على أكتافهم ورفعوا منوككا على سرير المملكة وسموه مونككا قاآن وجثوا على ركبهم تسع مرات . وكان له حينئذ سبعة من الأخوة: قبلاي، هولاكو ، اريغبوكا ، موكا ، بوجك ، سبكو ، سونتاي ، فترتبوا جالسين على يمينه والخواتين على يساره ، وعملوا الفرحة سبعة أيام...). انتهى.



لم يتحالف المغول مع الصليبيين

كان الملك الجديد منكوقاآن يمثل طموحات جده الطاغية جنكيز خان ، ويخطط لاكتساح العالم كله ! ابتداء من الصين الى السند والهند وإفريقيا ، ومن الصين الى خراسان وبغداد والشام وسواحل المتوسط وأوربا ! فأرسل الى لويس التاسع ملك فرنسا الذي كان يومها في قبرص يقود حملة صليبية ضد المسلمين ، باسم تحرير بيت المقدس من أيدي الكفار .
(يقول جان سيردي جوانفيل وهو الذي رافق لويس التاسع في حملته الصليبية فكان بذلك شاهد عيان يقول في مذكراته عن تلك الأيام متحدثاً عن علاقة لويس التاسع بالمغول في ص84 من طبعة سنة 1968، التي عربها الدكتور حسن حبشي: (بينما كان الملك (لويس التاسع) مقيماً في قبرص(كانون الأول سنة 1248)أنفذ إليه ملك التتار استعداده لمعاونة الملك في غزو الأرض المقدسة وتخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين . ولقد بالغ الملك في إكرام وفادة الرسل وأنفذ التاري سفارة من لدنه إلى ملك التتار عادت بعد عامين ، وأرسل معهم إليه خيمة على هيئة كنيسة وهي خيمة غالية لأنها مصنوعة بأكملها من القماش القرمزي الجميل الرائع ، وأراد الملك أن يرى ما إذا كان في قدرته اجتذاب أولئك التتار للإيمان بديننا فأمر بنقش الخيمة بصورة تمثل بشارة سيدتنا العذراء بالمسيح ، وجميع أسس عقيدتنا ، وأرسل الملك هذه الأشياء جميعها بصحبة أخوين من الجماعة المبشرين يعرفان لغة التتار ويستطيعان هداية المغول وتعليمهم السبيل إلى الإيمان).
ويتحدث (جدانفيل) بعد ذلك في ص217عن عودة رسل لويس التاسع قائلاً: (كان عدد شعب هذا الأمير(التتاري)المسيحي كبيراً حتى لقد أنبأنا رسل الملك أنهم شاهدوا في معسكره ثمانمائة كنيسة صغيرة محمولة على عربات . ثم يقول: ويوجد بين التتار كثير من المسيحيين الذين يعتنقون عقيدة الإغريق . ويقول في ص(218): نذكر ما فعله الإيلخان بعد تلقيه رسل الملك وهداياه من إرساله عهد أمان لجمع جميع الملوك الذين لم يدينوا بالطاعة بعد ، فلما جاءوه أمر بنصب كنيسة الملك وخاطبهم بقوله: أيها السادة ، لقد بعث ملك فرنسا إلينا ملتمساً عطفنا للدخول في طاعتنا ، وهاكم الجزية التي أنفذها إلينا فانظروها ، فإذا لم تستسلموا لنا فإنا مرسلون في طلبه عليكم، وإذ ذاك أعلن أكثر الحاضرين استسلامهم للملك التتاري خوفاً من الملك الفرنسي) .
ثم يقول جوانفيل بعد ذلك: (عاد مبعوثو الملك وفي صحبتهم آخرون من قبل ملك التتار العظيم الذي حملهم كتباً منه إلى ملك فرنسا جاء فيها: السلم خيرٌ فإنه إذا ساد أرضاً أكلت كل ذات أربع حشيش السلام ، كما أن من يدبون على قدمين يفلحون الأرض التي تخرج كل طيب في سلام أيضاً . وإننا نقص عليك هذا الخبر لتزداد معرفتك ، إذ لن تعرف معنى السلام إلا إذا عقدته معنا ، فقد ثار بريسترجون علينا كما ثار علينا فلان وفلان غيره من الملوك فحكمنا السيف فيهم جميعاً ، ثم راح يعدد له هؤلاء الملوك ، ثم قال: لذلك ننصحك أن تبعث إلينا عاماً بعد عام بشئ من ذهبك وفضتك وبذلك تبقينا أصدقاءك ، فإن لم تفعل هذا دمرناك أنت وشعبك كما فعلنا مع من ذكرنا لك من الملوك ! ويعقب جوانفيل على هذا الكلام قائلاً: ويجب أن تعلم أن الملك ندم أشد الندم على إرساله رسلاً إليه ! وكان قال في الصفحة(11): إن سفر رسل الملك كان من أنطاكية وأن سفرهم منها إلى ملك التتار استغرق مدة عام كامل ، وأنهم كانوا يقطعون في كل يوم مسافة عشرة فراسخ ) . ( الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي للسيد حسن الأمين/149، وقال في هامشه: فأرسل إلى منكوقا آن سنة650 ه - 1253م. بعثة برئاسة الراهب غيوم روبركguillame robruk ) ) سارت من عكا إلى القسطنطينية ومنها إلى شبه جزيرة القرم ثم مدينة سراي ، ثم عبرت منافذ الأورال ونهر إيلي ، إلى أن وصلت إلى قراقورم حيث قابل رئيسها منكوقا آن.... هو راهب فرانسيسكاني وقد ألف كتاباً عن رحلته إلى منغوليا التي استمرت من العام1253 إلى 1255باللاتينية ، ونشر الكتاب بالفرنسية سنة 1985 ، وفيه وصف موضوعي دقيق للحياة المغولية يومذاك) .

أقول: يتضح بذلك أن المغول كانوا مغرورين بقوتهم كثيراً ، فلم يكونوا يفكرون بالتحالف مع الغربيين ، وأن رسالة منكوقاآن الى ملك فرنسا كانت أمراً بالطاعة وليست طلباً للتحالف ، وقد أكد ذلك في رسالته الثانية .
كما يتضح أن المغول لم يكونوا يقيمون وزناً للمسيحيين القريبين منهم كمسيحيي بلغاريا وأرمينيا والكرج أي جورجيا ، ومسحيي بيزنطة الشرقية والبلاد العربية ، يدل على ذلك أنهم أخضعوهم أو اجتاحوا بلادهم وعاملوهم كغيرهم بالقتل والتدمير ، وقد وصف ابن العبري/234 ، مجئ هيتوم ملك الأرمن ذليلاً متنكراً عندما طلب منكوقاآن حضوره، قال: ( توجه حاتم ملك الأرمن إلى خدمة مونككاقاآن ، أخذ قربان خميس الفصح ورحل عن مدينة سيس يوم الجمعة الصلبوت ، وخرج متنكراً مع رسول له بزي بعض الغلمان ، وأخذ على يده جنيباً يجذبه خلف الرسول ، لأنه كان خائفاً من السلطان صاحب الروم) .

وأما قول مبعوثي لويس التاسع: (إنهم شاهدوا في معسكره ثمانمائة كنيسة صغيرة محمولة على عربات ، وأنه يوجد بين التتار كثير من المسيحيين الذين يعتنقون عقيدة الإغريق) فهو كذبٌ منهم لتقوية قلوب جنودهم ، فقد رجعوا بالخيبة وبرسالة تهديد لملك فرنسا إن لم يطع ملك المغول ! وصرحوا بأن لويس التاسع ندم أشد الندم على إرساله رسلاً إلى قاآن المغول ! وبذلك تعرف أن رسالة منكوقاآن الأولى لم تكن طلباً للتحالف معهم كما زعموا ، فهي كرسالته الثانية ليس إلا !
ولا يغرك أن هولاكو تزوج بابنة ملك الكرج ، على أنها كانت مسلمة !
وكذا زواج آباقا بن هولاكو بابنة إمبراطور بيزنطة (ميخائيل باليولوغ) !
وقد تصور بعضهم أن زوجته دفعته الى التحالف مع البيزنطيين والصليبيين للقضاء على المماليك في مصر ، لكن خطة المغول كانت التعاون مع كل الأقوام على العدو المشترك ، ولم يكن من خطتهم التحالف مع أحد !
وقد كشفت الأحداث أن اتصال آباقا بالبابا اكليمنضوس الرابع ، وأن تعاونه مع لاوون الثالث في حرب المماليك ، كان مجرد تعاون موضعي ولم يكن تحالفاً . ولايتسع المجال لتفصيل ذلك .




انشغل المغول عن بغداد أكثر من ثلاثين سنة !


انحسر مدُّ المغول عن إيران والعراق بعد اجتياحهم الأول ، لأكثر من ثلاثين سنة ، ففي تلك المدة ركزوا حملاتهم على شرق أوروبا وأرمينية وروسيا ، ولم تكن لهم حملات مهمة على بغداد بل غارت قليلة صغيرة، لكن حكام المسلمين وهم الخليفة وسلاطين السلاجقة لم يستفيدوا من هذه الفرصة للإستعداد ورد خطر المغول !
وقد ذكر ابن العبري/222 ، غارتين للتتار على بغداد سنة 635 ، وأنهم لاقوا مقاومة ورجعوا وغنموا في الثانية غنيمة عظيمة . ومعناه أن خطرهم بقي ماثلأً أمام المسلمين مضافاً الى سيطرتهم على قسم من إيران .




حملة المغول الثانية بقيادة هولاكو

قال في تاريخ مختصر الدول/232: (ولما فرغ خاطر مونككا قاآن من أمر المخالفين ، شرع في ترتيب العساكر وضبط الممالك فأقطع بلاد الخطا من حد الميري إلى سليكاي وتنكوت ، وتبت لقبلاي أغول أخيه ، والبلاد الغربية لهولاكو أخيه الآخر . ومن جهة تحصيل الأموال: ولى على البلاد الشرقية من شاطئ جيحون إلى منتهى بلاد الخطا الصاحب المعظم يلواج وولده مسعود بيك وعلى ممالك خراسان ومازندران وهندوستان والعراق وفارس وكرمان ولور وأران وآذربيجان وكرجستان والموصل والشام الأمير أرغون آغا . وأمر آن المتمول الكبير ببلاد الخطا أن يؤدي في السنة خمسة عشر ديناراً ، والوضيع ديناراً واحداً ، وببلاد خراسان يزن المتمول في السنة عشرة دنانير والفقير ديناراً واحداً ، ومن مراعي ذوات الأربع الذي يسمونه قويجور يؤخذ من كل من له مائة رأس من جنس واحد رأس واحد ومن ليس له مائة لا يؤخذ منه شئ . وأطلق العباد وأرباب الدين من الوثنيين والنصارى والمسلمين من جميع المؤونات والأوزان والتكليفات...).
(يقول الدكتور حسين مؤنس: الصين كانت قسمين: الصين الجنوبية وهي المعروفة باسم الصين ، وهي التي كثر تردد المسلمين إلى سواحلها . والصين الشمالية التي تعرف باسم بلاد الخطا أو الخطاي والعرب أول من أطلق هذا الاسم على شمال الصين وعاصمته خان بالق أو بكين ، وعنهم أخذ الأوروبيون الاسم فظلوا يسمون بلاد الصين كلهاcathay من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر. وهؤلاء الترك الخطا غزوا الصين وأنشأوا فيها دولة دامت خلال القرنين العاشر والحادي عشر). (الإسماعيليون والمغول للسيد حسن الأمين/152).
وقال ابن العبري/234: (وفي سنة إحدى وخمسين وستمائة توجه هولاكو إيلخان من نواحي قراقورم إلى البلاد الغربية ، وسير معه مونككا قاآن الجيوش من كل عشرة اثنين ، وصحبه أخوه الصغير سنتاي أغول ، ومن جانب باتوا بلغاي بن سبقان وقوتار أغول وقولي في عساكر باتوا ، ومن قبل جغاتاي تكودار أغول بن بوخي أغول ، ومن جانب جيحكان بيكي بوقا تيمور في عسكر الأويرات ، ومن ناحية الخطا ألف بيت من صناع المنجنيقات وأصحاب الحيل في إصلاح آلات الحرب ، فكان أمير الترك كيدبوقا الباورجي ، وكان القائم مقام هولاكو بأردو مونككا قاآن ولده جومغار بسبب أن أمه أكبرخواتين هولاكو أبيه ، وأخذ صحبته ابنه الكبير آباقا وابنه الآخر يسمون ، ومن الخواتين الكبار دوقوز خاتون المؤمنة المسيحية ، والجاي خاتون) .

وقال السيد الأمين في الإسماعيليون والمغول/154: (وقبل أن تبدأ الحملة زحفها أرسل منكوقا آن خبراء الطرق ليكشفوا على الطريق الذي ستسلكه حملة هولاكو في مرحلتها الأولى من قراقورم حتى شاطئ نهر جيحون ، وليقيموا الجسور على الأنهار والمجاري ، وحدد لكل جندي مائة من الدقيق ، وقربة من النبيذ ، وأوصى هولاكو بما يلي: حافظ على تقاليد جنكيز وقوانينه في الكليات والجزئيات ، وخص كل من يطيع أوامرك ويجتنب نواهيك في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي مصر بلطفك وبأنواع عطفك وإنعامك . أما من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به..).
وقال المقريزي في السلوك/211: (وفيها(649)وردت الأخبار بأن منكوخان ملك التتر سيَّر أخاه هولاكو لأخذ العراق فسار وأباد أهل بلاد الإسماعيلية قتلاً ونهباً وأسراً وسبياً ، ووصلت غاراته إلى ديار بكر وميافارقين وجاءوا إلى رأس عين وسروج وقتلوا ما ينيف على آلاف وأسروا مثل ذلك ، وصادفوا قافلة سارت من حران تريد بغداد فأخذوا منها أموالاً عظيمة من جملتها ستمائة حمل سكر من عمل مصر وست مائة ألف دينار ، وقتلوا الشيوخ والعجائز وساقوا النساء والصبيان معهم ، فقطع أهل الشرق الفرات وفروا خائفين) .
وقال الكتبي في فوات الوفيات:2/580: (هولاكو بن تولي قان بن جنكز خان ملك التتار ومقدمهم . كان طاغية من أعظم ملوك التتار ، وكان شجاعاً مقداماً حازماً مدبراً ، ذا همة عالية وسطوة ومهابة وخبرة بالحروب ، ومحبة للعلوم العقلية من غير أن يتعقل منها شيئاً . اجتمع عنده جماعة من فضلاء العالم وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب ، وكان يطلق الكثير من الأموال والبلاد وهو على قاعدة الترك في عدم التقيد بدين ، لكن زوجته تنصرت .
وكان سعيداً في حروبه ، طوَّف البلاد واستولى على الممالك في أيسر مدة وفتح بلاد خراسان وفارس وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والشام والجزيرة والروم وديار بكر وقتل الخليفة المستعصم وأمراء العراق وصاحب الشام وصاحب ميافارقين). ونحوه أبو الفداء/744 .




الفصل الثاني



التهمة الظالمة للشيعة بأنهم السبب في سقوط بغداد





قدَّموا بلاد المسلمين الى المغول واتهموا الشيعة !

وصلت الخلافة العباسية قبيل الغزو المغولي الى غاية ضعفها بسبب انغماس الخليفة وبطانته والسلاطين السلاجقة في اللهو الترف ، وكان خطر غزو المغول واضحاً ماثلاً أمامهم ، لكن الخليفة المستعصم بقي مستعصماً في اللهو والخمر والنساء ، حتى بعد أن وصل الزحف المغولي الى قصره !
وقد شهد بذلك المؤرخ المعاصر للحدث ابن الطقطقي في الآداب السلطانية/27: (وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني ، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة ، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم واللذات ، لا يراعون له صلاحاً ! وفي بعض الأمثال: الحائن لا يسمع صياحاً !(الحائن: لذي حان هلاكه بحمقه)وكتبت له الرقاع من العوام وفيها أنواع التحذير وألقيت فيها الأشعار في أبواب دار الخلافة ، فمن ذلك:


قل للخليفة مهلاً أتاك ما لا تحب
ها قد دهتك فنون من المصائب غرب
فانهض بعزم وإلا غشاك ويل وحرب
كسر وهتك وأسر ضرب ونهب وسلب
وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة أولها:


يا سائلي ولمحض الحق يرتاد أصِخْ فعندي نُشْدَانٌ وإنشادُ
واضيعةَ الناس والدين الحنيف وما تلقاه من حادثات الدهر بغدادُ
هتكٌ وقتلٌ وأحداثٌ يشيب بها رأس الوليد وتعذيبٌ وأصفادُ
كل ذلك وهو عاكفٌ على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني ، وملكه قد أصبح واهي المباني ! ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة من ذوي الطرب ، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار ! فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبيْن وابكوا على الإسلام وأهله ! وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان في أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائماً:


كيف يرجى الصلاح في أمر قوم ضيعوا الحزم فيه أي ضياع
فمطاع المقال غير سديد وسديد المقال غير مطاع). انتهى.




اختاروا خليفةً ضعيف الشخصية ليكون القرار بيدهم


في النجوم الزاهرة:6/345: (وفيها(651)توفي الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بالله... وخطب له يومئذ بالجامع حتى أقبل شرف الدين إقبال الشرابي ومعه جمع من الخدام وسلم على ولده المستعصم بالله أمير المؤمنين واستدعاه إلى سدة الخلافة ثم عرَّف الوزير وأستاذ الدار ثم طلبوا الناس وبايعوه بالخلافة وتم أمره).

وقال الذهبي في تاريخه:48/259: (قال الشيخ قطب الدين: كان(المستعصم)متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ولكنه لم يكن على ما كان عليه أبوه وجده الناصر من التيقظ والحزم وعلو الهمة فإن المستنصر بالله كان ذا همة عالية وشجاعة وافرة ونفس أبية ، وعنده إقدام عظيم استخدم من الجيوش ما يزيد على مائة ألف ، وكان له أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشهامة والشجاعة وكان يقول: إن ملكني الله لأعبرن بالجيوش نهر جيحون وأنتزع البلاد من التتار واستأصلهم . فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر وخافوا منه وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده وضعف رأيه ليكون الأمر إليهم ، فأقاموا المستعصم). انتهى.
قال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول/226: (وفي سنة أربعين وستمائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر وكان صاحب لهو وقصف وشغف بلعب الطيور واستولت عليه النساء ، وكان ضعيف الرأي قليل العزم كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول . وكان إذا نُبِّهَ على ما ينبغي أن يفعله في أمر التاتار إما المداراة والدخول في طاعتهم وتوخي مرضاتهم أو تجيش العساكر وملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم واستيلائهم على العراق ، فكان يقول: أنا بغداد تكفيني ولا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد ، ولا يهجمون عليَّ وأنا بها وهي بيتي ودار مقامي . فهذه الخيالات الفاسدة وأمثالها عدلت به عن الصواب فأصيب بمكاره لم تخطر بباله) .

أقول: فأين كان ابن العلقمي رحمه الله عندما فرض(الدويدار والشرابي والكبار) المستعصم خليفة ، لأنه ضعيف الشخصية ليكون القرار بأيديهم؟!




قام الخليفة وبطانته بعمل أحمق فحلوا جيش الخلافة !


وقد شهدت مصادرهم المعادية للشيعة بهذا المرسوم الخلافي العجيب ، وأجمعت على أن المستعصم وأباه المستنصر وقادة جيشه الشرابي والدويدار الصغير وأباه الكبير ، اتخذوا قرار تسريح جيش الخلافة ، وأنهم أصروا عليه رغم الإعتراضات ، ومعرفتهم بخطر الزحف المغولي نحو عاصمة الدولة !
قال أبو الفداء في تاريخه/804: (ولما مات المستنصر اتفقت آراء أرباب الدولة مثل الدوادار والشرابي على تقليد الخلافة ولده عبد الله ، ولقبوه المستعصم بالله وهو سابع ثلاثينهم وآخرهم ، وكنيته أبو أحمد بن المستنصر بالله منصور ، وكان عبد الله المستعصم ضعيف الرأي فاستبد كبراء دولته بالأمر ، وحسنوا له قطع الأجناد ، وجمع المال ومداراة التتر ، ففعل ذلك وقطع أكثر العساكر) .
وقال القلقشندي في مآثر الإنافة:2/89: (وأبطل أكثر العساكر وكان التتر من أولاد جنكزخان قد خرجوا على بلاد الإسلام على ما تقدم ، وملكوا أكثر بلاد الشرق والشمال) . وفي:2/91: (وكان عسكر بغداد قبل ولاية المستعصم مائة ألف فارس ، فقطعهم المستعصم ليحمل الى التتر متحصل إقطاعاتهم ! فصار عسكرها دون عشرين ألف فارس). انتهى.
أقول: إقبال الشرابي المذكور كان القائد العام لجيش الخلافة ، وهو الذي اتخذ قرار حل الجيش في خلافة المستنصر وثار عليه الجند فقمعهم بعنف وقتل منهم ! (النجوم الزاهرة:6/345، وأعيان الشيعة:9/85) .
قال في تاريخه:48/34: (وكان المستنصر بالله(والد المستعصم)قد استكثر من الجند حتى بلغ عدد عساكره مائة ألف فيما بلغنا ، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهاديهم ويرضيهم). انتهى .
وقال ابن كثير في النهاية:13/234: (حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ، ويحزنون على الإسلام وأهله ! وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي) ! انتهى.
فكيف نصدق تحميل المتعصبين مسؤولية حل الجيش لابن العلقمي ، بينما الذي حله هو الشرابي في زمن المستنصر قبل المستعصم ووزارة ابن العلقمي ؟!
والصحيح أن ابن العلقمي حاول جاهداً أن يعيد تشكيل الجيش فلم يسمعوا له ، وقد شهد الذهبي وغيره بأن الخليفة وقائد (جيشه) لم يكونا يسمعان لابن العلقمي رأياً ! قال في تاريخه:48/290: (كان وزيراً كافياً قادراً على النظم خبيراً بتدبير الملك ولم يزل ناصحاً لمخدومه حتى وقع بينه وبين حاشية الخليفة وخواصه منازعة فيما يتعلق بالأموال والإستبداد بالأمر دونه ، وقويت المنافسة بينه وبين الدويدار الكبير وضعف جانبه حتى قال عن نفسه:
وزيرٌ رضي من بأسه وانتقامه بطيِّ رقاع حشوها النظم والنثرُ
كما تسجع الورقاء وهي حمامة وليس لها نهيٌ يطاعُ ولا أمرُ). انتهى.

أقول: يظهر أن المستنصر كان جباناً ، أما ولده المستعصم فكان جباناً وبخيلاً يحب جمع المال كقائد جيشه الدويدار ! قال الباحث السيد حسن الأمين في كتابه الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/130: ( ويذكر السائح البندقي ماركو بولو الذي مرَّ ببغداد بعد انقضاء الدولة الإيلخانية بقليل قصة كانت ذائعة في عهده خلاصتها أن هولاكو بعد أن قبض على الخليفة اكتشف بغرابة أن للخليفة برجاً مليئاً بالذهب فاستدعاه بين يديه وأنبه لجشعه وبخله اللذين منعاه من استخدام كنوزه في تكوين جيش يدافع به عن عاصمته ، التي كانت مهددة منذ مدة طويلة ، ثم أمر بحبسه في ذلك البرج بدون طعام حيث مات هناك بين كنوزه ! وكذلك فإن عبد الله بن فضل الله الشيرازي ذكر اختلاف الروايات في كيفية قتل الخليفة ، وإلى أن أحدها ذكر أن الخليفة منع عنه الطعام وعندما طلب شيئاً من الموكلين به الحراس وصل الخبر إلى هولاكو فأمر أن يقدم إليه طبق ملئ بالذهب ، فقال الخليفة وكيف يمكنني أكل الذهب؟! فصدر الأمر عن طريق المترجم أن يقال له: إذا كنت تعرف أن الذهب لا يؤكل فلماذا لم تفرقه على عسكرك وأعوانك لتفدي به نفسك والعدد الكبير من معاونيك ن فتحفظ بذلك ملكك . فلم يُحِر الخليفة جواباً !
والحقيقة أن هاتين الروايتين: رواية ماركو بولو ورواية الشيرازي تعودان في الأصل إلى حقيقة واقعة هي أن هولاكو بعد أن دخل بغداد أحضر الخليفة وطلب إليه إحضار كنوزه فأحضر إليه بعض الأموال والجواهر فرفضها هولاكو وقال له: أذكر ما تملكه من الدفائن ما هي وأين توجد؟ فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء من الذهب في ساحة القصر فحفروا الأرض حتى وجدوه ، وكان مليئاً بالذهب الأحمر ، وكله سبائك تزن الواحدة مائة مثقال) !

وقد روى ابن كثير أن النتيجة الطبيعية لمرسوم حل الجيش أنَّ بغداد لم تقاوم المغول أبداً ! قال في النهاية:13/234: (فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم ، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد) !!
فاعجب لتعصبهم ضد ابن العلقمي رحمه الله الذي لم يكن يملك شيئاً من القرار، وتبرئتهم للخليفة المستنصر وابنه المستعصم وقادة الجيش الذين أصروا على حله ، بل فرضوا خلافة المستعصم قبل خمس عشرة سنة لأنه ضعيف ويوافقهم على حل الجيش ، بينما خطر المغول كان واضحاً للعيان !

وقد اضطر الزركلي وهو متعصب كالذهبي للقول إن مؤرخين ثقاة حكموا ببراءة ابن العلقمي ، قال في الأعلام:5/321: (محمد بن أحمد... مؤيد الدين الأسدي البغدادي المعروف بابن العلقمي ، وزير المستعصم العباسي وصاحب الجريمة النكراء في ممالأة هولاكو على غزو بغداد في رواية أكثر المؤرخين... وكان حازماً خبيراً بسياسة الملك كاتباً فصيح الإنشاء ، اشتملت خزانته على عشرة آلاف مجلد ، وصنف له الصغاني العباب وابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة ، ونفى عنه بعض ثقات المؤرخين خبر المخامرة على المستعصم حين أغار هولاكو على بغداد سنة656، واتفق أكثرهم على أنه مالأه). انتهى.
لكن الزركلي أظهر خبثاً عندما ترجم للمستعصم ونقل افتراء ابن تيمية ، فقال في:4/140: (وكان المغول قد استفحل أمرهم في أيام سلفه المستنصر فكاتب ابن العلقمي قائدهم هولاكو (حفيد جنكيزخان) يشير عليه باحتلال بغداد ويعده بالإعانة على الخليفة فزحف هولاكو سنة 645 ه ، وخرجت إليه عساكر المستعصم فلم تثبت طويلاً ، ودخل هولاكو بغداد فجمع له ابن العلقمي ساداتها ومدرسيها وعلماءها فقتلهم عن آخرهم ) ! انتهى.
يقصد بذلك غارات المغول الصغيرة في زمن المستعصم قبل غزو هولاكو ، وكله قبل المستعصم ووزارة ابن العلقمي ، فاتهامهم له كذبٌ وتعصب ، وهو كاتهامهم له بأنه أتى بالفقهاء الى هولاكو ليقتلهم !
قال السيد الأمين في كتابه الإسماعيليون والمغول/123: (وممن يتجاهل ابن تيمية جرائمهم وهو يتهم الأبرياء ، يتجاهل جرائمهم لأن عصبيته توحي إليه بهذا التجاهل ، كبار علماء هولاكو الذين وضعوا أنفسهم في تصرفه فعاونوه على سفك دماء المسلمين ، منهم أبو بكر فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل القاضي المحدث الذي ذكر صاحب كتاب(الحوادث الجامعة) أنه كان يتولى إخراج الفقهاء البغداديين ليقتلوا في مخيم هولاكو ! وصاحب الحوادث الجامعة مؤرخ معاصر شهد الأحداث بنفسه . إن الذي كان يدهم بيوت فقهاء بغداد ويخرجهم منها ليسوقهم إلى هولاكو ليقتلهم هو (القاضي المحدث) الملقب ب (فخر الدين) ! إن حامل هاتين الصفتين وهذا اللقب كان جلاد هولاكو الساعي بدماء الفقهاء العلماء إلى السفاك السفاح ، إنه يعرفهم واحداً واحداً لأنه منهم ويعرف مراتبهم ودرجاتهم ، ويعرف بيوتهم ومجالسهم فكان يسهل عليه انتقاؤهم وسحبهم لتهرق دماؤهم . وابن تيمية يغمض عينيه عنه وعن أمثاله ، ولا يرى فيما فعلوه ما يستحق المؤاخذة) !




حاول ابن العلقمي أن يعيد بناء الجيش فاتهموه !

إقرأ معي اتهام الذهبي لابن العلقمي بأنه حرك الجنود المطالبين بإعادة تشكيل الجيش ، وأنه كان يضغط على الخليفة لإعادته فكيف يتهم بحله ؟!
قال في تاريخه:47/63: (وفيها(سنة648)كثر الحرامية ببغداد وصار لهم مقدم يقال له غيث ، وتجرؤوا على دور الأمراء . وفيها ثارت طائفة من الجند ببغداد ومنعوا يوم الجمعة الخطيب من الخطبة واستغاثوا لأجل قطع أرزاقهم . ثم أضاف الذهبي: وكل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي) ! انتهى.
لقد أراد الذهبي أن يذم فمدح ! وكشف أن ابن العلقمي ساند حركة الجنود لإعادة تشكيل الجيش للدفاع عن العاصمة والخلافة ! وهي شهادة كافية لتبرئة ابن العلقمي رحمه الله وإدانةٌ فاضحة للخليفة والدويدار والشرابي الذين أصدروا مرسوم حل الجيش قبل وزارة ابن العلقمي ليأكلوا ميزانيته ونفقاته ، بحجة أنهم يريدون جمع المال لمداراة التتر ! فالميزانية كانت بيدهم ، وقرار حل الجيش بيدهم ، وقداتهموا العلقمي بأنه يضغط لإعادة الجيش ليعطوه ميزانيته ! (ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه) ! (ابن الطقطقي/231).



اعترفوا بأن ابن العلقمي حاول إنقاذ الخلافة فمنعوه


فقبل أن يصل المغول الى العراق استشار الخليفة ابن العلقمي فأشار عليه أن يرسل الى طاغيتهم هولاكو هدايا وفيرة ، ويطمئنه بأنه يعترف به سلطاناً كما اعترف بالسلطان البويهي والسلجوقي ، لكي يعترف هولاكو بالخليفة ولا يهاجم بغداد !
وقد اقتنع الخليفة بذلك وباشروا بتهيئة الهدايا والرسل ، لكن القائد السني الدويدار وبقية البطانة استكثروا الهدية ومنعوا الخليفة من إرسالها فأطاعهم ، وأحبطوا بذلك محاولة إنقاذ الخلافة !
قال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول/240: (وفيها في شهر شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد ، وكان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة قد سيَّر رسولاً إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة ، فأراد أن يسيِّر ولم يقدر ، لم يمكنه الوزراء والأمراء وقالوا: إن هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجاً إلى نجدتنا وإنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة . فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال ! ولما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولاً آخر إلى الخليفة وعاتبه على إهماله تسيير النجدة ، فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه . وعندما أخذوا في تجهيز ما يسيرونه من الجواهر والمرصعات والثياب والذهب والفضة والمماليك والجواري والخيل والبغال والجمال ، قال الدويدار الصغير وأصحابه: إن الوزير إنما يدبر شأن نفسه مع التاتار وهو يروم تسليمنا إليهم فلا نمكنه من ذلك ! فأبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة واقتصر على شئ نزر لا قدر له ، فغضب هولاكو وقال: لا بد من مجيئه هو بنفسه أو يسيِّر أحد ثلاثة نفر إما الوزير وإما الدويدار وإما سليمانشاه . فتقدم الخليفة إليهم بالمضي فلم يركنوا إلى قوله ، فسير غيرهم مثل ابن الجوزي وابن محيي الدين ، فلم يجديا عنه) . انتهى.

وقال الذهبي في تاريخه:48/32: (وفي سنة خمس(655)سار هولاكو من همدان قاصداً بغداد ، فأشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتحف النفيسة إليه ، فثناه عن ذلك الدويدار وغيره وقالوا: غرض الوزير إصلاح حاله مع هولاكو فأصغى إليهم وبعث هدية قليلة مع عبد الله بن الجوزي فتنمر هولاكو ، وبعث يطلب الدويدار وابن الدويدار وسليمان شاه فما راحوا ، وأقبلت المُغُل كالليل المظلم . وكان الخليفة قد أهمد حال الجند وتعثروا وافتقروا وقطعت أخبازهم ، ونظم الشعر في ذلك ! فلا قوة إلا بالله) . انتهى.
فلماذا يتعامى أتباع الخلافة عن حقيقة أن مركز القرار والميزانية كانا بيد الخليفة وقائد جيشه وبطانته ، ويضعون المسؤولية على من لا يملك القرار؟!
ولماذا لايُدينون الخليفة البخيل المنهار ، الذي عرف أن المغول قصدوا العراق فأرسل معتمده محتسب بغداد الفقيه السني ابن الجوزي الى هلاكو ليسلمه الأهواز ! قال الذهبي في سيره:23/374: (وقد أرسله المستعصم إلى خراسان إلى هولاكو ثم رجع وأخبر بصحة عزمه على قصد العراق في جيش عظيم فلم يستعدوا للقائه ! ولما خرج المستعصم إليه طلب منه أن ينفذ إلى خورستان من يسلمها فنفذ شرف الدين هذا بخاتم الخليفة فتوجه مع جماعة من المغول وعرفهم حقيقة الحال) !
ثم بقي هذا (الخليفة)مستغرقاً في خمره حتى عندما أحاط جيش هولاكو بقصره وأصابت سهامهم راقصته ، فكان جوابه أن قال: كثفوا الستائر؟!




قال الخليفة: قتلوا راقصتي فكثِّفوا الستائر !


قال ابن كثير في النهاية:13/233: (وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه وكانت مولدة تسمى عَرَفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ! وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم ! فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الإحتراز وكثرة الستائر (الجُدُر) على دار الخلافة !
وكان قدوم هلاكو خان بجنوده كلها وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة ، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه ، وهو أن هلاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجهاً إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراةً له عما يريده من قصد بلادهم ، فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير أيبك وغيره وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال ، وأشاروا بأن يبعث بشئ يسير فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هلاكو خان وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويداره المذكور وسليمان شاه(حذف ابن العلقمي!)فلم يبعثهما إليه ولا بالى به حتى أزف قدومه ، ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لايؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لايبلغون عشرة آلاف فارس وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله ، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير ، فاشتد حنقه على ذلك ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات ، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو ! فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بالسلطان هلاكو خان لعنه الله ، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة ، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤس الأمراء والدولة والأعيان ، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين ، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم ، وأحضر الخليفة بين يدي هلاكو فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت ، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خواجه نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما والخليفة تحت الحوطة والمصادرة ، فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة ، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة ، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك ، وحسَّنوا له قتل الخليفة ، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله . ويقال: إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الآلموت وانتزعها من أيدي الإسماعيلية). انتهى.
أقول: لاحظ تناقضهم حيث اعترفوا بفساد خليفتهم وبطانته وجبنهم ، ثم هم يُصِرِّون على تغطية عوراته باتهام الوزير الشيعي بأنه سبب سقوط بغداد !
وما زال أتباعهم الى عصرنا يطبِّلون بهذه الكذبة ضد نصير الدين الطوسي قدس سره الذي أخذه المغول أسيراً واستبقوه لأنه طبيب ، وعلى الوزير ابن العلقمي رحمه الله الذي لم يكن تحت إمرته جندي واحد ، وكان يصرخ في آذان الخليفة قبل سنوات من وصول زحف المغول ، منذراً بالخطر ، ولا من مجيب !
فلماذا يرمون بذنوبهم من لاذنب له ، ولا يعترفون بأن الخليفة السكران وقائد جيشه الجبان هما اللذان أدارا الأزمة لمدة سنوات قبل وزارة ابن العلقمي وكان القرار بيدهما ، وأنهما السبب في ذلك السقوط المهين للخلافة !





7- صنعوا من الدويدار الجبان بطلاً لأنه سني !

أنظر كيف يترجم الذهبي للدويدار بإعجاب فيقول في تاريخه:46/18: (وفيها كان عرس مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير على بنت بدر الدين صاحب الموصل وكان عرساً ما شُهد مثله ! وخلع عليه الخليفة وأعطاه ونوَّه باسمه ، ومشى في ركابه الأمراء ووزراء بألوية المُلك ، وأعطي أنواعاً كثيرة وتحفاً ، واستمرَّ دخوله إلى دار الخلافة في كل يوم ) . (ووهبه ليلة عرسه مائة ألف دينار ، وكان دخله في العام من ملكه وإقطاعه خمسمائة ألف دينار). (تاريخ الذهبي:47/443).
وقال في سيره:23/371: ( الدويدار الملك ، مقدم جيش العراق ، مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير ، أحد الأبطال المذكورين ، والشجعان الموصوفين ! الذي كان يقول: لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم لقهرت التتار ، ولشغلت هولاكو بنفسه ! وكان مغرىً بالكيمياء ، له بيت كبير في داره فيها عدة من الصناع والفضلاء لعمل الكيمياء ولا تصح ، فحكى شيخنا محيي الدين بن النحاس قال: مضيت رسولاً فأراني الدويدار دار الكيمياء وحدثني قال: عارضني فقير وقال: يا ملك خذ هذا المثقال وألقه على عشرة آلاف مثقال يصير الكل ذهباً ففعلت فصح قوله ، ثم لقيته بعد مدة فقلت علمني الصنعة قال: لا أعرفها لكن رجلاً صالحاً أعطاني خمسة مثاقيل فأعطيتك مثقالاً ولملك الهند مثقالاً ولآخرين مثقالين وبقي لي مثقال أنفق منه ، ثم أراني الدويدار قطعة فولاذ قد أحميت وألقى عليها مغربي شيئاً فصار ما حمي منها ذهباً وباقيها فولاذ ) ! انتهى.

وقال في تاريخه:48/281: (مقدم جيوش العراق كان بطلاً شجاعاً موصوفاً بالرأي والإقدام. كان يقول: لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم لقهرت هولاكو). انتهى .
أقول: كانت قيادة جيش الخلافة كله بيد هذا القائد الغلام المدلل الذي أعطاه الخليفة لقب(الملك)وكان دخله الشخصي وحده كافياً لميزانية جيش !
لكنه كان مترفاً ، همُّه جمع المال وتحويل الحديد الى ذهب ! وهو كذابٌ في ادعائه أن درويشاً أعطاه مادة حول بها الحديد الى ذهب ، كما هو كذابٌ في عنترياته بأن الخليفة لو مكنه لهزم هلاكو !
فماذا يريد من الخليفة السكران وهو بيده ؟ ومتى منعه من الدفاع عن بغداد ؟ ولماذا هرب ولم يثبت في المعركة مع المغول ساعة من نهار؟!
قال السبكي في طبقات الشافعية:8/270: (وركب السلطان هولاكو إلى العراق وكان على مقدمته بايجو نوين وأقبلوا من جهة البر الغربي عن دجلة فخرج عسكر بغداد وعليهم ركن الدين الدويدار فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد وانكسر البغداديون وأخذتهم السيوف وغرق بعضهم في الماء وهرب الباقون) !!
هذا على رواية السبكي الذي يبالغ في تعصبه للخليفة وبطانته ، لكن غيره روى أن أحداً لم يخرج من بغداد لمقاومة المغول ولم تكن بينهم معركة أبداً ! قال السيد الأمين في أعيان الشيعة:9/93: (ولما حمي وطيس الحرب في بغداد وضاق الحال على الأهالي أراد الدواتدار أن يركب سفينة وأن يهرب إلى ناحية السيب ، ولكنه بعد أن اجتاز قرية العقاب أطلق جند بوقا تيمور حجارة المنجنيق والسهام وقوارير النفط واستولوا على ثلاث سفن وأهلكوا من فيها ، وعاد الدواتدار منهزماً !
فلما وقف الخليفة على تلك الحال يئس نهائياً من الإحتفاظ ببغداد ولم يرَ أمامه مفراَ ولا مهرباَ قط ، فقال: سأستسلم وأطيع ! ثم أرسل فخر الدين الدامغاني وابن الدرنوش مع قليل من التحف إلى هولاكو زاعماً أنه لو بعث بالكثير لكان ذلك دليلاً على خوفه فيتجرأ العود ، فلم يلتفت هولاكو إلى هذه الهدايا ، وعادا محرومين).



8- اخترعوا للخليفة السكران كرامات ومعاجز !

قال السبكي في طبقات الشافعية:8/270: (وأما الخليفة فقيل إنه طلبه ليلاً وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل ، فقيل لهولاكو: إن هذا إن أهريق دمه تظلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك ، فإنه ابن عم رسول الله وخليفة الله في أرضه ! فقام الشيطان المبين الحكيم نصير الدين الطوسي وقال: يقتل ولا يراق دمه ! وكان النصير من أشد الناس على المسلمين ، فقيل إن الخليفة غُمَّ في بساط ، وقيل رفسوه حتى مات ، ولما جاءوا ليقتلوه صاح صيحة عظيمة).انتهى.
وهذا غاية كذبهم وافترائهم على المرجع الأسير نصير الدين الطوسي قدس سره !
ثم أضاف السبكي من تعصبهم وكذبهم: (ولقد حكي أن الخليفة كان قاعداً يقرأ القرآن وقت الإحاطة بسور بغداد فرمى شخص من التتار بسهم فدخل من شرفات المكان الذي كان فيه وكانت واحدة من بناته بين يديه فأصابها السهم فوقعت ميتة ! ويقال كتب الدم على الأرض إذا أراد الله أمراً سلب ذوي العقول عقولهم ! وإن الخليفة قرأ ذلك وبكى! وإن هذا هو الحامل على أن أطاع الوزير في الخروج إليهم .
ولله ما فعلت زوجة أمير المؤمنين ! قيل: إن هولاكو دعاها ليواقعها فشرعت تقدم له تحف الجواهر وأصناف النفائس تشغله عما يرومه فلما عرفت تصميمه على ما عزم عليه اتفقت مع جارية من جواريها على مكيدة تخيلتها وحيلة عقدتها فقالت لها إذا نزعت ثيابك وأردت أن أقدك نصفين بهذا السيف فأظهري جزعاً عظيماً فأنا إذ ذاك أقول لك إفعلي أنت هذا بي فإن هذا سيف من ذخائر أمير المؤمنين وهو لا يؤثر إذا ضرب به ولا يجرح شيئاً ، فإذا أنت ضربتيني فليكن الضرب بكل قواك على نفس المقتل ! ثم جاءت إلى هولاكو وقالت: هذا سيف الخليفة وله خصوصية وهي أنه يضرب به الرجل فلا يجرحه إلا إذا كان الضارب الخليفة ! ثم دعت الجارية وقالت أجرب بين يدي السلطان فيها فلما عاينت الجارية السيف مصلتاً والضرب آتياً صاحت صيحة عظيمة وأظهرت الجزع شديداً ، فقالت السيدة رضي الله عنها ويلك أما علمت أنه سيف أمير المؤمنين مالك أتخشينه أما تعرفينه؟ خذيه واضربيني به فأخذته فضربتها به فقدتها نصفين وماتت وما ألمت بعار ولا جعلت فراش ابن عم رسول الله فراشاً للكفار ! فتحسر هولاكو وعلم أنها مكيدة ! وقد رأيت مثل الحكاية جرى في الزمن الماضي لبعض الصالحات راودها عن نفسها بعض الفاجرين)! انتهى.
أقول: عندما ترى أمثال هذه المبالغات ، فينبغي أن تشك في سبب وضعهم لها فقد يكون السبب أن إحدى زوجات الخليفة أو جواريه كان سلوكها بالعكس تماماً !



- من رواياتهم المعقولة في استسلام بغداد

منها رواية تاريخ مختصر الدول/242 ، قال: (وأمر هولاكو أن يخرج إليه الدويدار وسليمان شاه وأما الخليفة إن اختار الخروج فليخرج وإلا فليلزم مكانه . فخرج الدويدار وسليمان شاه ومعهما جماعة من الأكابر ، ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة أنه يرجع ويمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والأزقة لئلا يقتلوا أحداً من المغول ! فرجع وخرج من الغد وقتل ، وعامة أهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني ليأخذا لهم الأمان .
ولما رأى الخليفة أن لا بد من الخروج أراد أو لم يرد ، استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه فأذن له وخرج رابع صفر ومعه أولاده وأهله ، فتقدم هولاكو أن ينزلوه بباب كلواذ وشرع العساكر في نهب بغداد ، ودخل بنفسه إلى بغداد ليشاهد دار الخليفة ، وتقدم بإحضار الخليفة فأحضروه ومَثُل بين يديه وقدم جواهر نفيسة ولآلئ ودرراً معبأة في أطباق ، ففرق هولاكو جميعها على الأمراء ، وعند المساء خرج إلى منزله وأمر الخليفة أن يفرز جميع النساء التي باشرهن هو وبنوه ويعزلهن عن غيرهن ففعل فكنَّ سبعمائة امرأة ، فأخرجهن ومعهن ثلاثمائة خادم خصي ! وبقي النهب يعمل إلى سبعة أيام ثم رفعوا السيف وأبطلوا السبي).
ومثله في المعقولية والوثاقة رواية الآداب السلطانية لابن الطقطقي/231 ، قال:
(وفي آخر أيامه(المستعصم)قويت الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو فلم يحرك ذلك منه عزماً ، ولا نبه منه همة ، ولا أحدث عنده هماً ! وكان كلما سمع عن السلطان(هولاكو)من الإحتياط والإستعداد شئ ، ظهر من الخليفة نقيضه من التفريط والإهمال ، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك ، ولا يعرف هذه الدولة يسر الله إحسانها وأعلى شأنها حق المعرفة .
وكان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي يعرف حقيقة الحال في ذلك ويكاتبه بالتحذير والتنبيه ويشير عليه بالتيقظ والإحتياط والإستعداد ، وهو لايزداد إلا غفولاً ، وكان خواصه يوهمونه أنه ليس في هذا كبير خطر ولا هناك محذور ، وأن الوزير إنما يعظم هذا لينفق سوقه ، ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه ! وما زالت غفلة الخليفة تنمو ويقظة الجانب الآخر تتضاعف حتى وصل العسكر السلطاني إلى همذان وأقام بها مدة مديدة .
ثم تواترت الرسل السلطانية إلى الديوان المستعصمي فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزي فبعثه رسولاً إلى خدمة الدركاه السلطانية بهمذان ، فلما وصل وسمع جوابه علم(هولاكو)أنه جواب مغالطة ومدافعة ، فحينئذ وقع الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها فتوجه عسكر كثيف من المغول والمقدم عليهم باجو ، إلى تكريت ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربي ويقصدوا بغداد من غربيها ، ويقصدها العسكر السلطاني من شرقيها ، فلما عبر عسكر باجو من تكريت وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل الناس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر عيسى ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم ، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف بنفسه في الماء ، وكان الملاح إذا عبر أحداً في سفينة من جانب إلى جانب ، يأخذ أجرته سواراً من ذهب أو طرازاً من زركش ، أو عدة من الدنانير !
فلما وصل العسكر السلطاني(هولاكو)إلى دجيل وهو يزيد على ثلاثين ألف فارس خرج إليه عسكر الخليفة صحبة مقدم الجيوش مجاهد الدين أيبك الدويدار ، وكان عسكراً في غاية القلة فالتقوا بالجانب الغربي من بغداد قريباً من البلد فكانت الغلبة في أول الأمر لعسكر الخليفة ، ثم كانت الكرة للعسكر السلطاني فأبادوهم قتلاً وأسراً ، وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل ، فكثرت الوحول في طريق المنهزمين فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء أو من دخل البرية ومضى على وجهه إلى الشام ! ونجا الدويدار في جمعية من عسكره ووصل إلى بغداد .
وساق باجو حتى دخل البلد من جانبه الغربي ووقف بعساكره محاذي التاج ، وجاست عساكره خلال الديار(دون مقاومة)وأقام محاذي التاج أياماً .
وأما حال العسكر السلطاني فإنه في يوم الخميس رابع محرم من سنة ست وخمسين وستمائة ، ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب بعقوبا بحيث عمت البلد ، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير يتشوفون ، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها ، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار ، وشرع العسكر الخليفي في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من محرم . فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلواذى ، وكان هذا البرج أقصر أبراج السور وتقحَّمَ العسكر السلطاني هجوماً ودخولاً(بلا مقاومة) فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة فما الظن بتفاصيله: وكان ما كان مما لست أذكره فظُنَّ ظناً ولا تسأل عن الخبر .
وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه فخرجوا فحضر الخليفة بين يدي الدركاه ، فيقال إنه عوتب ووُبِّخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول إليه ثم أوصل إلى إلياسا هو وولداه الأكبر والأوسط ، وأما بناته فأسرن ، ثم استشهد المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وستمائة) . انتهى.
وفي سمت النجوم للعصامي/1212: (واستبقى هولاكو المستعصم أياماً إلى أن استصفى أمواله وخزائنه وذخائره... وفي رواية: أن خروج الخليفة المستعصم إليه كان قبل وقوع شئ من القتال).انتهى.
وهو المنسجم مع الإنهيار العام ، وانهيار الخليفة وبطانته المترفة بشكل خاص !



أخفوا أدوار بطانة الخليفة شركاء قائد الجيش !

تغاضى ابن تيمية والذهبي وأمثالهما من أعداء الشيعة عن كل ما ارتكبه الخليفته المستعصم وقائد جيشه الدويدار ، ولعله يربطه بالذهبي دمه الشركسي !
وغيبوا أدوار بقية بطانة الخليفة (الكبار) وكلهم سنة متعصبون مثلهم ، وأعداءٌ للشيعة وللوزير ابن العلقمي ! ومنهم أحمد بن الخليفة الذي كان بطل مجزرة الكرخ فهو الذي قاد جيش الخلافة مع الدويدار قبل سنتين وهاجموا بأمر الخليفة محلات الشيعة في بغداد (فنهبوا الكرخ ، وهتكوا النساء ، وركبوا منهن الفواحش)! ( أبو الفداء/833، وعقد الجمان للعيني/79) .
وهما اللذان قاما بحركة انقلاب على أبيه ليقتلاه ويأخذ الخلافة أحمد ! (فهاشت العامة وعظم الأمر وقتل جماعة كثيرة وجرح خلق) ! (تاريخ الذهبي:48/24).
ومنهم أحمد بن الدامغاني صاحب الديوان ، والذي لم يقتله هولاكو واختاره ليكون صاحب ديوانه ! (تاريخ الإسلام:48/260) .
وابن بهرام (الحاجب الأوحد شمس الدين الخالدي البغدادي وأباه مشرف عرض الجيوش في دولة المستعصم). (تاريخ الإسلام:52/223).
وصدر الدين بن النيار شيخ الشيوخ في بغداد ، وأخوه عز الدين وكيل أولاد المستعصم ! (الوافي:13/29). (ومحي الدين بن الجوزي الصاحب العلامة سفير الخلافة أبو المحاسن... التيمي البكري البغدادي الحنبلي أستاذ دار المستعصم).(العبر للذهبي:5/237). (وقد أرسله المستعصم إلى خراسان إلى هولاكو) .(سير الذهبي:23/374). وقد نقل في أعيان الشيعة:9/87، حقائق مفحمة من مختصر تاريخ الدول لابن العبري ، وجامع التواريخ لرشيد الدين الهمداني ، والحوادث الجامعة لابن الطقطقي .



- لماذا لم يتهموا الشخصيات السنية التي كانت مع المغول؟

كان التتار مجاورين للمسلمين في شرق خراسان ، وكانت لهم علاقات تجارية وقبلية معهم ، وكان لملوكهم علاقات مع شخصيات سنية عديدة ، وقد بدؤوا زحفهم في سنة617هجرية ، واحتل هولاكو منطقة بخارى وخراسان وكل ممالك إيران ، وكان آخر ما احتلوه منها قلاع الإسماعيليين حيث وقع نصير الدين الطوسي قدس سره في قبضتهم ، وكان في ركب هولاكو وفي معسكره قبل الطوسي شخصيات سنية مثل محمد الجويني الذي رووا أنه استأذن هلاكوا في أخذ كتب وآلات رصد من مكتبة قلعة آلموت !
فلماذا يتهم أتباع ابن تيمية نصير الدين قدس سره وينسون كل هؤلاء السنيين؟! وفيهم من نص التاريخ على أنهم طلبوا من المغول أن يحتل بلدهم ؟! وفيهم من جاء مرسلاً من المغول الى سلطان خراسان طالبين منه التسليم ! ومنهم من اعتمد عليهم جنكيز وهولاكو فجعلاهم حكاماً في البلاد المحتلة !
قال السيد الأمين في كتابه الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/75:
(وكان فيمن أخلص لجنكيز في هذا الصراع ثلاثة رجال مسلمين هم: جعفر خوجا الذي يقال أن جنكيز متزوجاً أخته ، وحسن ، ودانشمند الحاجب ، وكان هذان الإثنان مع جنكيز في هجومه على خوارزم وأديا له خدمات جليلة لا سيما في مفاوضاته مع أهل البلاد المفتوحة . وقد عاش دانشمند25سنة بعد جنكيز ، وكان مؤدباً لأحد أحفاد جنكيز ابن ابنه أوكتاي بن جنكيز . وهؤلاء المسلمون وأمثالهم جاءوا في الأصل إلى تلك البلاد تجاراً ، وكان التجار المسلمون القادمون من الغرب هم الذين يتولون التجارة مع منغوليا والصين .
وكان ممن عمل مع جنكيز قبل الهجوم على خوارزم ، محمد يلواج الذي أرسله جنكيز رسولاً إلى محمد خوارزم شاه واتخذ منه جنكيز وزيراً ومستشاراً ، وبعد استيلاء جنكيز على ما وراء النهر جعله حاكماً عليها ، حيث قام بإعمار ما خربه المغول وأدار البلاد إدارة صحيحة أحسنت إلى الناس .
وممن عملوا مع جنكيز خان: فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي الذي يقول عنه ابن الفوطي: كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق ، وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا وما وراء النهر وخوارزم .
وكان مع ذلك الذكاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية(لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية ، وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة ، وبتدبيره الشديد انتظم للمغول ملكهم).
وقال ابن خلدون:5/529: (واستقل منكوفان بالتخت ، وولى أولاد جفطاي عمه على ما وراء النهر إمضاء لوصية جنكزخان لأبيهم التي مات دونها . ووفد عليه جماعة من أهل قزوين وبلاد الجبل يشكون ما نزل بهم من ضرر الإسماعيلية وفسادهم ، فجهز أخاه هلاكو لقتالهم واستئصال قلاعهم فمضى لذلك وحسن لأخيه منكوفان الاستيلاء على أعمال الخليفة فأذن له فيه).انتهى.
فلماذا لم يتهموا هؤلاء الذين جاؤوا من قزوين وبلاد الجبل يشكون الى طاغية المغول ويحثونه على غزو بلاد المسلمين بحجة قلاع الإسماعيلية ، وقد كانوا وفداً سنيا يرأسه قاضي القضاة ؟!
وقال الذهبي في تاريخه:44/22: (وفيها(516)عاد السلطان خوارزم شاه محمد إلى نيسابور ، وأقام بها مدة وقد بلغه أن التتار خذلهم الله تعالى قاصدون مملكة ما وراء النهر ، وجاءه من جنكس خان رسل وهم محمود الخوارزمي وخواجا علي البخاري ومعهم من طرف هدايا الترك من المسك وغيره).انتهى.
وفي تاريخ مختصر الدول/237: (وفيها سيَّر السلطان عز الدين رسولاً إلى خدمة هولاكو شاكياً على بايجو نوين أنه أزاحه عن ملكه ، فأمر هولاكو أن يتقاسما الممالك هو وأخوه ركن الدين) . وفي النجوم الزاهرة:7/16: (وأما ملوك الشرق فسلطان ما وراء النهر وخوارزم: السلطان ركن الدين وأخوه عز الدين ، والبلاد بينهما مناصفة وهما في طاعة هولاكو ملك التتار ) .
وفي النهاية:13/236: (وكان رحيل السلطان المسلط هولاكو خان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه ، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر ، فوض إليه الشحنكية بها ) .
وفي أعيان الشيعة:9/95 ، عن جامع التواريخ:1/262: (وذكر المؤرخ الخلفاء بالترتيب ثم قال: وفي نفس اليوم الذي قتلوا فيه الخليفة أرسلوا إليها مؤيد الدين ابن العلقمي ليقوم بالوزارة وفخر الدين الدامغاني ليكون صاحب الديوان ، وجعلوا علي بهادر شحنة لها ، وعينوا المحتسبين لمراقبة المقاييس والأوزان ونصبوا عماد الدين عمر القزويني نائباً للأمير قراتاي ، وهو الذي عمَّر مسجد الخليفة ومشهد موسى والجواد‘ ، وكذلك نصب نجم الدين أبو جعفر أحمد بن عمران الملقب براست دل المخلص والياً على أعمال شرقي بغداد ، مثل طريق خراسان والخالص والبندنيجين ، وأمر هولاكو بأن يكون نظام الدين عبد المنعم البندنيجي قاضياً للقضاة) .
وفي كتاب الإسماعيليون والمغول/286: (رأينا فيما تقدم أسماء ثلاثة أشخاص عينهم هولاكو على رأس الحكم فور سقوط الحكم السابق لإدارة العراق بأيد عراقية وهم مؤيد الدين بن العلقمي وعلي بهادر وفخر الدين الدامغاني والقاضي عبد المنعم البندنيجي... ويمكننا القول إن أول حاكم فعلي حكم العراق بعد سقوط بغداد مباشرة هو عماد الدين عمر بن محمد القضوي القزويني). وفي هامشه: (بعد أن استقر الأمر لهولاكو عين للإشراف العام على إدارة البلاد التي أخضعها كلاً من ابنه الأكبر أبقا على العراق وخراسان ومازندران حتى نهر جيحون ، وابنه يسموت على أران وآذربيجان ، والأمير تودان على ديار بكر وديار ربيعة حتى شاطئ الفرات ، ومعين الدين بروانه على آسيا الصغرى ، والملك صدر الدين على تبريز ، والأمير أنكيانو على فارس ، وفوض منصب صاحب ديوان البلاد كلها لشمس الدين الجويني وأطلق يده في كل الأمور . وفوض حكم بغداد إلى أخيه علاء الدين عطا ملك ).
وقال في/121: (على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فبعد احتلال هولاكو لبغداد وزحفه إلى بلاد الشام انضم إليه من انضم من ملوك المسلمين وساروا معه لقتال إخوانهم المسلمين ومعاونته في فتح بلادهم ! نذكر منهم الملك السعيد ابن الملك العزيز بن الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي ! الذي سلَّم لهولاكو الصبيبة (قلعة على جبل شاهق تطل على بانياس) وانضم إليه في زحفه . ويقول عن ذلك أبو الفداء في تاريخه:3/204: وسار الملك السعيد معهم وأعلن الفسق والفجور وسفك دماء المسلمين... وكان معهم أيضاً في هذه المعركة الملك الأشرف موسى صاحب حمص الذي استطاع الفرار عند حصول الهزيمة فلم يؤسر ، وهو من أحفاد شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي ، وممن حرضوا المغول على غزو الشام ومصر الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل بن الكامل بن العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي... قبض عليه الظاهر بيبرس وأحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتر إلى المغيث أجوبة عما كتب إليهم في إطماعهم في ملك مصر والشام كما نص على ذلك أبو الفداء:3/217. وبصيرة ابن تيمية المغشاة بعصبيته لا ترى شيئاَ من هذا !
ونحن هنا نسأل ابن تيمية ومن لف لفه وما أكثرهم: ماذا كنتم ستفعلون لو أن ملكاً شيعياً هو الذي سلم (الصبيبة) لهولاكو وانضم إلى جيشه؟!
وماذا كنتم ستفعلون لو أن ملكاً شيعياً أو أي شخص شيعي كان يقاتل مع المغول في معركة عين جالوت؟ لقد انضم ملوككم إلى المغول وحاربوا المسلمين وكسبوا الخزي فتجاهلتم ذلك ورحتم تتهمون الأبرياء الشرفاء... !
لم يبصر ابن تيمية وفود الخيانة متزاحمة على أبواب هولاكو ، ملوكاً وسلاطين وصدوراً وأعياناً ، بل أبصر نصير الدين الطوسي وحده ، لأنه عندما كان يكتب لم يكن ينظر ببصره بل ببصيرته ، وبصيرته كانت مغشاة بعصبيته فانحجبت عنها الحقائق وتجلت الأباطيل... ! يزعم ذلك ابن تيمية متجرئاً على نصوص التاريخ...لأنه يريد بأية وسيلة أن ينال ممن يكرههم ، يكرههم لا لشئ يستدعي الكره بل لأنهم لا يرون رأيه في كل شئ ، وكل من لا يرى رأيه فهو مكروه منه ، بل هو حلال الدم حلال الكرامة حلال الإستباحة: الإستباحة بالسيف أو الإستباحة بالقلم ! وبهذا الإستحلال بفتاوى ابن تيمية سفكت دماء المسلمين في كسروان بلبنان ، وكادت تسفك دماء المسلمين في بعلبك والهرمل، ودماء المسلمين في جبل عامل ، لولا أنهم لم يؤخذوا على حين غرة... وبهذا الاستحلال استبيحت سمعة نصير الدين الطوسي) ! انتهى.

أقول: يطول الكلام لو أردنا استعراض أتباع المذاهب السنية الذين تعاونوا مع الغزاة المغول ، إما خوفاً أو طمعاً أو خيانة ، أو استعانةً بهم على خصومهم من مذهب آخر ، وحتى من مذهبهم !
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج:8/237: (ولم يبق لهم إلا أصبهان ، فإنهم (المغول)نزلوا عليها مراراً في سنة627 وحاربهم أهلها وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة ولم يبلغوا منها غرضاً ، حتى اختلف أهل أصبهان في سنة633، وهم طائفتان حنفية وشافعية ، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة ! فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم: أقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم ! فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكيز خان بعد وفاة أبيه والملك يومئذ منوط بتدبيره ، فأرسل جيوشاً من المدينة المستجدة التي بنوها وسموها قراحرم ، فعبرت جيحون مغربة وانضم إليها قوم ممن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم ، فنزلوا أصفهان في سنة633 المذكورة وحصروها ، فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم ، وفتحت أبواب المدينة فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية ! فلما دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ولم يفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس)!!



اتهموا الخليفة الناصر العباسي لأنه شيعي !

قال أبو الفداء في تاريخه/759 ، في ترجمة الخليفة الناصر العباسي المتوفى622: (ويقال إنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد ، لما كان بينه وبين خوارزم شاه من العداوة ، أملاً بأن يشغله بهم عن الزحف إلى العراق). انتهى.
أقول: هذا يفتح الباب الى حقيقة أن الصراعات الداخلية بين مراكز القوى في دولة الخلافة ، كان لها الدور الأساس في تشجيع المغول على غزو بلاد المسلمين .
وإن كنا نرجح أن تهمتهم للخليفة الناصر إنما هي بسبب تشيعه وتعصبهم لخوارزم شاه السني المتعصب مثلهم ، خاصةً أنها تتحدث عن نصف قرن من غزوهم لبغداد !



12- لماذا لم يقتل هولاكو ابن العلقمي ؟


جواب هذا السؤال الذي طرحه المتعصبون ضد الشيعة: أن هولاكو أبقى الكثيرين من السياسيين والشخصيات في كل بلد احتله واستفاد من كثير منهم .
وسببه أن هولاكو لما حاصر بغداد طلب الخليفة وقائد جيشه الدويدار والقائد السلجوقي سليمان شاه ووزيره ابن العلقمي ، فخاف الخليفة وأرسل وزيره ابن العلقمي وعدداً من الشخصيات ليفاوضوا هولاكو لكن بعد فوات الأوان !
فذهب ابن العلقمي ومعه فخر الدين أحمد بن الدامغاني وتاج الدين علي بن الدوامي ، وأخبر هلاكو بواقع الأمر وأن رأيه كان من الأول أن يسلم الخليفة له بالسلطنة كما سلم لأسلافه السلاجقة لكنهم لم يسمعوا كلامه ، واستشهد على كلامه بالذين معه وطلب الأمان لنفسه ولهم فأعطاه هلاكو الأمان ، ثم أرسلهم لإحضار الخليفة بنفسه...الخ. ( أعيان الشيعة:9/95 ، وقد ذكر ثوثق ابن العلقمي من هلاكو: أبوالفداء/833 ، ومآثر الإنافة:2/91 ) .
وقد روى الذهبي شهادة مهمة في تاريخه:48/260، بأن وزير بلاط الخليفة الدامغاني السني كان أقرب الى هولاكو من الوزير ابن العلقمي ، قال: (إلى أن رفع السيف ، فأتينا دار فخر الدين أحمد بن الدامغاني صاحب الديوان ، وقد أراد ابن العلقمي أن يضره فقال لهولاكو: هذا يعرف أموال الخليفة وذخائره وأمواله وهذا كان يتولاها. فقال: إذا كان الخليفة اختاره لنفسه فأنا أولى أن أوليه . وكتب له الفرمان وقال للوزير: لا تفعل شيئاً إلا بموافقته) . انتهى.

كما روت كتب التاريخ أن بعض التجار والشخصيات أعطوا مبالغ لهولاكو لاستثناء بيوتهم من النهب والتخريب ، وبعض البيوت صدر الأمر بعدم التعرض اليها ومنها بيت صاحب الديوان وبيت الحاجب وبيت العلقمي ، فلعل السبب الأمان الذي أعطاه إياه هولاكو ، أو وساطة نصير الدين الطوسي قدس سره .
قال الذهبي في تاريخه:48/39: (وكان ببغداد عدة من التجار سلموا لفرمانات والتجأ إليهم خلق ، وسلم مَن بدار ابن العلقمي ، ودار ابن الدامغاني صاحب الديوان ودار ابن الدوامي الحاجب ، وما عدا ذلك ما سلم إلا من اختفى في بئر أو قناة ، وأحرق معظم البلد ، وكانت القتلى في الطرق كالتلول ! ومن سلم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفاً وجوعاً وبرداً . وسلم أهل الحلة والكوفة ، أمَّنهم القان وبعث إليهم شحاني . وسلمت البصرة وبعض واسط . ووقع البلاء فيمن تخلف).
وقال في أعيان الشيعة:9/86: ( وأحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد ، وكانت القتلى في الدروب والأسواق كالتلول ، ووقعت الأمطار عليهم ووطأتهم الخيول فاستحالت صورهم !... ثم نودي بالأمان فخرج من تخلف وقد تغيرت ألوانهم وذهلت عقولهم لما شاهدوا من الأهوال التي لا يعبر عنها بلسان ، وهم كالموتى إذا خرجوا من القبور يوم النشور من الخوف والجوع والبرد... وقيل إن عدد القتلى ببغداد زادت عن ثمانمائة ألف نفس عدا من ألقي من الأطفال... ومما نقلنا من الأخبار يظهر للقارئ أن الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي لم يكن السالم من القتل وحده حتى يتهم بالخيانة ذلك الإتهام الباطل ، وإنما سلم معه ونال مرتبة في الدولة المغولية فخر الدين أحمد ابن الدامغاني الحنفي الذي كان صاحب الديوان في آخر أيام المستعصم ، وتاج الدين علي بن الدوامي الذي كان حاجب باب النوبي للمستعصم بالله ، ونجم الدين أحمد بن عمران الباجسري أحد عمال الخليفة والغالب على أهل باجسرى الحنبلية ، وأقضى القضاة عبد المنعم البندنيجي الشافعي ، وسراج الدين بن البجلي الشافعي ، وفخر الدين المبارك ابن المخرمي الحنبلي ، وعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي ، والشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش الحنبلي المقرئ المشهور) . انتهى.

لكن يظهر أن وساطة نصير الدين وابن العلقمي رحمه الله لم تنفع في منع المغول من نهب ما أبقاه جيش الخليفة من أحياء الشيعة في الكرخ وغيرها ، فلم يفرق هولاكو (في استباحته لبغداد بين السنيين والشيعيين بينما استثنى النصارى)! (أعيان الشيعة:9/101).
وكذلك لم يستطع نصير الدين الطوسي وابن العلقمي أن يمنعا إحراق مشهد الإمامين الكاظمين‘ ، فنهبه المغول وخربوه كجامع الخليفة وغيره من المساجد والمشاهد المقدسة !(أعيان الشيعة:9/96) ، لكنهما جعلا هولاكو يعطي الأمر بتعميرها .



13- دفاعات أخرى قوية عن الشيعة وابن العلقمي رحمه الله

لا يتسع المجال لإيرادها جميعاً ، ومنها دفاع السيد الأمين في أعيان الشيعة:9/100، فقد رد التهمة عنه بوجوه ، خلاصة السابع منها: أنه توجد عدة مصادر أصلية معاصرة لابن العلقمي وللحدث كذَّبت هذه التهمة وشهدت أنها من تدبير عدوه الدويدار ، كتاريخ ابن الطقطقي ، وتاريخ رشيد الدين ، وعبد الرحمن سنبط بن قنيتو الإربلي في كتابه الذهب المسبوك وهو عراقي معاصر للحدث ، وكذلك أبو الفرج بن العبري في كتابه تاريخ مختصر الدول ، وابن الفوطي البغدادي الحنبلي .. وكلهم معاصرون واسعوا الإطلاع على الأحداث ! فهذا يدل على أن التهمة من تدبير المتعصبين ضد ابن العلقمي والشيعة ! خاصة أن الدويدار دبر مع ابن الخليفة محاولة انقلاب على الخليفة فكشفها ابن العلقمي وأحبطها !

أقول: يظهر لمن قرأ عن وضع بغداد بعد الغزو المغولي لخراسان سنة617 ، أن الرعب والشعور بالعجز عن مقاومة المغول كان مسيطراً على الخليفة المستنصر وقائد جيشه إقبال الشرابي ، ثم سرى منهم الى عامة الناس وورثه ابنه المستعصم وقائد جيشه الدويدار ! وكانت قصص وحشية المغول وتدميرهم للبلد الذي يحتلونه ، وقتلهم العام لأهله ، تضاعف خوفهم ورعبهم !
وقد رأيت وصف المؤرخين لرعب الناس من فرقة جيش المغول التي اتجهت الى بغداد من جهة تكريت (أجفل الناس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر عيسى ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم ، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف بنفسه في الماء ، وكان الملاح إذا عبَّر أحداً في سفينة من جانب إلى جانب يأخذ أجرته سواراً من ذهب أو طرازاً من زركش أو عدةً من الدنانير)!(الآداب السلطانية/231).
وأبلغ من ذلك: أن الناس تركوا الحج خوفاً من المغول قبل عشرين سنة من غزوهم لبغداد ! قال الذهبي في تاريخه:46/21: (ولم يحج أحد أيضاً في العام من العراق بسبب كسرة التتار لعسكر الخليفة وأخذ إربل في السنة الماضية). أي سنة635 قبل دخول المغول لبغداد بعشرين سنة !
وقال في:46/39 ، عن أحداث سنة637: (ولم يحج ركب العراق في هذه السنين للإهتمام بأمر التتار) !
وقال ابن كثير في النهاية:13/150: (وحج الناس في هذه السنة(648)من الشام وكان ممن حج فيها الشيخ تقي الدين أبو عمر بن الصلاح ، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضاً لكثرة الحروب والخوف من التتار والفرنج ، فإنا لله وإنا إليه راجعون).
أما سبب هذا الإنهيار والرعب العام فهو الترف الذي انغمس فيه الخليفة وبطانته وجهازهم الإداري، وتأثر بهم الناس لأنهم على دين ملوكهم !
ومن جهة أخرى لاشك في أن ظلم الخليفة وبطانته لفئات واسعة من المسلمين وخاصة الشيعة ، كانت سبباً في نقمتهم على السلطة وزيادة ضعفها !
هذا، وقد تفرد ابن تيمية بتهمة نصير الدين الطوسي قدس سره بأنه كان متآمراً مع هولاكو ، وقد رد عليه حتى المتعصبون مثله كابن كثير والذهبي ، كما سيأتي .



وهابي منصف ألف كتاباً في الدفاع عن ابن العلقمي

من المواضيع التي يثيرها الوهابيون باستمرا ويركزون عليها ويكرورنها تبعاً لإمامهم ابن تيمية: أن الشيعة هم السبب في غزو المغول لبلاد المسلمين وإسقاط الخلافة الشرعية ، فقد كان وزير الخليفة المستعصم شيعياً هو ابن العلقمي ، وكان عدواً لقائد الجيش وابن الخليفة وغاضباً من هجومهما على الكرخ وغيرها من محلات الشيعة في بغداد ، قبل سنتين من غزو المغول ، فكاتب ابن العلقمي هولاكو وشجعه على غزو بغداد !
ويجيب الشيعة بأن ذلك كذبٌ وافتراءٌ من ابن تيمية ، فإن ابن العلقمي عالمٌ تقيٌّ لم يقم بذلك ، بل عمل للدفاع عن بغداد فلم يسمعوا كلامه ، ثم عمل لتجنيب بغداد بطش المغول وتدميرهم فلم يسمعوا كلامه .
كما يجيب الشيعة بأنا لو سلمنا أن الشيعة هم السبب في سقوط الخلافة العباسية بيد المغول ، فقد بنى المسلمون خلافة بعدها أقوى منها وأوسع هي الخلافة العثمانية ، فجاء الوهابية وتآمروا مع الإنكليز على إسقاطها ، وحاربوها معاً جنباً الى جنب ، وكانوا السبب في سقوطها !
فقد كان الوهابيون في الجزيرة يقاتلون الجيش المصري وجيش ابن الرشيد جيش الخلافة الشرعي الى جانب الإنكليز وأيديهم مملوءة من الليرات الذهبية الإنكليزية ، بينما كان فقهاء الشيعة ومجاهدوهم في العراق يقاتلون الجيش الإنكليزي جنباً الى جنب مع جيش الخلافة التركي وقد اختلط دمهم بدم الأتراك ، وسجن علماؤهم ووجهاؤهم مع جنرالات الجيش العثماني وضباطه ، وأعدموا بيد الإنكليز معاً !
وقد وجدت باحثاً وهابياً جريئاً من جامعة ابن سعود رد اتهام قومه لابن العلقمي ، واسمه الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي ، ولم أقرأ كتابه لكني قرأت غضبهم عليه ، فقد كتب سليمان بن صالح الخراشي في منتدى صيد الفوائد ، موضوعاً بعنوان: (دكتور في جامعة الملك سعود يردد أكذوبة شيعية !) جاء فيه: http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/mm/19.htm (http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/mm/19.htm)
(سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام) كتابٌ للأستاذ الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي أحد منسوبي جامعة الملك سعود قسم التاريخ ، صدر قريبًا وكتب على طرته (دراسة جديدة لفترة حاسمة من تاريخ أمتنا)وهذا ما أغراني لاقتنائه منتظرًا ماسيجود به قلم الدكتور من جديد في هذه القضية ، إلا أنني تفاجأت عندما رأيته يردد ما ردده الشيعة الرافضة من تكذيب لأي خيانة لأسلافهم ، وهو ما تتابع عليه ثقات المؤرخين ، فهذا الجديد عنده !
يقول الدكتور محاولاً دفع تهمة الخيانة عن الرافضة: (ومع هذا فإن سؤالاً يتبادر إلى الذهن وهذا السؤال هو: هل كان هولاكو محتاجاً إلى مساعدة المسلمين الشيعة ضد المسلمين السنة حتى نقبل أنهم كانوا أحد العوامل التي أدت إلى سقوط بغداد؟ في الحقيقة لم يكن هولاكو محتاجاً إلى مساعدة من أي فرد شيعياً كان أم سنياً ، لذلك فإننا نجد كما يظهر لنا أنه من غير المحتمل إن لم يكن من المستحيل أن يكون لهذه الطائفة من المسلمين أي دور فعال سواء من داخل أو من خارج بغداد في هجوم المغول ضد العاصمة العباسية بغداد وخلافتها السنية !
يقول الدكتور/333) : إن للمرء أن يقول بأن هذه الاتهامات لاأساس لها من الصحة؛ إذ لم تدعم أو تثبت بأي دليل قاطع ، يقوم أساساً على تقرير شاهد عيان معاصر؛ كما أنها لم تظهر هذه الاتهامات أو الشائعات بمعنى أدق إلا بعد سنوات طوال من بعد سقوط العاصمة بغداد ، وانقراض أسرتها الحاكمة العباسية!
جاءت هذه الإتهامات التي وجهت ضد أتباع المذاهب الشيعي عامة ووزير الخليفة المستعصم ابن العلقمي خاصة ، في جميع المراجع السنية تقريباً ، والتي تسنى لنا الرجوع إليها ، والتي كتبها مؤرخونا أولئك الذين جاؤا فيما بعد. إذ نجد أن كل مؤرخ يأخذ عن المؤرخ الذي سبقه ثم يضيف كما سبقت الإشارة إلى هذه الحقيقة إلى ما نقله من سلفه، ثم إضافة كلام من عنده هو إشاعات أكثر منه حقيقة تاريخية ثابتة، ولكننا نجد أن هذه الاتهامات تظهر أيضاً في مؤلف لمؤرخ غير مسلم وهذا المؤرخ هو المكين بن العميد جرجس المسيحي الديانة ، حيث يقول بتآمر الوزير مع المغول ضد الخلافة العباسية ، وقد أخذ بعض مؤرخينا الحديثين رواية ابن العميد تلك على أنها دليل قاطع بلا ريب أو شك عندهم على أن الوزير مذنب ! كان ابن العميد مؤرخاً مسيحياً معاصراً عاش في مصر، وكتب تاريخه باللغة العربية عن بني أيوب . ولكننا عندما نرجع إلى حقيقة ما قاله ابن العميد في هذا الشأن فإن المرء سيجد أن هذا المؤرخ لم يكن على علم بما وقع فعلاً وأنه لم يكن يروي في كتابته عن هذه المسألة إلا مجرد شائعات وأقاويل جارية لم يثبتها تقرير من شاهد عيان ، وفي هذا الخصوص يقول ابن العميد ما يلي: وقيل إن وزير بغداد كتب إلى هولاؤون(يعني بذلك هولاكو) بأن يصل إلى بغداد ويأخذ البلاد . أما مؤرخو الشيعة الذين أثبتوا خيانة أسلافهم وافتخروا بها! فإن الدكتور يجعلها مكتوبة بوازع من التعصب المتطرف الأعمى لإظهار الولاء للمذهب الشيعي بطريقة لا تقوم على أساس علمي لباحث عن الحقيقة فأقدموا على إثبات دور ابن العلقمي التآمري بدافع من ذلك المنظار الضيق ، فجعلوا من هذا الوزير بطلاً أسطورياً مخلصاً لدينه وإخوانه أتباع مذهبه !
والذي نراه صحيحاً في هذا الشأن ما يبدو لنا هو: أن المؤرخين الذين اتهموا الوزير العلقمي وعلى رأسهم الجوزجاني كانوا مؤرخين سنيين متطرفين ، فقد وجهوا إليه تلك التهم أصلاً بدافع من التعصب المذهبي تمليه حوافز عدوانية وعواطف تحاملية يكنُّونها تجاه هذا الوزير المسلم الشيعي المذهب !
لهذا فإن المرء ليقف عند روايات من هذا القبيل موقف الشك ، هذا إذا لم يرفضها رفضاً قاطعاً ، وأن ما أورده أولئك المؤرخون في تقاريرهم حول هذا الشأن لا يقوم على أساس علمي دقيق ومحقق . إن هذه الاتهامات التي وجهت ضد الوزير لم تكن من مؤرخين عراقيين معاصرين لتلك الأحداث في بغداد ، بل جاءت من مؤرخين من خارج الأراضي العراقية كالمؤرخ الفارسي الجوزجاني الذي كان يعيش في دهلي بالهند أيام سقوط العاصمة العباسية بغداد ،كما جاءت تلك الإتهامات في كتاب تراجم رجال القرنين السادس والسابع أو الذيل على الروضتين، لأبي شامة الذي كان يعيش في أراضي الشام ربما كان في دمشق !
وفي الحقيقة لايوجد أي شاهد عيان يثبت أنه رأى ذلك الرسول المزعوم الذي أرسله الوزير ابن العلقمي لمقابلة القائد المغولي هولاكو ! كما أننا لم نعثر في مصادرنا على أية رواية يستنتج منها أنه ربما يمكن أن يكون هناك وثيقة تتعلق بهذا الأمر قد أخفيت بحيث تضع هذا الوزير العباسي في مركز قد يصبح فيه متهماً ! كان المؤرخ السوري أبو شامه الذي عاش في الشام ومات بها سنة665 هو أول مؤرخ عربي سني حسب معلوماتنا يذكر هذه الإدعاءات ضد الوزير وذلك في كتابه المعروف بتراجم رجال القرنين السادس والسابع ، أو الذيل على الروضتين ويظهر لنا أن أبا شامه لم يكن يعرف عن حقيقة ما كان يجري من أحداث في داخل بلاط الخليفة المستعصم ، بل لم يكن مطلعاً على أخبار القطر العراقي في جملته إذ لم يعرف إلا النـزر اليسير عن شؤون الدولة العباسية العامة فقط، ثم إنه لم يكن لديه سوى فكرة عائمة يشوبها الغموض والتشويش وعدم الوضوح .
إن حقيقة كون هولاكو أبقى على الوزير ابن العلقمي حياً وعينه كواحد من كبار موظفي المغول ، تبدو لنا أن المؤرخين المتهمين للوزير قد أوَّلُوها على أنها برهان قاطع على تآمره مع العدو ضد الدولة العباسية التي يحتل منها مكانة عليا . والذي يظهر لنا هو أن القائد المغولي قام بتعيين ابن العلقمي ليخدم في إدارة شؤون حكومة بغداد تحت نفوذ السلطة المغولية، لا لأنه كان قد سبق له وتعاون معهم ، أو لأنه حثهم على القدوم إلى بغداد وأخذها ومن ثم القضاء النهائي على حكومة العباسيين فيها).وقد فات هذا الباحث أن ابن تيمية أقدم من أبي شامة !
وقد حاول الخراش أن يجيب على هذا الكلام العلمي، وغاية ما جاء به كلام الشيخ ناصر القفاري الذي نقل بدوره كلام ابن تيمية في اتهام ابن العلقمي وسبه!



الحاكم الكافر العادل خير من المسلم الجائر

(لما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة أمر أن يستفتى العلماء أيهما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك ، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب وكان رضي الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس ، وكان مقدماً محترماً ، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده). (الآداب السلطانية لابن الطقطقي/2).
أقول: هذه الفتوى قد تصدم شعور المسلم المثالي الذي يعيش أجواء النظرية دون التطبيق ، وينظر الى الشكل والإسم أكثر من المضمون والجوهر !
ولكي تُقنع هؤلاء الذين يحلِّقون في عالم النظرية ينبغي أن تحدثهم عن شئ من الواقع ليصححوا رؤيتهم ! والواقع هنا: أن الدين عندما تستعمله السلطة لمصادرة الحد الأدنى من حق الإنسان في معيشته وحقه في حرية الإعتقاد والتعبير ، فلا يمكنك أن تطلب منه أن يعترف بشرعيتها ، أو يسكت على اضطهادها ولا يقاوم .
إن المشكلة مع سلطة من هذا النوع متقدمةٌ رتبةً على الدين ، لأن الدين موضوعه الإنسان ، فإذا سحق الإنسان فقد سحق موضوع الدين !
وفي هذا المجال علينا أن نعترف بأن تاريخ أمتنا ملئٌ بالإجبار والإكراه والإضطهاد وأنا لانجد في تاريخنا أحداً يحترم الإنسان المسلم وحقوقه ، إلا النبي وآله صلى الله عليه وآله !
ولهذا كانت معركة المسلمين مع حكوماتهم مطالبتهم بألف باء حرية الإنسان ! وقد انفتحت هذه المعركة بمجرد أن أغمض النبي صلى الله عليه وآله عينيه وما زالت !
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة/30: (إن أبا بكر أخبر بقوم تخلفوا عن بيعته عند علي ، فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم وهم في دار علي وأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها عليكم على ما فيها ! فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة ! فقال: وإنْ ) !
إن كل القضية في هذا التحول في اليوم الثاني لوفاة النبي صلى الله عليه وآله ، حيث استبدلت تأكيدات الوحي باحترام الإنسان بقانون الإجبار على بيعة المتغلب ، وإلا يحرق الممتنعون وهم أحياء ، حتى لو كان فيهم عترة النبي وأطفاله صلى الله عليه وآله !
وعلى هذا الأساس قامت الأنظمة وجاء الخلفاء وتعاقبت العصور ! وهذه نماذج بسيطة بسيطة من تعامل حكومات الخلافة مع الإنسان المسلم:
قال ابن كثير في النهاية:8/123: ( إن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها دعا ابنه يزيد فقال: يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الأشياء وذللت لك الأعداء ، وأخضعت لك أعناق العرب ، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي أسسته إلا أربعة نفر: الحسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر . فأما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك ، وأما الحسين فإن أهل العراق خلفه ليدعونه حتى يخرجونه عليك فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً . وأما ابن أبي بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء واللهو.
وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب ، وإذا أمكنته فرصة وثب ، فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إرْباً إرْباً ).

تاريخ دمشق:10/256: ( بشر بن مروان بن الحكم كان إذا ضرب البعث(التجنيد) على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه ، أقامه على كرسي ثم سمَّرَ يديه في الحائط ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتشحط حتى يموت)!

وفي تاريخ الطبري :6/525: (كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع(أسيراً)قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه قال: فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون . ونظر إلى أخي رافع فقال: أما والله يا ابن اللخناء(القذرة)إني لأرجو أن لا يفوتني خامل يريد رافعاً كما لم تفتني! فقال له: يا أمير المؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله أكن لك سلماً ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ . فغضب وقال: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت: أقتلوه ! ثم دعا بقصاب فقال: لا تشحذ مداك أتركها على حالها(لاتحدَّ سكاكينك)وفَصِّلْ هذا الفاسق وعجِّل لايحضرن أجَلي وعضوان من أعضائه في جسمه ! ففصله حتى جعله أشلاء فقال: عُدَ أعضاءه فعددت له أعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضواً ، فرفع يديه إلى السماء فقال: اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك فمكني من أخيه ثم أغمي عليه وتفرق من حضره ثم مات من ساعته).(وغرر الخصائص/394 ، والنهاية:10/231).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/172: (وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه وأن يغير على دور آل أبي طالب وأن يسلب نساءهم ولايدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً ! ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا عليه السلام ، هجم على داره مع خيله ، فلما نظر إليه الرضا جعل النساء كلهن في بيت ، ووقف على باب البيت فقال الجلودي لأبي الحسن: لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين ! فقال الرضا عليه السلام : أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ! فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن ، فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرهن إلا أخذه منهن ، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير ) !!

وفي مقاتل الطالبيين/396: (استعمل المتوكل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحداً أبر أحداً منهم بشئ وإن قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً ، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكل) !

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام :2/102: (لما بنى المنصور الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً ويجعل من ظفر منهم في الأسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر ! فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ، فسلمه إلى البناء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله في جوف أسطوانة ويبني عليه ، ووكل عليه من ثقاته من يراعى ذلك حتى يجعله في جوف أسطوانة بمشهده ، فجعله البناء في جوف أسطوانة فدخلته رقه عليه ورحمه له فترك الأسطوانة فُرْجةً يدخل منها الروح فقال للغلام: لا بأس عليك فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الأسطوانة إذا جن الليل ، فلما جن الليل جاء البناء في ظلمه فأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الأسطوانة وقال له: إتق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي وغيِّب شخصك ، فإني إنما أخرجتك ظلمه هذه الليلة من جوف هذه الأسطوانة لأني خفت أن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل) !

وفي بيت الأحزان للقمي/103: (فلما نام القوم دخل خالد بمن معه على مالك في بيته وقتله غدراً ودخل بامرأته في ليلته... ثم سباهم وسماهم أهل الردة ).

وفي معجم البلدان: 4/447: ( أبو جعفر الكرخي...وكان أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي لما ملك البصرة صادره على مال أقرف به وسمر يديه في حائط وهو قائم على كرسي ، فلما سُمِّرت يداه بالمسامير في الحائط نحَّى الكرسي من تحته وسلت أظافيره وضرب لحمه بالقضيب الفارسي) .

وفي شرح النهج: 18/270: (فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع ، فأدخل ابن المقفع قبلهم وعدل به إلى حجرة في دهليزه ، وجلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان ، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية وعنده غلمانه وتنور نار يسجر فقال له سفيان: أتذكر يوم قلت لي كذا؟! أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد ! ثم قطع أعضاءه عضواً عضواً وألقاها في النار وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ، ثم أطبق التنور عليه وخرج إلى الناس).
وفي أعيان الشيعة:1/28: (وفعل المنصور ببني الحسن السبط الأفاعيل فحملهم من المدينة إلى الهاشمية بالعراق مقيدين مغللين وحبسهم في سجن لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وإذا مات منهم واحد تركه معهم ، ثم هدم السجن عليهم).(راجع مروج الذهب:3/299 ، وابن الأثير:5/551) .

(وكان لنمروذ تنور من حديد يحرق فيه من غضب عليه). (نهاية الإرب/2599).

وفي فيات الأعيان:5/100: (وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحددة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال ، في أيام وزارته ، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال ، فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه فيجد لذلك أشد الألم ، ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة ، وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة)!

وفي النجوم الزاهرة:6/273: (ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وعشرين وستمائة ، فيها أخذ السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة خلاط بعد حصار طويل أقام عليها عشرة أشهر ولما بلغ صاحبها الملك الأشرف ذلك استنجد بملك الروم وغيره من الملوك وواقع جلال الدين الخوارزمي المذكور وكسره بعد أمور وقتل معظم عسكره وامتلأت الجبال والأودية منهم ، وشبعت الوحوش والطيور من رممهم ، وعظم الملك الأشرف في النفوس)! (سار إلى خلاط فنهب ، وسبى الحريم ، واسترق الأولاد وقتل الرجال ، وخرب القرى ، وفعل ما لايفعله أهل الكفر).(السلوك للمقريزي/122) .
(وأخذز زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته).(النويري في نهاية الإرب/6648)

أقول:
على ضوء هذا الواقع فإن سؤال أيهما أفضل: الحاكم الكافر العادل أم المسلم الجائر ؟ ينبغي أن يوجه الى المسلمين المضطهدين المسلوبين أبسط حقوقهم ، فهم ضحايا الجور الذين يفهمون السؤال وأنه يعني: أيهما تفضل الحرية الدينية باسم الكفر ، أو الإضطهاد الديني باسم الإسلام؟
وعلى هذا السؤال أجاب الفقيه ابن طاووس رحمه الله وتبعه فقهاء المذاهب قناعة أو خوفاً.



حكم استعانة المسلمين بالكفار لرفع ظلم المسلمين

ومما يتصل بذلك مسألة بحثها فقهاء المذاهب الإسلامية: هل يجوز الإستعانة بالكفار في قتال الكفار ، وفي قتال البغاة والجائرين من المسلمين ؟
ومحصل كلامهم واحد لاخلاف فيه ، وهو أن استعانة المسلمين بغيرهم في قتال الباغي والظالم تتبع مصلحة الإسلام كذين والمسلمين كأمة ، وأن لايكون الضرر عليهم منه أكثر من الفائدة ، وإنما الخلاف كل الخلاف في تطبيقات ذلك ، ومن له حق تقدير المصلحة والضرر ؟
وقد طبقه أتباع ابن تيمية على الإستعانة بالإنكليز في قتال الخلافة العثمانية وكانوا عاملاً مهماً في انهيارها !
ثم طبقه فقهاء الوهابية على الإستعانة بالقوات الأمريكية لحماية البلد من خطر إيران ، ثم أفتى كبير علمائهم عبد العزيز ابن باز بجواز الإستعانة بالأمريكان وغيرهم ضد نظام صدام لتحرير الكويت من قبضته .
ثم أفتى بعض علماء الشيعة بالرضا بعمل الأمريكان وغيرهم أو الإستعانة بهم لإسقاط صدام وتخليص الشعب العراقي من ظلمه .



علماء الحلة يجنبون منطقتهم تدميرالمغول

قال العلامة قدس سره في كشف اليقين/80: (ومن ذلك (إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيبات): إخباره عليه السلام بعمارة بغداد وملك بني العباس ، وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم ، رواه والدي رحمه الله وكان ذلك سبب سلامة أهل الكوفة والحلة والمشهدين الشريفين من القتل ، لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها ، هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل ، فكان من جملة القليل والدي والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه بن العز ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الإيلية ، وأنفذوا به شخصاً أعجمياً ، فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين أحدهما يقال له نكلة والآخر يقال له علاء الدين ، وقال لهما: قولا لهم إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم تحضروا إلينا ، فجاء الأميران ، فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال والدي: إن جئت وحدي كفى؟ قالا: نعم ، فأصعد معهما ، فلما حضر بين يديه وكان ذلك قبل فتح بغداد ، قال له: كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ، وكيف تأمنون إن صالحني ورحلت عنه ؟ فقال له والدي: إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في بعض خطبه: الزوراء وما أدراك ما الزوراء أرض ذات أثل يشتد فيها البنيان ويكثر فيها السكان ، ويكون فيها قهازم وخزان ، يتخذها ولد العباس موطناً ولزخرفهم مسكناً ، تكون لهم دار لهو ولعب ، يكون بها الجور الجائر والخوف المخيف ، والأئمة الفجرة والقراء الفسقة ، والوزراء الخونة ، يخدمهم أبناء فارس والروم ، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ، ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه ، يكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء ، فعند ذلك الغم الغميم والبكاء الطويل والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك وما هم الترك ، قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجانِّ المطرَّقة ، لباسهم الحديد ، جردٌ مردٌ ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري الصوت قوي الصولة عالي الهمة، لا يمر بمدينة إلا فتحها ولاترفع له راية إلا نكسها، الويل الويل لمن ناوأه، فلا يزال كذلك حتى يظفر .
فلما وصف لنا ذلك ، ووجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك . فطيَّب قلوبهم وكتب لهم فرماناً باسم والدي ، يطيِّب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها . والأخبار الواردة في ذلك كثيرة ). انتهى.

أقول:
قد يشكل بعض قصيري النظر على عمل فقهاء الحلة رضوان الله عليهم بأنهم تركوا الجهاد الدفاعي عن الإسلام والخلافة وعن منطقتهم ، وبأنه استعجال ومغامرة صادف أنها أصابت ونجحت في تجنيب منطقتهم من تدمير المغول .

والجواب: أن هؤلاء الفقهاء الكبار يعرفون أن الجهاد الدفاعي لايجب مطلقاً بل له شروط لم تكن متوفرة في العراق ، ومنها إمكانه وفائدته وقيادته الشرعية .
أما الذي يصف عملهم بأنه مغامرة فسببه أنه هو لايملك يقينهم بكلام أمير المؤمنين عليه السلام وبانطباقه على بغداد العباسيين وغزاتها المغول . وقد ثبت أن يقينهم هو الصحيح ، وأن شك غيرهم هو الظن والمغامرة .
وقد تقدمت رواية الذهبي في تاريخه:48/39: (وكان ببغداد عدة من التجار سلموا لفرمانات والتجأ إليهم خلق... وأحرق معظم البلد ، وكانت القتلى في الطرق كالتلول ! ومن سلم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفاً وجوعاً وبرداً وسلم أهل الحلة والكوفة ، أمَّنهم القان وبعث إليهم شحَّاني (مسؤول شرطة) ، وسلمت البصرة وبعض واسط . ووقع البلاء فيمن تخلف).



الفصل الثالث



المرجعان العبقريان يغيَّران معادلة الغزو المغولي






1- شخصية نصير الدين الطوسي المميزة قدس سره

أبو جعفر نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، ويصفونه بالقمي ويصفون أولاده بالدستجردي ، لأن والده من قرية في دَسْتَجِرْد ، وهي تابعة لولاية قم . (خاتمة المستدرك:2/426 ، ورياض العلماء:1/235).
ولد في طوس سنة597 ، حيث كان يسكن والده الفقيه المحدث محمد بن الحسن ، فتربى في حجره ودرس عليه الفقه والحديث ، ودرس الفلسفة والرياضيات على خاله نور الدين علي بن محمد الشيعي ، وكمال الدين محمد الحاسب . أما وفاة نصير الدين قدس سره فكانت في بغداد يوم الغدير سنة672، ودفن في مشهد الكاظمين‘ في قبر كان أعده الخليفة العباسي لنفسه ولم يدفنوه فيه . (أعيان الشيعة:9/414).
ويظهر أنه قدس سره نبغ في علوم عصره من مطلع شبابه في طوس ، ثم هاجر الى نيشابور مواصلاً طلب العلم عند كبار علمائها . (خاتمة المستدرك:2/423).
وكان في نيشابور في العشرين من عمره عندما اجتاح المغول منطقة خراسان في غزوهم الأول سنة617، وأعملوا سيوفهم قتلاً عاماً في المسلمين ودمروا المدن التي احتلوها ، فهرب الناس من بطشهم الى القرى والمناطق البعيدة .
أما حاكم خراسان وما وراء النهر، سلطان سلاطين السلاجة فهرب مع جيشه بشكل مذل فطارده المغولمن بلد الى بلد حتى وصل الى البحر ثم الى الهند !
كما هرب أهل نيشابور قبل أن يصلوا اليها (هائمين على وجوههم: بعضٌ إلى الفلوات وبعضٌ إلى المدن البعيدة وبعضٌ إلى القلاع الحصينة ، ومن لم يستطع شيئاً من ذلك انطلق لا يدري أية ساعة يأتيه الموت...كان الطوسي حائراً لا يدري أين يلجأ ولا بمن يحتمي وكان المحتشم ناصر الدين عبد الرحيم بن أبي منصور متولي قهستان قد ولي السلطة على قلاع الإسماعيليين في خراسان من قبل علاء الدين محمد زعيم الإسماعيليين آنذاك ، وكان ناصر الدين هذا من أفاضل زمانه وأسخياء عهده وكان يعني بالعلماء والفضلاء ، وكانت شهرة الطوسي قد وصلت اليه وعرف مكانته في العلم والفلسفة والفكر ، وكان من قبل راغباً في لقياه فأرسل يدعوه إلى قهستان ، وصادفت الدعوة هوى في نفس المدعو الشريد ورأى أنه وجد المأمن الذي يحميه فقبل الدعوة وسافر إلى قهستان).(أعيان الشيعة:9/415).
وهناك من يقول إن نصير الدين قدس سره قد أجبر على الذهاب الى قهستان ، وإن حاكمها الإسماعيلي بعث اليه بعض رجاله فأسروه وأتوه به ، وكان الحكام يحرصون على من هو مثله طبيب ومنجم وحكيم . ففي أعيان الشيعة:9/415:
(جاء في درة الأخبار أن أوامر قد صدرت إلى فدائيي الإسماعيليين باختطاف الطوسي وحمله إلى قلعة ألموت وأن الفدائيين ترصدوه في أطراف بساتين نيسابور وطلبوا اليه مرافقتهم إلى آلموت وأنه امتنع فهددوه بالقتل وأجبروه على مرافقتهم ، وأنه كان يعيش هناك سنواته شبه أسير أو سجين . وكذلك فإن سرجان ملكم في تاريخه قد أيد ارغامه على السفر إلى ألموت وأن كان قد ذكر هذا الارغام برواية تختلف عن رواية درة الاخبار). انتهى.
وقد استشهد أصحاب هذا الرأي بما (كتبه) قدس سره في آخر شرح الإشارات/636 ، حيث قال: (رقمت أكثرها في حال صعب لا يمكن أصعب منها حال ورسمت أغلبها في مدة كدورة بال ، بل في أزمنة يكون كل جزء منها ظرفاً لغصة وعذاب أليم ، وندامة وحسرة عظيم ، وأمكنة توقد كل آن فيها زبانية نار جحيم ويصب من فوقها حميم . ما مضى وقت ليس عيني فيه مقطراً ولا بالي مكدراً، ولم يجئ حين لم يزد ألمي ولم يضاعف همي وغمي . نعم ما قال الشاعر بالفارسية: بلا أنكشترى ومن نكينم.. بكردا كردخود جندانكه بينم وما لي ليس في امتداد حياتي زمان ليس مملواً بالحوادث المستلزمة للندامة الدائمة والحسرة الأبدية ، وكان استمرار عيشي أمير جيوشه غموم وعساكره هموم . اللهم نجني من تزاحم أفواج البلاء وتراكم أمواج العناء ، بحق رسول المجتبن ووصيه المرتضى ، وفرج عني ما أنا فيه بلا إله إلا أنت وأنت أرحم الراحمين) انتهى.
أقول: لايمكن لخبير بالكلام أن يقبل أن هذ النص الركيك من كلام المحقق الطوسي قدس سره ذلك العالم العبقري صاحب الأسلوب البليغ والعبارات المليئة الغنية ، التي شغلت العلماء بشروحها وما زالت !
مضافاً الى أنه كلام لا يناسب ما يكتبه المؤلفون في ختام كتبهم ، فليس فيه ذكر انتهاء التأليف ولا تاريخه ولا إسم مؤلفه ! وغاية ما فيه قوله في أوله (رقمت أكثرها في حال صعب) ورقمتُ تنطبق على الناسخ ، ويظهر أنه كلامه وشكواه غفر الله له ..

وفي قهستان ألف لحاكمها المحتشم ناصر الدين كتاباً في الأخلاق سماه (أخلاق ناصري)وعدداً من الكتب في علم الفلك والرياضيات والطب ، ثم طلبه علاء الدين محمد زعيم الإسماعيليين أمير المحتشم فذهب به اليه في قلعة آلموت ، فاستبقاه علاء الدين عنده حتى توفي ، ثم استبقاه ابنه الأكبر ركن الدين خورشاه حتى استسلم مع أعوانه لهلاكو سنة651، فقَتَل هولاكو الزعماء المستسلمين ، واستبقى نصير الدين لنفسه لأنه طبيب ومنجم ، يحرص الحكام أن يكون عندهم مثله ، ولا بد أن يكون هولاكو سمع باسمه ! (أعيان الشيعة:9/415).
وهكذا قَدَّرَ الله لنصير الدين رحمه الله أن يكون مع هولاكو في حملته على بغداد ، وبدأ يخطط للتأثير على هذا الطاغية وتخفيف طغيانه وبطشه ما استطاع ، فكان هولاكو يأنس بكلامه وينفذ نصائحه أحياناً ، ومنها أنه استطاع أن يحفظ مكتبات بغداد ومدارسها ، ثم جعله مسؤولاً على أوقافها ، كما قبل وساطته بعدم قتل بعض العلماء كالوزير ابن العلقمي وعبد الحميد بن أبي الحديد وغيرهما .
ومع أنه قدس سره لم يستطع إنقاذ مشهد الكاظمين عليه السلام ومحلات الشيعة من النهب ، لكن علاقته توطدت مع هلاكو وأولاده حتى أسلم بعضهم ، كما يأتي !



نصير الدين الطوسي قدس سره من نوادر العباقرة

اتفق العلماء على الإشادة بعبقرية نصير الدين الطوسي قدس سره وشخصيته العلمية الموسوعية ، فهو عند الفقهاء والمتكلمين مرجعٌ ما زالت كتبه تُشْرَح وتُدَرَّس في المعاهد العليا ، وقد عرفت أن كتابه(تجريد العقائد)كان تأصيلاً لعلم الكلام ،
وقد كتب في الفقه جواهر الفرائد والفرائض وغيرها ، أما في العقائد فله مضافاً الى تجريد العقائد ، ستة عشر كتاباً ورسالة هي: إثبات الواجب ، الإبتداء والإنتهاء ، رسالة في أصول الدين ، قواعد العقائد ، الرسالة الإعتقادية ، رسالة في الإمامة ، رسالة في العصمة ، الفصول النصيرية ، رسالة في الجبر والإختيار ، رسالة الجبر والقدر ، روضة القلوب ، روضة التسليم ، رسالة السير والسلوك ، معرفة النفس ، تلخيص المحصل ، مصارع المصارع .
وهو عند الفلاسفة أستاذ كبير من وزن ابن سينا ، وقد نقد العديد من آرائه ، ووصفه الذهبي وغيره بكبير الفلاسفة. (تذكرة الحفاظ:4/1491) !
ومؤلفاته في المنطق والفلسفة هي: تجريد المنطق ، شرح الإشارات ، رسالة إثبات الجوهر المفارق ، رسالة في العلم الإكتسابي واللدني ، رسالة بقاء النفس بعد فناء الجسد ، رسالة في النفي والإثبات ، الرسالة النصيرية ، رسالة في العقل ، العلل والمعلولات ، ربط الحديث بالقديم، تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار ، المقولات، أساس الإقتباس .
وقد ظهرت عبقريته في الرياضيات والفلك في ابتكاراته العلمية والعملية في مرصد مراغة وجامعتها ، ومؤلفاته العديدة فيها وهي: رسالة في الشعاع ، رسالة في انعطاف الشعاع وانعكاسه ، تحرير إقليدس ، تحرير المجسطي ، تحرير كرة وأسطوانة أرخميدس ، تحرير مأخوذات أرخميدس ، تحرير كتاب المفروضات لأرخميدس ، تحرير كتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكرية ، تحرير كتاب الكرة المتحركة لاطولوقوس ، الرسالة الشافية عن الشك في الخطوط المتوازية ، كشف القناع عن أسرار شكل القطاع ، رسالة في الحساب والجبر والمقابلة ، الأسطوانة ، المخروطات ، في أحوال الخطوط المنحنية ، تربيع الدائرة ، جامع الحساب ، رسالة في علم المثلثات . تحرير مانالاوس ، تحرير ثاوذوثيوس ، تحرير كتاب المناظر ، تحرير كتاب المساكن ، تحرير كتاب ثاوذوثيوس في الأيام والليالي ، تحرير ظاهرات الفلك ، تحرير كتاب أطولوقوس في الطلوع والغروب ، تحرير كتاب أبسقلاوس في المطالع ، مدخل في علم النجوم ،كتاب أرسطرخس في جرمي النيرين وبعديهما ، تحرير المعطيات ، ترجمة ثمرة الفلك ، التذكرة النصيرية ، ترجمة صور الكواكب ، الرسالة المعينية ، ذيل الرسالة المعينية، الزيج الإيلخاني، مقدمة الزيج الإيلخاني، عشرون باباً في معرفة الأسطرلاب ، زبدة الهيئة ، تعريف الزيج ، ثلاثون فصلاً في الهيئة والنجوم ، زبدة الإستدراك في هيئة الأفلاك ، مائة باب في معرفة الأسطرلاب ، استخراج قبلة تبريز .
وله في الطب: تعليقته على كتاب القانون لابن سينا ، جواب في رفع التناقض في أقوال حنين وابن سينا . وفي التفسير: تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين وسورة العصر . وفي الأخلاق: الأخلاق الناصرية ، وأوصاف الأشراف، وديباجة الأخلاق الناصرية وخاتمتها . وفي التاريخ: واقعة بغداد . وفي الجغرافيا: الصبح الكاذب . وفي التربية: آداب المتعلمين ..الخ. (المؤلفات من أعيان الشيعة:9/419).
قال السيد الأمين في كتابه: الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/301: (ويعترف المؤرخون للعلوم الرياضية بأن برهان نصير الدين الطوسي يعتبر نقطة التحول في تطور علم الهندسة وظهور الهندسات الإقليدية الجديدة التي تلعب الآن دوراً عظيماً في دراسة الفضاء الكوني ، وتفسيرات النظرية النسبية بعد أن تطورت على أيدي الروسي لوباتشوفسكي والألماني ريمان وغيرهما . ولا يزال هناك الكثير من النظريات والأفكار الهندسية التي تم الكشف عنها في ثنايا الكتب والمخطوطات التي تم تحقيقها ، أو التي تنتظر جهود المخلصين من أهل الإختصاص للبحث عنها وتعريف الأجيال برواد العلم وصناعه الحقيقيين من نوابغ العرب والمسلمين). انتهى.
أقول: كَتَب المحقق الطوسي قدس سره مؤلفاته بالعربية والفارسية ، وقد نُشر عددٌ منها في عصرنا ، وتُرجم بعض الفارسي منها الى العربية ، ونشر بعضها مستشرقون وترجموها الى لغات أجنبية . وكتبه ورسائله قدس سره أكثر مما ذكرناه وبعضها لم يصلنا ، وقد عدَّد منها في مستدركات أعيان الشيعة:1/236، 186، كتاباً ورسالة ، منها رسالة في أحكام منازل الرمل الإثني عشر بالفارسية ، ورسالة الرمل (تسكين الدائرة) بالعربية ، ورسالة الجواهر واسمها بالفارسية(تنسيق نامه إيلخانى) في صفات الأحجار الكريمة وخواصها ، ألفها بطلب هولاكو . كما نقلت عنه آراء في الفقه لاتوجد في كتبه التي وصلتنا ، وعدَّ له الصفدي في الوافي:1/149:الفرائض على مذهب أهل البيت^ .



من إيمانه وعقلانيته وسعة صدره قدس سره

قال المناوي في فيض القدير:5/412: ( لو كان الفحش خلقاً لكان شرَّ خلق الله: وقد اتفقت الحكماء على تقبيح الفحش والنطق به ، ووقع للحكيم نصير الدين الطوسي أن إنساناً كتب إليه ورقة فيها يا كلب يا ابن الكلب ! فكان جوابه: أما قولك كذا فليس بصحيح ، لأن الكلب من ذوات الأربع ، وهو نابح طويل الأظفار ، وأنا منتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ، وناطق ضاحك ، فهذه فصول وخواص غير تلك الفصول والخواص ، وأطال في نفض كل ما قاله برطوبة وحشمة وتأن ، غير منزعج ، ولم يقل في الجواب كلمة فاحشة)!



**

وقال الماحوزي في كتاب الأربعين/98: (روى ثقة الإسلام في الكافي عن زرارة عن الباقر عليه السلام أنه قال: أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع عمره ، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان له على الله حق في ثوابه ، ولا كان من أهل الايمان .
وقد نظم هذا المعنى العلامة الفيلسوف أفضل المتأخرين ورئيس المحققين ، نصير الدين محمد بن محمد الطوسي قدس الله سره وبجنان الخلد سَرَّه ، في هذه القطعة :


لو أن عبداً أتى بالصالحات غداً وود كل نبي مرسل وولي
وصام ما صام صواماً بلا ضجر وقام ما قام قواماً بلا ملل
وحج ما حج من فرض ومن سنن وطاف ما طاف حاف غير منتعل
وطار في الجو لا يأوي إلى أحد وغاص في البحر مأموناً من البلل
يكسو اليتامى من الديباج كلهم ويطعم الجائعين البُرَّ بالعسل
وعاش في الناس آلافاً مؤلفة عار من الذنب معصوماً من الزلل
ما كان ذلك يوم الحشر ينفعه إلا بحب أمير المؤمنين علي
والذريعة:22/237، وأعيان الشيعة:9/418 ، ومفاتيح الرحمة:2/46 ، والأربعون في حب علي عليه السلام :3/11، والكنى والألقاب:2/141، وقد نسبها بعضهم الى الخليفة الناصر العباسي مثل ابن جبر في نهج الإيمان/459 ، وابن عقيل في النصائح الكافية/109. وفي روايتهم تفاوت يسير في بعض ألفاظها .



**

في تأويل الآيات:1/190: (سئل عن الفرقة الناجية ، فقال: (بحثنا عن المذاهب وعن قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية والباقي في النار . فوجدنا الفرقة الناجية هي الامامية لأنهم باينوا جميع المذاهب في أصول العقائد وتفردوا بها وجميع المذاهب قد اشتركوا فيها ، والخلاف الظاهر بينهم في الإمامة . فتكون الامامية الفرقة الناجية . وكيف لا وقد ركبوا فلك النجاة الجارية وتعلقوا بأسباب النجوم الثابتة والسارية ، فهم والله أهل المناصب العالية ، وأولوا الأمر والمراتب السامية ، وهم غداً في عيشة راضية في جنة عالية ، قطوفها دانية ، ويقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . والصلاة والسلام على الشموس المشرقة والبدور الطالعة في الظلمات الداهية محمد المصطفى وعترته الهادية صلاة دائمة باقية ).



**

2- شذَّ ابن تيمية فاتَّهم الطوسي قدس سره بالتآمر مع هلاكو

مع أن الجميع يعرفون أن نصير الدين الطوسي قدس سره كان أسيراً مع الطاغية هولاكو فقد أخذه بعد أن احتل قلاع الإسماعيلية وقتل زعماءهم ، لكن أعداء الشيعة كابن تيمية استغلوا وجوده مع هولاكو فاتهمه بأنه هو الذي دعاه الى غزو بغداد ، وأنه أشار على هولاكو بقتل الخليفة المستعصم ! لكن بعض زملاء ابن تيمية المتعصبين كالذهبي وابن كثير خالفوه ودافعوا عن النصير قدس سره .
قال ابن كثير في النهاية:13/313: (النصير الطوسي محمد بن عبد الله الطوسي ، كان يقال له المولى نصير الدين ويقال الخواجا نصير الدين ، اشتغل في شبيبته وحصل علم الأوائل جيداً ، وصنف في ذلك في علم الكلام وشرح الإشارات لابن سينا ، ووزر لأصحاب قلاع الآلموت من الإسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو وكان معه في واقعة بغداد ، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكو خان بقتل الخليفة فالله أعلم ، وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغاددة(أي الحنابلة)فأثنى عليه وقال: كان عاقلاً فاضلاً كريم الأخلاق ودفن في مشهد موسى بن جعفر في سرداب كان قد أعد للخليفة الناصر لدين الله ، وهو الذي كان قد بنى الرصد بمراغة ورتب فيه الحكماء من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطباء وغيرهم من أنواع الفضلاء ، وبنى له فيه قبة عظيمة وجعل فيه كتباً كثيرة جداً ، توفي في بغداد في ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة وله خمس وسبعون سنة ، وله شعر جيد قوي . وأصل اشتغاله على المعين سالم بن بدار بن علي المصري المعتزلي المتشيع ، فنزع فيه عروق كثيرة منه حتى أفسد اعتقاده).انتهى.
وقال في النهاية:13/281: (وفيها(سنة662)قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو فنظر في الأوقاف وأحوال البلد ، وأخذ كتباً كثيرة من سائر المدارس وحولها إلى رصده الذي بناه بمراغة ، ثم انحدر إلى واسط والبصرة).



**

وقد كتب آية الله الميلاني بحثاً بعنوان (الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد) فَنَّدَ فيه اتهام ابن تيمية لنصير الدين الطوسي قدس سره ، قال:
(يقول ابن تيمية: هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزيراً الملاحدة الباطنية الإسماعيلية في الآلموت ، ثم لما قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة ، كان هذا منجماً مشيراً لملك الترك المشركين هولاكو ، أشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين ، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا ، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين ، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم .
وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين ، كان أبخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل أقرب ، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين .
ومن المشهور عنه وعن أتباعه الإستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته ، لا يحافظون على الفرائض كالصلوات ولا ينزعون عن محارم الله من الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ، حتى أنهم في شهر رمضان يذكر منهم من إضاعة الصلوات وارتكاب الفواحش وشرب الخمور ما يعرفه أهل الخبرة بهم . ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى ، ولهذا كان كلما قوي الإسلام في المغل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء ، لغرض معاداتهم للإسلام وأهله....
وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرف ويوصف . ومع هذا فقد قيل: إنه في آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه ونحو ذلك ، فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات والله تعالى يقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
لكن ما ذكره هذا إن كان قبل التوبة لم يقبل قوله وإن كان بعد التوبة لم يكن قد تاب من الرفض بل من الإلحاد وحده ، وعلى التقديرين فلا يقبل قوله . والأظهر أنه إنما كان يجتمع به وبأمثاله لما كان منجماً للمغل المشركين ، والإلحاد معروف من حاله إذ ذاك ، فمن يقدح في مثل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأتباعهم ويعيرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة الشطرنج والغناء ، كيف يليق به أن يحتج لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ، من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ويستحلون المحرمات المجمع على تحريمها كالفواحش والخمر في شهر رمضان ، الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وخرقوا سياج الشرائع واستخفوا بمحرمات الدين وسلكوا غير طريق المؤمنين.... لكن هذا حال الرافضة دائماً يعادون أولياء الله المتقين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ويوالون الكفار والمنافقين) . (منهاج السنة:3/445).
ورد عليه السيد الميلاني بأنه اتهامه تعصبٌ وافتراءٌ لا أساس له ، واستشهد بنصوص مؤرخين عاصروا سقوط بغداد ، وأولهم ابن الفوطي الحنبلي البغدادي الذي شهد تلك الحادثة وأُسِرَ فيها ، وهو عالم سني حنبلي ، مدحه الذهبي وشهد بأنه إمام في تذكرة الحفاظ:4/1493، وابن كثيرفي النهاية:14/106. وقد أرخ لسقوط بغداد في كتابه الحوادث الجامعة ولم يذكر شيئاً من افتراء ابن تيمية !
ثم قال السيد الميلاني في ابن قيم الجوزية: (لم يتبع ابن تيمية فقط بل زاد على ما قال شيخه أشياء أخرى أيضاً ! لاحظوا عبارته بالنص عندما يذكر نصير الدين الطوسي قدس سره يقول: نصير الشرك والكفر والإلحاد وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو ، شفى نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفى إخوانه من الملاحدة واشتفى هو ، فقتل الخليفة المستعصم والقضاة والفقهاء والمحدثين.... واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبايعيين والسحرة ، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصته وأولياءه ، ونصر في كتبه قدم العالم وبطلان المعاد وإنكار صفات الرب جل جلاله من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ، واتخذ للملاحدة مدارس ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك فقال: هي قرآن الخواص وذلك قرآن العوام ، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحراً يعبد الأصنام) ! انتهى.
ثم بيَّن السيد الميلاني أن سبب اتهامهم للطوسي قدس سره نجاح كتابه (تجريد الإعتقاد) الذي نصر به مذهب التشيع المظلوم ، فهو أول كتاب أصَّل بحوث علم الكلام ، وفرض الكتاب نفسه على الأوساط العلمية ، وصار مرجع البحث والتدريس (حينئذ أصبح الآخرون عيالاً على الخواجة نصير الدين الطوسي قدس سره في علم الكلام والعقائد ، وبتبع كتاب التجريد ألفت كتبهم في العقائد ، وهذا مما يغتاظ منه القوم) !
ثم نقل شهادات عدد من علمائهم وإعجابهم بالمحقق الطوسي قدس سره .
أقول: ومن مفارقات ابن القيم أنه لخص في شرح قصيدته:1/245 ، ترجمة نصير الدين الطوسي قدس سره من تاريخ ابن شاكر ، واختار في تلخيصه مديحاً قوياً له فقد جاء فيه: (وأما النصير الطوسي فهو محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي صاحب الرياضي والرصد ، كان رأساً في علم الأوائل لا سيما في الأرصاد والمجسطي فإنه فاق الكبار...وكان حسن الصورة سمحاً كريماً جواداً حليماً حسن العشرة غزير الفضائل ، واختصر المحصل للإمام فخر الدين وهذبه وزاد فيه ، وشرح الإشارات ورد على الإمام فخر الدين في شرحه وقال: هذا جرح وما هو بشرح ! وقال فيه: حررته في عشرين سنة وناقض فخر الدين كثيراً ، ومن تصانيفه التجريد في المنطق ، وأوصاف الأشراف ، وقواعد العقائد ، والتلخيص في علم الكلام ، وشرح كتاب ثمرة بطليموس ، وكتاب المجسطي ، وشرح مسألة العلم ورسالة الإمامة ، ورسالة إلى نجم الدين الكاتبي في إثبات الواجب ، وحواشي على كليات القانون ، وغير ذلك). انتهى. ثم نقل فيه قول شيخه ابن تيمية ولم يعلق عليه . وتبنيه لما لخصه أقوى من نقله بتمامه .

وقال السيد الأمين في كتابه: الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/129:
(حتى الذهبي وهو في العصبية مع ابن تيمية فرسا رهان ، حتى الذهبي لم يستطع أن يدعي هذه الدعوى على الطوسي فقال في كتابه: سير أعلام النبلاء عن قتل :23/181: فضرب(هولاكو)أعناق الكل ورفس المستعصم حتى تلف . وقال في الصفحة182: ثم جرت له(هولاكو)محاورة معه(المستعصم)وأمر به وبابنه أبي بكر فرفسا حتى ماتا ). وحسبنا أن يكون المكذب لابن تيمية هو الذهبي) ! انتهى.

أقول: وقد خالف الذهبي ابن تيمية حيث ترجم لنصير الدين الطوسي قدس سره في تاريخه:50/113، بالمديح ولم يتهمه قال: (محمد بن محمد بن حسن الشيخ نصير الدين أبو عبد الله الطوسي ، الفيلسوف ، كان رأساً في علم الأوائل لا سيما معرفة الرياضي وصنعة الأرصاد فإنه فاق بذلك على الكبار ، قرأ على المعين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي وغيره ، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو ، وكان يطيعه فيما يشير به ، والأموال في تصريفه ، وابتنى بمدينة مراغة قبة ورصداً عظيماً ، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة عالية فسيحة الأرجاء وملأها بالكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة ، حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد . وقرر للرصد المنجمين والفلاسفة والفضلاء وجعل لهم الجامكية(الرواتب)وكان سمحاً جواداً حليماً حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر ، لكنه على مذهب الأوائل في كثير من الأصول نسأل الله الهدى والسداد . توفي في ذي الحجة ببغداد وقد نيف على الثمانين ، ويعرف بخواجا نصير .
قال الظهير الكازروني: مات المخدوم خواجا نصير الدين أبو جعفر الطوسي في سابع عشري ذي الحجة ، وشيعه خلائق وصاحب الديوان والكبراء ودفن بمشهد الكاظم . وكان مليح الصورة جميل الأفعال مهيباً عالماً متقدماً سهل الأخلاق متواضعاً كريم الطباع محتملاً ، يشتغل إلى قريب الظهر .
ثم طول الكازروني ترجمته وفيها تواضعه وحلمه وفتوته .
ثم رأيت في تاريخ تاج الدين الفزاري: حدثني شمس الدين الأيكي أن النصير تمكن إلى الغاية والناس كلهم من تحت تصرفه ، وكان حسن الشكل فصيحاً خبيراً بجميع العلوم . كان يقول: اتفق المحققون على أن علم الكلام قليل الفائدة وأقل المصنفات فيه فائدة كتب فخر الدين ، وأكثرها تخليطاً كتاب المحصل . قال: وأقمت مع شيخنا النصير سبع سنين وصنَّف كتباً عدة ، ومولده بطوس يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة597 ). انتهى.



**


3- نصير الدين الطوسي يبدأ حملة الغزو الثقافي على المغول

(قال الأستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي: استطاع نصير الدين الطوسي أن يهزم بالعقل والعلم الدولة الطاغية الباغية ، وأن تنجح خططه في تحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين) . (مستدركات أعيان الشيعة/1/229).
وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة:9/417: (استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجياً على عقله ، وأن يروض شارب الدماء فيوجهه إلى إصلاح الأمور الإجتماعية والثقافية والفنية ، فأدى الأمر إلى أن يوفد هولاكو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي إلى البلاد العربية وغيرها ليحث العلماء الذين فروا بأنفسهم من الحملة المغولية فلجؤوا إلى إربل والموصل والجزيرة والشام ويشوقهم إلى العودة ، وأن يدعو علماء تلك البلاد أيضاً إلى الإقامة في مراغة).
وقال السيد الأمين في كتابه الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/294: (ولكن الذي استطاع أن "يروض شارب الدماء" وأن يستغل الجبار الطاغية فيقيم تحت سمعه وبصره مكتبة الإسلام ويشيد مدرسة الإسلام ويقيم مجمع علماء الإسلام ، سيستطيع بإخلاصه وإيمانه الذين لاحد لهما وبعقله الكبير وفكره المنظم وتدبيره الحازم ، سيستطيع أن يُشرب قلوب المغول الميل إلى الإسلام ثم اعتناق الإسلام . فأعد لهذه المرحلة الحاسمة جماعات واعية تحسن التخطيط والتنفيذ كان في الطليعة منها: آل الجويني الذين نشأوا على حب أهل البيت^ وما يبعثه هذا الحب من إخلاص وحمية ونضال وتفان في سبيل الإسلام .
ثم في النهاية أسلم المغول على يدي تلاميذ الطوسي ونجح مخطط الطوسي نجاحه الأكبر . لقد أجبر هولاكو بجبروته نصيرَ الدين الطوسي على السير في ركابه قصداً لاستغلال علمه ، ولكن الطوسي عرف بعلمه وعقله وتدبيره كيف يستغل هولاكو ! فانهزم الطغيان أمام الإيمان والعلم والعقل الكبير المدبر .
إن الطوسي وتلاميذه صمدوا للجيوش الجرارة فاستحالت بهم مسلمة بعد وثنيتها ، فكان الطوسي بطل الإسلام في عصر عزت فيه البطولات... الأسير المغلوب على أمره عاد يأمر فيطاع ! عاد الآسر أسيراً والأسير آسراً ) ! انتهى.

ويظهر من النص التالي أن تأثير نصير الدين قدس سره على الطاغية هولاكو بلغ أن هلاكو استساغ التلفظ بالشهادتين حتى ولو كان شكلياً من أجل الزواج بامرأة !
قال الكتبي في فوات الوفيات:2/580: (قال الظهير الكازروني: حكى النجم أحمد بن البواب النقاش نزيل مراغة قال: عزم هولاكو على زواج بنت ملك الكرج فأبت حتى يسلم ، فقال: عرفوني ما أقول؟ فعرضوا عليه الشهادتين فأقر بهما وشهد عليه بذلك خواجا نصير الدين الطوسي وفخر الدين المنجم ، فلما بلغها ذلك أجابت فحضر القاضي فخر الدين الخلاطي، وتوكل لها النصير الطوسي ولهولاكو الفخر المنجم ، وعقدوا العقد باسم ماما خاتون بنت الملك داود إيواني ، على ثلاثين ألف دينار ! قال ابن البواب: وأنا كتبت الكتاب في ثوب أطلس أبيض ).
كما عدَّ في الذريعة:24/181 ، من كتب نصير الدين الطوسي قدس سره كتاب: (نصيحة أبآقا خان بن هولاكو خان ، كتبه الخواجة نصير الطوسي لأبآقا خان بعد موت أبيه وإبائه عن تحمل مسؤولية السلطنة ، وَرَدَ بتمامه في روضة الصفا). انتهى.
وهو يكشف عن تأثير المرجع الطوسي قدس سره على أولاد هولاكو .

وذكر الذهبي في تاريخه:47/454 ، و:49/183، و:52/37 ، والتبريزي في مرآة الكتب/142، إسلام قازان خان في أواخر أيامه على يد إبراهيم بن سعد الدين الحموئي الجويني ، وهو تلميذ نصير الدين الطوسي ، ومؤلف كتاب: فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين^ .
كما أورد في تاريخه:52/75 ، نسخة كتاب لقازان ، يعلن فيها إسلامه ويبرر هجومه على بلاد الشام ومصر ، جاء فيه: (بقوة الله تعالى: ليعلم أمراء التومان والألف والمائة وعموم عساكرنا من المغول والتازيكا والأرمن والكرج وغيرهم ممن هو داخل تحت طاعتنا أن الله لما نور قلوبنا بنور الإسلام وهدانا إلى ملة النبي صلى الله عليه وآله أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ... ولما سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طرائق الدين ، غير متمسكين بأحكام الإسلام ناقضون لعهودهم...الخ.) وذكر في/80 ، احتلال قازان للشام والخطبة له في مسجدها .
كما وصف الصفدي في الوافي:20/126 ، دخوله مدرسة المستنصرية التي كانت مركز التعصب ضد الشيعة فقال: ( فلما أتى غازان المستنصرية احتفل الناس له واجتمع بالمدرسة أعيان بغداد وأكبرها من القضاة والعلماء والعظماء ، وفيهم الشيخ زين الدين الآمدي لتلقي غازان...فحين وضع يده في يده نهض له قائماً وقبل يده وعظم ملتقاه والإحتفال به وأعظم الدعاء له باللسان المغلى ثم بالتركي ثم الفارسي ثم بالرومي ثم بالعربي ورفع به صوته ورفع به صوته إعلاماً للناس فعجب السلطان من فطنته وذكائه وحدة ذهنه مع ضرره(أي كان أعمى)ثم إن السلطان خلع عليه في الحال ووهبه مالاً ورسم له بمرتب في كل شهر ثلاثمائة درهم ، وحظي عنده وعند أمرائه ووزرائه). انتهى.
وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة:2/355: (وملك منهم في بلاد الإسلام واحد وعشرون ملكاً وكانت مدة ملكهم168سنة وشهرين من سنة603 إلى سنة771... وأول من أسلم منهم السلطان أحمد خان بن هولاكو ، ثم غازان خان بن أرغون بن أبقا بن هولاكو ، وأسلم باسلامه ثمانون ألفاً من المغول . ثم أخوه محمد خدابنده الجايتو والد المترجم ابن أرغون ، وتشيع على يد العلامة الحلي رحمه الله ) . وفي فوات الوفيات:2/482: (غازان المُغُلي محمود بن أرغون المغلي الجنكزخاني صاحب العراقين وخراسان وفارس وأذربيجان والروم ، كان شاباً عاقلاً شجاعاً مهيباً مليح الشكل ملك سنة ثلاث وتسعين وستمائة فحسَّن له نائبه توزون الإسلام فأسلم سنة أربع وتسعين ، وفشا الإسلام في التتار ). انتهى.
وقال الصفدي في الوافي:1/147: (وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه جماعة كثيرة من تلامذته وأصحابه فأقام بها مدة أشهر ومات وخلف من الأولاد صدر الدين علي والأصيل حسن والفخر أحمد ، وولي صدر الدين علي بعد أبيه غالب مناصبه فلما مات ولي مناصبه أخوه الأصيل ، وقدم الشام مع غازان وحكم تلك الأيام في أوقاف دمشق ).
وفي تراث كربلاء للسيد آل طعمة /42 ، أن السلطان قازان حفر ثلاثة فروع لنهر الفرات لسقي أراضي كربلاء وسمي بالنهر الغازاني الأعلى والأسفل) .
(وفي سنة ثمان وستون وستمائة توجه السلطان غازان إلى الحلة وقصد زيارة المشاهد الشريفة وأمر للعلويين والمقيمين بمال كثير، ثم أمر بحفر نهر من أعلى الحلة فحفر وسمي بالغازاني ، وتولى ذلك شمس الدين صواب الخادم سكورجي وغرس الدولة) . (مرقد الإمام الحسين عليه السلام /157 عن الحوادث الجامعة/497).

أقول: مهما يكن إسلام قادة المغول وجنودهم سطحياً مخلوطاً برواسبهم الوثنية ، لكنه كان البداية حتى ذابوا مع الزمن في الأمة !
ويبقى العمل الأهم تليين أذهانهم وقلوبهم للإسلام ، وهو ما قام به العالم العبقري نصير الدين الطوسي قدس سره وتلاميذه الأفذاذ من آل الجويني ، والعلامة الحُلِّي، كما سيأتي في دور العلامة الحلي قدس سره .



الذهبي يميل الى إسلام هولاكو !

قال الذهبي في تاريخه:49/180: (هولاكو بن تولى قان بن الملك جنكرخان ، ملك التتار ومقدمهم . ذكره الشيخ قطب الدين فقال: كان من أعظم ملوك التتر ، وكان شجاعاً حازماً مدبراً ذا همة عالية وسطوة ومهابة ونهضة تامة وخبرة بالحروب ، ومحبة في العلوم العقلية من غير أن يتعقل منها شيئاً .
اجتمع له جماعة من فضلاء العالم ، وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب ، وكان يطلق الكثير من الأموال والبلاد ، وهو على قاعدة المغل من عدم التقيد بدين لكن زوجته تنصرت . وكان سعيداً في حروبه وحصاراته طوى البلاد واستولى على الممالك في أيسر مدة ، ففتح بلاد خراسان وفارس وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والشام والجزيرة والروم وديار بكر . كذا قال الشيخ قطب الدين ، والذي افتتح خراسان وعراق العجم غيره وهو جنكزخان وأولاده . وهذا الطاغية فافتتح العراق والجزيرة والشام وهزم الجيوش وأباد الملوك وقتل الخليفة وأمراء العراق وصاحب الشام وصاحب ميافارقين .
قال لي الظهير الكازروني: حكى لي النجم أحمد بن البواب النقاش نزيل مراغة قال: عزم هولاكو على زواج بنت ملك الكرج ، قالت: حتى تسلم . فقال: عرفوني ما أقول . فعرضوا عليه الشهادتين فأقر بهما وشهد عليه بذلك الخواجا نصير الطوسي وفخر الدين المنجم . فلما بلغها ذلك أجابت ، فحضر القاضي فخر الدين الخلاطي فتوكل لها النصير وللسلطان الفخر المنجم ، وعقدوا العقد باسم تامار خاتون بنت الملك داود بن إيواني على ثلاثين ألف دينار . قال ابن البواب: وأنا كتبت الكتاب في ثوب أطلس أبيض ، وعجبت من إسلامه .
قلت: إن صح هذا فلعله قالها بفمه لعدم تقيده بدين ، ولم يدخل الإسلام إلى قلبه والله أعلم . قال قطب الدين: كان هلاكه بعلة الصرع فإنه حصل له الصرع منذ قتل الملك الكامل صاحب ميافارقين فكان يعتريه في اليوم المرة والمرتين . ولما عاد من كسرة بركة له أقام يجمع العساكر وعزم على العود لقتال بركة ، فزاد به الصرع ومرض نحواً من شهرين وهلك فأخفوا موته وصبروه وجعلوه في تابوت ثم أظهروا موته ، وكان ابنه أبغا غائباً فطلبوه ثم ملكوه . وهلك هولاكو وله ستون سنة أو نحوها وقد أباد أمماً لا يحصيهم إلا الله . ومات في هذه السنة قيل في سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين ببلد مراغه ونقل إلى قلعة تلا وبنوا عليه قبة ، وخلف من الأولاد سبعة عشر ابناً سوى البنات وهم: أبغا ، وأشموط ، وتمشين ، وبكشي ، وكان بكشي فاتكاً جباراً ، وأجاي ، ويستز ، ومنكوتمر الذي التقى هو والملك المنصور على حمص وانهزم جريحاً ، وباكودر ، وأرغون ونغابي دمر ، والملك أحمد .
قلت: وكان القاءان الكبير قد جعل أخاه هولاكو نائباً على خراسان وأذربيجان فأخذ العراق والشام وغير ذلك ، واستقل بالأمر مع الإنقياد للقاءان والطاعة له والبُرُد واصلة إليه منه في الأوقات ، وتفاصيل الأمور لم تبلغنا كما ينبغي ، وقد جمع صاحب الديوان كتاباً في أخبارهم في مجلدتين .
ووالد هولاكو هو تولى خان الذي عمل معه السلطان جلال الدين مصافاً في سنة ثماني عشرة ، فنصر جلال الدين وقتل في الوقعة تولى إلى لعنة الله .
وكان القاءان الأعظم في أيام هولاكو أخاه مونكوقا بن تولى بن جنكزخان ، فلما هلك جلس على التخت بعده أخوهما قبلاي فامتدت دولته وطالت أيامه ومات سنة خمس وتسعين بخان بالق أم بلاد الخطا وكرسي مملكة التتار . وكانت دولة قبلاي نحواً من أربعين سنة ، في آخر أيامه أسلم قازان على يد شيخنا بدر الدين ابن حمويه الجويني . وقال الظهير الكازروني: عاش هولاكو نحو خمسين سنة ، وكان عارفاً بغوامض الأمور وتدبير الملك ، فاق على من تقدمه وكان يحب العلماء ويعظمهم ويشفق على رعيته ويأمر بالإحسان إليهم .
قلت: وهل يسع مؤرخاً في وسط بلاد سلطان عادل أو ظالم أو كافر ، إلا أن يثني عليه ويكذب فالله المستعان ؛ فلو أثني على هولاكو بكل لسان لاعترف المثني بأنه مات على ملة آبائه وبأنه سفك دم ألف ألف أو يزيدون ، فإن كان الله تعالى مع هذا وفقه للإسلام فياسعادته ، لكن حتى يصح ذلك ، والله أعلم).انتهى.

نلاحظ أن الذهبي تأرجح في موقفه ثم مال الى إسلام هولاكو ، والسبب أن الظهير الكازروني مدحه له وأخبره أنه أسلم من أجل امرأة ! لكنه يريد تأييداً لكلام الكازروني ليحكم بإسلام هولاكو بشكل قطعي، وحينئذ يا لسعادة هولاكو حيث يغفر الله له جرائمه الطويلة العريضة وسفك دماء مليون مسلم ، بمجرد تلفظه بالشهادتين ! وليت الذهبي يعامل من يخالفه في الرأي بهذا اللين الذي يعامل به الطاغية هولاكو !

( رد ) * الشيخ الطوسي متوفى سنة 460 هجرية وقد عاصر البويهيين ،
وكان المرجع البارز في بغداد بعد السيد المرتضى رضوان الله عليهما ،
وشرده السلاجقة سنة 447 عندما احتلوا بغداد وأراد الحنابلة المجسمة أجداد الوهابية ، قتله .
فأسس حوزة النجف الأشرف .
* ونصير الدين الطوسي قدس سره عاصر غزو المغول 617 وكان علما فيلسوفا طبيبا في مشهد ونيشابور ، وفرض عليه الإسماعيليون البقاء عندهم في شمال غيران ،
وأسره هولاكو عندما احتل بلادهم ، وأخذه معه الى بغدا ،
وهو مؤسس رصد مراغة الشهير وقد جمع نوابع علماء المسلمين ،
وتوفي سنة 663 رضوان الله عليه .






العلامة الحلي يواصل جهود المحقق الطوسي قدس سره


1- خصائص شخصية العلامة الحلي قدس سره

منذ أشرقت على العراق شمس النبوة ، وحطت فيه شمس الإمامة ، كان وما زال مركز إشعاع ومنبع هداية ، وكان لمدينة الحلة الفيحاء من ذلك نصيب وافر فلو لم يكن لها إلا العلامة الحلي قدس سره لكفاها فخراً !
الفقيه المرجع ، والفيلسوف الناقد ، والعالم الموسوعي ، وصاحب الشخصية المميزة ، التي شغفت أحباءها وأثرت في أعدائها .
كان العلامة قدس سره أعجوبة في الذكاء والحفظ ، وتوقد الذهن ، وعمق الفكر ، وسعة الصدر ، وهو أول من عرف بلقب(آية الله) ، وقد ألف العديد من كتبه في أسفاره مع السلطان أو في سفره الى الحج وزيارة قبر النبي والأئمة صلى الله عليه وآله ، وكان يصحب معه مكتبته التي يحتاج اليها على بضعة جمال ، لكن ما يحمله صدره تعجز عن حمله مئات الجمال !
قال الصفدي في الوافي:13/54: (الحسن بن يوسف بن المطهر الإمام العلامة ذو الفنون ، جمال الدين ابن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي(!) عالم الشيعة ، وفقيههم ، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته . تقدم في دولة خربندا تقدماً زائداً ، وكان له مماليك وإدارات كثيرة وأملاك جيدة ، وكان يصنف وهو راكب ! شرَحَ مختصر ابن الحاجب ، وهو مشهور في حياته). انتهى.

وعندما زار المحقق الطوسي قدس سره الحلة حضر درس المحقق الحلي قدس سره صاحب كتاب شرائع الإسلام ، ولم يقبل أن يقطع درسه وكان في مسألة القبلة فذكر الأستاذ استحباب التياسر في القبلة لأهل العراق ، فقال المحقق الطوسي: لا وجه للإستحباب لأن التياسر إن كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام وإن كان من غيرها إليها فواجب . فقال المحقق في الحال: بل منها إليها ، فسكت المحقق الطوسي ، ثم ألف المحقق في ذلك رسالة وأرسلها إليه فاستحسنها ، وقد أوردها ابن فهد في المهذب . (معجم رجال الحديث:5/30). (الإستحباب المذكور مبني على أن الكعبة المعظمة هي قبلة القريب والحرم قبلة البعيد ، والحرم عن يسار الكعبة ثمانية أميال وعن يمينها أربعة أميال فإذا انحرف العراقي إلى جهة يساره لم يخرج عن سمت القبلة لاتساع المسافة فيما يستقبل ، فالانحراف اليسير إلى بعض جهاتها لايخرج عنها بل يكون منها إليها). (أعيان الشيعة:9/418).
والتقى المحقق الطوسي قدس سره في سفره هذا بالعلامة الحلي قدس سره وكان في مقتبل عمره فأعجبه نبوغه وتفوقه العلمي ، ولما سئل بعد زيارته عما شاهد في الحلة قال: رأيت خِرِّيتاً (خبيراً) ماهراً ، وعالماً إذا جاهد فاق . قصد بقوله خِرِّيتاً المحقق الحلي صاحب الشرائع ، وبالعالم العلامة الحلي . (أعيان الشيعة:5/396).



5- دراسة العلامة عند المحقق الطوسي قدس سره

من المتفق عليه أن العلامة الحلي قدس سره ولد في سنة ست مئة وبضع وأربعين ، وقيل ثمان وأربعين ، وكان مجئ المحقق الطوسي مع الطاغية هلاكو سنة 655 ، فمن الممكن أنه زار الحلة في ذلك الوقت بعد احتلال المغول لبغداد ، وكان عمر العلامة الحلي يومذاك أقل من عشر سنين .
لكن الظاهر أن المحقق الطوسي قدس سره زار الحلة عندما دخل العراق موفداً من هولاكو ليتفقد أوضاعه ، وهو مفهوم من قول العلامة قدس سره : (وكان الشيخ الأعظم خواجة نصير الدين محمد الطوسي قدس سره وزير هلاكو خان فأنفذه إلى العراق فحضر الحلة ، فاجتمع عنده فقهاء الحلة... فأشار إلى الفقيه نجم الدين جعفر بن سعيد وقال: من أعلم هؤلاء الجماعة؟ فقال له: كلهم فاضلون علماء إن كان واحد منهم مبرَّزاً في فن كان الآخر مبرزاً في فن آخر ، فقال: من أعلمهم بالأصولين؟ فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهر وإلى الفقيه مفيد الدين بن محمد بن جهيم فقال: هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام وأصول الفقه) (مجمع الفائدة:1/17، وطرائف المقال:2/242).
ويؤيده رواية ابن كثير أن المحقق الطوسي زار العراق سنة 662، فتكون زيارته للحلة في تلك السفرة ، قال في النهاية:13/281: (وفيها(سنة662)قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو فنظر في الأوقاف وأحوال البلد...).انتهى. فيكون عمر العلامة الحلي يومذاك خمس عشرة سنة ، ويكون وصف المحقق الطوسي له بأنه(عالمٌ إذا جاهد فاق)شهادة بنبوغه المبكر ، وأن ما جذب نظره في الحلة شخصيتان من علمائها: المحقق الحلي ، وابن أخته العلامة .
وقد تفرد الحر العاملي بقوله إن الطوسي درس الفقه على العلامة ، قال في أمل الآمل:2/81: ( الشيخ العلامة جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي . فاضل عالم علامة العلماء ، محقق مدقق ثقة ثقة فقيه محدث متكلم ماهر ، جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة ، لا نظير له في الفنون والعلوم العقليات والنقليات ، وفضائله ومحاسنه أكثر من أن تحصى .
قرأ على المحقق الحلي والمحقق الطوسي في الكلام وغيره من العقليات ، وقرأ عليه في الفقه المحقق الطوسي . وقرأ العلامة أيضاً على جماعة كثيرين جداً من العامة والخاصة ). انتهى.
ولم يذكر الحر العاملي مصدره لذلك ، ولو صح فمعناه أن المحقق الطوسي كان يذاكر العلامة في بعض مسائل الفقه ، لأن أكثر شغله في سنواته الأخيرة كان في الفلك والرياضيات وغيرها .
أما دراسة العلامة على المحقق الطوسي فكانت في أواخر حياته عندما ترك مراغة وسكن في بغداد ، ويدل عليه قول العلامة قدس سره في إجازته لبني زهرة:
(فمن ذلك جميع ما صنفه والدي سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر قدس الله روحه وقرأه ورواه وأجيز له روايته عني عنه . ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد المعظم خواجة نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه وقرأه ورواه عني عنه ، وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية ، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية ، وكان أشرف من شاهدناه في الأخلاق نور الله ضريحه ، قرأت عليه إلهيات الشفا لأبي علي بن سينا ، وبعض التذكرة في الهيئة تصنيفه رحمه الله ، ثم أدركه الموت المحتوم قدس الله روحه . ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد وقرأه ورواه وأجيز له روايته ، عني عنه وهذا الشيخ كان أفضل أهل عصره في الفقه . ومن ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي وجمال الدين أحمد ابني موسى بن طاوس الحسنيان قدس الله روحيهما وروياه وقرآه وأجيز لهما روايته عني عنهما وهذان السيدان زاهدان عابدان ورعان وكان رضي الدين علي رحمه الله صاحب كرامات حكى لي بعضها وروى لي والدي رحمه الله عنه البعض الآخر).(البحار:104/62).
ويظهر من تسمية العلامة أستاذه نصير الدين بعد والده وقبل خاله المحقق الحلي مكانته الخاصة عنده قدس سره . وقال عنه مرة: (هو أستاذ البشر والعقل الحادي عشر) . (أعيان الشيعة:9/414).
أما شرحه لبعض كتبه كتجريد العقائد فقد يكون في تلك الفترة أو في غيرها . وقد نقل بعضهم عبارة بالفارسية عن مصدر غير معروف تدل على أن العلامة شرح كتب المحقق الطوسي في حياته فقال: لولا هذا الشاب العربي لكانت كتبي عصية كبخاتي خراسان ! أي جِمالها.(إرشاد الأذهان:1/67، عن مخطوط اللآلي المنتظمة والدرر الثمينة/62).



6- العلامة الحلي قدس سره خليفة المحقق الطوسي قدس سره

مع أن الأدوار التي قام بها تلاميذ المرجع العبقري نصير الدين قدس سره كانت مهمة ، سواء في مجال الطب والفلك والرياضيات والسياسة وغيرها.. فإن خلافته العلمية العقائدية محصورة في العلامة الحلي قدس سره .
ومما ساعد على ذلك أن العلامة درس على المحقق الطوسي في فترة نموذجية هي أوج عبقرية الأستاذ وتجاربه ، فاستفاد من خبراته كما استفاد من علمه ، وطبيعي أن يكون عرَّفه لشخصيات الدولة ، وعرفوا هم عبقريته وتقواه ، وأنه الوحيد الذي يستحق أن يكون خليفة نصير الدين الطوسي قدس سره .



خلفاء نسبيون لنصير الدين الطوسي قدس سره


ذكروا للمحقق الطوسي قدس سره تلاميذ ومعتمدين عديدين في العلوم والمجالات المختلفة ، فذكروا أن قطب الدين الشيرازي محمود بن مسعودكان برأي ابن هولاكو خليفته في الطب ، قال الشوكاني في البدر الطالع:2/299: (رُتِّبَ طبيباً وهو شاب ثم سافر إلى نصير الدين الطوسى فقرأ عليه الهيئة وبحث عليه في الإشارات وبرع . وقال له السلطان ابغا بن هلاكو: أنت أفضل تلامذة النصير وقد كبر فاجتهد أن لا يفوتك شئ من علومه . فقال: قد فعلت وما بقى لي به حاجة) .
وفي الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني الحسن بن شرفشاه الحسيني الأسترآبادي ركن الدين عالم الموصل كان من كبار تلامذة النصير الطوسي وكان مبجلا عند التتار وجيها متواضعا حليما يقال إنه كان يقوم لكل أحد حتى للسقاء وتخرج به جماعة من الفضلاء وله شرح المختصر والمقدمتين جميع ذلك لابن الحاجب وشرح الحاوي شرحين وكان يقال مع ذلك أنه كان لا يحفظ القرآن اه اي لا يحفظه عن ظهر القلب وهذا يدل على أن حفظه كذلك كان شائعا .
كما ذكروا أنه قدس سره اعتمد على أربعة حكماء لإدارة مرصد مراغة وجامعتها هم: ( فخر الدين الخلاطي ، وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ، ومؤيد الدين العرضي ، ونجم الدين القزويني ، وهم الذين اختارهم نصير الدين ، وأنفذ السلطان في طلبهم ) . (أعيان الشيعة:9/418) .
وفي الوافي:1/150: (قال شمس الدين الجزري: قال حسن بن أحمد الحكيم صاحبنا: سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد ومتوليه صدر الدين علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي وكان شابا فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد العرضي وشمس الدين الشرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي فرأيت فيه من آلات الرصد شيئاً كثيراً ، منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس: الأولى دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض ، ودائرة معدل النهار ، ودائرة منطقة البروج ، ودائرة العرض ، ودائرة الميل ، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب ، واصطرلاباً تكون سعة قطره ذراعاً ، واصطرلابات كثيرة وكتباً كثيرة . قال وأخبرني شمس الدين ابن العرضي أن نصير الدين أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله ، وأقل ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإصلاحها عشرون ألف دينار خارجاً عن الجوامك والرواتب التي للحكماء والقومة...
وقال الخواجا نصير الدين في الزيج الإيلخاني: إنني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء ، منهم المؤيد العرضي من دمشق والفخر المراغي الذي كان بالموصل ، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس والنجم دبيران القزويني ، وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وست مائة ، في جمادى الأولى بمراغة .

وقال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول/256: (و في هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة . واجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين... وكان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني منطقي عظيم صاحب كتاب العين ، ومؤيد الدين العرضي ، وفخر الدين المراغي ، وقطب الدين الشيرازي ، ومحيي الدين المغربي . ومن الأطباء المشهورين فخر الدين الاخلاطي ، وتقي الدين الحشائشي ، واشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة وإن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين وبسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان ، وبينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي ، وولده صفي الدين النصراني الملكي).



الجوينيون صنائع نصير الدين الطوسي قدس سره

كان آل الجويني من أهم الأعوان الذين اعتمدهم نصير الدين قدس سره في عمله للتأثير على القادة المغول وجذبهم الى الإسلام ، والجوينيون مسلمون سنيون من خراسان ، ومنهم علماء ووزراء للعباسيين في بغداد وخراسان .
وكان من الجوينيين وزراء في زمن الدولة العباسية مثل علي بن عبد الله الجويني استوزره السلطان طغرلبك والي خراسان . (الكامل:9/526).
وكان أشهرهم في ذلك العصر أبو المعالي الجويني أستاذ المدرسة النظامية الملقب بإمام الحرمين ، المشهور بتعصبه ضد الشيعة والأحناف ، وهو الذي أقنع السلطان محمود الغزنوي بترك المذهب الحنفي وتبني المذهب الشافعي: قال الذهبي في تاريخه:29/72: (وذكر إمام الحرمين الجويني أن السلطان محمود كان حنفي المذهب مولعاً بعلم الحديث ، يسمع من الشيوخ ويستفسر الأحاديث ، فوجدها أكثرها موافقاً للمذهب الشافعي فوقع في نفسه فجمع الفقهاء في مرو ، وطلب منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الإتفاق على أن يصلوا بين يديه على مذهب الإمامين ليختار هو ، فصلى أبو بكر القفال بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من السترة والقبلة ، والإتيان بالأركان والفرائض صلاة لا يجوز للشافعي دونها ، ثم صلى صلاة على ما يجوز أبو حنيفة فلبس بدلة كلب مدبوغاً قد لطخ ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في الحر فوقع عليه البعوض والذباب وتوضأ منكساً ثم أحرم وكبر بالفارسية ، وقرأ: دو برك سبز (ترجمة مدهامتان بالفارسية) ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ولا ركوع ولا تشهد ، ثم ضرط في آخره من غير نية السلام وقال: هذه صلاة أبي حنيفة ! فقال: إن لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك . قال: فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة وأمر السلطان كاتباً نصرانياً كاتباً أن يقرأ المذهبين جميعاً فوُجدت كذلك ! فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي . هكذا ذكر إمام الحرمين بأطول من هذه العبارة) .
وروى ابن الأثير أن السلطان لم يكن يحترم أبا المعالي كثيراً ، لأنه يتقرب اليه ويمدحه ! قال في الكامل:10/209: (كان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري ، والإمام أبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده كما هو ! وإذا دخل أبو علي الفارمذي يقوم إليه ويجلسه في مكانه ، ويجلس هو بين يديه ! فقيل له في ذلك ؟ فقال: إن هذين وأمثالهما إذا دخلوا عليَّ يقولون لي أنت كذا وكذا يثنون علي بما ليس بي فيزيدني كلامهم عجباً وتيهاً ، وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وما أنا فيه من الظلم ، فتنكسر نفسي لذلك وأرجع عن كثير مما أنا فيه). انتهى.
كما روى ابن الأثير صراع عائلة أبي المعالي الجويني مع الأحناف والكرامية ، قال في الكامل:10/251: (وكان مقدم الشافعية(في نيشابور وكانت مركزاً علمياً لأئمة المذاهب) أبا القاسم بن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ، ومقدم الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد ، وهما متفقان على الكرامية ، ومقدم الكرامية محمشاد ، فكان الظفر للشافعية والحنفية على الكرامية ، فخربت مدارسهم ، وقتل كثير منهم ومن غيرهم ، وكانت فتنة عظيمة) .
وقال في:10/291: (وفيها(492)قتل أبو القاسم بن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور وكان خطيبها ، واتهم العامة أبا البركات الثعلبي بأنه هو الذي سعى في قتله فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه) ! انتهى.
وهو غاية القسوة والوحشية ، وهو نتيجة طبيعية لسياسة الخلافة في رفض الرأي الآخر واضطهاد أصحابه !


* *
وقد اصطحب هلاكو عندما غزا قلاع الإسماعيليين في شمال إيران ثم العراق عدداً من الشخصيات السنية منهم محمد الجويني . (أعيان الشيعة:9/91) .
قال السيد الأمين في الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/136: ( شهد علاء الدين الجويني مع هولاكو فتح قلاع النزاريين وعني بوصف ما جرى هناك وصفاً تاريخياً ممتعاً في كتابه الذي ألفه بالفارسية وسماه (جهان كشا) قائلاً: كنت أعرف بأن هناك خزانة كتب ثمينة طبقت شهرتها الآفاق وقلت يحسن انتهاز الفرصة للإطلاع على هذه الخزانة فوافق هولاكو فوراً وزرت الخزانة وانتقيت أنفس ما فيها من المصاحف والكتب وأخرجتها كما يخرج الحي من الميت ، وحملت محتوياتها من آلات الرصد كذات الكرسي وذات الحلق إلى أنواع من الإسطرلابات التامة والمنصفة وذات الشعاع ).انتهى.

وكان هولاكو اتخذ تبريز عاصمة له واستوزر محمد الجويني صاحب الديوان وبعدما احتل العراق بقي فيه نحو سنة ثم نصب الجويني حاكماً له وعاد الى تبريز في أوائل سنة657. وعندما توفي محمد الجويني سنة661، نصب ابنه علاء مكانه وجعل أخاه محمد بن محمد وزيراً له).( النجاة لابن ميثم البحراني/13).
في هذه المرحلة نلاحظ في محمد الجويني وأولاده حكام العراق تشيعهم بالمعنى العام وربما الخاص وذلك بتأثير المحقق الطوسي قدس سره ، فقدكانت علاقته بهم قوية ، وقد ألف كتاب تلخيص المحصل باسم عطا ملك الجويني سنة669 ، وهو نقد لعقائد للفخر الرازي المسمى : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين . كما ألف رسالة أوصاف الأشراف بالفارسية حول أخلاق العرفاء والزهاد ، بطلب شمس الدين محمد الجويني وهي مرتَّبة في ستة أبواب . (مستدركات أعيان الشيعة:1/233، و235). وكان عطا الملك شاعراً وله قصيدة في الغدير، ومدحٌ للمحقق الطوسي قدس سره . (الغدير:5/436).
وروى الصفدي في الوافي:1/147 ، والكتبي في الفوات:2/252 ، أن هولاكو غضب على علاء الدين الجويني وأمر بقتله ، وكانوا على وشك التنفيذ ، فشكى أخوه الى المحقق الطوسي قدس سره وكان هولاكو محتجباً ، فاحتال الطوسي حتى دخل عليه وحمله على أن يصدر أمراً بالعفو عن جميع المحكوم عليهم بالقتل في مملكته ، لأن النجوم تدل على أن الله دفع عنه شراً كان سينزل به !
وروايتهما لطريقة نصير الدين قدس سره في التأثير على هلاكو لا تتناسب مع مقامه وشخصيته ، لكن القصة تدل على أنه قدس سره كان صاحب يد على الجوينيين .
وقد كان للحكام الجوينيين محمد وأولاده آثار جليلةٌ في العراق ، فقد أعادوا بناءه مدنه وزراعته في مدة وجيزة ، حتى قيل إنه عاد أفضل مما كان قبل احتلال المغول . كما كان لهم اهتمامٌ بالعلم وتشييد المكتبات والمدارس وخدمة العلماء وطلبة العلم وإكرامهم ، ولا يتسع المجال لذكر العلماء الذين ساعدوهم والذين أهدوا لهم مؤلفاتهم القيمة .
قال في أعيان الشيعة:8/7: ( وترجع شهرة الجويني مضافاً إلى عبقريته السياسية ونجاحه في إدارة شؤون الدولة المغولية ولا سيما في العراق إلى غزارة علمه ، والى آثاره الممتعة في الأدب والسياسة والتاريخ ، وتشجيعه للتأليف والمؤلفين في شتى الفنون ، وقد كتب ابن الفوطي لخزانته كثيراً من الكتب ومنها تاريخه الكبير ، كما أهدى ابن ميثم البحراني شرح نهج البلاغة له وأهدى ابن كمونة بعض مؤلفاته لآل الجويني منها كتابه في شرح الإشارات أهداه لشمس الدين الجويني صاحب ديوان الممالك .
ويَعُدُّ ابن الفوطي أعظم أيادي الجويني عليه إعادته إلى بغداد واليكم ما يقوله في ترجمة الجويني: هو الذي أعادني إلى مدينة السلام سنة تسع وسبعين وستمائة وفوض إليَّ كتابة التاريخ والحوادث وكتب لي الإجازة بجميع مصنفاته وأملى علي شعره في قلعة تبريز سنة سبع وسبعين وستمائة. هذا وقد عهد إلى ابن الفوطي فور وصوله إلى بغداد بالإشراف على خزانة المستنصرية وهو عمل أتقنه ابن الفوطي منذ كان في مراغة ، وتعد كتب ابن الفوطي أحسن مرجع للإطلاع على شؤون الكتب والمكتبات العامة والخاصة خصوصاً ما كان منها في عصره كمكتبة دار الرصد ومكتبة المستنصرية هذه ، وقد رفعته خبرته في فن الخطوط ومعرفته بمشاهير الناسخين والخطاطين وحذقه بأصول إنشاء المكتبات إلى مستوى الأئمة في هذا الشأن ، وقد كون لنفسه مكتبة خاصة تعد بين المكتبات الثمينة المعروفة في عصره وكان منزله ومكتبته المذكورة في بغداد ملتقى طلبة العلم ومجتمع الطبقة المهذبة من البغداديين والطارئين على بغداد ومن عادته ان يشير في معجمه إلى زواره وزوار مكتبته من العلماء والأعيان أو من المعجبين بمؤلفاته المتنافسين في اقتناء آثاره في شتى المواضيع والفنون . كانت مكتبة المستنصرية المذكورة في وقت إشراف ابن الفوطي على شؤونها أشهر مكتبة عامة في العالم كله كما كانت مفخرة من مفاخر بغداد وتزار في مقدمة ما يقصد ويزار من معاهدها العظيمة ، وقد عني ابن الفوطي بتاريخها من هذه الناحية ووصف زيارة من زارها من الملوك والرؤساء وغيرهم في أيامه ومنهم سلاطين المغول وأعيانهم ، فقد زارها منهم السلطان محمود غازان في مقدمه إلى بغداد سنة 696 ه 296 كما زارها أشهر رجال دولته القادمين معه .
قال ابن الفوطي في الحوادث الجامعة: دخل خزانة الكتب ولمحها ، واليكم نص ما جاء في ترجمة قطب الدين أحمد بن عبد الله الخالدي قاضي قضاة الممالك: لما ولي أخوه صدر الدين الخالدي الوزارة فوض إلى أخيه قضاء الممالك وأمر ونهى ورتب القضاة في البلدان، وقدم علينا بغداد وكنت في خدمته لما قدمها صحبة المعسكر الإيلخاني سنة ست وتسعين وستمائة ، وحضر عندنا في خزانة كتب المدرسة المستنصرية في جماعة من علماء قزوين ، فلما عاين تلك الكتب المنضدة التي لم يوجد مثلها في العالم لم يطالع منها شيئاً لكنه سأل: هل تحتوي هذه الخزانة على كتاب الهياكل السبعة فقد كانت لي نسخة مذهبة منه شذت عني أريد أن استكتب عوضها ، وقتل قطب الدين بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وستمائة في أذربيجان . وفي ترجمة العكيكي: قوام الدين محمد بن علي العكيكي البغدادي الصدر الأديب من أدباء عصرنا ومن بيت أصيل ، تأدب وسافر الكثير ودخل بلاد الشام وحج بيت الله الحرام ودخل بلاد اليمن ، ثم قدم بغداد وأنا بها وكان يتردد إلى خزانة الكتب بالمدرسة المستنصرية أيام كنت مشرفاً على الخازن جمال الدين ياقوت المستعصمي ، وكان يوردنا الأخبار وينشدنا الأشعار ، كتبت عنه من شعره وشعر غيره ، ثم خرج مسافراً سنة تسع وتسعين وستمائة) . انتهى.
وكان ابن الفوطي حنبلياً لكنه معتدل محب لأهل البيت^ ، ولعل الذهبي اعتمد على شهادته في مدح الجوينيين الشيعة !
قال الذهبي في تاريخه:51/80: (وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم سؤدد وخبرة بالأمور ، وفيهما عدل ورفق بالرعية وعمارة للبلاد . وليَ علاء الدين نظر العراق سنة نيف وستين بعد العماد القزويني فأخذ في عمارة القرى وأسقط عن الفلاحين مغارم كثيرة ، إلى أن تضاعف دخل العراق وعظم سوادها ، وجرَّ نهراً من الفرات مبدؤه من الأنبار ومنتهاه إلى مشهد علي رضي الله عنه ، وأنشأ عليه مائة وخمسين قرية . ولقد بالغ بعض الناس وقال: عمَّر صاحب الديوان بغداد حتى كانت أجود من أيام الخلافة . ووجد أهل بغداد به راحة .
وحكى غير واحد أن أبغا قدم العراق فاجتمع في العيد الصاحب شمس الدين وعلاء الدين ببغداد فأحصيت الجوائز والصلات التي فرقها فكانت أكثر من ألف جائزة . وكان الرجل الفاضل إذا صنف كتاباً ونسبه إليهما تكون جائزته ألف دينار ، وقد صنف شمس الدين محمد بن الصيقل الجزري خمسين مقامة ، وقدمها فأعطي ألف دينار .
وكان لهما إحسان إلى العلماء والصلحاء ، وفيهما إسلام ، ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية . وفي وقتنا هذا الإمام المؤرخ العلامة أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد ابن الفوطي مؤرخ عصره ، وقد أورد في تاريخه الذي على الألقاب ترجمة علاء الدين مستوفاة: هو الصدر المعظم الصاحب علاء الدين أبو المظفر عطا ملك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن أيوب بن الفضل بن الربيع الجويني ، أخو الوزير شمس الدين . قرأت بخط الفوطي: كان جليل الشأن تأدب بخراسان وكتب بين يدي والده وتنقل في المناصب إلى أن ولي العراق بعد قتل عماد الدين الدويني فاستوطنها وعمر النواحي وسد البثوق ، ورفد الأموال وساق الماء من الفرات إلى النجف وعمل رباطاً بالمشهد . ولم يزل مطاع الأمور رفيع القدر إلى أن بلي بمجد الملك في آخر أيام أباقا بن هولاكو . وكان موعوداً من السلطان أحمد أن يعيده إلى العراق فحالت المنية دون الأمنية ، وسقط عن فرسه فمات ونقل إلى تبريز فدفن بها(ربما لأنهاعاصمة المغول). وله رسائل ونظم ، كتب منشوراً بولاية كتابة التاريخ بعد شيخنا تاج الدين علي بن أنجب .(يقصد مشروع كتابة التاريخ المسمى: جهان كشا) . وكان مولده في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، ومدة ولايته على بغداد إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر . وقرأت بخطة وفاة علاء الدين في رابع ذي الحجة سنة 681 ). انتهى.

وفي الذريعة:22/329: (مناقب الطاهرين في فضائل أهل البيت المعصومين^ للشيخ عماد الدين الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن الطبري ، صاحب كامل البهائي الذي هو في المثالب ويقال له كامل السقيفة....وكتبه أيضاً بأمر الوزير بهاء الدين محمد بن الوزير شمس الدين محمد الجويني ، صاحب الديوان).
وفي الكنى والألقاب:2/443: (الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الطبري صاحب كتاب الكامل البهائي في السقيفة المنسوب إلى الوزير المعظم بهاء الدين محمد بن شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان .انتهى. وهذا يدل على تشيعه .
وكان للجوينيين اهتمام بالمشاهد المشرفة فقد أعادوا بناء مشهد الإمام موسى بن جعفر والإمام الجواد‘بأفضل مما كان عليه ، وبناء بقية مشاهد الأئمة^. وكانوا أول من نجح في شق فرع من نهر الفرات الى النجف ، كما وفروا خدمات البنى التحتية للزوار وطلبة العلم . قال السيد ابن طاووس في فرحة الغري/157: (ولقد أحسن الصاحب عطا ملك بن محمد الجويني صاحب ديوان الدولة الإليخانية رضي الله عنه حيث عمل الرياط به وكان وضع أساسه من سنة ست وسبعين وستمائة ، وابتدأ تحقق الحفر للقناة إليه سنة اثنتين وستين وستمائة ، وأجرى الماء في النجف في شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة ، وقد كان سنجر بن ملكشاه أجهد في ذلك من قبل فلم يتفق ).
وجاء في هامشه: (وقد ذكر الذهبي أن علاء الدين في ولايته على بغداد قد عمر ما خربه المغول وأزال عنهم ما نالهم وأعاد إلى بغداد عمارتها وراحتها ، كما أنه أجرى نهراً من قصبة الأنبار إلى النجف الأشرف وصرف له مبالغ وافرة قدرها بمائة ألف دينار ذهباً فتأسست عمارات وقرى في جانبيه وعددها مائة وخمسون قرية ، فانقلبت تلك الأراضي القاحلة إلى مزارع متصلة. والظاهر أن النهر المذكور هو المعروف اليوم ب(كري سعده). أنظر: تاريخ العراق بين احتلالين:1/309 . وفي الحوادث الجامعة قال: في سنة 666 أمر علاء الدين الجويني صاحب الديوان بعمل رياط بمشهد علي ليسكنه المقيمون هناك وأوقف عليه وقوفاً كثيرة ، وأدرَّ لمن يسكنه ما يحتاج إليه . أنظر: الحوادث الجامعة: 172) . وفي فرحة الغري/158: (وفي ذي القعدة وأوائل ذي الحجة سنة سبع وستين وستمائة ، ابتدأ بعمل البركة في جامع الكوفة ، وفرغ على ما أقوله سنة ثمان وستين ).

وقال في الذريعة:3/247: (تاريخ جهان كشا) للصاحب الوزير خواجة علاء الدين عطا ملك بن بهاء الدين محمد الجويني المولود سنة623 والمتوفى سنة 680 أو سنة681 ، مبسوط في ثلاثة أجزاء ، إهتم بطبعه الشيخ محمد خان القزويني المعاصر في ليدن سنة 1319 ، وعلق عليه مقدمة الطبع).
وفي معجم المطبوعات العربية:2/1822: (ميثم بن علي البحراني (679 ) ( . ) كان من الفضلاء المدققين ، متكلماً ماهراً ، له كتب منها شرح نهج البلاغة ورسالة في الإمامة ، ورسالة في العلم ، وغير ذلك ، سماه صاحب اللؤلؤة بالعلامة الفيلسوف ، مات سنة679 . ذكر ذلك الشيخ البهائي في المجلد الثالث من الكشكول . شرح نهج البلاغة ، صنفه للصاحب خواجة عطا ملك الجويني فرغ من تأليفه سنة677 ، طبع بالعجم 1276) .



السلطان المغولي يتشيع ويدعو للمذهب الشيعي
نبدأ بشهادة ابن بطوطة لكونه سنياً متعصباً يعيش مع عوام الناس ويكتب آراءهم ، قال في:1/149: (كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزين له مذهب الروافض وفضله في غيره ، وشرح له حال الصحابة والخلافة وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله(ص)وأن علياً ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ، ومثَّل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه مع حداثة عهد السلطان بالكفر وعدم معرفته بقواعد الدين (!) فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وأذربيجان وأصفهان وكرمان وخراسان وبعث الرسل إلى البلاد فكان أول بلاد وصل إليها بغداد وشيراز وأصفهان ، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج منهم وهم أهل السنة وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقالوا لا سمع ولا طاعة ، وأتوا المسجد الجامع في يوم الجمعة ومعهم السلاح وبه رسول السلطان ، فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه وهم اثنا عشر ألفاً بسلاحهم وهم حماة بغداد والمشار إليهم فيها ، فحلفوا له أنه إن غيَّر الخطبة المعتادة ، إن زاد فيها أو نقص منها فإنهم قاتلوه وقاتلو رسول الملك ومستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله ! وكان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء وسائر الصحابة من الخطبة ولا يذكر إلا اسم علي ومن تبعه كعمار رضي الله عنهم ، فخاف الخطيب من القتل وخطب الخطبة المعتادة! وفعل أهل شيراز وأصفهان كفعل أهل بغداد فرجعت الرسل إلى الملك فأخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يؤتى بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أتي به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز ، والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ وهو موضع مصيفه ، فلما وصل القاضي أمر أن يرمي به إلى الكلاب التي عنده وهي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل مُعدة لأكل بني آدم فإذا أوتي بمن يسلط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقاً غير مقيد ، ثم بعثت تلك الكتاب عليه فيفر أمامها ولا مفر له فتدركه فتمزقه وتأكل لحمه ! فلما أرسلت الكلاب على القاضي مجد الدين ووصلت إليه بصبصت إليه وحركت أذنابها بين يديه ولم تهجم عليه بشئ ! فبلغ ذلك السلطان فخرج من داره حافي القدمين فأكبَّ على رجلي القاضي يقبلهما وأخذ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب ، وهي أعظم كرامات السلطان عندهم وإذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفاً له ولبنيه وأعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شئ منها ، وأعظمها في ذلك السراويل .
ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به ، ورجع السلطان عن مذهب الرفض وكتب إلى بلاده أن يُقَرَّ الناس على مذهب أهل السنة والجماعة ، وأجزل العطاء للقاضي وصرفه إلى بلاده مكرماً معظماً ، وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان ، وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخاً يشقه نهر عظيم ، القرى منتظمة بجانبيه ، وهو أحس موضع بشيراز ، ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية مَيْمَنْ وهي للقاضي المذكور ) ! انتهى.
أقول: هذا النص يكشف عن أن تشيع السلطان المغولي كان له وقع شديد على الحنابلة المتعصبين ، فباب الأزجّ محلتهم في بغداد . (أنساب السمعاني:1/119 ، واللباب لابن الأثير:1/45) ، وكانوا أعداء السنة والشيعة معاً ، قال في الكامل:9/551: (ولما سار الملك الرحيم عن بغداد كثرت الفتن بها ودامت بين أهل باب الأزج والأساكفة وهم السنية ، فأحرقوا عقاراً كثيراً ). انتهى.
ووصف ابن كثير علاقتهم السيئة بسنة بغداد فقال في النهاية:12/197: (منصور أبو المعالي الجيلي القاضي الملقب سيدله ، كان شافعياً في الفروع أشعرياً في الأصول وكان حاكماً بباب الأزج ، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير ، سمع رجلاً ينادي على حمار له ضائع فقال: يدخل الأزج ويأخذ بيد من شاء ! وقال يوما للنقيب طراد الزينبي: لو حلف إنسان أنه لا يرى إنساناً فرأى أهل باب الأزج لم يحنث... ولهذا لما مات فرحوا بموته كثيراً). (والكامل:10/ 227).
وكان علماء الحنابلة وأئمتهم من العجم ، ففي تاريخ الذهبي:39/89: (قال ابن السمعاني: أبو محمد عبد القادر فخر أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره ، فقيه صالح ديِّن ، كثير الذكر دائم الفكر سريع الدمعة ، تفقه على المخرمي وصحب الشيخ حماد الدباس ، قال وكان يسكن باب الأزج في المدرسة التي بنوا له ، مضيت يوماً لأودع رفيقاً لي فلما انصرفنا قال لي بعض من كان معي: ترغب في زيارة عبد القادر والتبرك به فمضينا ودخلت مدرسته وكانت بكرة ، فخرج وقعد بين أصحابه وختموا القرآن فلما فرغنا أردت أن أقوم فأجلسني وقال: حتى نفرغ من الدرس ، وألقى درساً على أصحابه ما فهمت منه شيئاً ! وأعجب من هذا أن أصحابه قاموا وأعادوا ما درس لهم ، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته). انتهى.

وبهذا يتبين أن ابن بطوطة أخذ كلامه من مبالغات أهل باب الأزج وخيالهم !
ويشبه كلامه كلام الصفدي في الوافي:2/129: (وكان(خدابنده)مسلماً فما زال به الإمامية إلى أن رفَّضوه ، وغيَّر شعار الخطبة وأسقط ذكر الخلفاء من الخطبة سوى علي رضي الله عنه . وصمم أهل باب الأزج على مخالفته فما أعجبه ذلك وتنمر ورسم بإباحة مالهم ودمهم ، فعوجل بعد يومين بهيضة مزعجة داواه الرشيد فيها بمسهل منظف فخارت قواه ، وتوفي في رمضان سنة ست عشرة وسبع ماية ، ودفن بسلطانية في تربته وهو في عشر الأربعين). انتهى.
فقد كفَّر الصفدي الشيعة وأخرجهم من الملة ، وكذَّب رواية صاحبه ابن بطوطة عن الإثني عشر ألف مسلح من محلة باب الأزجّ ، وعن قاضي شيراز ومعجزته مع الكلاب المفترسة ، وتوبة السلطان المغولي وعودته الى التسنن !
واخترع بدلها موت السلطان بعد يومين من أمره بقتل الحنابلة ! ولم يلتفت الصفدي وواضعوا الرواية قبله الى أن مرسوم السلطان كان في سنة703 ، ووفاته سنة717 ، وأن مدة اليومين لاتكفي لنقش أسماء الأئمة عليهم السلام على العملة، ووصولها الى جنوب لبنان ونظم القصائد في مدح السلطان كما روى الصفدي! ولا لتأليف العلامة كتابه منهاج الكرامة سنة709 ، وانتشاره في بلاد المسلمين وتأثيره في الأوساط العلمية ، وهو الأمر الذي سبب خوف ابن تيمية !
لكن ابن كثير ، وهو أشد تعصباً من الأتابكي، جعل مرسوم حذف ذكر أبي بكر وعمر من خطبة الجمعة في سنة 709 ، ثم كشف لنا أن رواية ابن بطوطة عن بطولة حنابلة بغداد إنما كانت بكاء خطيبهم ! فاستبدلوه بخطيب آخر !
قال في النهاية:14/56: (وفيها أظهر ملك التتر خربندا الرفض في بلاده وأمر الخطباء أن لا يذكروا في خطبتهم إلا علي بن أبي طالب وأهل بيته ، ولما وصل خطيب باب الأزج إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاءاً شديداً وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة ، فأقيم من أتمها عنه وصلى بالناس).
كما كذَّب ابن كثير رواية تراجع السلطان عن مرسومه ومذهبه فقال في:14/77: (ثم تحول إلى الرفض وأقام شعائره في بلاده وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي تلميذ نصير الدين الطوسي وأقطعه عدة بلاد . ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات في هذه السنة !). انتهى.
فالصحيح إذن أن ذلك السلطان المغولي تشرف بمذهب أهل البيت عليهم السلام على يد العلامة الحلي رحمه الله وكتب مرسوماً الى البلاد بتدريس التشيع في المدارس وإعلان معالمه ، وأنه لم تكن في بغداد ردة فعل قوية من السنيين كما زعموا ، وأن حنابلة باب الأزج بكى خطيبهم الحنبلي ، هذا إن صحت روايته ! وسبب شكنا في صحتها أنهم لا بد أن يكونوا غيروا الخطيب الذي لايقبل ذكر علي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام .
وقد اتضح أن زعمهم موت السلطان على أثر مرسومه ، أو حدوت معجزة لقاضي شيراز أو توبة السلطان من التشيع.. كلها تعبيرات عن أحلام أصحابها !
لكن عدم صحة هذه الأمور لاينفي وقوع أحداث في غير بغداد من متعصبين في البلاد الواسعة التي طبق فيها السلطة مرسوم السلطان ، كما سيأتي .



لماذا تشيع السلطان ؟

ذكروا ثلاثة أمور في أسباب تشيع السلطان قازان وأخيه محمد خدابنده .
الأول: أن السلطان طلق زوجته بالثلاث وندم ، فأفتى له فقهاء المذاهب بأن طلاقه صحيح وأنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره ، فأرشدوه الى العلامة الحلي قدس سره فأحضره وناظر الفقهاء وأثبت لهم بطلان الطلاق ، لأنه بلا شهود ، وأنه الطلاق بالثلاث إذا استجمع الشروط لايقع إلا طلاقاً واحداً .. الخ.
والثاني: أن السلطان زار قبر أمير المؤمنين عليه السلام ورأى مناماً في النجف ، فدفعه ذلك الى البحث عن مذهب التشيع ، فأعجبه وانتمى اليه .
والأمر الثالث: أن السلطان غازان خان محمود كان سنة702 في بغداد ، فاتفق أن سيداً علوياً صلى الجمعة مع السنة ، ثم صلى الظهر منفرداً فقتلوه ! فشكا ذووه إلى السلطان فتألم له وغضب من قتل رجل من أولاد الرسول صلى الله عليه وآله لمجرد أنه إعادة صلاته ! فأخذ يبحث عن المذاهب وكان في أمرائه جماعة متشيعون منهم الأمير طرمطار بن مانجو بخشي ، وكان في خدمة السلطان من صغره وله وجه عنده فرغَّبه بمذهب التشيع فدخل فيه ، واهتم بالسادة وعمارة مشاهد الأئمة عليهم السلام وأسس دار السيادة في إصفهان وكاشان وسيواس روم ، وأوقف عليها أملاكاً كثيرة ، وكذا في مشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد بقيت بعض آثاره الى الآن . وأنه بعد أن توفي سنة703 خلفه أخوه وأعلن تبنيه لمذهب الشيعي .
ومصدر هذه الروايات الثلاثة كتاب (ذيل جامع التواريخ) للمؤرخ الحافظ آبرو الخوافي ، وبعضهم نقلها عن مخطوط (اللئالي المنتظمة) . (راجع في الموضوع: خاتمة المستدرك:2/403 ، ولؤلؤة البحرين/224 ، ومجالس المؤمنين:2/571 . ومقدمة طبعة قواعد الأحكام وإرشاد الأذهان ، وشرح تبصرة المتعلمين ) .
قال في الذريعة:10/49: (ذيل جامع التواريخ رشيدي) الذي ألفه الصاحب الوزير رشيد الدين فضل الله الطبيب وزير غازان ، ثم شاه خدابنده ، إلى أن قتل . (717) ، وانتهى تاريخه إلى وفاة غازان في(703) فذيَّله المؤرخ الشهير حافظ أبرو ، شهاب الدين عبد الله بن لطف الله بن عبد الرشيد الخوافي الخراساني المولود حدود (763) كان مع الأمير تيمور في حروبه في(788) بأمر شاهرخ كاتب (تاريخ شاهرخي في819) . وفي820 أمره السلطان شاهرخ بتأليف هذا الذيل فألحق بتاريخ الرشيدي من (703) إلى (795) وتوفي حافظ أبرو (834) وطبع الذيل مع مقدمة وتعليقات للدكتور خان بابا البياني في(1317 ونسخة من الذيل مع أصله كتابتها حدود (1000) في (الرضوية) على ظهرها تواريخ(1105) وما بعدها ذكر في خطبة الذيل الصلاة والسلام على رسوله وخير خلقه محمد وآله أجمعين . وذكر في أثنائه: أن أول من تشيع من المغول السلطان غازان ومنشؤه قتل العلوي ببغداد في(702) لأجل صلاة الجمعة. قال: وكان شيعياً إلى أن توفي . وكذا ذكر سبب تشيع أخيه السلطان خدابنده وأتباعهما ). انتهى.
أقول: الظاهر أن تشيع السلطان خدابنده رحمه الله كان قبل ذلك ، وأنه وأخاه قازان وأباهما وجدهم هولاكو كانوا يعيشون مع علماء وشخصيات شيعية ، وقد تعرفوا على المذهب وأحبوه منهم ، وهذا يؤيد نص الشيخ البهائي وغيره .
وعليه فمجالس المناظرة التي كانت تجري بحضور السلطان ، أو كان يعقدها ويدعو اليها العلامة قدس سره وفقهاء المذاهب الأربعة ، كانت عملاً منه مقصوداً لتكون مبرراً علمياً لإعلان تشيعه وإصدار المرسوم السلطاني بذلك .


* *
وقد ذكرت الروايات عدة مناظرات لها علاقة بإعلان السلطان لتشيعه ، شارك فيها من الشيعة العلامة الحلي والعالم تاج الدين الآوي ، وقاضي القضاة نظام الدين عبد الملك المراغي الشافعي وله تآليف في المعقول ، وابن صدر جهان الحنفي البخاري وقطب الدين الشيرازي ، وعمر الكاتبي القزويني، وأحمد بن محمد الكيشي ، وركن الدين الموصلي . وذكروا أن ابن العلامة فخر المحققين كان شاباً في العشرينات من عمره وحضر مع والده ، وقد يكون شارك فيها .



* *

أما مواد هذه المناظرات فلمتذكر الروايات إلا القليل منها:
من ذلك: أن العلامة رحمه الله دخل الى مجلس السلطان وتعمد أن يأخذ حذاءه بيده ويجلس عند السلطان ، فقال الفقهاء للسلطان: ألم نقل لك إنهم ضعفاء العقول ؟! فقال الملك: سلوه ما فعل؟ فقالوا له: لأي شئ أخذت نعلك معك وهذا مما لا يليق؟! قال: خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله صلى الله عليه وآله فصاحت الحنفية: متى كان أبو حنيفة في زمن رسول الله ، بل كان تولده بعد المائة من وفاة رسول صلى الله عليه وآله ! فقال: نسيت لعله كان السارق الشافعي ! فصاحت الشافعية وقالوا: كان تولد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة ، وكان نشوؤه في المائتين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لعله كان مالك ! فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية . فقال: لعله كان أحمد بن حنبل ! فقالوا بمثل ما قالته الشافعية ، فتوجه العلامة إلى الملك فقال: أيها الملك علمت أن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ولا في زمن الصحابة فهذه إحدى بدعهم أنهم اختاروا من مجتهديهم هؤلاء الأربعة ولو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لايجوِّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم . فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمن رسول الله والصحابة؟ فقال الجميع: لا .
فقال العلامة: ونحن معاشر الشيعة تابعون لأمير المؤمنين عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وأخيه وابن عمه ووصيه .
وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل ، لأنه لم تتحقق شروطه ومنها العدلان فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال: لا . وشرع في البحث .

ومن ذلك: أن العلامة خطب بعد انتصاره في المناظرة ، فصلى على النبي صلى الله عليه وآله وعلى الأئمة الإثني عشر عليهم السلام فاعترض السيد ركن الدين الموصلي وقال: ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء ؟ فقرأ العلامة في جوابه مباشرةً قوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . فقال: أي مصيبة أصابت علياً وأولاده ليستوجبوا بها الصلاة؟ فذكر له العلامة مصائبهم المشهورة وقال: وأي مصيبة أعظم عليهم وأشنع أن حصل من ذراريهم مثل الذي يرجح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة والنكال عليهم ! فتعجب الحاضرون من قوة جواب العلامة وضحكوا على الموصلي . ونظم بعض الحضار الشعراء في ذلك المجلس هذين البيتين في شأن هذا السيد:
إذا العلوي تابع ناصبياً لمذهبه فما هو من أبيه
وكان الكلب خيراً منه حقاً لأن الكلب طبع أبيه فيه !
ومنه: أنه أحدهم سأل في المجلس عن جواز نكاح البنت المتولدة من الزنا على مذهب الشافعي فقرره القاضي وقال: هو معارض بمسألة نكاح الأخت والأم في مذهب الحنفية ، فأنكر ابن صدر جهان ذلك ، فقرأ القاضي من منظومة أبي حنيفة: وليس في لواطة من حدِّ... ولا بوطئ الأخت بعد عقدِ. فأفحموا وسكتوا .

ومنه: أنه كان مع العلامة رجل ظريف يدعى الملا محسن الكاشاني ، فلما تشيع السلطان قال له الملا محسن: أريد أن أصلي ركعتين على مذهب الفقهاء الأربعة وركعتين على المذهب الجعفري ، وأجعل السلطان حكماً بصحة أي الصلاتين ! ثم قال: أبو حنيفة مع أحد الفقهاء الأربعة يجوِّز الوضوء بالنبيذ ، ويقول إن الجلد يطهر بالدباغة ، وإنه يجوز بدل قراءة الحمد وسورة قراءة آية واحدة حتى إذا كانت بالترجمة ، ويجوِّز السجود على نجاسة الكلب ، ويجوِّز بدل السلام بعد التشهد إخراج الريح !
وقد روى الذهبي وغيره أن أبا المعالي الجويني أقنع السلطان خوارزم شاه التركي ببطلان مذهب أبي حنيفة ، بهذه الفتاوى له في الوضوء !



* *

وقد اعتمد السيد رضا الصدر رحمه الله في مقدمته لطبعة نهج الصدق ، على رواية تقول إن السلطان خدابنده أصيب بصدمة من تناقضات المذاهب وبعض فتاويها ، فبقي متحيراً في اختيار المذهب ثلاث سنوات فاقترح عليه أحد أمرائه المسمى طي مطاز اختيار مذهب الشيعة لأن الملك غازان كان أعقل أهل زمانه وأكملهم وقد اختار مذهب الشيعة ، فلم يعجب الشاه كلامه وطلب من العلامة أن يؤلف له كتاباً في التشيع فكتب له(نهج الحق وكشف الصدق) و(منهاج الكرامة) وزاره في عاصمته السلطانية وأهداهما له ، وجرت هناك مناظراته مع علماء المذاهب .
ولا يمكن الأخذ بهذه الرواية لأن السلطان خدابنده وأسرته كانوا من قديم يعرفون التشيع وعلماء الشيعة والعلامة الحلي قدس سره جيداً .
وذكر السيد الأمين في أعيان الشيعة:5/399 ، أنه توجد مؤشرات على أن المناظرة جرت في بغداد ، وقال: (قال في الروضات: وتقدم العلامة عند هذا السلطان على سائر علماء حضرته ، مثل القاضي ناصر الدين البيضاوي ، والقاضي عضد الدين الإيجي ، ومحمد بن محمود الآملي صاحب كتاب نفائس الفنون وشرح المختصر وغيره ، والشيخ نظام الدين عبد الملك المراغي من أفاضل الشافعية ، والمولى بدر الدين الشوشتري ، والمولى عز الدين الإيجي ، والسيد برهان الدين العبري ، وغيرهم ، وكان في القرب والمنزلة عند السلطان المذكور بحيث كان لا يرضى أن يفارقه في حضر ولا سفر ، بل نقل أنه أمر له ولتلاميذه بمدرسة سيارة من الخيام المعمولة من الكرباس الغليظ تنتقل بانتقاله أينما سافر معه ، يدل على ذلك ما وجد في آخر بعض مؤلفاته أنه وقع الفراع منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاهان). انتهى.
وأضاف السيد الأمين: (وفي مدة إقامته في صحبة السلطان المذكور ألَّف له عدة كتب مثل كتاب منهاج الكرامة ، وكتاب كشف الحق ، ورسالة نفي الجبر ورسالة حكمة وقوع النسخ ، التي سأله عنها السلطان . وأكمل هناك الألف الأول من كتاب الألفين . قال في مقدمة كشف الحق: وامتثلت فيه مرسوم سلطان وجه الأرض ، الباقية دولته إلى يوم النشر والعرض ، سلطان السلاطين ، خاقان الخواقين ، مالك رقاب العباد وحاكمهم ، وحافظ أهل البلاد وراحمهم ، المظفر على جميع الأعداء ، المنصور من إله السماء ، المؤيد بالنفس القدسية والرياسة الملكية ، الواصل بفكره العالي إلى أسنى مراتب المعالي ، البالغ بحدسه الصائب إلى معرفة الشهب الثواقب ، غياث الحق والدين الجايتو خربندا محمد ، خلد الله ملكه إلى يوم الدين ، وقرن دولته بالبقاء والنصر والتمكين ، وجعلت ثواب هذا الكتاب واصلاً اليه ، أعاد الله بركاته عليه بمحمد وآله الطاهرين ، صلوات الله عليهم أجمعين . وقال في أول منهاج الكرامة: فهذه رسالة شريفة ومقالة لطيفة ، إلى أن قال: خدمت بها خزانة السلطان الأعظم...الخ.
وقال في آخر الموجود من كتاب الألفين: فهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب ، وذلك في غرة رمضان المبارك سنة712 ، وكتب حسن بن مطهر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلد الله ملكه...
وصنف في سفره ذلك الرسالة السعدية ، ولعله ألف في سفره ذلك الرسالة التي في جواب سؤالين سأل عنهما الخواجة رشيد الدين فضل الله الطبيب الهمذاني وزير غازان ، الذي اجتمع به في ذلك السفر الآتي ذكرها في مؤلفاته .
قال في مقدمتها كما في النسخة التي رأيناها في طهران في مكتبة الشيخ علي المدرس ما لفظه: يقول العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهر: إنني لما أمرت بالحضور بين يدي الدركاه المعظمة الممجدة الإيلخانية ، أيد الله سلطانها وشيد أركانها ، وأعلى على الفرقدين شانها...الخ.).



الوجه الشرعي لتعظيم العلامة للسلطان المغولي

الوجه في ذلك أن باب التقية مع السلطان واسع ، ففي الكافي:2/217، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( التقية من دين الله . قلت: من دين الله ؟ قال: إي والله من دين الله ولقد قال يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، والله ما كانوا سرقوا شيئاً ! ولقد قال إبراهيم :إِنِّي سَقِيمٌ ، والله ما كان سقيماً .
وعنه عليه السلام قال: ما بلغت تقية أحدٍ تقيةَ أصحاب الكهف ، إنْ كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير(فيها الصلبان) فأعطاهم الله أجرهم مرتين) .
وجاء في قصة إبراهيم عليه السلام : (فسار إبراهيم عليه السلام بجميع ما معه وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم إعظاماً لإبراهيم وهيبة له ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم أن: قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي هو خلفك ، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه ، فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الأرض برة أو فاجرة ! فوقف إبراهيم عليه السلام وقال للملك: إمض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك وأهابك وأن أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالاً لك ، فقال له الملك: أوحى إليك بهذا ؟ فقال له إبراهيم: نعم ، فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم ، وأنك ترغبني في دينك ، قال: وودعه الملك فسار إبراهيم حتى نزل بأعلى الشامات وخلف لوط في أدنى الشامات). (الكافي:8/372) .
أضف الى ذلك أن العلامة قدس سره له هدف مهمُّ من هذا التبجيل والتعظيم ، وهو تشجيع السلطان في تبني المذهب الحق ، وأن تأخذ كتبه طريقها بمراسيم سلطانية الى المراكز والأوساط العلمية ، وهذا ما حصل والحمد لله . ولهذا أهدى عدداً منها الى خزانة السلطان، يشكر له تبنيه لنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام وليأخذ الكتاب صفة الرسمية ، ومنها كتبٌ ألفها بطلب السلطان نفسه ، فكان طبيعياً أن يهديها الى خزانته .



حول المرسوم السلطاني بتبني مذهب التشيع

شمل المرسوم السلطان محمد خدابنده بتبني مذهب التشيع: العراق بكامله والخليج واليمن ، وإيران بكاملها ، وما وراء النهر أي بلاد آسيا الوسطى ، وتركيا التي كانت تسمى بلاد الروم .
وتدل النصوص على أن مرسوم السلطان كان في أول توليه السلطة ، فكان استكمالاً لعمل أخيه السلطان قازان ، فهو المفهوم من قول الشيخ البهائي في توضيح المقاصد/27: (فيه (شهر شوال) سنة ثلاث وسبع مائة توفي السلطان محمود غازان وكان له ميل تام إلى التشيع ولكنه لم يتمكن من إظهاره ، وإنما أظهر أخوه السلطان محمد شاه خدابنده أنار الله برهانه ).

وقال في الذريعة:3/270: ( وحكى القاضي في(مجالس المؤمنين)عن تاريخ غازاني هذا سبب استبصار الأخوين السلطان محمود غازان وشاه خدا بنده محمد وإثبات تشيعهما وولائهما لأهل البيت عليهم السلام ، بنوع يظهر منه ارتضاؤه لطريقتهما ).

وفي مقدمة طبعة مختلف الشيعة:1/111: (فتشيع الملك(قازان)وبعث إلى البلاد والأقاليم حتى يخطبوا للأئمة الاثني عشر عليهم السلام في الخطبة ويكتبوا أساميهم عليهم السلام في المساجد والمعابد . والذي في أصبهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه في ثلاث مواضع ، وعلى منارة دار السيادة التي تممها سلطان محمد بعد ما أحدثها أخوه غازان أيضاً موجود . وفي محاسن أصفهان موجود أن ابتداء الخطب كان بسعي بعض السادات اسمه ميرزا قلندر ، ومن المعابد التي رأيت معبد بير بركان الذي في لنجان بنيَ في زمانه، الأسامي موجودة الآن، وكذا في معبد قطب العارفين نور الدين عبد الصمد النطنزي الذي له نسبة إليه من جانب الأم موجود الآن). (مجالس المؤمنين:2/361 نقلاً عن تاريخ الحافظ آبرو ، تحفة العالم:1/176 ، خاتمة المستدرك:460 إحقاق الحق 1/16 11 ، أعيان الشيعة 5/400 ، وغيرها كثير ).

ولم تذكر المصادر نص المرسوم ، بل ذكرت أنه أمر بحذف اسم أبي بكر وعمر من خطبة الجمعة ، والذي كان المنصور العباسي فرضه في الخطبة ! فأمر خدابنده بحذفه وأثبت بدله إسم علي والأئمة الأحد عشر من ولده عليهم السلام ، فثارت ثائرة أتباع الخلافة ، وذكرته مصادرهم على أنه حدث كبير وبدعة في الدين ! وطبَّلت له وبكت من أجله ! مع أنه ليس أكثر من استبدال إسم صحابيين بالعترة النبوية الذين هم صحابة أيضاً !

والأمر الثاني ، الذي ذكرته المصادر من عمل السلطان خدابنده ، ولعله بمسوم آخر ، أنه كتب أسماء الأئمة الإثني عشر عليهم السلام على العملة الذهبية والفضية .

والأمر الثالث ، أنه أنشأ في عدد من المناطق داراً باسم ( دار السيادة) لخدمة السادة من ذرية النبي صلى الله عليه وآله من أبناء علي وفاطمة عليهما السلام ، وهي مؤسسات اجتماعية تهتم بمعيشتهم وتعليمهم وحل مشاكلهم .

والأمر الرابع ، أنه أعاد (حَيَّ على خير العمل) الى الأذان ، وهذه الفقرة فيها بحث ولها تاريخ حافل ، فقد حذفها عمر بن الخطاب من الأذان ، وأصر عليها أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم عبر العصور حتى صارت شعار للشعة والزيديين والثورة على نظام الخلافة ، ولذا خصنناها بعنوان !
والأمر الخامس ، تعميمه لمصادر مذهب أهل البيت عليهم السلام ونشر كتب علمائه خاصة نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، وقد نص المؤرخون على أن كتب العلامة الحلي قدس سره انتشرت في حياة مؤلفها ، قال الصفدي في الوافي:13/54: (الحسن بن يوسف بن المطهر الإمام العلامة ذو الفنون ، جمال الدين ابن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي(!) عالم الشيعة ، وفقيههم ، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته . تقدم في دولة خربندا تقدماً زائداً ، وكان له مماليك وإدارات كثيرة وأملاك جيدة ، وكان يصنف وهو راكب ! شرَحَ مختصر ابن الحاجب ، وهو مشهور في حياته). انتهى.

وأكثر ما اشتهر منها كتاب تجريد الإعتقاد للمحقق الطوسي قدس سره وشرحه علماء من مذاهب مختلفة ، كمااشتهر كتاب شرح ابن الحاجب في أصول الفقه للعلامة الحلي قدس سره وفرض نفسه بسرعة كتاب تدريس في مدارس المذاهب الأربعة في مختلف البلاد ، ثم كتاب منهاج الكرامة للعلامة الحلي قدس سره الذي أثار حفيظة المتعصبين كابن تيمية ، فرد عليه بكتاب سماه الرد على الرافضي ، ثم سموه منهاج السنة ! ولا بد أن مصادر مذهب أهل البيت الأساسية كالكافي وكتب الفقه وسيرة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام قد انتشرت في أنحاء البلاد يومذاك .

أما ما عدا ذلك من الأوضاع الثقافية والدينية فيظهر أن السلطة لم تمسه ، مثلاً أبقت المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة ولم تضف اليها تدريس المذهب الشيعي ، وكذلك أبقت المدارس والمساجد السنية بأيدي السنيين ، بل روت المصادر أنه كانت تبنى مدارس جديدة تابعة للمذاهب .
وكذلك جهاز القضاء بقي قريباً مما كان ، لكن من الطبيعي أن يمنع فرض قضاة سنة على مناطق الشيعة كما كان يحصل في الدولة العباسية .



الحرية المذهبية جزءٌ من مذهب التشيع

قد يقال: لماذا لم يقم السلطان وعلماء الشيعة بتحويل كافة أجهزة الدولة خاصة جهازها الديني والقضائي الى مذهب أهل البيت عليهم السلام ؟
والجواب: أن ذلك كان ممكناً ، وكان من السهل تحويل المدرسة المستنصرية من مدرسة للمذاهب الأربعة الى مدرسة لمذهب الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، لكن تفكير العلامة الحلي قدس سره وفقهاء الحلة كان عميقاً ، فهم من جهة لايوافقون على سياسة فرض المذهب ، ومن جهة يريدون المحافظة على استقلالية المرجعية والحوزة العلمية والجهاز الديني الشيعي عن السلطة ، أي سلطة حتى لو كانت شيعية. لذلك اتجهوا الى تقوية المؤسسات الشيعية الأهلية كالحوزات والمساجد والمشاهد وربما مؤسسات الدولة المسماة دور السيادة .
وتركوا المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة ، وتركوا لها أوقافها الواسعة التي أوقفها الخليفة ، وحرم منها المذهب الشيعي !
قال الذهبي في تاريخه:46/7: (قلت: رأيت نسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد ، وعدة قرى كبار وصغار ما قيمته تسعمائة ألف دينار فيما يخال إليَّ ، ولا أعلم وقفاً في الدنيا يقارب وقفها أصلاً سوى أوقاف جامع دمشق ، وقد يكون وقفها أوسع). وقال في سيره: 23/157: (قلت: بلغ مغلُّ وقف المستنصرية مرة نيفاً وسبعين ألف دينار في العام ). انتهى.
وبذلك تعرف أن الحرية المذهبية جزءٌ من فكر المذهب الشيعي وقناعة فقهائه ، وهي تسري لامحالة الى السلطة التي تنتمي الى مذهب التشيع .

قال السيد المرعشي في شرح إحقاق الحق:7/402: (ولا يخفى على من تأمل في تواريخ الدولة القاهرة الإيلخانية المنسوبة إلى السلطان الفاضل السعيد أولجايتو محمد خدابنده ، أن زمانهم أكثر تربية للأولياء والعلماء الحكماء والفقهاء ، وكان معاصر المصنف العلامة خلق كثير كنجم الدين عمر الكاتبي ، القزويني ، والقاضي البيضاوي ، والعلامة الشيرازي ، والحكيم أحمد بن محمد الكيشي ، والمولى الفاضل بدر الدين محمد الحنفي الشوشتري ، والقاضي نظام الدين عبد الملك المراغي ، والسيد ركن الدين موصلي ، وولد صدر جهان البخاري ، وغيرهم من مشاهير الحكماء والمتكلمين الذين عجزوا عن مناظرته فسلموا له حقيقة مذهبه إلى أن اختار السلطان مع كثير من أهل زمانه مذهب الإمامية على التفصيل المشهور المسطور في سير الجمهور). انتهى.
أقول: أكثر هؤلاء الذين ذكرهم السيد المرعشي رحمه الله من كبار علماء السنة ، ولو رجعنا الى مصادر تراجم العلماء لرأينا أن الذين ظهروا في عصر السلاطين المغول الشيعة: السلطان قازان والسلطان خدابنده ووزيره عطا الملك ثم ابنه بو سعيد وابنه الشيخ حسن ، وبرعايتهم وتشجيعهم.. كانوا مميزين في النوعية وشاملين لكل المذاهب ! ويكفي هذا دليلاً على الحرية المذهبية في ظل السلطة الشيعية ، بل وتبنيها لعلماء المذاهب وحركتهم الثقافية .
فقد شهدت المعاهد السنية وخاصة المدرسة المستنصرية ازدهاراً في عهد الدولة الشيعية أكثر من أي وقت مضى ، وتخرج منها كبار العلماء والقضاة ، وكانت مكتبتها التي يحدثنا عنها مديرها ابن الفوطي كالمعجزة في ذلك العصر .

ومن نماذج ذلك ما قاله ابن حجر في الدرر الكامنة:3/129، في ترجمة الجعبري: (تفقه بالنظامية ومهر فى الطب وبرع فى الإنشاء وفنون الأدب والخط المنسوب ، وأخذ عن ابن الصباغ وابن البسيس وغيرهما ، واتصل بصاحب الديوان علاء الدين ، ثم أقبل على التصوف ودخل فى تلك المضايق وعمر لنفسه خانقاه وقعد فيها شيخاً وعظم شأنه عند خربندا وانثالت عليه الدنيا حتى كان يقال إن مغله فى كل سنة بلغ سبعين ألفاً إلى أن مات فى سنة 723 ).انتهى.
ومن نماذجه ، أن أهم كتابين في تأصيل عقائد السنيين هما: المواقف للعضدي الإيجي وشرحه للشريف الجرجاني ، وكتاب المقاصد لسعد الدين التفتازاني ، وقد تم تأليف أولهما وأهمها بطلب السلطان خدابنده ورعايته !
قال في كشف الظنون:1653: (المواقف في علم الكلام ، للعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي القاضي المتوفى سنة756 ألفه لغياث الدين وزير خدابنده وهو كتاب جليل القدر رفيع الشأن اعتنى به الفضلاء ، فشرحه السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة 816 ...الخ).
قال السيد الميلاني في بحثه الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد/9:
(هذا الكتاب(تجريد الإعتقاد) الذي أصبح من المتون الأصلية والأولية في الحوزات العلمية كلها ، وكان يدرس وما زال في بعض الحوزات العلمية ، ولذا كثرت عليه الشروح والحواشي من علماء الشيعة والسنة ، وحتى أن كتاب المواقف للقاضي الإيجي ، وكتاب المقاصد للسعد التفتازاني ، هذان الكتابان أيضا إنما ألفا نظراً إلى ما ذكره الخواجة نصير الدين في كتاب التجريد ، ويحاولون أن يردوا عليه آراءه وأفكاره ولربما يذكرون اسمه بصراحة).انتهى.
وقال القمي في الكنى والألقاب:2/472 : (القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الشافعي الأصولي المتكلم الحكيم المدقق . كان من علماء دولة السلطان اولجايتو محمد المعروف بشاه خدابنده المغولي يقال إن أصله من بيت العلم والتدريس والرياسة وتولى القضاء بديار فارس إلى أن سلم له لقب أقضى القضاة في مدينة شيراز مع نهاية الإعزاز . ويقال انه كان من أهل النصب متعصباً معانداً للشيعة الإمامية . له شرح مختصر ابن الحاجب وهو معروف بين العلماء وله المواقف في علم الكلام الذي شرحه المحقق الشريف . وله كتاب في الأخلاق مختصر في جزء لخص فيه زبدة ما في المطولات شرحه تلميذه شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني المتوفى سنة786 إلى غير ذلك . وآخر مصنفاته: العقائد العضدية التي شرحها الدواني). انتهى.



* *

ويطول الكلام في النماذج والحقائق الكثيرة عن احترام الدولة الشيعية وعلماء الشيعة لحرية المذاهب السنية وعلمائها في عهد دولة السلاطين المغول الذين شرفهم الله بمذهب أهل البيت عليهم السلام ، وكذلك الحديث عن ارتقاء مستواهم العلمي بسبب التفاعل والتلاقح الفكري مع علماء الشيعة . والحديث عن تغير علاقة التوتر والتكفير بين علماء المذاهب وجمهورهم في ظل الدولة العباسية ، الى علاقة الإحترام المتبادل في ظل الدولة الشيعية !
قال ابن العماد في شذرات الذهب:3/90، في ترجمة إمام الحنابلة ابن أبي البركات: (وقال الشيخ عبد الله اليونيني ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه... ومن تصانيفه في أصول الدين البرهاني في مسئلة القرآن وجواب مسألة وردت من صرخد في القرآن جزء ، والاعتقاد جزء ، ومسألة العلو جزءان ، وذم التأويل جزء ، وكتاب القدر جزءان ، ومنهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين ، ورسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار... قال ابن رجب: انتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع ، وأقر له الموافق والمخالف وكان الفقهاء من ساير الطوائف يجتمعون به ويستفيدون منه في مذاهبهم ويتأدبون معه ويرجعون إلى قوله ويردهم عن فتاويهم فيذعنون له ويرجعون إلى ما يقوله حتى ابن المطهر شيخ الشيعة كان الشيخ يبين له خطأه في نقله لمذهب الشيعة فيذعن له...ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية لم يبق ببغداد من يراجع في علوم الدين مثله...وولي القضاء توفي ببغداد...ودفن بمقابر الإمام أحمد).انتهى.
أقول: بقطع النظر عن صحة ما ذكره عن تصحيحه خطأ العلامة الحلي قدس سره في بعض مسائل مذهب الشيعة ، فإن النص يدلك على التواصل والإحترام بين علماء الشيعة وعلماء الحنابلة ، وهو ما لم يكن قبل دولة الشيعة .



خطة نصير الدين الطوسي ووسائله في رد غزو المغول

اعتمد المرجع المحقق الطوسي+أسلوباً فريداً في رد الغزو المغولي والنهوض بالأمة ثقافياً وعمرانياً ، هو أسلوب العمل على أهم الأصعدة ومع أعلى مراكز القرار ، وفي نفس الوقت انتقاء كل الطاقات القابلة للنبوغ ، وتنميتها وإطلاقها في الأمة ، في كل المجالات النافعة ومن أي مذهب كانت !
إنه أسلوب يشبه أسلوب الأنبياء والأئمة^، ومن تأمل عمله+ونمط تفكيره ، لايستبعد أن يكون موجهاً من خاتم الأئمة صلوات الله عليه .
وسيأتي أنه لما عاد من زيارته للحلة سئل عما رأى فيها؟ فقال: رأيت خِرِّيتاً ماهراً وعالماً إذا جاهد فاق ، يقصد المحقق الحلي ، والعلامة الحلي الذي كان عمره يومذاك نحو عشرين سنة !
وعندما وجد محمد الجويني وأولاده تبناهم ودعمهم عند هولاكو وحماهم من غضبه وبطشه ، حتى كانوا وزراءه وحكام العراق لأكثر من عشرين سنة فأعادوا فيها عمرانه بأحسن مما كان في زمن الخلافة العباسية !
وعندما رأى ابن الفوطي شاباً غلاماً بيد المغول خلصه منهم وعلمه ووظفه !
وعندما رأى المشايخ آل الحموئي قوَّى موقعهم عند هولاكو وعند أولاده ، فكان إسلام شخصيات المغول على أيديهم !
وهكذا العديد من الأطباء ، والمهندسين ، والفلكيين ، والسياسيين ، الذين اختارهم نصير الدين+واعتنى بهم ، وفتح لهم أبواب العلم والعمل !
وقد ذكروا له+تلاميذ ومعتمدين عديدين ، في العلوم والمجالات المختلفة ، ورووا أن قطب الدين الشيرازي محمود بن مسعود كان برأي ابن هولاكو خليفته في الطب ، ففي الدرر الكامنة:2/118: (كان من كبار تلامذة النصير الطوسي وكان مبجلاً عند التتار وجيهاً متواضعاً حليماً) .
وقال في:6/100: (محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي الشافعي العلامة ، ولد في شيراز سنة 634 وكان أبوه طبيباً فقرأ عليه وعلى عمه وعلى الزكي البركشائي والشمس الكتبي ، ورُتِّبَ طبيباً بالمرستان وهو شاب ، ثم سافر إلى النصير الطوسي فقرأ عليه الهيئة وبحث عليه الإشارات وبرع . قال له أبغا بن هلاوو: أنت أفضل تلامذة النصير وقد كبر فاجتهد أن لا يفوتك شئ من علومه ، فقال له: قد فعلت وما بقي لي به حاجة ، ثم دخل الروم فأكرمه صاحبها وولي قضاء سيواس وملطية وقدم الشام رسولاً من جهة أحمد ، ثم أكرمه أرغون ، وسكن تبريز وأقرأ بها العلوم العقلية وحدث بجامع الأصول...وكان كثير المخالطة للملوك متحرزاً... وكان دخله في العام ثلاثين ألفاً فكان لا يدخر منها شيئاً بل ينفقه على تلامذته... وكان غازان يعظمه ويعطيه ، وكان كثير الشفاعات....قال الذهبي قيل كان في الإعتقاد على دين العجائز وكان يخضع للفقهاء... وتلاميذه يبالغون في تعظيمه ، ومات في 24 رمضان سنة710). ونحوه البدر الطالع:2/299 ، والصفدي في الوافي:12/36 ، وفيه: (وكان وافر الجلالة عند التتار وله عليهم إدرارات جيدة تبلغ في الشهر ألفاً وخمسمائة درهم).
وفي النهاية:13/350 ، أن السلطان أحمد بن هولاكو أرسله سنة681 في وفد الى ملك مصر قلاوون : (يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم ، وجاء في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النصير الطوسي ، فأجاب المنصور إلى ذلك ). وفي النجوم الزاهرة:9/213: (وتولى قضاء بلاد الروم ولم يباشر القضاء ولكن كانت نوابه تحكم في البلاد ، وكان معظماً عند ملوك التتار، وكان من تلامذة النصير الطوسي ) .



* *

وذكروا أن نصير الدين قدس سره اعتمد على أربعة حكماء في مرصد مراغة وجامعتها هم: ( فخر الدين الخلاطي ، وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ، ومؤيد الدين العرضي ، ونجم الدين القزويني ، وهم الذين اختارهم نصير الدين ، وأنفذ السلطان في طلبهم ) . (أعيان الشيعة:9/418) .
وفي الوافي:1/150: (قال شمس الدين الجزري: قال حسن بن أحمد الحكيم صاحبنا: سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد ، ومتوليه صدر الدين علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية ، وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد العرضي ، وشمس الدين الشرواني ، والشيخ كمال الدين الأيكي ، وحسام الدين الشامي ، فرأيت فيه من آلات الرصد شيئاً كثيراً منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس: الأولى دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض ، ودائرة معدل النهار ، ودائرة منطقة البروج ، ودائرة العرض ، ودائرة الميل ، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب ، واصطرلاباً تكون سعة قطره ذراعاً ، واصطرلابات كثيرة وكتباً كثيرة . قال وأخبرني شمس الدين ابن العرضي أن نصير الدين أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله ، وأقل ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإصلاحها عشرون ألف دينار خارجاً عن الجوامك والرواتب التي للحكماء والقومة...
وقال الخواجا نصير الدين في الزيج الإيلخاني: إنني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء ، منهم المؤيد العرضي من دمشق والفخر المراغي الذي كان بالموصل ، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس والنجم دبيران القزويني ، وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وست مائة ، في جمادى الأولى بمراغة ).انتهى.
وقال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول/256: (و في هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة ، حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة . واجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين... وكان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني ، منطقي عظيم صاحب كتاب العين ، ومؤيد الدين العرضي ، وفخر الدين المراغي ، وقطب الدين الشيرازي ، ومحيي الدين المغربي . ومن الأطباء المشهورين فخر الدين الأخلاطي ، وتقي الدين الحشائشي ، واشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة وإن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين ، وبسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان ، وبينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي ، وولده صفي الدين النصراني الملكي).
وفي طرائف المقال للبروجردي:2/448: (وكان من أعوانه على الرصد من العلماء وتلاميذه جماعة أرسل إليهم الملك هلاكو خان وأمر بإحضارهم ، منهم العالم الأعلم العلامة قطب الدين محمود الشيرازي صاحب شرف الأشراف والكليات....ومنهم مؤيد الدين العروضي الدمشقي ، وكان متبحراً في الهندسة وآلات الرصد ، توفي بمراغة فجأة في سنة أربع وسبعمائة . ومنهم فخر الدين كان طبيباً فاضلاً حاذقاً . ومنهم نجم الدين القزويني ، وكان فاضلاً في الحكمة والكلام . ومنهم محي الدين الأخلاطي ، وكان فاضلاً مهندساً في العلوم الرياضية . ومنهم محي الدين المغربي ، وكان مهندساً فاضلاً في العلوم الرياضية وأعمال الرصد . ومنهم نجم الدين الكاتب البغدادي ، وكان فاضلاً في أجزاء الرياض والهندسة وعلم الرصد كاتباً مصوراً وكان أحسن الخلائق خلقاً ) .



خادمه عبد الرزاق ابن الفوطي شيخ الذهبي

عندما سقطت بغداد ودخلها المغول ، وعاثوا فيها نهباً وقتلاً وتدميراً ، أخذوا فيما أخذوا طفلاً في نحو العاشرة من عمره هو عبد الرزاق بن الفوطي .
وفي سنة660 رآه نصير الدين الطوسي+في مراغة فتوسم فيه النبوغ فخلصه من عبودية المغول واتخذه تلميذاً ومساعداً ، ثم جعله أميناً على مكتبة المرصد فصار خبيراً بالكتب ومؤلفيها ، ثم أخذه محمد الجويني وزير هولاكو ووظفه عنده . وعندما نصب هولاكو ابنه علاء الدين الجويني(عطا الملك) حاكماً على العراق ، أعاد ابن الفوطي معه الى بغداد سنة 679 ، وجعله أميناً على مكتبة المستنصرية ، ويسر له عطا ملك الجويني حياته فكان لابن الفوطي دورٌ ثقافي واسع ومتنوع حتى بلغت مؤلفاته مئة مجلد . وقد كتب في شخصيته مؤرخان معاصران هما الدكتور محمد رضا الشبيبي في محاضرة موسعة سماها مؤرخ العراق ابن الفوطي ، والدكتور مصطفى جواد ، بنفس العنوان . (مجلة المجمع العلمي العراقى 6 ، 1378).
وقد عده الحنابلة منهم فقال ابن العماد في شذرات الذهب:3/60http://www.wahajr.net/hajrvb/images/smilies/frown.gifوفيها (سنة723) مؤرخ الآفاق العالم المتكلم كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الفضل بن العباس بن عبد الله بن معن بن زائدة الشيباني المروزي الأصل البغدادي الأخباري الكاتب المؤرخ الحنبلي ابن الصابوني ، ويعرف بابن الفوطي ، محركاً نسبة إلى بيع الفوط وكان الفوطي المنسوب إليه جده لأمه ، ولد في سابع عشر محرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة بدار الخلافة من بغداد وسمع بها من الصاحب محي الدين بن الجوزي ثم أسر في واقعة بغداد وخلصه النصير الطوسي الفيلسوف).
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ:4/1493: (ابن الفوطي العالم البارع المتفنن المحدث المفيد ، مؤرخ الآفاق ، مفخر أهل العراق...الفوطي نسبة إلى جد أبيه لأمه ، ويعرف أيضاً بابن الصابوني ، ينتسب إلى معن بن زائدة وأصله مروزي ، مولده في المحرم سنة اثنتين وأربعين وست مائة ببغداد ، وأسر في الوقعة وهو حدث ثم صار إلى أستاذه ومعلمه خواجا نصير الطوسي في سنة ستين وست مائة ، فأخذ عنه علوم الأوائل...وله ذكاء مفرط وخط منسوب رشيق وفضائل كثيرة) . وقال في تاريخه:51/77: (قرأت بخط الفوطي: توفي رئيس الأصحاب شيخنا جلال الدين الحنبلي مدرس المستنصرية في شعبان). انتهى.
ومعنى أن ابن الفوطي نسب نفسه الى معن بن زائدة أنه مولى آل زائدة ، فقد نص عدد من المصادر على أن أصله مروزي أي من مرو في خراسان ، ونسبه السيد المرعشي الى بخارى فقال في شرح إحقاق الحق:17/209: (عبد الرزاق كمال الدين بن أحمد البخاري الشهير بابن الفوطي) .
وقد عده صاحب أعيان الشيعة(3/437)من الشيعة مستدلاً بقراءته كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة^على مؤلفه ابن عيسى الإربلي ، قال: (وفي هذا من الدلالة على تشيع ابن الفوطي ما لايخفى ، وهناك ما أصرح منه ذكرناه في ترجمته). انتهى.
ولم أجد ما وعد به&، ولا أجد في ذلك دليلاً على تشيع ابن الفوطي ، فقد كان الإربلي&عالماً كاتباً كبيراً في ديوان الدولة ، وكان يأتي الى مكتبة المستنصرية ومديرها ابن الفوطي ، فقراءته عليه فيها اعتبار معنوي لابن الفوطي ، وكون كتاب في سيرة الأئمة^لايدل على موافقته على مذهبه .
ووافق السيد الأمين صاحب الذريعة وغيره على تشيع ابن الفوطي ، قال في الذريعة:4/426: (المحدث المؤرخ الأخباري المروزي المعروف بابن الفوطي... استظهر تشيعه الفاضل العارف في مجلة العرفان ، وكذلك الفاضل الشبيبي في محاضرته المطبوعة1359، وغيرهما من المعاصرين ، ويشهد بذلك بعض كلماته في الحوادث الجامعة واتصاله بعلماء الشيعة وتلمذه على مثل الخواجة نصير الدين الطوسي سنين ، وشدة عنايته به). ونحوه في الذريعة:3/225. وقال في الذريعة:7/94:
(الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في الماية السابعة....طبع بعضه في بغداد في1351، وهو من سنة626إلى700 ، وطبع في أوله مقدمة الشيخ محمد رضا الشبيبي ومصطفى جواد البغدادي ، وقد استظهر ثانيهما كون المؤلف شافعياً لكن الحق ما استظهر في مجلة العرفان من وجود آثار تشيعه في خلال تصانيفه ، ومال إليه الشبيبي في المحاضرة التاريخية التي ألقاها في بغداد 1359، وطبعت في تلك السنة ، وبسط من ترجمه قديماً الذهبي في تذكرة الحفاظ:4/284 ، ولم يدع الوقيعة فيه كما هو ديدنه في كل شيعي ، لكنه احتمل أن يصير سماعه للحديث وكتابته له كفارة عن خطاياه ، وأعظم خطاياه في نظر الذهبي ملازمته الكثيرة لخدمة رئيس الشيعة الخواجة نصير الدين الطوسي ثلاثة عشر عاماً ، وروايته عن مشايخهم الكبار مثل السيد عبد الكريم بن طاوس الذي كتب لخدمته الدر النظيم فيمن سمى بعبد الكريم ، واتصاله بالوزير الجويني ومبالغته في تقريظ هؤلاء ، الذين عبر عنهم الذهبي بالمغول وأتباع المغل ، وترجمه في الشذرات:6/60). انتهى.
أقول: إبن الفوطي حنبلي بحكم نشأته في بغداد ومحيطه ، لكنه حنبلي معتدل بطبعه ، وناعمٌ بحكم تربيته في أجواء الشيعة خاصة تلمذه على صاحب الخلق الرفيع المرجع نصير الدين+وتلميذه الوزير ابن الجويني&. إنه دليل على عراقة الإنفتاح والحرية المذهبية في الحكم الشيعي بعكس غيره !
وهو من جهة ثانية دليلٌ ونموذجٌ من خطة المرجع نصير الدين+في انتقاء الطاقات وتنميتها وإطلاقها في الدولة المغولية ومساعدتها لتأخذ مجراها في مكافحة الغزو المغولي وترسيخ الثقافة الإسلامية ، ولو كانت من مذهب آخر !
وهو من جهة ثالثة دليلٌ ونموذجٌ على قدرة المذهب الشيعي بخصوصيته وبالحرية التي يتبناها ، على ترويض أتباع المذاهب وإجبارهم على الإنفتاح وعدم التعصب ، فظاهرة ابن الفوطي لا تنحصر فيه ، كما لاتنحصر في مذهبه ، فهناك شيعة منفتحون على المذاهب السنية كالجوينيين والحموئيين ، كان السنة يعدونهم منهم ، بينما هم في الواقع شيعة .




الجوينيون من أهم أدوات نصير الدين الطوسي رحمه الله

من أهم الأعوان الذين اعتمدهم نصير الدين+في عمله للتأثير على القادة المغول وجذبهم الى الإسلام :آل الجويني، وهم مسلمون سنيون من خراسان من ذرية الفضل بن الربيع وزير المأمون ، وكان منهم وزراء في زمن الدولة العباسية مثل علي بن عبد الله الجويني استوزره السلطان طغرلبك والي خراسان . (الكامل:9/526).
وكان أشهرهم في ذلك العصر أبو المعالي الجويني أستاذ المدرسة النظامية ، الملقب بإمام الحرمين ، المشهور بتعصبه ضد الشيعة والأحناف ، وهو الذي أقنع السلطان محمود الغزنوي بترك المذهب الحنفي وتبني المذهب الشافعي . كما روى الذهبي في تاريخه:29/72 ، قال: (وذكر إمام الحرمين الجويني أن السلطان محمود كان حنفي المذهب مولعاً بعلم الحديث ، يسمع من الشيوخ ويستفسر الأحاديث ، فوجدها أكثرها موافقاً للمذهب الشافعي فوقع في نفسه فجمع الفقهاء في مرو ، وطلب منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الإتفاق على أن يصلوا بين يديه على مذهب الإمامين ليختار هو ، فصلى أبو بكر القفال بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من السترة والقبلة ، والإتيان بالأركان والفرائض صلاة لا يجوز للشافعي دونها ، ثم صلى صلاة على ما يجوز أبو حنيفة فلبس بدلة كلب مدبوغاً قد لطخ ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في الحر فوقع عليه البعوض والذباب وتوضأ منكساً ثم أحرم وكبر بالفارسية ، وقرأ: دو برك سبز (ترجمة مدهامتان بالفارسية) ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ولا ركوع ولا تشهد ، ثم ضرط في آخره من غير نية السلام وقال: هذه صلاة أبي حنيفة ! فقال: إن لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك . قال: فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة وأمر السلطان كاتباً نصرانياً كاتباً أن يقرأ المذهبين جميعاً فوُجدت كذلك ! فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي . هكذا ذكر إمام الحرمين بأطول من هذه العبارة) .
وروى ابن الأثير أن السلطان لم يكن يحترم أبا المعالي كثيراً ، لأنه يتقرب اليه ويمدحه ! قال في الكامل:10/209: (كان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري ، والإمام أبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده كما هو ! وإذا دخل أبو علي الفارمذي يقوم إليه ويجلسه في مكانه ، ويجلس هو بين يديه ! فقيل له في ذلك ؟ فقال: إن هذين وأمثالهما إذا دخلوا عليَّ يقولون لي أنت كذا وكذا يثنون علي بما ليس بي فيزيدني كلامهم عجباً وتيهاً ، وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وما أنا فيه من الظلم ، فتنكسر نفسي لذلك وأرجع عن كثير مما أنا فيه). انتهى.

كما روى ابن الأثير صراع عائلة أبي المعالي الجويني مع الأحناف والكرامية ، قال في الكامل:10/251: (وكان مقدم الشافعية(في نيشابور وكانت مركزاً علمياً لأئمة المذاهب) أبا القاسم بن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ، ومقدم الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد ، وهما متفقان على الكرامية ، ومقدم الكرامية محمشاد ، فكان الظفر للشافعية والحنفية على الكرامية ، فخربت مدارسهم ، وقتل كثير منهم ومن غيرهم ، وكانت فتنة عظيمة) . وقال في:10/291: (وفيها(492)قتل أبو القاسم بن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور وكان خطيبها ، واتهم العامة أبا البركات الثعلبي بأنه هو الذي سعى في قتله فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه) ! انتهى. وهذا غايةٌ في القسوة والوحشية ، وهو نفس سياسة الخلافة في قمع أصحاب الرأي الآخر!



* *

وقد اصطحب هلاكو عندما غزا قلاع الإسماعيليين في شمال إيران ثم العراق عدداً من الشخصيات السنية منهم محمد الجويني . (أعيان الشيعة:9/91) .
(شهد علاء الدين الجويني مع هولاكو فتح قلاع النزاريين وعني بوصف ما جرى هناك وصفاً تاريخياً ممتعاً في كتابه الذي ألفه بالفارسية وسماه (جهان كشا) قائلاً: كنت أعرف بأن هناك خزانة كتب ثمينة طبقت شهرتها الآفاق ، وقلت يحسن انتهاز الفرصة للإطلاع على هذه الخزانة فوافق هولاكو فوراً ، وزرت الخزانة وانتقيت أنفس ما فيها من المصاحف والكتب وأخرجتها كما يخرج الحي من الميت ، وحملت محتوياتها من آلات الرصد ، كذات الكرسي وذات الحلق ، إلى أنواع من الإسطرلابات التامة والمنصفة وذات الشعاع). (الإسماعيليون والمغول/ الطوسي/136).
(وكان هولاكو اتخذ تبريز عاصمة له واستوزر محمد الجويني صاحب الديوان وبعدما احتل العراق بقي فيه نحو سنة ثم نصب الجويني حاكماً له وعاد الى تبريز في أوائل سنة657. وعندما توفي محمد الجويني سنة661، نصب ابنه علاء مكانه وجعل أخاه محمد بن محمد وزيراً له). ( النجاة لابن ميثم البحراني/13).

وروى الصفدي في الوافي:1/147 ، والكتبي في الفوات:2/252 ، أن هولاكو غضب على علاء الدين الجويني وأمر بقتله ، وكانوا على وشك التنفيذ ، فهرع أخوه الى المحقق الطوسي+وكان هولاكو محتجباً ، فاحتال الطوسي فحمل مَبْخَرَةً ودخل عليه وحمد الله على سلامته ، وأخبره أن النجوم تدل على أن شراً كان سينزل به ! وحمله على أن يصدر أمراً بالعفو عن جميع المحكوم عليهم بالقتل في مملكته ، فأصدر أمره بالعفو وشمل ابن الجويني ! وروايتهما لطريقة نصير الدين+في التأثير على هلاكو لاتتناسب مع شخصيته وأخلاقه ، لكن القصة تدل على أنه كان صاحب يد على الجوينيين ، ومصراً على تقوية موقعهم في الحكم والإدارة في الدولة المغولية ، وسيأتي ذكر دورهم العظيم في العراق .