الكلام في رضاع الكبير
المعروف بين فقهاء المسلمين أن رضاع الكبير ليس من موجبات التحريم، وهو إجماع الإمامية، بل من ضروريات مذهبهم، ووافقهم عليه عدة من فقهاء السنة، ولكن ذهب جماعة الى صحة إرتضاع الكبير مهما بلغ من العمر من المرأة مهما بلغت، ومن ثم تصير أمه من الرضاعة، وممن ذهب إلى هذا القول إبن حزم الأندلسي الظاهري ، حيث قال: (( ورضاع الكبير محرِّم، ولو أنه شيخ كبير، كما يحرِّم رضاع الصغير، ولافرق)).[1]
وإليه ذهب إمام الظاهرية علي بن داود الإصبهاني الظاهري[2]، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح.[3]
وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية الى أن رضاع الكبير رخصة للحاجة لم لايستغني عن دخول المرأة ويشق إحتجابها عنه، وهو يوجب التحريم.[4]
وقد نسبوا هذا القول الى عائشة بعدة روايات أوردوها عنها بهذا الشأن ، ولابأس بذكر بعضها.
فقد أخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير فقال أخبرنى عروة بن الزبير أن أباحذيفة بن عتبة بن ربيعة . وكان من أصحاب رسول الله (ص) وكان قد شهد بدرا. وكان تبنى سالما الذى يقال له سالم مولى أبى حذيفة . كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن حارثة . وأنكح أبوحذيفة سالما . وهو يرى أنه ابنه . أنكحه بنت أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة . وهى يومئذ من المهاجرات الاول ، وهي من أفضل أيامى قريش . فلما أنزل الله تعالى في كتابه في زيد بن حارثة ما أنزل . فقال ادعوهم لابائهم هو أقسط عندالله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم رد كل واحد من أولئك إلى أبيه . فإن لم يعلم أبوه رد إلى مولاه . فجاءت سهلة بنت سهيل وهى امرأة أبى حذيفة . وهى من بنى عامر بن لوى . إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل على . وأنا فضل . وليس لنا إلا بيت واحد فماذا ترى في شأنه فقال لها رسول الله ص : أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها. وكانت تراه إبنا من الرضاعة . فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين . فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال. فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبى بكر الصديق . وبنات أخيها .أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال . وأبى سائر ازواج النبى صلى الله عليه وآله أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس . وقلن : لا والله ما نرى الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وآله في رضاعة سالم وحده . لا . والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد . فعلى هذا كان أزواج النبى صلى الله عليه وآله في رضاعة الكبير.[5]
قال الحافظ إبن عبد البر الأندلسي في التمهيد : هذا حديث يدخل في المسند للقاء عروة عائشة، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، وللقائه سهلة بنت سهيل.[6]
أقول : وهذا الخبر على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
وقال الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في المصنف : أخبرنا إبن جريج، قال: سمعت عطاءاً يُسأَل، قال له رجل: سقتني إمرأة من لبنها بعد ماكنت رجلاً كبيراً، أأنكحها؟ قال: لا. قلت: وذلك رأيك؟ قال: نعم، قال عطاء : كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها.[7]
وهذا الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
وأخرج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني عن معمر، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي ص فقالت: إن سالماً كان يُدعى لأبي حذيفة، وإن الله عزوجل قد أنزل في كتابه: ) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ([8]، وكان يدخل علي فضل، ونحن في منزل ضيق، فقال النبي ص : أرضعي سالماً تحرمي عليه.
قال الزهري : قالت بعض أزواج النبي (ص) : لاندري ، لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة، قال الزهري: وكانت عائشة تفتي بأنه يُحَرِّم الرضاع بعد الفصال حتى ماتت.[9]
وأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن ابن شهاب انه قال اخبرنى ابوعبيدة بن عبدالله بن زمعة ان أمه زينب بنت ابى سلمة اخبرته ان امها ام سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم كانت تقول ابى سائر ازواج النبى صلى الله عليه وسلم ان يدخلن عليهن احدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة والله ما نرى هذا الا رخصة ارخصها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا احد بهذه الرضاعة ولا رائينا.[10]
ونكتفي بنقل هذا المقدار ، والتفاصيل موكولة الى كتب الحديث المختلفة.[11]
كيفية رضاع الكبير
ظاهر عدة من العبارات في الروايات المتقدمة تحقق الرضاع بالأسلوب المتعارف من تلقيم الثدي، وهو من أكبر الطامات، ولكن حاول فيما بعد جماعة من العلماء توجهيهه بأسلوب آخر، ولعله كان هو المتبع عند من قال به على تقدير صحته.
قال الحافظ إبن عبد البر الأندلسي : هكذا إرضاع الكبير كما ذُكر، يُحلب له اللبن، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لايحل عند جماعة العلماء.[12]
ومهما يكن أسلوب رضاع الكبير ، فهو من الأقوال الباطلة المكذوبة، ومانسب من قضية سالم مكذوبة بلا ريب، وذلك لما يلي:
أولا : للروايات الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفيها ماهو صحيح الإسناد ، ومن تلك الروايات الواردة:
1- ما أخرجه الحافظ الدارقطني في سننه حيث قال : حدثنا الحسين بن إسماعيل ، وإبراهيم بن دبيس بن أحمد، وغيرهما، قالوا : حدثنا أبو الوليد بن برد الأنطاكي، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن إبن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: ((لارضاع إلا ماكان في الحولين)).
قال الدارقطني : لم يسنده عن إبن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.[13]
وأخرجه الحافظ أبوبكر الحازمي بسنده عن الدارقطني.[14]
وقال الحافظ أبوبكر البيهقي : وقد أخبرنا أبوسعد أحمد بن محمد الماليني ، أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال سمعت عمر بن محمد الوكيل، يقول أخبرنا أبو الوليد بن برد الأنطاكي، أخبرنا الهيثم بن جميل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن إبن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: ((لايحرِّم من الرضاع إلا ماكان في الحولين)).[15]
سند الخبر المتقدم
رجال الإسناد هم :
1- إبراهيم بن دبيس بن أحمد بن علي الحداد. قال بشأنه أبوبكر الخطيب: ثقة.[16]
2- محمد بن أحمد بن الوليد بن محمد بن برد، أبو الوليد، الأنطاكي. قال بشأنه الدارقطني: ثقة.[17]
3- الهيثم بن جميل البغدادي ، أبوسهل، الأنطاكي. تقدم توثيق الدارقطني له، وقال إبن حجر: ثقة، من أصحاب الحديث، وكأنه ترك فتغير.[18] وقال أحمد بن حنبل: ثقة، ، وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة.[19]
4- سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون ، الهلالي، أبومحمد ، الكوفي. ومكانته عند السنة أشهر من أن تحتاج إلى بيان، قال بشأنه إبن حجر: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه ربما تغير بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار.[20]
5- عمرو بن دينار المكي، أبو محمد، الجمحي ، الأثرم. مكانته أيضا عند السنة أوضح من أن تحتاج إلى بيان. قال بشأنه الحافظ إبن حجر: ثقة، ثبت.[21]
وبهذا يتضح أن الخبر المتقدم صحيح الإسناد.
روايات أخرى تدل على بطلان رضاع الكبير
2- أخرج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني أبوداود الطيالسي وأبوبكر البيهقي ، والحارث بن أبي أسامة في مسنده وغيرهم بالإسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام ولا عتق إلا بعد ملك ولا طلاق الا بعد نكاح .[22]
3- وأخرج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني وأبوبكر البيهقي بالإسناد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لارضاع بعد الفصال.[23]
وأخرجاه عن أمير المؤمنين (ع) موقوفا.[24]
ثانيا : لما ورد عن عدة من الصحابة وحجيته تتم بالإلتفات الى أهمية الموضوع وكونه من المسائل كثيرة الإبتلاء ، والمعروف المتسالم بينهم أن الرضاع بعد الحولين لايوجب الحرمة، وقد ورد بهذا الشأن عدة روايات معتبرة، منها:
1- قال أبوبكر بن أبي شيبة في المصنف : حدثنا جرير ، عن ليث، عن زبيد، قال: قال علي(ع): (( لارضاع إلا ماكان في الحولين)).[25]
2- وقال أيضا : حدثنا وكيع ، عن أبي حباب، عن إسماعيل بن رجاء، عن النزّال بن سبرة، عن علي(ع) قال: ((لارضاع بعد الفصال)).[26]
3- وأخرج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في المصنف عن معمر، عن عمرو بن دينار، قال: قال إبن عباس: ((لارضاع بعد فصال، سنتين)).[27]
وأخرجه الحافظ الطبري في تفسيره بسنده عن عبد الرزّاق.[28]
وهذا الخبر صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
4- وأخرج عبد الرزّاق عن إبن عيينة ، عن عمر بن دينار قال: كان إبن عباس يقول: ((لارضاع إلا ماكان في الحولين)).[29]
وأخرجه الدارقطني بسنده عن سفيان بن عيينة، والبيهقي بسنده عن الدارقطني.[30]
وهذا الخبر صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
5- وقال أبوبكر بن أبي شيبة : حدثنا إبن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن إبن عباس، قال: ((لارضاع إلا ماكان في الصغر)).[31]
6- وأخرج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في المصنف عن مالك، عن نافع، عن إبن عمر أنه قال: ((لارضاع إلا لمن أُرضع في الصغر، ولارضاعة لكبير)).[32]
وهذا الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
7- وأحرج الحافظ عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن إبن عمر قال: لاأعلم الرضاع إلا ماكان في الصغر.[33]
وهذا الخبر كسابقه صحيح على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
8- وقال الحافظ أبوبكر بن أبي شيبة في المصنّف : حدثنا حفص، عن الشيباني، عن أبي الضحى، عن أبي عبد الرحمن، عن إبن مسعود، قال: ((لارضاع إلا ماكان في الحولين)).[34]
9- وقال أيضا : حدثنا عبدة ، عن هشام بن عروة، عن يحي بن عبد الرحمن بن حاطب، عن جده، أنه سأل أم سلمة عن الرضاع، فقالت: ((لارضاع إلا ماكان في المهد قبل الفِطام)).[35]
وهذا حديث صحيح على شرط مسلم بلا إشكال.
10- وقال أيضا : حدثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، أن أباهريرة سئل عن الرضاع فقال: ((لايحرِّم من الرضاع إلا مافتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفِطام)).[36]
وهذا الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم بلا إشكال.
11- وقال أيضا : حدثنا وكيع ، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: قال عمر: ((لارضاع بعد الفِصال)).[37]
وهذه طائفة من الروايات عن عدة من الصحابة الذين عاشوا في زمن الرسول (ص) والتقوا مع غيرهم ممن له علم، وفيهم من لاكلام في فضله وعلو مقامه وسعة علمه وإطلاعه، ولاسيما أمير المؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه. وهذه المسألة من مهمات المسائل التي هي محل الإبتلاء لاسيما في تلك الأزمنة، وليست من الأمور التي لم يرد فيها نص، خصوصا بعد ملاحظة أهميتها ومايترتب عليه من الأحكام. وكلام من تقدم فيه الكفاية على أن حكم الرضاع لايشمل الكبير. مضافا لدلالة قوله تعالى : ) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَة َ([38]، وقوله عز وجل: ) وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (.[39]
ومما يدل على بطلان الحديث وعدم تلقي الأمة له بالقبول حتى في عهد الصحابة والتابعين، ورفضهم له رفضا قاطعا مضافا لما تقدم ما أخرجه الحافظ عبد الرزّاق الصنعاني في المصنف عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أن القاسم بن محمد بن أبي بكر أخبره أن عائشة أخبرته أنّ سهلة بنت سهيل بن عمرو جاءت رسول الله ص ، فقالت: يا رسول الله ، إن سالم مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال، فقال رسول الله ص : أرضعيه تحرمي عليه .
قال ابن أبي مليكة : فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به رهبة ، ثم لقيت القاسم فقلت: لقد حدثتني حديثاً ما حدثته بعد، قال: وما هو؟ فأخبرته، فقال: حدث به عني أنّ عائشة أخبرتني به .[40]
قال الحافظ ابن عبد البر بعد أن نقل الخبر المتقدم : هذا يدلك على أنه حديث ترك قديما ولم يُعمل به، ولم يتلقه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه خصوص، والله أعلم، وممن قال رضاع الكبير ليس بشيء ممن رويناه لك عنه وصح لدينا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب d ، وعبد الله بن مسعود، وإبن عمر، وأبوهريرة، وإبن عباس، وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة، وجمهور التابعين، وجماعة فقهاء الأمصار، منهم الثوري، ومالك، وأصحابه، والأوزاعي، وإبن أبي ليلى، وأبوحنيفة ، وأصحابه، والشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور، وأبوعبيد ، والطبري .[41]
وبالجملة ، فهذا المقدار من التسالم بين المسلمين إلا من شذ على إختلاف مذاهبهم وطبقاتهم، من الصحابة فمن بعدهم لاإشكال في كاشفيته القطعية عن التلقي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاسيما بعد الإلتفات إلى أهمية المسألة.
بل وحتى ما روي بشأن الرخصة بشأن سالم أول الكلام، فظاهر قول أرضعيه، يدل على تلقيم الثدي ، على أن الروايات المتقدمة كافية في تكذيبه.
ثالثا : ومما يمكن أن يُرد به القول برضاعة الكبير النظر إلى الآثار السلبية والمفاسد التي هي حتمية الوقوع غالبا، ولا يتناسب ذلك مع حفظ مصالح النوع من مثل هذه المفسدة كما هو واضح جدا.
الكلام في وطيء المستأجرة
من ضروريات دين المسلمين حرمة الزنا، وأنه كما يتحقق بإرتكاب الفاحشة بلامقابل ثمن، يتحقق أيضا إذا إرتكب ذلك بإستئجار وفي مقابل ثمن، من غير فرق بين الزنا بالمحصنة أوغيرها، بل إن الزنا في مقابل ثمن إثمه أعظم وأكبر، حيث أنه يشتمل على ارتكاب الفاحشة، وبذل المال لأجله، وعلى هذا إتفاق فقهاء المسلمين قديما وحديثا، بل هو مما علم من الدين بالضرورة كما أسلفنا، وخالف في ذلك أبي حنيفة وجماعة من أتباعه فذهبوا إلى أن الزنا إنما يتحقق فيما إذا كان الوطئ بلامقابل ثمن، وأما إذا إرتكب الفجور فليس ذلك بزنا، وإن كان محرما في نفسه، فيلحق الولد بمرتكب الفاحشة، ولايقام الحد عليه، وإنما يقام عليه التعزير فقط، ولابأس بذكر العبارات المنقولة عنه بهذا الشأن:
1- قال ابن حزم في المحلى : (( ...قد ذهب الى هذا ابو حنيفة، ولم ير الزنا إلا ما كان مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء واستئجار فليس زنى ولاحد فيه.
وقال أبو يوسف ومحمد وأبوثور وأصحابنا وسائر الناس، هو زنى كله، وفيه الحد )).[42]
2- وقال القفال الشاشي في حلية العلماء :
(( فإن استأجر إمرأة ليزني بها فزنى بها، وجب عليه الحد، وكذلك إذا تزوج ذات رحم محرم، ووطئها وهو يعتقد تحريمها وجب عليه الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه في الموضعين جميعا)).[43]
3- وفي شرح تنوير الأبصار للحصكفي الحنفي : (( ولاحد بالزنا بالمستأجرة له، أي للزنا))، وقال ابن عابدين في حاشيته على هذا الكلام : ((وسكت عليه في النهر والمتون والشروح على قول الإمام)).[44]
4- وقال إبراهيم بن محمد الحلبي الحنفي في ملتقى الأبحر: (( ويحد بوطئ أمة أخيه أو عمه وإن ظن حلها، وكذا بوطئ إمرأة وجدها على فراشه وإن كان أعمى إلا أن دعاها فقالت أنا زوجتك، لابوطئ أجنبية زفت إليه وقلن هي زوجتك، وعليه المهر، ولابوطئ بهيمة وزنى في دار حرب أو بغي، ولابوطئ مَحْرَم تزوجها أو من مإستأجر بها خلافا لهما[45])).[46]
5- وفي المبسوط للسرخسي : (( قال : رجل استأجر امرأة ليزنى بها فزنى بها فلاحد عليهما في قول أبى حنيفة وقال وأبويوسف ومحمد والشافعى رحمهم الله تعالى عليهما الحد لتحقق فعل الزنا منهما)).[47]
6- وقال عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي في المختار للفتوى: ((ولو إستأجر إمرأة ليزني بها وزنى بها، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج، أو لاط فلاحد عليه، ويُعزر)).[48]
7- وقال إبن رشد القرطبي أثناء كلامه في موارد الخلاف في أحكام الزنا: ((ومنها مايراه أبوحنيفة من درء الحد عن واطئ المستأجرة)).[49]
وهذه الفتوى وإن عدت من الفتاوى التي دخلت ضمن نسيج الأبحاث الفقهية للأسف الشديد، ولكن بطلانها من أوضح الواضحات، والكلام فيها مع وضوح بطلانها يقع في جهتين:
الجهة الأولى
في أن الزنا أعم مما كان بالإستئجار وغيره
وقد عرفت مما تقدم أنه نسب الى أبي حنيفة أن الزنا لايتحقق إلا إذا كان مجانا وبلامقابل ثمن، بخلاف ماكان فيه عطاء وإستئجار، وبعض الأحناف إعتبر ذلك زنا، ولكن لاحد فيه، لأنه شبهة المهر، والحدود تدرأ بالشبهات كما هو المعروف في كتب الفقه.
وغير خفي بأن الشبهة إنما تتحقق بعد عدم البيان من قبل الشارع الأقدس، وعدم حكمه بالحرمة جهارا وصراحة كما هو ثابت بالضرورة بلاخلاف بين المسلمين، فلامعنى لتحقق الشبهة، وإنما المراد من الشبهات التي توجب دراءة الحد، هي مالايكون معها الأمر بينا، ويتحقق معه الغموض كما لو إشتبه بين الزوجة وغيرها أو نحو ذلك، فحينئذ لاخلاف في أن ذلك يوجب أن يدرأ الحد على المشتبه، وكذا مع الجهل بالحكم كما هو الحال بالنسبة لبعض حديثي العهد بالدين وليس لهم إطلاع، فقد وردت عدة من الروايات المعتبرة في كتب الشيعة والسنة أن ذلك مما يوجب عدم تعلق الحد، لافيما إذا كانت الحرمة ظاهرة معلومة.
وبالجملة فإخراجه من الزنا مما لامجال لقبوله، وذلك لأن كون ذلك من المحرمات من أوضح واضحات الدين، بل إن الوطئ المحرم مع الإستئجار فيم إثم أعظم وأغلظ كما قدمنا.
الجهة الثانية
في بيان مقتضى الأدلة في المسألة
وبطلان ماتقدم وإن كان مما ثبت من الدين بالضرورة، ولكن لابأس مع ذلك بعرض أدلة المدعي والنظر فيما تقتضيه القواعد الشرعية. وقد أستدل على عدم إقامة الحد بمن زنى مع الإستئجار بأمرين:
الأول : أن الإستئجار منشأ لحصول الشبهة الموجبة لدرائة الحد، وقد عبر عنها بشبهة المهر، إذ أن الإستئجار وإن لم يكن معه عقد ولكنه شبيه بالمهر.[50]
وهذا التوجيه ذكره عدة من فقهاء الأحناف، وإن لم ينقل عن أبي حنيفة، ومع هذا فهو توجيه باطل لايمكن قبوله لما قدمناه من أنه لامعنى لتحقق الشبهة مع العلم بالحكم، بل بعد بيان الشارع الثابت بالضرورة، لامجال لحصول الإشتباه.
قال السرخسي الحنفي في مقام الإستدلال على أن الوطئ بالإستئجار يعتبر زنا كما لو كان بدونه وفاقا لما عليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي : لتحقق فعل الزنا منهما فان الاستئجار ليس بطريق لاستباحة البضع[51] شرعا فكان لغوا بمنزلة مالو استأجرها للطبخ او الخبز ثم زنى بها وهذا لان محل الاستئجار منفعة لها حكم المالية والمستوفي بالوطء في حكم العتق وهو ليس بمال أصلا والعقد بدون محله لاينعقد أصلا فاذا لم ينعقد به كان وهو والاذن سواء ولو زنى بها باذنها يلزمه الحد .[52]
ولكنه أجاب بأن أباحنيفة إستدل بخبرين عن عمر بن الخطاب.
وإستدل ثانيا بعدم كون الوطيء في مقابل ثمن زنا شرعا وأنه لاحد فيه بقوله تعالى: ) فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ([53]، حيث قال: سمى المهر أجرا ولو قال أمهرتك كذا لازنى بك لم يجب الحد فكذلك اذا قال استأجرتك توضيحه أن هذاالفعل ليس بزنا وأهل اللغة لايسمون الوطء الذى يترتب على العقد زنا ولايفصلون بين الزنا وغيره الا بالعقد فكذلك لايفصلون بين الاستئجار والنكاح لان الفرق بينهما شرعى وأهل اللغة لايعرفون ذلك فعرفنا ان هذا الفعل ليس بزنا لغة وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد حقا لله تعالي كما لايجب الحد على المختلس لان فعله ليس بسرقة لغة يوضحه أن المستوفى بالوطء وان كان في حكم العتق فهو في الحقيقة منفعة والاستئجار عقد مشروع لملك المنفعة وباعتبار هذه الحقيقة يصير شبهة بخلاف الاستئجار للطبخ والخبز ولان العقد هناك غير مضاف إلى المستوفى بالوطء ولا إلى ماهو سبب له والعقد المضاف إلى محل يوجب الشبهة في ذلك المحل لافى محل آخر.[54]
ويمكن الجواب عنه :
أولا : بأن الخبرين المذكورين لايمكن قبولهما بحال من الأحوال كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى .
ثانيا : إذا قلنا بأن الزنا من المفاهيم اللغوية أو العرفية، فلا إشكال في أن الزنا عند العرف أو اللغة هو الوطئ غير المشروع والذي لايصح وقوعه مع العلم بعدم جوازه، وصدق عنوان الإستئجار عليه لاينفي كونه زنا، وغاية مافي الأمر يعد ذلك مالا لاتصح معه إنتقال الملكية لعدم المنفعة المحللة المقصودة، وكذا لو قلنا بأنه من الألفاظ الشرعية او المتشرعية، على أن الشبهة إنما تتحقق مع جهل المكلف بالحكم أو الموضوع، وأما مع علمه بالتشريع وبحرمة الوطئ مطلقا فلامعنى لتخلل الشبهة حينئذ، والإشتباه المذكور غايته أنه إشباه في اللفظ لافي حقيقة مفهوم الزنا كما هو واضح.
الثاني : بعض روايات وهي :
1- ما أخرجه الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في المصنف حيث قال: أخبرنا إبن جريج، حدثني محمد بن الحارث بن سفيان، عن أبي سلمة بن سفيان: (( أن إمرأة جاءَت عمر بن الخطاب، فقالت: ياأمير المؤمنين، أقبلت أسوق غنما، فلقيني رجل، فحفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم أصابني. فقال عمر: قلت ماذا؟، فأعادت، فقال عمر ويشير بيده: مهر، مهر، ويشير بيده كلما قال، ثم تركها)).[55]
وأخرجه إبن حزم في المحلى بسنده عن عبد الرزاق.[56]
2- ما أخرجه الحافظ عبد الرزاق أيضا عن إبن عيينة، عن الوليد بن عبدالله، عن أبي الطفيل: ((أنَّ إمرأة أصابها جوع فأتت راعياً، فسألته الطعام، فأبى عليها حتى تعطيه نفسها. قالت: فحثى لي ثلاث حثيات من تمر، وذكرت أنها كانت جهدت من الجوع، فأخبرت عمر، فكبّر وقال: مهر، مهر، مهر، كل حفنة مهر، ودرأ عنها الحد)).[57]
وأخرجه إبن حزم أيضا بسنده عن عبد الرزاق.[58]
وهذا الخبر صحيح الإسناد على شرط مسلم.
وكلا الخبرين لايمكن قبولهما، لأن مقتضاهما كون المبلغ الذي دفع لأجل إرتكاب الفاحشة مهراً موجبا لدرائة الحد، وأن دراءة الحد ليس من جهة الإضطرار، وإنما هو لأجل المبلغ الذي دفع لأجل إرتكاب المنكر والعياذ بالله تعالى.
وبعبارة أخرى فالتعبير عن المقابل الذي أعطي لأجل إرتكاب الفاحشة بالمهر لايمكن قبوله، لماثبت من حرمة ذلك بالضرورة، وأن الزنا لافرق فيه بين أن يكون في مقابل ثمن أو بدونه، والخوض في هذه المسألة لإثبات الحق بمايزيد عن ذلك لغو في غير محله.
ولنختم الكلام بما ذكره إبن حزم الظاهري في المحلى حيث يقول:
وأما المالكيون والشافعيون فعهدنا بهم يشنعون خلاف الصاحب الذي لايعرف له مخالف إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا عمر رضي الله عنه ولايعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، بل يعدون مثل هذا إجماعا، ويستدلون على ذلك بسكوت الحضرة من الصحابة عن النكير لذلك.
فإن قالوا : إن أبا الطفيل ذكر في خبره أنها قد كان جَهَدَها الجوع.
قلنا لهم : وهذا أيضا أنتم لاتقولون به، ولاترونه مسقطاً للحد، فلا راحة لكم في رواية أبي الطفيل، مع أن خبر أبي الطفيل ليس فيه أن عمر عذرها بالضرورة، بل فيه: أنه درأ الحد من أجل التمر الذي أعطاها وجعله عمر مهراً.
وأما الحنفيون المقلدون لأبي حنيفة في هذا، فمن عجائب الدنيا التي لايكاد يوجد لها نظير، أن يقلدوا عمر في إسقاط الحد ههنا بأن ثلاث حثيات من تمر مهر، وقد خالفوا هذه القضية بعينها، فلم يجيزوا في النكاح الصحيح مثل هذا وأضعافه مهراً، بل منعوا من أقل من عشرة دراهم في هذا، فهذا هو الإستخفاف حقاً، والأخذ بما إشتهوا من قول الصاحب حيث إشتهوا، وترك ما إشتهوا من قول الصاحب إذا إشتهوا، فما هذا دينا، وأف لهذا عملاً، إذ يرون المهر في الحلال لايكون إلا عشرة دراهم لا أقل، ويرون الدرهم فأقل مهراً في الحرام، ألا إن هذا هو التطويق إلى الزنا، وإباحة الفروج المحرّمة، وعون لإبليس على تسهيل الكبائر، وعلى هذا لايشاء زان ولازانية أن يزنيا علانية إلا وفعلا وهما في أمن من الحد، بأن يعطيها درهما يستأجرها به للزنى.
فقد علموا الفساق حيلة في قطع الطريق بأن يحضروا مع أنفسهم إمرأة سوء زانية، وصبيا بغّاء، ثم يقتلوا المسلمين كيف شاؤا، ولاقتل عليهم من أجل المرأة الزانية والصبي البغّاء، فكلما استوقروا من الفسق خفت أوزارهم وسقط الخزي والعذاب عنهم، ثم علموهم وجه الحيلة في الزنا، وذلك بأن يستأجرها بتمرتين وكسرة خبز ليزني بها في أمن وذمام من العذاب بالحد الذي افترضه الله تعالى.
ثم علموهم الحيلة في وطيء الأمهات والبنات، بأن يعقدوا معهن نكاحا، ثم يطئوهن علانية آمنين من الحدود. أنتهى كلام ابن حزم.[59]
أقول : وأمر المسألة واضح غاية الوضوح كما ترى.
الكلام في العقد على المحارم
وطيء المحارم مع العلم بقرابتهن وبحرمة الوطئ وفساد العقد زنا بلا إشكال ثابت بالضرورة، بل بحكم العقل والعقلاء على إختلاف مذاهبهم ونحلهم حتى الفسقة والإباحيين إلا من شذ، وهو المعروف بين فقهاء الأمة الإسلامية وخالف في ذلك أبو حنيفة وسفيان الثوري فذهبا إلى أن الزنا الموجب بالحد إنما يتحقق في المحارم إذا وطئهن بغير عقد، وأما إذا فعل ذلك مع العقد، فلاحد في ذلك، ويلحق الولد به، وصرح عدة من فقهاء الأحناف أن ذلك يوجب إستحاق المهر.
يقول أبوجعفر الطحاوي الحنفي في شرح معاني الآثار:
(( فذهب قوم إلى أن من تزوج ذات محرم منه، وهو عالم بحرمتها عليه، فدخل بها، أن حكمه حكم الزاني، وأنه يُقام عليه حد الزنا، الرجم أو الجلد، وإحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا : لايجب في هذا حد الزنا، ولكن يجب فيه التعزير والعقوبة البليغة، وممن قال بذلك ابوحنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله)).[60]
وقال إبن حزم الأندلسي في المحلى :
(( فقالت طائفة : من تزوج أمه أو إبنته أو حريمته أو زنى بواحدة منهن، فكل ذلك سواء، وهو كله زنى، والزواج كله زواج إذا كان عالما بالتحريم، وعليه حد الزنى كاملاً، ولايلحق الولد في العقد. وهو قول الحسن ومالك والشافعي وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة، إلا أن مالكاً فرق بين الوطئ في ذلك بعقد النكاح، وبين الوطئ في بعض ذلك بملك اليمين، فقال فيمن ملك بنت أخيه، أو بنت أخته، وعمته، وخالته، وإمرأة أبيه، وإمرأة إبنه بالولادة، وأمه نفسه بالرضاعة، وإبنته من الرضاعة، وأخته من الرضاعة، وهو عارف بتحريمهن، وعارف بقرابتهن منه، ثم وطئهن كلهن، عالماً بما عليه في ذلك، فإن الولد لاحق به، ولاحد علي، لكنه يعاقب.
ورأى أن من ملك أمه التي ولدته، وإبنته، وأخته، بأنهن حرائر ساعة يملكهن، فإن وطئهن حُد حد الزاني.
وقال أبو حنيفة : لاحد عليه في ذلك كله، ولاحد على من تزوج أمه التي ولدته، وإبنته، وأخته، وعمته، وخالته، وبنت أخيه، وبنت أخته، عالما بقرابتهن منه، عالماً بتحريمهن عليه، ووطئهن كلهن، فالولد لاحق به، والمهر واجب لهن عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط، وهو قول سفيان الثوري.
قالا : فإن وطئهن بغير عقد نكاح فهو زنى عليه ماعلى الزاني من الحد)).[61]
وقال الكاساني الحنفي في بدائع الصانع :
(( .. وكذا إذا نكح محارمه أو الخامسة أو أخت إمرأته فوطئها لاحد عليه عند أبي حنيفة، وإن علم بالحرمة، وعليه التعزير، وعندهما والشافعي رحمهم الله تعالى الحد …)).[62]
وفي الدر المختار للحصكفي الحنفي : (( ولاحد أيضا بشبهة العقد أي عقد النكاح عنده أي الإمام[63] كوطئ محرم نكحها، وقالا[64]: إن علم الحرمة حُد، وعليه الفتوى، لكن المرجح في جميع الشروح قول الإمام، فكان الفتوى عليه أولى، قاله القاسم)).
الى أن قال : (( وفي المجتبى : تزوج بمحرمه أو منكوحة الغير أو معتدته ووطئها ظانا الحل لايُحد ويعزر، وإن ظانا الحرمة فكذلك عنده، خلافا لهما)).[65]
وقال الشعراني الحنفي في الميزان أثناء ذكره لإختلاف أئمة المذاهب الأربعة: (( ومن ذلك قول مالك والشافعي وأحمد: لو عقد على محرم من نسب أو رضاع أو على معتدة من غيره، ثم وطئ في هذا العقد عالما بالتحريم وجب عليه الحد، مع قول أبي حنيفة أنه يعزر فقط)).[66]
وقال إبن مودود الحنفي الموصلي في الإختيار : (( ولو تزوج مجوسية أو خمسة في عقده، أو جمع بين الأختين، أو تزوج بمحارمه فوطئها فإنه لايحد عند أبي حنيفة رحمه الله وإن قال علمت أنها عليّ حرام، وعندهما يُحد)).[67]
وقد تقدم نقل القفال الشاشي بهذا الشأن عند الكلام في حكم وطئ المستأجرة.
وهذه بعض العبارات، وهي كتب الفقه كثيرة جداً.
وقد علل فقهاء الأحناف هذا الحكم بأنه شبهة، عبروا عنها بشبهة العقد، وأنها توجب دراءة الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والعجب من بعضهم كالكاساني الحنفي في بدائع الصانع أنه حاول إستفادة ذلك من القرآن الكريم حيث قال:
(( وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن لفظ النكاح صدر من أهله مضافا إلى محله، فيمنع وجوب الحد، كالنكاح بغير شهود، ونكاح المتعة، ونحو ذلك، ولاشك في وجود لفظ النكاح والأهلية، والدليل على المحلية أن محل النكاح هو الأنثى من بنات سيدنا آدم عليه السلام النصوص والمعقول.
أما النصوص فقوله سبحانه وتعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}[68]، وقوله سبحانه وتعالى: ((هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزوجا لتسكنوا إليها))[69]، وقوله سبحانه وتعالى: ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ([70]، جعل الله سبحانه وتعالى النساء على العموم والإطلاق محل النكاح والزوجية.
وأما المعقول ، فلأن الأنثى من بنات سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام محل صالح لمقاصد النكاح من السكنى والولد والتحصين وغيرها فكانت محلا لحكم النكاح…)).[71]
وبطلان كلامه وإن كان من الواضحات، ولكن مع هذا يمكن الإجابة عليه:
أولا : المستفاد من مجموع آيات القرآن الكريم ليس كل إمرأة تصلح للزوجية، وإنما في النساء من لايصلحن كالمحارم والمتزوجة، ولو فرضنا إطلاق أو عموم الآيات الكريمة المذكورة، ولكن تقرر في محله كما لاخلاف فيه بين علماء الأصول أن العمل بالعام أو المطلق لايصح قبل الفحص عن المقيد والمخصص، وقد إشتهر بينهم أنه مامن عام إلا وقد خصص ومامن مطلق إلا وقد قيد إشارة منهم لكثرة التقييدات والتخصيصات المنفصلة.
ثانيا : إنعقاد الإطلاق والعموم أول الكلام، حيث أن إنعقاده متوقف على عدم القرينة المانعة منه، ولاشك أن إرتكاز المتدينين بل مطلق العقلاء في زمان الشارع الأقدس قرينة حالية كافية لمنع إنعقاد مثل هذا الإطلاق أو العموم المدعى.
ثالثا : إنعقاد مثل هذا الطلاق غير ممكن حتى مع عدم وجود القرينة الصارفة، لأن الآيات في مقام أصل التشريع لافي مقام البيان، وقد تقرر في أبحاث علم الأصول أن الإطلاق إنما ينعقد فيما إذا كان المتكلم في مقام البيان، وتفصيل الكلام فيه مما لايسعه المقام.
رابعا : لو تنزلنا وقلنا بتمامية ماذكره في نفسه من دعوى دلالة القرآن الكريم والعقل، فذلك لايوجب الشبهة، إذ الشبهة إنما تقع مع الجهل وعدم وضوح الحكم أو الموضوع، لامع بيان الشارع الأقدس الثابت بالضرورة، فدعوى الشبهة معها بين البطلان كما هو في غاية الوضوح.
ولابأس أن نختم الكلام في المسألة بعدة أحاديث بشأن من وطأ أحد محارمه الدالة بإطلاقها على الحكم مع العقد وبدونه، فمن تلك الروايات:
الكلام في وطيء المستخدمة
ومن المسائل التي تتفرع على ماتقدم وطئ المستخدمة، قال إبن حزم في المحلى: فروي عن إبن الماجشون صاحب مالك: أنَّ المخدمة سنين كثيرة لاحد على المخدم إذا وطئها.[72]
أقول : وفساد هذا القول في غاية الظهور، يتضح مما تقدم، ثُم أنه لوسلمنا بماهذا القول الفاسد فما هو الفرق بين السنين الكثيرة والقليلة، فإذا كان الميزان هو الخدمة فهي متحققة في كلا الحالين.
الكلام في من زنى بإمرأة ثم تزوجها
ويلحق به من زنى بأمة ثم إشتراها، قال إبن حزم في المحلى : من زنى بإمرأة ثم تزوجها لم يسقط الحد بذلك عنه، لأن الله تعالى قد أوجبه عليه، فلايسقطه زواجه إياها، وكذلك إذا زنى بأمة ثم إشتراها، وهو قول جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لاحد عليه في كلتا المسألتين.[73]
وفي المبسوط للسرخسي : (( قال : رجل زنى بأمة أو حرة ثم قال اشتريتها درئ عنه الحد لانه ادعى سببا مبيحا فان الشراء في الامة يفيد ملك المتعة وفى الحرة النكاح فانه ينعقد بلفظ الشراء فكان دعواه الشراء كدعوى النكاح وقد بيناأن مجرد دعوى النكاح يسقط الحد)).[74]
والجواب عنها ظاهر، وفيما تقدم في المسائل السابقة كفاية.


[1] المحلى بالآثار ج10 ص202 مسألة 2020.

[2] الإعتبار للحازمي ص444.

[3] المصنف للصنعاني ج7 ص 458 ح13883.

[4] فقه السنة للسيد سابق ج2 ص71.

[5] موطأ مالك ج2 ص605، 606، التمهيد في شرح الموطأ ج 8 ص 249.

[6] التمهيد في شرح الموطأ ج 8 ص 250.

[7] المصنف للصنعاني ج 7 ص 458 ح 13883.

[8] الاحزاب : 5.

[9] المصنف للصنعاني ج7 ص459 ح13885.

[10] صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج2 ص1078 ح1454.

[11] راجع مثلاً : التمهيد في شرح الموطأ ج 8 ص250، السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص 459، الإعتبار للحازمي ص443، سنن النسائي ج6 ص105.

[12] التمهيد في شرح الموطأ ج 8 ص257.

[13] سنن الدارقطني ج4 ص174.

[14] الإعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار لأبي بكر الحازمي ص446.

[15] السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص 462.

[16] تاريخ بغداد ج6 ص72 رقم 3105.

[17] تاريخ بغداد ج1 ص368 رقم 311.

[18] تقريب التهذيب ص577 رقم 7359.

[19] تهذيب الكمال ج30 ص365 رقم 7935.

[20] تقريب التهذيب ص245 رقم 2451.

[21] تقريب التهذيب ص 421 رقم 5024.

[22] السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص319، 320، مسند الحارث بن أسامة الطوسي ج1 ص439، مسند أبي داود الطيالسي ص234 ح1767، المصنف للصنعاني ج7 ص 464 ح13899.

[23] المصنف للصنعاني ج7 ص 464 ح13897، السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص461.

[24] المصنف للصنعاني ج7 ص 464 ح13898، السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص461.

[25] المصنف لإبن أبي شيبة ج3 ص 550 ح17052.

[26] المصنف لإبن أبي شيبة ج3 ص 550 ح17055.

[27] المصنف للصنعاني ج7 ص464 ح13901.

[28] تفسير الطبري ج2 ص492.

[29] المصنف للصنعاني ج7 ص465 ح13903.

[30] سنن الدارقطني ج4 ص174، السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص462.

[31] المصنف إبن أبي شيبة ج3 ص550 ح17053.

[32] المصنف للصنعاني ج7 ص465 ح13905.

[33] المصنف للصنعاني ج7 ص465 ح13904.

[34] المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص550 ح17051.

[35] المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص550 ح17056.

[36] المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص550 ح17057.

[37] المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص550 ح17054.

[38] البقرة : 233.

[39] لقمان : 14.

[40] المصنف للصنعاني ج7 ص458 ح13884.

[41] التمهيد في شرح الموطأ ج8 ص260.

[42] المحلى بالآثار ج12 ص196 مسألة2218.

[43] حلية الفقهاء في معرفة مذاهب الفقهاء لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال ج8 ص15.

[44] حاشية إبن عابدين ج4 ص 31.

[45] يعني أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني.

[46] ملتقى الأبحر ج1 ص 333.

[47] المبسوط للسرخسي ج9 ص58.

[48] الإختيار لتعليل المختار لإبن مودود الحنفي الموصلي ج4 ص 90.

[49] بداية المجتهد إبن رشد ج2 ص434.

[50] ملتقى الأبحر ج1 ص332.

[51] المقصود من البضع في عبارات الفقهاء المحل المقصود المتعارف للوطئ الذي يكون حلالا بالزواج، أو ملك اليمين.

[52] المبسوط للسرخسي ج9 ص 58.

[53] النساء : 24.

[54] المبسوط للسرخسي ج9 ص58، 59.

[55] المصنف للصنعاني ج7 ص 406، 407 ح13652.

[56] المحلى بالآثار ج12 ص 196 مسألة 2218.

[57] المصنف للصنعاني ج7 ص 407 ح13653.

[58] المحلى بالآثار ج12 ص 196 مسألة 2218.

[59] المحلى بالآثار ج12 ص 196، 197 مسألة 2218,

[60] شرح معاني الآثار ج3 ص 149.

[61] المحلى بالآثار ج12 ص 200، 201 مسألة 2220.

[62] بدائع الصانع ج7 ص 35.

[63] المقصود هو أبوحنيفة.

[64] يعني أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.

[65] الدر المختار المطبوع مع حاشية إبن عابدين ج4 ص 25، 26.

[66] كتاب الميزان للشعراني ج3 ص321.

[67] الإختيار لتعليل المختار ج4 ص 90.

[68] النساء : 3.

[69] ماذكر إشتباه، والصحيح قوله عزوجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم : 21.

[70] النجم : 45.

[71] بدائع الصانع ج7 ص 36.

[72] المحلى بالآثار ج12 ص 198 مسألة 2218.

[73] المحلى بالآثار ج12 ص198 مسألة 2219.

[74] المبسوط للسرخسي ج9 ص 59.