رأي السنة في كرامات الأولياء
1- ابن تيمية
يقول ابن تيمية أيضاً : ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء ، ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سائر الأمم . مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 156 .
بعد أنْ ذكر ابن تيمية بعض الكرامات المزعومة في نظره قال : وهذا باب واسع قد بسط في الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع ، وأما ما نعرفه عن أعيان ونعرفه في هذا الزمان فكثير . مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 282 .
يقول ابن تيمية : ومما ينبغي أنْ يُعرف أنّ الكرامات قد تكون بحسب الحاجة ، فإذا احتاج إليها الرجل لضعف الإيمان أو المحتاج إياه أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته ، ويكون من هو أكمل ولاية لله مستغنياً عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته ، وغناه عنها لا لنقص ولايته ، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق وحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة . مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 283 .
يقول ابن تيمية : فقد ثبت أنّ لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات . مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 205 .
التأثير الكوني عند الأولياء في نظر ابن تيمية
يقول ابن تيمية أثناء كلامه عما يحصل من الخوارق : وأما الثالث فمن يجتمع له الأمران بأن يؤتى من الكشف والتأثير الكوني ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي ، وهو علم الدين والعمل به ، والأمر به ، ويؤتى من علم الدين والعمل به ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية أو أنْ تخرق له العادة في الأمور الدينية بحيث ينال من العلوم الدينية ومن العمل بها ومن الأمر بها ومن طاعة الخلق فيها ما لم ينله غيره في مطرد العادة ، فهذا أعظم الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد صلى اله تعالى عليه (وآله) وسلم وأبي بكر الصديق وعمر وكل المسلمين ، فهذا القسم الثالث هو مقتضى (إياك نعبد وإياك نستعين) إذ الأول العبادة والثاني هو الإستعانة ، وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطناً وظاهراً ، فإنّ كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة ...الخ . مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 325 .
2- ابن حجر الهيتمي المكي
يقول ابن حجر الهيتمي المكي في الفتاوى الحديثية : كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة خلافاً للمخاذيل المعتزلة والزيدية . الفتاوى الحديثية ص 107 ، 108 ط. دار المعرفة / بيروت .
وقال والحاصل أنّ كرامة الولي من بعض معجزات النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، لكن لعظم إتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي ص على يدي وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته . الفتاوى الحديثية ص 108 .
وقال أيضاً : الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة من الفقهاء والأصوليين والمحدثين وكثيرون من غيرهم ، خلافاً للمعتزلة ومن قلدهم في بهتانهم من غير روية ولا تأمل ، وكان الأستاذ أبو إسحاق يميل إلى قريب من مذهبهم ، أو يئول كلامه إليه كما هو الظاهر أنّ ظهور الكرامة على ألأولياء وهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده بجمعهم بين القول والعمل وسلامتهم من الهفوات والزلل جائزة عقلاً ...
إلى أنْ قال : وسيأتي لذلك مزيد في تحق الفرق بينهما (الكرامة والمعجزة) وواقعة نقلاً مفيداً لليقين من جهة مجيء القرآن به ووقوع التواتر عليه قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل ، وكتب العلم شرقا وغربا وعجماً وعرباً ناطقة بوقوعها ، متواترة تواتراً معنوياً لا ينكره إلا غبي أو معاند . الفتاوى الحديثية ص 301 .
3- عبد القاهر البغدادي
قال في كتابه أصول الدين : أنكرت القدرية كرامات الأولياء على وجه ينقض العادة ، وأثبتها الموحدون لاستفاضة الخبر عن صاحب سليمان في إتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف إليه ، ومنها رؤية عمر رضي الله عنه على منبره بالمدينة جيشه بنهاوند ، حتى قال يا سارية الجبل وسمع سارية ذلك الصوت على مسافة زهاء خمسماية فرسخ حتى صعد الجبل وفتح منه الكمين للعدو ، وكان ذلك سبب الفتح ، ومنها قصة سفينة مولى سول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مع الأسد ، وقصة عمير الطائي مع الذيب حتى قيل له كليم الذيب ، وقصة أهبان بن صيفي وأبي ذر الغفاري مع الوحش وما أشبه ذلك كثير مما حُرمه أهل القدر بشؤم بدعتهم ... أصول الدين ص 184 ، 185 ط.دار الكتب العلمية / بيروت الطبعة الثالثة سنة 1401هـ - 1981م .
4- الفخر الرازي
يقول في كتاب الأربعين في مقام إثبات كرامات الأولياء : إنّ حدوث الحبل لمريم من غير الذكر من خوارق العادات ، وحضور الرزق عندها من غير سبب ظاهر من خوارق العادات ، وأنها ما كانت من الأنبياء فوجب أن يقال : أن تكون هذه الوقائع من كرامات الأولياء
ثم قال : فإنْ قيل : لم لا يجوز أنْ يقال : إنّ تلك الخوارق كانت معجزات لنبي ذلك وهو زكريا عليه السلام ؟ قلنا : هذا باطل لوجوه :
الأول : أنّ المعجزة لابد أنْ تكون أمراً ظاهراً للمنكرين حتى يمكن الإستدلال بها المنكر ، وظهور جبريل عليه السلام لمريم وحبلها من غير ذكر ما كان يطلع عليه أحد إلا مريم ، فكيف يمكن جعل هذه الأشياء معجزة لزكريا عليه السلام .
ثانيها : أنّ عند ظهور المعجز لبعض الأنبياء لا بد أنْ يكون الرسول حاضراً ولا بد أنْ يكون القوم حاضرين حتى يتمكن ذلك الرسول من الإستدلال بالمعجز ، وفي الوقت الذي كان يقول جبريل عليه السلام لمريم : ) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ( (مريم : 25 ) ما كان زكريا حاضراً هناك حتى يُستدل بظهور هذه الخوارق على نبوة نفسه ، بل ما كان أحد من البشر هناك حاضراً بدليل قوله تعالى : ) فإما ترين من البشر فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ( ( مريم : 26 ) فبطل القول بأنّ هذه الأشياء معجزة لزكريا عليه السلام .
ثالثها : إنّ حصول المعجزة لابد أنْ يكون بالتماس الرسول ، وكان النبي زكريا عليه السلام غافلاً عن كيفية حدوث هذه الأشياء بدليل قوله تعالى : ) كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ( فدل هذا على أنّ ذلك ما كان معجزة لزكريا عليه السلام .
ورابعها : أنه تعالى ذكر هذه الخوارق في معرض تعظيم حال مريم ، ولم يذكر معها ما شعر بجعلها معجزة لأحد من ألأنبياء ، ولو كان المقصود منها إظهار تصديق زكريا لا إظهار كرامة لمريم لكان ذكر زكريا d عند ذكر هذه الخوارق أولى من ذكر مريم i ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنّ المقصود منها إكرام مريم لا تصديق i لا تصديق زكريا d .
الحجة الثانية : أنّ الله تعالى أبقى أصحاب الكهف ثلاث مائة سنة وأزيد في النوم ، أحياء من غير آفة ، وهم ما كانوا من الأنبياء g ، فوجب أنْ يكون هذا من باب الكرامات .
كتاب الأربعين في أصول الدين ج2 ص 202 ، 203 ط. مكتبة الكليات الأزهرية / القاهرة سنة 1406 هـ - 1986م .
5- السفاريني الحنبلي
يقول محمد السفاريني الحنبلي في لوامع الأنوار البهية : في ذكر كرامات ألأولياء التي يجب اعتقادها ولا يجوز نفيها وإهمالها . لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية ج2 ص 392 ط. المكتب الإسلامي/ بيروت – دار الخاني / الرياض سنة 1411هـ- 1991م .
ويقول أيضاً : والحاصل أنّ الكرامة لا بد أنْ تكون أمراً خارقاً للعادة أتى ذلك الخارق عن إمرئ صالح ، وهو الولي العارف بالله وصفاته حسب ما يمكن ، المواضب على الطاعات المجتنب عن المعاصي المعرض عن الإنهماك في الملذات والشهوات من ذكر وأنثى ، ولا بد أنْ يكون هذا الخارق في زماننا وبعده وقبله منذ بعث نبينا محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم من إنسان تابع لشرعنا معشر المسلمين ... الخ . لوامع الأنوار البهية ج2 ص 392 .
وقال أيضاً : ومن أي أي إنسان كائنا من كان نفاها (كرامات ألأولياء) فلم يقل بجوازها فضلاً عن وقوعها من ذوي أي أصحاب الضلال والزيغ عن نهج أهل السنة والاعتزال وكذا من نحا نحوهم من أهل السنة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وأبي عبد الله الحليمي من الأشاعرة فقد أتى في ذاك النفي وعدم التجويز لها بالمحال المنابذ للبرهان والعيان وثبوتها في السنن المتواترة ومحكم القرآن ، فمع هذه الأدلة المتواترة والوقائع المتكاثرة فالإنكار لها مكابرة غير منظور إليه ولا معول عليه . لوامع الأنوار البهية ج2 ص 394 .
6- الغزنوي الحنفي
يقول جمال الدين أحمد بن محمد الغزنوي الحنفي في أصول الدين : ظهور كرامات الأولياء على طريق نقض العادة وخرقها جائز ، لأنه في قدرة الله تعالى ممكن ، وليس فيه وجه من وجوه الاستحالة ، ويجوز أنْ الله تعالى أكرم ولياً بكل آية يخصه ، بذلك ثبت بالكتاب والسنة . كتاب أصول الدين ص 162 ، 163 ط. دار البشائر الإسلامية / بيروت سنة 1419 هـ- 1998م.
7- سعد الدين التفتازاني
يقول سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : الولي العرف بالله تعالى ، الصارف همته عما سواه ، والكرامة ظهور أمر خارق للعادة قبله بلا دعوى النبوة ، وهي جائزة ولو بقصد الولي ، ومن جنس المعجزات ، لشمول قدرة الله تعالى ، وواقعة كقصة مريم ، وآصف ، وأصحاب الكهف ، وما تواتر جنسه من الصحابة والتابعين ، وكثير من الصالحين ... الخ . شرح المقاصد ج5 ص 72 .
ويقول في مقام استدلال على وقوع الكرامات : والثاني : ما تواتر معنا وإنْ كانت التفاصيل آحاداً من كرامات الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من الصالحين ، كرؤية عمر رضي الله عنه على المنبر جيشه بنهاوند حتى قال : يا سارية الجبل ، وسمع سارية ذلك ، وكشرب خالد رضي الله عنه السم من غير أنْ يضر به ، وأما من علي d رضي الله تعالى عنه فأكثر من أنْ تحصى . شرح المقاصد ج5 ص 74 ، 75 .
وقال أيضاً : وبالجملة وظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء ، إذْ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ، ولم يسمعوا من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء من اجتهادهم في أمور العبادات ، واجتناب السيئات ، فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقون أديمهم ، ويمضغون لحومهم ، لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة ... الخ . شرح المقاصد ج5 ص 75 .
8- ابن خلدون
يقول ابن خلدون أثناء كلامه عن المتصوفة : وأما الكلام في كرامات القوم وإخبارهم بالمغيبات وتصرفهم في الكائنات فأمر صحيح غير منكر .
إلى أنْ قال : مع أنّ الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات ، وإنكارها نوع مكابرة وقد وقع للصحابة وأكابر السلف كثير من ذلك ، وهو معلوم مشهور . مقدمة ابن خلدون ص 471 ط .دار الفكر / بيروت سنة 1419 هـ - 1998م .
9- محمد بن سلوم
يقول في مختصر لوامع الأنوار البهية : في ذكر كرامات الأولياء وإثباتها وهذا من العقائد السلفية التي يجب اعتقادها . مختصر لوامع الأنوار البهية ص 534 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1403هـ - 1983م .
وقال أيضاً : ومن أي أي إنسان كان نفاها أي كرامات الأولياء من ذوي أي أصحاب الضلال والزيغ ، فقد أتى ذاك النفي وعدم التجويز لها بالمحال المنابذ للبرهان والعيان ، وثبوتها في السنن المتواترة ومحكم القرآن ، ولهذا قال معللاً لما ارتكبوا في نفيها من المحال : لأنها أي كرامات الأولياء كثيرة شهيرة ، ولم تزل تظهر في كل عصر من العصور الماضية وإلى الآن من المشيء على الماء كما نقل عن كثير من الأولياء من الصحابة وغيرهم ...الخ . مختصر لوامع ألأنوار البهية ص 537 .
10- ابن عابدين الحنفي
يقول : ذكروا في كتب العقائد أنّ من جملة كرامات الأولياء الإطلاع على بعض المغيبات ... الخ . حاشية ابن عابدين ج3 ص 20 ط.دار الفكر / بيروت .
11- أبو إسحاق الشاطبي الغرناطي
قال في الموافقات : إنّ جميع ما أعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل ، إنما هي مقتبسة من مشكاة نبينا ص ، لكن على مقدار الإتباع ، فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوية ، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء به الجميع ، والعلم الأعلى الذي يهتدى به في سلوك الطريق .
ولعل قائلاً يقول : قد ظهرت على أيدي الأمة أمور لم تظهر على يد النبي ص ولا سيما الخواص التي اختص بها بعضهم ، كفرار الشيطان من ظل عمر رضي الله عنه ، وقد نازع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته الشيطان ، وقال لعمر : ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك ، وجاء في عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّ ملائكة السماء تستحي منه ، ولم يرد مثل هذا بالنسبة إلى النبي ص ، وجاء في أسيد بن حضير وعباد بن بشر أنهما خرجا من عند رسول الله ص في ليلة مظلمة ، فإذا نور بين أيديهما ، حتى تفرقا ، فافترق النور معهما ، ولم يؤثر مثل ذلك عنه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من المنقولات عن الصحابة ومن بعدهم ، مما لم ينقل أنه ظهر مثله على يد النبي ص .
فيقال : كل ما ينقل عن الأولياء أو العلماء إلى يوم القيامة من الأحوال والخوراق والفهوم وغيرها ، فهي أفراد وجزئيات داخلة تحت كليات ما نقل عن النبي ص ، غير أنّ أفراد الجنس وجزئيات الكلي قد تختص بأوصاف تليق بالجزئي من حيث هو جزئي ، وإنْ لم يتصف بها الكلي من جهة ما هو كلي ، ولا يدل ذلك على أنّ للجزئي مزية على الكلي ... الخ . الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي ج2 ص 197 ، 198 ط. دار الكتب العلمية / بيروت ، سنة 1411هـ- 1991م .
ويقول أيضاً : عمل الصحابة رضي الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي كقول أبي بكر : إنما هو أخواك وأختاك ، وقول عمر : يا سارية الجبل ، فأعمل النصيحة التي أنبأ عنها الكشف ، ونهيه لمن أراد أنْ يقص على الناس وقال : أخاف أنْ تنتفخ حتى تبلغ الثريا ، وقوله لمن قص عليه رؤياه أنّ الشمس والقمر رآهما يقتتلان فقال : مع أيهما كنت ؟ قال : مع القمر . قال : كنت مع الاية الممحوة لا تلي عملاً أبداً ، ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح ومن بعدهم من العلماء والأولياء نفع الله بهم . الموافقات في أصول الشريعة ج2 ص 202 .