تجد في موسوعات الأحاديث (كالكافي والبحار وغيرهما) طائفة كثيرة من البشائر التي رُويت عن أئمة أهل البيت بالإمام المهدي (سلام الله عليهم أجمعين) في شتى المناسبات مما يدل على اهتمام الأئمة (عليهم السلام) بهذا الموضوع، بل على أهمية الموضوع.

ولا عجب إذا كانت كميات الأحاديث الواردة عن الأئمة تختلف من حيث القلة والكثرة، والإجمال والتفصيل، فالظروف كانت تختلف، والحريات كانت تتفاوت حسب تبدل الظروف السياسية التي كانت لا تسمح لنشر هذه الحقيقة بصورة مكشوفة، أو التحدث عنها بصورة مفصلة، وإليك نبذة من تلك الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام):

روى الشيخ الصدوق في (إكمال الدين) بسنده عن أبي جعفر الثاني (الإمام محمد الجواد) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: للقائم منا غيبة، أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه؛ ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة، ثم قال: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفي ولادته ويغيب شخصه.

وروى الصدوق أيضاً عن الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنه قال –للحسين (عليه السلام): التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين، الباسط للعدل، قال الحسين (عليه السلام): فقلت يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟.. فقال: إي والذي بعث محمداُ بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة، لا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه.

وفي كتاب نهج البلاغة: قال (عليه السلام): فانظروا أهل بيت نبيكم فلئن لبدوا فالبدوا وإن استنصروكم فانصروهم. فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت، يأتي ابن خير الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجاً هرجاً موضوعاً على عاقته ثمانية أشهر، حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا؛ يغريه الله ببني أميه –أي يسلطه الله عليهم- حتى يجعلهم حطاماً و رفاتاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وفي (ينابيع المودة) ص467 عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: سيأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونه، ويملك من هو بينهم غريب، فهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صهوبة يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة، يعتزل في صغره عن أمه وأبيه، ويكون عزيزاً في مرباه، فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه، ويطيع الشيوخ والفتيان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فعند ذلك كملت إمامته وتقررت خلافته، والله يبعث من في القبور فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وتعمر الأرض وتصفو تزهو بمهديها، وتجري به أنهارها، وتعدم الفتن والغارات، ويكثر الخير والبركات.

وفي كتاب (منتخب الأثر) عن كتاب تذكرة الخواص، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة في مدح النبي والأئمة (عليهم السلام) قال: فنحن أنوار السماوات والأرض، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الأئمة، ومنقذ الأمة، ومنتهى النور، وغامض السر، فليهنأ من استمسك بعروتنا وحشر على محبتنا.

وأيضاً في كتاب (منتخب الأثر) عن (ينابيع المودة) للقندوزوي الحنفي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): يظهر صاحب الراية المحمدية، والدولة الأحمدية، القائم بالسيف والحال الصادق في المقال، يمهد الأرض، ويحيي السنة والفرض.

وفي كتاب عقد الدرر: قال علي بن أبي طالب: إذا نادى مناد من السماء: إن الحق في آل محمد. فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس يشربون ذكره، فلا يكون لهم ذكر غيره.

في كتاب (إكمال الدين) للشيخ الصدوق بإسناده عن أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) –وهو على المنبر-. يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، أبيض اللون، مشرب بالحمرة مبدح البطن عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي (صلى الله عليه وآله) له اسمان: اسم يخفي واسم يعلن: فأما الذي يخفي فأحمد، وأما الذي يعلن: محمد. فإذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ويضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت من المؤمنين إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قلبه وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، يتباشرون بقيام القائم (عليه السلام).

وروى القندوزي في (ينابيعه) هذه الأبيات لأمير المؤمنين (عليه السلام):

حسين إذا كنت في بلدة*** غريباً فعاشر بآدابها

إلى أن يقول:

سقى الله قــــــائمنا صاحـــــب*** القيامــــــة، والناس في دابها

هو المدرك الثار لي يا حســــ*** ين بل لــــــك، فاصبر لأتعابها

وفي أواخر لحظات حياته المشرقة وأثناء وصيته لابنه يقول الإمام علي(عليه السلام): يا بني يا حسن –وكبر علي سبعاً- واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه: القائم المهدي، من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق.

والأحاديث المروية عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الإمام المهدي كثيرة جدا.


ولم يهمل الإمام الحسن (عليه السلام) التنويه والإشادة بالإمام المهدي (عليه السلام).

فحينما كان يتحدث عن ظروفه الصعبة انتهز الفرصة ليقول:

.... أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد الحسين، ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شابٍ ابن دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير.


كما لم يترك الإمام الحسين (عليه السلام) الفرصة أن تفوته، بل كان ينتهزها بالإخبار عن الإمام المهدي (عليه السلام) والإشادة به والتحدث عنه، فمثلاً: يقول (عليه السلام) لعبد الله بن عمر:

لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله (عز وجل) ذلك اليوم حتى يخرج رج من ولدي يملأها عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول.

ويقول (عليه السلام) –لرجل من همدان-: قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي.

وفي كتاب (عقد الدرر) بسنده عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: لو قام المهدي لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً.

وروى الشيخ الصدوق في إكمال الدين بإسناده عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): منا اثنا عشر مهدياً، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام، ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين).

أما إن الصابر –في غيبته- على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وروى الصدوق أيضاً عن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي (عليهما السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟.

قال: لا.. ولكن صاحب الأمر الطريد الشريد، الموتور بأبيه، المكنى بعمه يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر.


ومن المبشرين بالمهدي أيضا، زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن حسين (عليهما السلام)، ومما يجدر الانتباه إليه هو أن الإمام أشار إلى هذه الحقيقة في ساعة يعجز القلم عن وصفها، فلقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) واقعة كربلاء الدامية، وفقد في يوم كربلاء (عاشوراء) أباه الإمام الحسين (عليه السلام) وعشيرته وأغصان الشجرة الطيبة في غضون يوم واحد، وانصبت عليه الفجائع، الواحدة تلو الأخرى في خلال ساعات، وحكموا عليه بالإعدام ثلاث مرات:

الأولى: في كربلاء بعد شهادة أبيه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

الثانية: في الكوفة، وفي مجلس عبيد الله بن زياد، حيث أمر ابن زياد بقتل الإمام.

الثالثة: في الشام، لما عزم يزيد على قتله، وحتى أنه أمر أن يحفر قبرٌ للإمام ليدفنه فيه بعد تنفيذ حكم الإعدام عليه.

ولكن الله تعالى كفاه شرهم، ودفع عنه السوء، وحفظه من القتل، وفي ويوم جمعة من تلك الأيام حضر يزيد بن معاوية ليؤم الناس في أداء الصلاة الجمعة في الجامع الأموي بدمشق، وأمر يزيد خطيباً أن يتولى خطبة صلاة الجمعة، إذ أنه كان عارياً عن الثقافة الدينية وبمعزل عن وعظ الناس وإرشادهم، ولكنه أعطى للخطيب رؤوس الأقلام التي تدور عليها الخطبة.

أمر يزيد الخطيب أن يمدح بني أمية وعلى رأسهم معاوية ويزيد، وأن يذكر آل رسول الله (عليهم السلام) بكل سوء، ونفذ الخطيب المأجور هذه الخطة القذرة.

فنهض الإمام ليكسر أقفال الصمت، وليصرخ في وجه الخطيب صرخة يدوي صداها على مسامع الجماهير المتجمهرة في الجامع الأموي لأداء صلاة الجمعة قائلاًويلك أيها الخاطب!! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار) ثم يستأذن الإمام زين العابدين (عليه السلام) من يزيد ليأذن له ليرقى المنبر، وبعد محاولات كثير وإلحاح من الحاضرين إذِنَ له يزيد مكرهاً، وصعد الإمام المنبر، وبعد مقدمات وكلمات في المواعظ جلب انتباه الحاضرين وملك قلوبهم ومشاعرهم، فقال: -في ضمن خطبته-:

(أيها الناس: أعطينا ستاً، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين وفضلنا: بأن منا النبي المختار ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ومنا سبطا هذه الأمة، ومنا مهدي هذه الأمة.. إلى آخر الخطبة).

وفي كتاب (إكمال الدين): قال الإمام علي بن الحسين سيد العابدين (عليه السلام): القائم منا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي خالد الكابلي –وهو من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)- :.. قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله إن ذلك لكائن؟.

فقال: أي وربي، إن ذلك لمكتوب عنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو خالد: فقلت يا بن رسول الله ثم يكون ماذا؟.

قال (عليه السلام): ثم تمتد الغيبة بولي الله (عز وجل) الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعده.

يا أبا خالد: إن أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين ظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى الله (عز وجل) سراً وجهراً.

وفي كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) يقول:

في القائم منا سنن من الأنبياء، سنة من أبينا آدم (عليه السلام) وسنة من نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله).

فأما من آدم ونوح: فطول العمر.

وأما من إبراهيم: فخفاء الولادة واعتزال الناس.

وأما من موسى: فالخوف والتقية.

وأما من عيسى: فاختلاف الناس فيه.

وأما من أيوب: فالفرج بعد البلوى.

وأما من محمد (صلى الله عليه وآله): فالخروج بالسيف.


ومن البديهي أن تكون الأحاديث المروية عن الإمام الباقر (عليه السلام) حول الإمام المهدي (عليه السلام) غزيرة المادة، كثيرة العدد، قد سجلتها أقلام الفقهاء الذين تلمذوا على الإمام الباقر، ولكن لا يسعنا هنا استيعاب تلك الأحاديث بأجمعها، بل نكتفي ببعضها:

في كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب الغيبة للنعماني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلما تفرق من كان عنده قال لي:يا أبا حمزة من المحتوم الذي حتمه الله قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقى الله وهو به كافر، ثم قال: بأبي وأمي المسمى باسمي، والمكنى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً وجوراً، يا أبا حمزة من أدركه فيسلم له ما سلم لمحمد وعلي فقد وجبت له الجنة، ومن لم يسلم فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وبئس مثوى الظالمين.

وفي (إكمال الدين) للشيخ الصدوق (عليه الرحمة) بإسناده عن أم هانيء الثقفية قالت: غدوت على سيدي محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فقلت له: يا سيدي! آية في كتاب الله عز وجل عرضت بقلبي فأقلقتني وأسهرتني. قال: فأسألي يا أم هانيء... قالت: قلت: قول الله عز وجل: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) قال: نعم المسألة سألتيني يا أم هانيء هذا مولودٌ في آخر الزمان، هو المهدي من هذه العترة تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام، ويهتدي فيها أقوام، فيا طوبى لك إن أدركتيه، ويا طوبى لمن أدركه.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا الجارود إذا دار الفلك وقال الناس: مات القائم أو هلك، بأي واد سلك وقال الطالب: أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فأرجوه، فإذا سمعتم به فاتوه ولو حبواً على الثلج.


ولم يروعن إمامٍ من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حول الإمام المهدي بمقدار ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وذلك لمساعدة الظروف المواتية للإمام الصادق (عليه السلام).

ومن الواضح أننا لا نستطع أن نذكر –هنا- جميع الأحاديث المروية عن الإمام الصادق حول الإمام المهدي (عليه السلام) بسبب غزارة المادة، وارتفاع النسبة،ولكن نكتفي بما هو آت:

في كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب (أمالي الصدوق) بإسناده عن ابن أبي عُمير عمن سمع أبا عبد الله –الصادق- (عليه السلام) يقول:

لكل أُناس دولة يرقبونها*** ودولتنا في آخر الدهر تظهر

في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن صفوان بن مهران عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:من أقر بجميع الأئمة (عليهم السلام) وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمداً (صلى الله عليه وآله) نبوته، فقيل له: يا بن رسول الله فمن المهدي؟ من ولدك؟.

قال (عليه السلام): الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لك تسميته.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله –الصادق- (عليه السلام) يقول: (إن سنن الأنبياء (عليهم السلام) وما وقع عليهم من الغيبات جارية –وفي نسخة: حادثة- في القائم منا أهل البيت، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

قال أبو بصير: فقلت له: يا بن رسول الله! ومن القائم منكم أهل البيت؟.

فقال: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره اله عز وجل، فيفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض بقعةٌ عُبدَ فيها غير الله عز وجل إلا عبد الله فيها، ويكون اليد كله لله ولو كره المشركون.


ولم تخل موسوعات الأحاديث عن كلمات الإمام الكاظم (عليه السلام) حول الإمام المهدي (عليه السلام) وفيما يلي نذكر بعضها:

في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن محمد بن زياد الأزدي، قال: سألت سيدي موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل: (وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة)؟ قال: النعمة الظاهرة: الإمام الظاهر، والباطنة: الإمام الغائب.

فقلت: ويكون في الأئمة من يغيب؟.

قال: نعم، يغيب عن أبصار الناس شخصهن ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا، يسهل الله له كل عسير ويذلل له كل صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرب له كل بعيد ويبير –أي يهلك- به كل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد.

ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله (عز وجل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

وأيضاً في إكمال الدين بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) فقلت له: يا بن رسول الله أنت القائم بالحق؟.

فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدين له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون.

ثم قال (عليه السلام): طوبى لشيعتنا المستمسكين بحبلنا –وفي نسخة: بحبنا- في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، وطوبى لهم هم- والله- معنا في درجتنا يوم القيامة.


وينتهز الإمام الرضا (عليه السلام) الفرص للتحدث عن الإمام المهدي (عليه السلام) فمثلاُ: عندما دخل عليه دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت وأنشده قصيدته التائية المعروفة، ووصل إلى هذين البيتين:

خــــــروج إمام لا محالة خارج*** يقــــوم على اسم الله والبركات

يميـــــــز فيـــــنا كل حق وباطل*** ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الإمام الرضا (عليه السلام) بكاءاً شديداً ثم رفع رأسه إلى دعبل، وقال له: يا خزاعي... نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين... فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟

فقال: لا يا مولاي.. إلا أني سمعت بخروج إمامٍ منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً.

فقال الإمام: يا دعبل.. الإمام بعدي: محمد ابني، وبعد محمد: ابنه علي، وبعد علي: ابنه الحسن، وبعد الحسن: ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملأت جوراً.

وأضاف (عليه السلام) قائلاً:

وأما متى.. فإخبارعن الوقت، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟.

فقال: مثله مثل الساعة (القيامة) لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا يأتيكم إلا بغتة.

وفي إكمال الدين عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامة القائم منكم إذا خرج؟.

فقال: علامته أن يكون شيخ السن شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وأن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتي أجله.


وبالرغم من كثرة العقبات والمشاكل التي اعترضت طريق الإمام الجواد (عليه السلام) فإن موسوعات الأحاديث لا تخلو عن البشائر المروية عنه (عليه السلام) بالإمام المهدي (عليه السلام) وإليك بعضها:

في كتاب (بحار الأنوار) ج51 نقلاً عن (إكمال الدين) بسنده عن السيد عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي محمد بن علي الجواد(عليهما السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أم غيره؟.

فابتدأني (عليه السلام) فقال: يا أبا القاسم إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي والذي بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، وخصنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلى يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً، وإن الله تبارك وتعالى يصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبيٌ:

ثم قال (عليه السلام) أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج.

وفي (بحار الأنوار) أيضاً عن عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السلام): إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً.

فقال (عليه السلام): ما منا إلا وهو قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذين يطهر الله (عز وجل) به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً: هو الذي تخفي عن الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله وكنيته، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب... إلى آخر الحديث.


ويروى عن الإمام الهادي جملة من الأحاديث المبشرة بالإمام المهدي، منها:

روى الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن أبي دلف قال: سمعت علي بن محمد الهادي(عليه السلام) يقول: إن الإمام بعدي: الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.


ومن الطبيعي أن أكبر عدد من البشائر يتحقق على يدي الإمام أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وينطلق على لسانه، فقد اقترب موعد ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وينبغي أن يكون الإعلام بولادته على أوسع نطاق، ولكن.. هل يمكن ذلك؟!

وكيف يمكن؟ وهناك الموانع والحواجز والعقبات التي تحول دون ذلك، فالاعتقاد بظهور الإمام المهدي كان سائداً في الأمة الإسلامية في تلك العصور، ومشهوراً عند المسلمين مع اختلاف بعض الطوائف الإسلامية في شخصية ذلك الإنسان المسمى بالمهدي الذي بشر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) حتى أن الذين ادعوا المهدوية كذباً وزوراً إنما كانوا يعتمدون على الأحاديث الواردة حول الإمام المهدي، وكانوا يطبقون تلك الأحاديث على أنفسهم افتراءا وخداعاً.

إذن... فالاعتقاد والقول بظهور الإمام المهدي كان من الأمور القطعية عند المسلمين في ذلك الزمان، وخاصة بعد التركيز على أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنه يقضي على الطواغيت والجبابرة الظالمين، ومن الواضح أن الحكام العباسيين كانوا في طليعة المعادين والمناوئين لهذه الشخصية المبشر بها، لأنهم يظنون أن حكوماتهم سوف تنهار على يديه ودماؤهم تسفك بسيفه.

بعد الانتباه إلى هذه الظروف والملابسات... هل يستطيع الإمام العسكري (عليه السلام) أن يعلن عن ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بصورة واسعة؟.

أليس معنى ذلك أن الإمام العسكري يسبب قتل ولده الإمام المهدي جرياً على العادة؟ فما الذي يمنع الأعداء من أن يهجموا عليه الدار ويقتلوا أهل الدار كلهم؟ وما المانع من ذلك؟.

ثم... هل يسكت الإمام العسكري (عليه السلام) ويخفي ولادة ولده المهدي عن كل أحد؛ فلا يدع أحداً يعرف ذلك أبداً؟ فيكف يعلم الشيعة بولادة إمامهم، وخاصة وأن الإمام العسكري كان يرى أن حياته شخصياً في معرض الخطر، ويعلم –بعلم الإمامة- أنه سوف يقتل مسوماً وهو ابن ثمان وعشرين سنة؟ والأوامر الإلهية تفرض عليه أن يعرف الإمام الذي بعده وينص عليه، حفظاً للأمة الإسلامية من الضياع والضلال، فقد ورد في الحديث الصحيح –المتفق عليه بين المسلمين- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية).

مشكلةٌ وأية مشكلة، لا يحلها إلا عقل الإمام، ذلك العقل الذي تتجلى فيه الحكمة بأجمل الصور، وتظهر فيه الحنكة بأبهى منظر، وتبرز حقيقة علم الإمام ومدى تدبيره للإمام وكيفية تصرفاته في تحقيق الأهداف مع رعاية جميع الجوانب والأطراف.

الحل الذي اختاره الإمام العسكري (عليه السلام) في هذا المجال:

هو الحد الوسط، فلا إعلام عام، ولا كتمان وإخفاء مطلق، ففي كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب (الخرائج) بسنده عن عيسى بن صبيح قال: دخل الحسن العسكري (عليه السلام) الحبس، وكنت به عارفاً، فقال لي: لك خمس وستون سنة وشهر ويومان. وكان معي كتابُ دعاء عليه تاريخ مولدي، وإني نظرت فيه فكان كما قال.

وقال (عليه السلام): هل رزقت ولداً؟.

فقلت: لا... فقال: اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً، فنعم العضد الولد. ثم تمثل (عليه السلام):

من كان ذا ولدٍ يدرك ظلامته*** إن الذليل الذي ليست له عضد

قلت: ألك ولد؟ قال (عليه السلام): أي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاًـ فأما الآن فلا –أي فليس لي ولد- ثم تمثل:

لعـــلــــك يــوماً أن تراني كأنما*** بني حــــوالي الأســــود اللوابد

فـــــإن تميـــاً قبل أن يلد الحصا***أقام زماناً وهو في الناس واحد

عن كتاب (إكمال الدين): بسنده عن أحمد بن إسحاق قال:

سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) يقول: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) خلقاً وخُلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثم يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً