المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحابة والإنفاق في سبيل الله



أدب الحوار
05-18-2010, 02:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الصحابة والإنفاق في سبيل الله
بقلم: صوت الاستقامة

مجتمع الصحابة كغيره من المجتمعات التي أعقبته في التاريخ الإسلامي، كان يشتمل على النماذج الإيجابية في مجال التفاني والإيثار والجهاد في سبيل الله تعالى، كما كان يشتمل على نماذج سلبية في هذه المجالات.. ولأنَّ هناك الكثير ممن يتصور أنَّ الصحابة لم يكن فيهم نماذج للسلوك السلبي؛ نريد أن نتحدَّث هنا عن الجانب السلبي في مجال (الإنفاق في سبيل الله) في مجتمع الصحابة، والهدف من هذا البحث الموجز هو:

1- تصحيح النظرة الخاطئة التي تضع الصحابة في مرتبة فوق النقد.

2- التمهيد للتعامل مع مجتمع الصحابة كأيِّ مجتمع آخر، يشتمل على نماذج إيجابية وأخرى سلبية، وبالتالي فلا نستبعد أن تقع من قبل أفراد هذا المجتمع – قلُّوا أم كثروا – بعض الانحرافات، سواء كانت في مستوى عال من الأهمِّية، أو كانت ما دون ذلك.


شهادة القرآن الكريم:

حين يتحدث القرآن الكريم آمراً وناهياً، فمن المسلَّم أنَّ أوَّل المقصودين من خطابه هو مجتمع الصحابة نفسه، لأنه ليس مُستثنًى من دائرة المُكلَّفين بتعاليم القرآن الكريم، بل هو أولاهم بِها؛ نظراً إلى كونه المعاصر لزمن الوحي الكريم.. وكذا في مجال الثناء أو الذم الذي يتمُّ توجيهه إلى المؤمنين، فإنَّ الصحابة شركاء بامتياز في دائرة الخطاب، بل قد يكونون هم المخاطبين بالخصوص، لا سيما إذا كان السياق للذم، كالذي ورد في قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144] ، فإن الخطأ البليغ الذي ارتكبه العديد من الصحابة في فرارهم يوم أحد، وتفكيرهم في التخلِّي عن قضية الإسلام، هو السبب في نزول هذا العتاب والذم الشديد..

وفي مجال الإنفاق في سبيل الله آيات عديدة، منها ما جاء في سورة الحديد، حيث قال الله تعالى:
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [ سورة الحديد: 7] .

إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي تدل على أنَّ الإنفاق في سبيل الله ينطلق من نبض الإيمان في ضمير أيِّ مؤمن.. إلا أنَّنا نقرأ في سورة محمَّد – صلى الله عليه وآله وسلم - :
(إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) [سورة محمد: 36 - 37]

وهذا يعني أنَّ المسلمين في مجتمع الصحابة كان فيهم مَن يحب المال وحُطام الدنيا أكثر من الله ورسوله، بل كانوا على استعداد لأن ينقلبوا إلى أعداء ومبغضين (يخرج أضغانكم) إذا طُلب منهم الإنفاق بالحدِّ الذي يُرهقهم..

وفي الآية التي تلي الآيتين السابقتين من سورة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – أي الآية الـ 38 ، نقرأ ما يلي:
(هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) .

فهم – مُضافاً إلى كونِهم مُستعدِّين لأن يتحوّلوا إلى موقع الْمُعادي وصاحب الضغينة إذا تمَّ إرهاقهم بالإنفاق – يبخلون حين يُدعَون إلى الإنفاق بالمستوى المُفترَض والطبيعي، وليس المستوى الْمُرهق الذي فيه إحفاء..

وأقل ما يدلُّ عليه القرآن الكريم – بناء على مفاد آيات سورة محمد – أنَّ المال كان هو الأحب إلى قلوبِهم، وقد جاء في سورة التوبة (الآية: 24) التهديدُ والوعيدُ والوصفُ بالفسق لمن كان كذلك [انظر: تفسير ابن كثير للآية الكريمة: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ]

ويلحق بسياق موضوعنا قوله تعالى من سورة الجمعة (الآية: 11) : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً، قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ، وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) .

وقد اتفقت رواية المسلمين على أنَّ ما تتحدث عنه الآية الكريمة وقع بصورة غير مشرِّفة في مجتمع الصحابة، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – يخطب على المنبر يوم الجمعة، وهرولوا إلى قافلة تجارية، ولم يبقَ منهم – حسب الروايات – سوى اثني عشر رجلاً..

ففي صحيح البخاري: "عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلاَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)".

هذا مع أنَّ المؤمن (في مستواه الاعتيادي) يستثقل ترك المسجد بعد دخوله والجلوس لاستماع خطبة الجمعة؛ لأنَّه يرى ذلك – في ضوء مرتكزاته الإيمانية - منافياً لقداسة صلاة الجمعة وخطبتها.. فانصراف ذلك الجمع من الصحابة، وبتلك الصورة، وباتِّجاه الدنيا وحطامها، إنَّما هو مؤشِّر واضح على أنَّ الجانب الدنيوي كان يتملَّكهم، حتى إنَّهم يرجِّحونه على جانب قداسة الشعائر الدينية..

وكما تركوا خطبة الجمعة، وأعطوا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ظهورهم في مشهد سلبي، لتحصيل منفعة دنيوية زائلة، كذلك امتنعوا عن نجوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي الحديث معه بصورة انفرادية؛ بسبب أنَّ الله تعالى فرض عليهم ضريبة لذلك، وذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة: 12) ، فكانت أموالهم أهمَّ عندهم من الجلوس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يعمل بالآية إلاَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث صرف ديناراً في صورة دراهم، فكان يتصدق بدرهم كلَّما رغب في مناجاة حبيبه المصطفى صلوات الله عليهما.. وأمَّا البقية فكانت الأموالُ أحبَّ إليهم.. فرُفع الحكم بآية أخرى، وهي قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ؟ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المجادلة: 13) . فالله تبارك وتعالى بيَّن أنَّ سبب إحجامهم كان الخوف (أأشفقتم) من الإنفاق.. ثمَّ أخذ يُذكِّرهم بالأوامر الأخرى، وكأنَّه يقول لهم: لقد تركتم نجوى رسول الله خشية الإنفاق، وقد أسقطنا التكليف المرتبط بهذا الأمر، فلا تتركوا التكاليف الأخرى التي لا تزالون مطالبين بِها، ولا تفرِّطوا في طاعة الله تحت ضغط الهوى والشهوات..

وفي التاريخ والتفسير صورةٌ أخرى ترتبط بالموضوع، وهي غاية في القُبح والشناعة، بحيث لو لم تكن رُويتْ في مصادر المسلمين الموثوقة، لعُدَّت من افتراءات أعداء الإسلام.. وهي الصورة التي ترتبط بتفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً؛ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ، كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَبَيَّنُوا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء: 94) ، حيث رويت العديد من الروايات في مصادر المسلمين تدل على أنَّ سبب نزول الآية هو أنَّ صحابياً أو أكثر قاموا بقتل أحد المسلمين بِهدف اغتنام ماله، وعلى خلفية حقد كان بين القاتل والمقتول مُسبقاً.. وأدَّى ذلك برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – أن يرفض الاستغفار لذلك الصحابي القاتل، بالرغم من أنَّه طلب الاستغفار، ويقول له: "لا غفر الله لك". [انظر: تفسير الطبري (5/301 فما بعدها) دار الفكر – بيروت]

فانظر إلى شدَّة تورُّط هذا القسم من الصحابة في حبِّ الدنيا وحُطامها، حتى أدَّى بِهم إلى ارتكاب جريمة القتل.. والله تعالى يقول:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: 93)


حصيلة الموضوع:

إنَّنا لا ننكر وجود نماذج عظيمة في مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، إلا أننا نريد أن نكون قرآنيِّين في النظرة إلى ذلك المجتمع، لأننا نجد القرآن لم يجامل ولم يرسم صورة أسطورية تختفي فيها الملامح السلبية..

وفائدة هذا البحث هو أن نعلم أنَّ مجتمع الصحابة كان فيه قدرٌ كاف من النماذج السلبية التي لا تستحق أن نُحسن الظن بِها، والتي يمكن أن تتخاذل عن نصرة مشروع الإمامة لصالح أمنها واستقرارها، كما كانت مستعدة للتنازل عن مشروع الإسلام وقداسة شعائره لصالح أموال اقترفتها أو تطمح لاقترافها، وكما كانت مستعدة لارتكاب جريمة القتل بسبب تحصيل غنيمة من حُطام الدنيا الزائلة..

ومن الغريب أنَّ بعض المسلمين أكثر غيرة على الصحابة من الصحابة أنفسهم، فعبد الرحمن بن عوف – أحد أثرياء الصحابة – اشتكى إلى أمِّ سلمة – الصحابية الجليلة وأمُّ المؤمنين – خوفَهُ من أن يكون من الهالكين بسبب كثرة ماله ! فطالبته بالإنفاق محدِّثةً إيَّاه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ مِن أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ! [سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 6 : 1202]

فلا الصحابي كان يعتقد أنَّ كونه صحابياً كافٍ لنجاته، ولا أمُّ سلمة رأته بعيداً بسبب صحبته عن أن يكون من الهالكين بسبب عدم الإنفاق..

ولكن نعود لنؤكِّد على أنَّنا لا ننفي أن يكون في مجتمع الصحابة نماذج سامية للإيثار والتفاني العظيم، إلاَّ أننا نعتقد أنَّهم كانوا قلَّة، خصوصاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ نظراً إلى أنَّ أكثر الشخصيات العظيمة ذهبت فداءً في سبيل الله، ولم يبق من الأخيار بعد النبي إلاَّ القليل، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.

والحمد لله رب العالمين.