بسم الله الرحمن الرحيم

قال الجنيد تحت عنوان ( شدّ الرحال إلى قبور ومزارات الأئمة ) : ( وأهل السنة قد حفظوا وصية النبي (ص) الذي قال : > لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد : ألا لا تتخذوا قبور أنبيائكم مساجد فإني أنهاكم عن ذلك < فأخذوا بوصيته حذراً من مشابهة اليهود والنصارى ومن الوقوع في مغبات الشرك ) ( حوار هاديء 22 ) .

أقول :
يهتم الشيعة الإمامية الإثنى عشرية بزيارة القبور والصلاة والدعاء عندها خصوصاً قبر النبي الأكرم (ص) وقبور الأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهم السلام ، باعتبار أن ذلك من تمام الوفاء بعهودهم ، وموجب لشفاعتهم لزائرهم ، فقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال : ( إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته ، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبه في زيارتهم وتصديق بما رغبوا فيه ، كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ) ( الكافي 4/567 ) وقال النبي (ص) : ( من زارني حيّاً وميّتاً ، كنت له شفيعاً يوم القيامة ) ( قرب الإسناد صفحة 65 ) ، ولأن مواقع تلك القبور مواطن لاستجابة الدعاء والارتباط بالله عزّ وجل والإنقطاع إليه ، إضافة إلى الفوائد الكثيرة الأخرى .
ولا يخالف الشيعة في إستحاب زيارة القبور أو جوازها غيرهم من المسلمين بل المسلمون جميهم متفقون على ذلك إلاّ من شذّ منهم ، فهذا نبي الإسلام (ص) يرخّص للمسلمين زيارتها ويحثهم على ذلك من خلال بيانه ما في زيارتها من ثمار وآثار جليلة وفوائد جمّة ، ففي الرّواية عن بريدة أنّه (ص) قال : ( ... نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ... ) (1)
وعن ابن مسعود أن النبي (ص) قال : ( ... وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدّنيا وترغب في الآخرة ) (2) .
وعن أبي سعيدالخدري أنّه (ص) قال : ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّ فيها عبرة ) (3) .
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (ص) : ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت )(4) .
وفي رواية أخرى أخرجها الحاكم أيضاً أنّه قال : قال رسول الله (ص) ( ... كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنه يرق القلب ، وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً ) (5) .
وفي رواية أخرى للحاكم أيضاً عنه عن رسول الله (ص) أنّه قال : ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن شاء أن يزور قبراً فليزره ، فإنّه يرق القلب ويدمع العين ويذكر الآخرة ) (6) .
وعن عبد الله بن أبي مليكة قال : ( أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر . فقلت لها أليس كان رسول الله (ص) نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها ) (7)
وعن أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام أنّ رسول الله (ص) قال : ( ... انى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ... ) (8) .
ولو أردنا أن نستقصي الرّوايات الواردة في مصنفات القوم والدالة على جواز زيارة القبور بل واستحبابها لاحتجنا أن نسوّد الكثير من الصفحات ، وفيما ذكرناه كفاية .
فثبت من ذلك أنّ زيارة القبور لا بأس بها ولا إثم أو حرمة على زائرها ، وإذا كان المسلم يجني مثل هذه الثمار التي ذكرتها الروايات بزيارته لقبر الإنسان العادي فبلاشك أنّ الفوائد التي يجنيها من زيارته لقبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أكبر وأكثر فيتأكد حينها إستحباب زيارة قبورهم ، وعليه فإن من ينتقد الشيعة أو غيرهم من المسلمين زيارتهم للقبور إنما يرد على رسول الله (ص) وينتقد نبي الأمة لأنه هو الذي وجّه المسلمين وأرشدهم إلى ذلك وحثهم عليه .
ثم إنّ الروايات التي أوردناها سابقاً لم يحصر الحث فيها على زيارة القبور بما إذا كانت في القرية أو البلد التي يسكنها المسلم أو المدينة التي يقطنها ، وعليه فلا مانع من شدّ الرحال لزيارة قبر قريب أو نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء في مكان ما من بقاع الأرض ، وما تمسك به ابن تيمية وأتباعه أو غيرهم كدليل على المنع من ذلك وهو قوله (ص) : ( لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) لا يصلح دليلاً وينبيء عن قلة فهم عندهم أو عناد (9) فالحديث لا علاقة له بحرمة السفر لزيارة قبر نبي أو وصي أو ولي أو قريب من الناس ، وإنما المنهي عنه هو شدّ الرحال للصلاة والعبادة في مسجد من المساجد غير المساجد الثلاثة ، والنهي الوارد هو نهي كراهة وليس نهي حرمة ، ولمزيد من التوضيح للحديث نقول :


أولاً : إن المستثنى منه في الحديث لا يخلو إمّا أن يكون (( المسجد )) أو (( المكان )) فإن كان الأوّل فتكون صورة الحديث : (( لا تشد الرحال إلى مسجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد ... الخ )) وعلى هذه الصورة يكون المنهي عنه – هذا على فرض أن النهي هنا نهي حرمة ، وهو ليس كذلك طبعاً – هو شدّ الرّحال إلى مسجد من المساجد غير المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث ، فليس فيه نهي عن شدّ الرّحال إلى أي مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً ، وعليه فلا دلالة في الحديث – على هذا الوجه – على عدم جواز شدّ الرحال لزيارة القبور .
وعلى الثاني تكون صورة الحديث : (( لا تشدّ الرّحال إلى مكان إلاّ إلى ثلاثة مساجد ... الخ )) وتفسير الحديث على هذه الصورة يلزم منه كون جميع أفراد السفر محرّمة وغير جائزة سواء كان لزيارة مسجد أو غيره من البقاع أو الأمكنة ، وهذا لا يأخذ به أحد ولا يلتزم بهذا القول واحد من الفقهاء ، فهذه الصورة لا يمكن الأخذ بها .
ثانيا :
إن النهي عن شد الرحال إلى أي مسجد سوى المساجد الثلاثة – هذا على فرض صحة صدور مثل هذا القول من النبي (ص) - إنما هو نهي إرشاد وليس نهي حرمة وذلك لعدم الجدوى في مثل هذا السفر ، حيث أن المساجد الأخرى لا تختلف من حيث الفضيلة ، فمن العبث أن يسافر العبد إلى جامع بلد آخر بقصد الصلاة والعبادة فيه وترك ذلك في جامع بلده مع أنهما متماثلان من حيث الفضيلة وثواب الصلاة والعبادة فيهما .
يقول ( مجد الدين الفيروز آبادي ) صاحب كتاب ( القاموس المحيط ) يقول في كتابه : ( الصلات والبشر ص 127 ) : (( أما حديث لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك ، ومن جعله دليلاً على حرمة الزّيارة فقد أعظم الجرأة على الله ورسوله ، وفيه برهان قاطع على غباوة قائله وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال )) .
ولقد ضلل العديد من علماء أهل السّنة ابن تيمية الحراني عندما استند إلى هذا الحديث وأفتى بحرمة شدّ الرّحال لزيارة قبر النبي (ص) ، قال الشيخ ابن حجر الهيثمي في مبحث سن زيارة قبر الرسول (ص) ما نصّه :
(( ولا يغترّ بإنكار ابن تيمية لسنّ زيارته (ص) فإنه عبد أضلّه الله كما قال العزّ بن جماعة ، وأطال في الرّد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل ووقوعه في حق رسول الله (ص) ليس بعجيب فإنه وقع في حق الله ، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ، فنسب إليه العظائم ، كقوله : إن لله تعالى جهة ويداً ورجلاً وعيناً وغير ذلك من القبائح الشنيعة ، ولقد كفّره كثير من العلماء ، عامله الله بعدله ، وخذل متّبعيه الذين نصروا ما افتراه على الشريعة الغراء )) ( المقالات السنية / ص 99 ، نقلاً عن حاشية ابن حجر على شرح الإيضاح ) .

نماذج من أقوال علماء أهل السنة في استحباب زيارة القبور

وأما أقوال وكلمات الأعلام من علماء أهل السنة حول زيارة القبور فإليك جملة منها : -
1- قال أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي في كتابه الكافي في فقه ابن حنبل 1/274 – 275 : (ويستحب للرجال زيارة القبور لأن النبي (ص) قال : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت ، رواه مسلم وإذا مر بها أو زارها قال ما روى مسلم قال : كان رسول الله (ص) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ، وفي حديث آخر : ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وفي حديث آخر : اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ، وإن زاد اللهم اغفر لنا ولهم كان حسنا ، وأما النساء ففي كراهية زيارة القبور لهن روايتان إحداهما لا يكره لعموم ما رويناه ولأن عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن ، والثانية يكره لأن النبي (ص) قال : لعن الله زوارات القبور وهذا حديث صحيح ، فلما زال التحريم بالنسخ بقيت الكراهية ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تهييج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله بخلاف الرجل ) .
وقال في المغني ج2/ص223 : ( لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة زيارة الرجل القبور ، وقال علي بن سعيد : سألت أحمد عن زيارة القبور تركها أفضل عندك أو زيارتها ؟ قال : زيارتها ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت رواه مسلم والترمذي بلفظ فإنها تذكر الآخرة )
وقال : ( وإذا مر بالقبور أوزارها استحب أن يقول ما روى عن مسلم عن بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية .
وفي حديث عائشة ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين .
وفي حديث آخر : اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإن أراد قال اللهم اغفر لنا ولهم كان حسنا ) .
2- وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه دليل الطالب ج1/ص63 :
( وتسن زيارة القبور للرجال وتكره للنساء وإن اجتازت المرأة بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فحسن ، وسن لمن زار القبور أو مر بها أن يقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ) .
3- وقال أبو النجا موسى بن أحمد بن سالم المقدسي الحنبلي في كتابه ( زاد المستقنع صفحة 69 ) : ( تسن زيارة القبور إلا للنساء ويقول إذا زارها السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ) .
4- وقال محمد الشربيني الخطيب في كتابه ( الإقناع 1/208 ) : ( ويندب زيارة القبور التي فيها المسلمون للرجال بالإجماع ، وكانت زيارتها منهياً عنها ثم نسخت بقوله (ص) : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ويكره زيارتها للنساء لأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن ، نعم يندب لهن زيارة قبر رسول الله (ص) فإنها من أعظم القربات وينبغي أن يلحق بذلك بقية الأنبياء والصالحين والشهداء ، ويندب أن يسلم الزائر لقبور المسلمين مستقبلاً وجه الميت قائلاً ما علمه (ص) إذا خرجوا للمقابر السلام على أهل الدار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لي ولكم العافية ، أو السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رواهما مسلم ... ويقرأ عندهم ما تيسر من القرآن فإن الرحمة تنزل في محل القراءة والميت كحاضر ترجى له الرحمة ويدعو له عقب القراءة لأن الدعاء ينفع الميت وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة وأن يقرب زائره منه كقربه منه في زيارته حياً احتراماً له قاله النووي ، ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل ) .
وقال في مغني المحتاج ج1/ص365 : ( ويندب زيارة القبور التي فيها المسلمون للرجال بالإجماع وكانت زيارتها منهيا عنها ثم نسخت لقوله صلى الله عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تدخل النساء في ضمير الرجال على المختار ، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا بكم إن شاء الله لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد وروي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت ، وإنما نهاهم أولاً لقرب عهدهم بالجاهلية فلما استقرت قواعد الإسلام واشتهرت أمرهم بها .
وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه ما حاصله أنه من كان يستحب له زيارته في حياته من قريب أو صاحب فيسن له زيارته في الموت كما في حال الحياة ، وأما غيرهم فيسن له زيارته إن قصد بها تذكر الموت أو الترحم عليه ونحو ذلك .
قال الإسنوي وهو حسن وذكر في البحر نحوه .
قال الأذرعي والأشبه أن موضع الندب إذا لم يكن في ذلك سفر لزيارة القبور فقط بل في كلام الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز السفر لذلك واستثنى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولعل مراده أنه لا يجوز جوازاً مستوي الطرفين أي فيكره .
ويسن الوضوء لزيارة القبور كما قاله القاضي الحسين في شرح الفروع ، أما قبور الكفار فزيارتها مباحة وإن جزم الماوردي بحرمتها .
وتكره زيارتها للنساء لأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن لما فيهن من رقة القلب وكثرة الجزع وقلة احتمال المصائب وإنما لم تحرم لأنه صلى الله عليه وسلم مر بامرأة على قبر تبكي على صبي لها فقال لها اتقي الله واصبري متفق عليه ، فلو كانت الزيارة حراما لنهى عنها .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كيف أقول يا رسول الله ؟ - يعني إذا زرت القبور - قال : قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رواه مسلم .
وقيل تحرم لما روى ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور وليس هذا الوجه في الروضة وبه قال صاحب المهذب وغيره .
وقيل تباح جزم به في الإحياء وصححه الروياني إذا أمن الافتنان عملا بالأصل والخبر فيما إذا ترتب عليها بكاء ونحو ذلك .
ومحل هذه الأقوال في غير زيارة قبر سيد المرسلين أما زيارته فمن أعظم القربات للرجال والنساء وألحق الدمنهوري به قبور بقية الأنبياء والصالحين والشهداء وهذا ظاهر وإن قال الأذرعي لم أره للمتقدمين .
قال ابن شهبة : فإن صح ذلك فينبغي أن يكون زيارة قبر أبويها وإخوتها وسائر أقاربها كذلك فإنهم أولى بالصلة من الصالحين اه .
والأولى عدم إلحاقهم بهم لما تقدم من تعليل الكراهة ... الخ ) .
5- وقال العلامة محمد الزهري في السراج الوهاج صفحة 115 : ( و يندب زيارة القبور للرجال وتكره للنساء وقيل تحرم وقيل تباح ، وجزم به في الإحياء ومحل تلك الأقوال في غير زيارة قبور الأنبياء وأهل الصلاح وإلاّ فزيارتهم سنة للنساء أيضا ويسلم الزائر للقبور ندباً ويقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو للميت عقب القراءة ويستقبل عنده القبلة ) .
6- وقال إبراهيم بن علي الفيروز آبادي الشيرازي في كتابه ( التنبيه صفحة 52 ) : (ويستحب للرجال زيارة القبور ويقول اذا زار سلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله عن قريب بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ) .
7- وقال النووي في روضة الطالبين ج2/ص139 : ( يستحب للرجال زيارة القبور وهل يكره للنساء وجهان أحدهما - وبه قطع الأكثرون - يكره ، والثاني - وهو الأصح عند الروياني - لا يكره إذا أمنت من الفتنة ، والسنة أن يقول الزائر سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ، وينبغي للزائر أن يدنو من القبر بقدر ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره .
وسئل القاضي أبو الطيب عن قراءة القرآن في المقابر فقال الثواب للقارىء ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة فيستحب قراءة القرآن في المقابر لهذا المعنى وأيضا فالدعاء عقيب القراءة أقرب إلى الاجابة والدعاء ينفع الميت ) .
8- وقال محمد بن عمر الجاوي في نهاية الزين صفحة 164 : ( ويسن زيارة القبور وورد أن من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكان بارا لوالديه وفي رواية من زار قبر والديه في جمعة أو أحدهما فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم غفر الله له بعدد ذلك آية وحرفاً وفي رواية من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة كان كحجة ) .
9- وقال أبو الإخلاص حسن الوفائي الشرنيلالي في كتابه ( نور الإيضاح صفحة 98 ) : (فصل في زيارة القبور : ندب زيارتها للرجال والنساء على الأصح ويستحب قراءة يس لما ورد أنه من دخل المقابر فقرأ يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد ما فيها حسنات ... ) .
10- وقال علاء الدين الكاساني ( بدائع الصنائع 1/320 ) : ( ولا بأس بزيارة القبور والدعاء للأموات إن كانوا مؤمنين من غير وطء القبور لقول النبي (ص) إني كنتب نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ، ولعمل الأمة من لدن رسول الله (ص) إلى يومنا هذا ) .
11- وقال أبو البركات في الشرح الكبير (1/422 ) : ( وجاز زيارة القبور بل هي مندوبة بلا حد بيوم أو وقت أو في مقدار ما يمكث عندها أو فيما يدعى به أو الجميع ، وينبغي مزيد الاعتبار حال الزيارة والاشتغال بالدعاء والتضرع ... ) .
12- وقال منصور البهوتي في كتابه ( الروض المربع 1/355 ) : ( تسنّ زيارة القبور وحكاه النووي إجماعاً لقوله (ص) : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، رواه مسلم والترمذي وزاد فإنها تذكركم الآخرة ) .

_______________________
(1) صحيح مسلم 2/672 حديث رقم : 977 و 3/1563 حديث رقم : 1977 ، صحيح ابن حبّان 7/439 حديث رقم : 3168 و 12/213 حديث رقم : 5391 و 12/221 حديث رقم : 5400 ، المستدرك على الصحيحين وفيه زيادة : ( وليزدكم زيارتها خيراً ) وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، سنن أبي داود 3/218 حديث رقم : 3235 و 3/332 حديث رقم : 3698 ، الجامع الصحيح للترمذي 3/370 حديث رقم : 1054 وقال : ( وفي الباب عن أبي سعيد وابن مسعود وأنس وأبي هريرة وأم سلمة ) ثم قال : ( قال أبو عيسى حديث بريدة حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأساً وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ) ، السنن الكبرى للنسائي 1/653 حديث رقم : 2159 و 1/654 حديث رقم : 2160 و 3/69 حديث رقم : 4518 و 3/225 حديث رقم : 5162 ، سسن البيهقي الكبرى 4/76 حديث رقم : 6985 و 8/311 حديث رقم : 17263 و 9/292 حديث رقم : 18996 .
(2) صحيح ابن حبّان 3/261 حديث رقم : 981 ، سنن ابن ماجه 1/501 حديث رقم : 1571 .
(3) المستدرك على الصحيحين 1/530 حديث رقم : 1386 ، سنن البيهقي الكبرى 4/77 حديث رقم : 6988 ، مسند أحمد 3/38 حديث رقم : 11347 .
(4) المستدرك على الصحيحين 1/531 حديث رقم : 388 .
(5) المستدرك على الصحيحين 1/532 حديث رقم : 1393 .
(6) المستدرك على الصحيحين 1/532 حديث رقم : 1394 ، وانظر أيضاً ، سنن البيهقي الكبرى 4/77 حديث رقم : 6990 .
(7) المستدرك على الصحيحين 1/532 حديث رقم : 392 ، سنن البيهقي الكبرى 4/78 حديث رقم : 6999 .
(8) مسند أحمد بن حنبل 1/145 حديث رقم : 1235 .
(9) لا زال أتباع ابن تيمية الحراني إلى يومنا هذا يستندون إلى هذا الحديث في حرمة السفر لزيارة قبر النبي (ص) أو غيره مع ما قام به بعض العلماء من الفريقين سنة وشيعة قديماً وحديثاً من توضيح وبيان لمعنى هذا الحديث وأثبتوا أنّه لا يدل أبداً وبتاتاً على حرمة السفر إلى زيارة القبور ، فهذا ابن جبرين وهو أحد علماء المذهب الوهابي يوجه له سؤال يقول : (ما حكم شد الرّحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
فكان الجواب منه : ( لا يجوز ، وإنّما تشد الرّحال إلى المسجد النبوي ، ثم يزور القبر من قريب بعد وصوله إلى المدينة ، يقول صلى الله عليه وسلم : { لا تشد الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى } والله أعلم ، هذه الفتوى تجدونها في قسم الفتاوى بموقع الشيخ على شبكة المعلومات الدولية ، الأنترنت .





الصلاة والدعاء عند القبر

وأما الصلاة والدعاء عند القبور فلا شك في جوازهما حيث لا يوجد دليل يكمن الاعتماد عليه والركون إليه في المنع من ذلك ، فما دّل على جواز الصلاة والدعاء في كل مكان هو دليل جوازهما ، وما يستند إليه الوهابيون من قول منسوب إلى النبي (ص) : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .... الخ ) فهو مروي من طرق أهل السنة ولم تثبت صحة نسبة هذا القول إلى رسول الله (ص) عند الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ، وعليه لا يمكن الاحتجاج به عليهم ، إن الجنيد يريد أن يحتج على الشيعة ويلزمهم بما لم يثب عندهم وهذا مخالف لآداب الاحتجاج والمناظرة ، وعلى فرض صحة صدور هذا القول منه (ص) فإنه لا يدل على ما ذهبوا إليه ، أعني لا يدل على حرمة وعدم جواز الصلاة أو الدعاء عند القبر أو في مكان يوجد فيه قبر ، فاللعن الذي استحقه اليهود والنصارى لا لكونهم يصلون عند قبور أنبيائهم وصلحائهم وإنما لأنهم كانوا يعبدونهم ويسجدون لقبورهم وبلا شك أن هذا مخالف للشريعة المقدّسة .
إن استدلالهم بهذا القول المنسوب له (ص) يرده فعل عائشة التي قضت ما يقرب من خمسين عاماً من عمرها بالصلاة في البيت الذي دفن فيه الرسول (ص) .
وقد رروا بسند صحيح أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام كانت تزور قبر عمّها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ، فقد أخرج الحاطم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 1/533 حديث رقم : 1396 فقال : ( حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران ، حدثنا تميم بن محمد ، حدثنا أبو مصعب الزهري ، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه : أن فاطمة بنت النبي (ص) كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده )
قال الحاكم : ( هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين ، وأخرجه في نفس المصدر 3/30 حديث رقم 4319 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى 4/78 حديث رقم 7000 .
فهل الوهابيون أدرى بشريعة النبي (ص) وحلالها وحرامها من ابنته الصديقة الزهراء عليها صلوات الله وسلامه ؟! .
إضافة إلى ذلك ففي القرآن الكريم ما يثبت بطلان ما زعموا وذلك في قصة أصحاب الكهف حيث قال عزّ من قائل : { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا } ( الكهف – 21 ) فهدف أولئك الموحدين من اتخاذ المسجد فوق مدفنهم إنما هو من أجل أداء الصلاة والفرائض الدينية ، والله عزّ وجل يقرّ فعلهم ولو كان عملهم خلافاً لتعاليمه سبحانه لما سكت عنهم بل انتقدهم وردّ عليهم كما هو شأنه سبحانه وتعالى في الرّد على أصحاب الأقوال والأفعال والمعتقدات الباطلة .
وهذه سيرة المسلمين قائمة على الصلاة والدعاء في المسجد النبوي بجوار قبر رسول الله (ص) ، والصلاة والدعاء في المسجد الحرام عند الكعبة المشرفة مع ( أن إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حجر البيت ) (1) ، وأن جماعة من الأنبياء ( مدفونون بين زمزم والمقام ) (2) ، ويصلون في مسجد الخيف ، ويقال أن جماعة من الأنبياء أيضاً مدفونون فيه (3) .
ونقلوا عن إمام المالكية مالك بن أنس أنه كان لا يرى باساً في الصلاة بالمقابر ، ففي المدونة الكبرى 1/90 : ( قلت لابن القاسم : هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له ؟ قال : كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره .
قال : وقال مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر قال وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون في المقبرة ) .
وقال عبد الغني النابلسي : ( وأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح أو صلى في قبره ، وقصد به الاستظهار بوجه أو وصلو أثر من آثار عبادته إليه لا للتعظيم له والتوجه إليه فلا حرج إذ مرقد إسماعيل عند الحطيم من المسجد الحرام ، ثم إن ذلك المكان أفضل مكان يصلى فيه ) ( الحديقة الندية 2/631 ) .
_____________________
(1) شرح العمدة لابن تيمية الحراني 4/463 .
(2) شرح العمدة 4/463 .
(3) شرح العمدة 4/463 .