بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على محمد وآله الطاهرين

أمر المسلمين بكتابة سنته ومع أن أنصار دولة الخلافة التاريخية قد أنكروا إنكارا تاما أمر الرسول للمسلمين بكتابة وتدوين السنة النبوية ، وسخروا كل موارد الدولة وأعلامها لإثبات هذا الإنكار ، إلا أن قوة السنة النبوية ، وثبوت أمر الرسول بكتابتها وتدوينها اضطرهم اضطرارا لتسريب بعض الروايات والأخبار التي تؤكد بأن الرسول قد أمر المسلمين بكتابة وتدوين السنة النبوية:

الرواية الأولى :
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبوه من أركان دولة الخلافة ( كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ، أريد حفظه ، فنهتني قريش ! ! وقالوا : تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله ، فأومأ الرسول إلى فمه وقال : أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ) (سنن أبي داود ج 2 ص 126 ، وسنن الدارمي ج 1 ص 125 ، ومسند أحمد ج 2 ص 162 و 207 و 216 ، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 105 و 106 ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج 1 ص 85 ، وكتابنا المواجهة ص 254 )

وهذه الرواية الصحيحة تكشف لنا بوضوح أسباب إنكارهم بأن الرسول قد أمر بكتابة السنة ، وأسباب منعهم لكتابة ورواية سنة الرسول ، ومن هم الذين كانوا يقفون وراء ذلك ، فالسنة النبوية، كشفت أعداء الله ورسوله ووصفتهم وصفا دقيقا لا يخفى على عاقل ورتبت نظام الحكم لعصر ما بعد النبوة ترتيبا دقيقا ، وبينت من هم الأئمة الذين سيقودون الأمة من بعد وفاة النبي ، هذه الأمور التي بينتها السنة النبوية لم تعجب زعامة بطون قريش التي كانت تطمع بالاستيلاء على ملك النبوة ، لذلك كانت تشكك بالرسول وبكل ما يصدر عن الرسول ، وتشيع بأن كافة ما ورد في السنة من أمور الدنيا ، مجرد اجتهادات شخصية من الرسول كبشر ، أملاها عليه غضبه من قوم ، أو رضاه على آخرين ! ! لذلك كانت تقاوم كتابة سنة الرسول وتدوينها ، وتنشر الشائعات الكاذبة ضد الرسول وسنته والرسول على قيد الحياة ! !

الرواية الثانية :
روى البخاري ( أن رجلا من أهل اليمن سمع رسول الله ، فقال : أكتب لي يا رسول الله فقال الرسول : أكتبوا لأبي فلان ) (صحيح البخاري ج 1 ص 22 ، وأبو فلان هو أبو شاه كما في الترمذي ج 10 ص 135 ، راجع معالم المدرستين ج 2 ص 55 ) .

وروى أيضا ( فقام أبو شاه - رجل من اليمن - فقال أكتبوا لي يا رسول الله فقال الرسول : اكتبوا لأبي شاه ، قال الراوي قلت للأوزاعي ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله ؟ قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ) (صحيح البخاري ج 3 ص 95 ، وتدوين القرآن للشيخ علي الكوراني ص 277 ) .

الرواية الثالثة :
روى الترمذي : ( أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى النبي فيسمع من الحديث فيعجبه ولا يحفظه فشكا ذلك إلى النبي فقال له الرسول : استعن بيمينك وأومأ بيده أي خط ) (سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الرخصة ج 10 ص 134 ) .

الرواية الرابعة :
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ( قلت يا رسول الله : أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال الرسول : نعم ، قال : قلت : في الرضا والغضب ؟ قال الرسول : نعم ، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا ) ، وفي رواية أخرى ( إني أسمع منك أشياء أفأكتبها ؟ قال الرسول نعم ) (مسند أحمد ج 2 ص 207 ) .

الرواية الخامسة :
قال عبد الله بن عمرو قال رسول الله : ( قيدوا العلم ، قلت وما تقييده ؟ قال الكتابة ) قال أنس : قيدوا العلم بالكتابة رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح وقال أنس : ( شكا رجل إلى النبي سوء الحفظ فقال النبي استعن بيمينك ، وروى أبو هريرة مثل ذلك ) (مجمع الزوائد ج 1 ص 150 باب كتابة العلم ، وراجع تدوين القرآن للشيخ علي الكوراني ص 378 ) .

الرواية السادسة :
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ( قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديثا لا نحفظها أفلا نكتبها ؟ قال : بلى فاكتبوها ) (مسند أحمد ج 2 ص 215 ) .

الرواية السابعة :
إن الخليفة أبا بكر نفسه كتب بيده خمسمائة حديث أثناء حياة الرسول ، وانتقل الرسول إلى جوار ربه وهذه الأحاديث مكتوبة عنده ، وبعد وفاة الرسول وعملا بتوجهاته وتوجهات دولة بطون قريش قام الخليفة الأول بإحراق الأحاديث النبوية التي سمعها من الرسول وكتبها بخط يده ! ! ) (راجع تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 5 ، وكنز العمال للمتقي الهندي ج 10 ص 285) .

وهذا يؤكد تأكيدا قاطعا بأن كتابة سنة الرسول كانت أمرا مألوفا ومستقرا وشائعا عند المسلمين حال حياة الرسول .

الرواية الثامنة :
قال ابن سعد في طبقاته : إن أحاديث رسول الله قد كثرت على عهد عمر بن الخطاب فناشد الناس أن يأتوه بها ، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ) (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 140 )

وحرقت فعلا ! !

يبدو أن الخليفة قد أوهم الناس بأنه يريد جمع سنة الرسول في كتاب واحد ، هذا هو السبب الذي دفع المسلمين لتسليم المكتوب عندهم من سنة الرسول للخليفة ، وعندما اعتقد الخليفة أن سنة الرسول المكتوبة قد أصبحت في قبضة يده ، أعلن الخليفة أن جمع السنة في كتاب واحد عمل غير مناسب ، وعبر عن ذلك بقوله : ( لا كتاب مع كتاب الله ) وكان هذا التبرير كافيا لإحراق ما تجمع عنده من سنة الرسول المكتوبة ! ! ومن الطبيعي أن الذين سلموا مخطوطاتهم للخليفة لا يمكنهم أن يطالبوا باستردادها بعد أن عرفوا مقاصد الخليفة ، لأن الخليفة هو الدولة ، ولا طاقة لفرد أو لمجموعة بالوقوف ضد رغبة وتوجه دولة قوية ومستقرة . وما يعنينا في هذا المقام هو التأكيد على أن كل قادر على الكتابة قد كتب أثناء حياة الرسول شيئا من سنة الرسول ، واحتفظ بها عملا بحث الرسول وتوجيهاته المستمرة لكتابة السنة .

الرواية التاسعة :
بعد أن تمكن الخليفة من جمع ما أمكنه جمعه من سنة الرسول ، المكتوبة وإحراق ما جمعه منها ، عمم على كافة الأمصار الخاضعة لولايته ( من كان عنده شئ من ذلك - أي من سنة الرسول المكتوبة - فليمحه ) (راجع كنز العمال ج 1 ص 291 )

وتم تبرير ذلك أيضا بالقول : ( لا كتاب مع كتاب الله ) وشعار ( لا كتاب مع كتاب الله ) تفريع من شعار ( حسبنا كتاب الله ) ذلك الشعار الذي رفعوه بوجه رسول الله ، وحالوا بينه وبين ما أراد كتابته عندما كان رسول الله قاعدا على فراش الموت .

الرواية العاشرة :
من أواخر الكلمات الخالدة التي قالها الرسول الأعظم قبيل وفاته بقليل ، ( قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا )، أو قال : ( إئتوني بالكتف واللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، أو قال إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) (راجع كتاب نظرية عدالة الصحابة ص 287 وما فوق تجد التفاصيل ، وراجع صحيح البخاري ج 7 ص 9 ، وصحيح مسلم ج 5 ص 75 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 95 ، ومسند أحمد ج 4 ص 256 ح 2992 ، وشرح النهج ج 6 ص 51 ، وصحيح البخاري ج 4 ص 31 ، وصحيح مسلم ج 2 ص 16 وج 11 ص 94 - 95 بشرح النووي ، ومسند أحمد ج 1 ص 355 ، وتاريخ الطبري ج 2 ص 193 ، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 370 ، وتذكرة الخواص ص 62 ، وشرح العالمين وكشف ما في الدارين للغزالي وكتابنا ( الهاشميون في الشريعة والتاريخ ) ص 235 )

وخلاصة هذه الواقعة أن الرسول وهو على فراش الموت أراد أن يكتب توجيهاته النهائية وأن يلخص الموقف للأمة ، وأن يكتب وصيته كنبي ، وكإمام للأمة ، أو كمسلم على الأقل إلا أن زعامة بطون قريش برئاسة عمر بن الخطاب ، تصدوا للنبي وحالوا بينه وبين ما أراد كتابته ، وقالوا على مسمعه الشريف ( النبي يهجر ، ولا حاجة لنا بكتابه حسبنا كتاب الله ، وأكثروا من اللغط والتنازع ، فطلت النسوة من وراء الستر ، فقلن ألا تسمعوا رسول الله يقول : ( قربوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ؟ ! ) فنهرهن عمر بن الخطاب وقال لهن إنكن صويحبات يوسف فقال النبي إنهن خير منكم ) ، كانت هذه الجملة من أواخر الكلمات التي تلفظ بها رسول الله قبل أن تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها . وهذه الرواية الصحيحة والمتواترة عند القوم ، والتي أجمع أهل بيت النبوة وأجمعت الأمة على وقوع أحداثها بالفعل ، تثبت بأن الرسول الأعظم كان يأمر بكتابة وتدوين سنته ، وأن الكتابة والتدوين هما الطريق الطبيعي وتكشف هذه الرواية أيضا بأن زعامات الأكثرية - التي حاربت الرسول حتى اضطرها للاستسلام فأسلمت - كانت ضد فكرة تدوين وكتابة سنة الرسول ، وضد رواية أحاديث الرسول ، لأن هذه الزعامات قد أدركت خطورة سنة الرسول على مشاريعها المتعلقة بالاستيلاء على ملك النبوة بعد وفاة النبي حيث لن تتمكن تلك الزعامات من تنفيذ مقاصدها وأهدافها إلا بغياب السنة ، أو تغييبها ، أو التشكيك بعدم شرعيتها ، أو سحب الصفة الإلزامية منها ، وهذا هو السر الكامن وراء نهيهم السري عن كتابة ورواية أحاديث الرسول أثناء حياة الرسول ، وهذا هو السر الذي دفعهم للاستماتة للحيلولة بين الرسول وبين ما أراد كتابته أثناء مرضه ، لأنهم قد أيقنوا بأن الرسول إن كتب ما أراد سيفشل كافة مخططاتهم ، أو سيفضحها على الأقل . ومع أن الأكثرية كانت تقف وراء تلك الزعامات ، إلا أنها لم تجرؤ على إعلان نواياها الحقيقية ، بل كانت ترفع شعارات إسلامية لتبرر مقاصدها غير الإسلامية فمثلا عندما حالوا بين الرسول وبين كتابة ما أراد وقالوا له أن تهجر وكسروا خاطره الشريف وهو على فراش الموت برروا هذا العمل الإجرامي المقيت بقولهم : ( حسبنا كتاب الله ) أي أن القرآن يغني عن الرسول وعن سنته ! ! !

وعندما جمعوا المكتوب من سنة الرسول ، ومنعوا كتابة ورواية سنة الرسول ، لم يقولوا بأنهم ضد سنة الرسول إنما رفعوا شعار ( حسبنا كتاب الله ، وشعار لا كتاب مع كتاب الله ! ! ! لقد صمموا أن يحققوا تحت خيمة الإسلام ما عجزوا عن تحقيقه في ميادين المقاومة والقتال أثناء مقاومتهم للنبي ولدينه قبل الهجرة ومحاربتهم لرسول الله ولدينه وللمؤمنين بعد الهجرة ! ! .

الرواية الحادية عشرة :
وما يؤكد أمر الرسول للمسلمين كتابة وتدوين سنته ، أنه كان يأمر بكتابة ما هو أقل أهمية من سنة الرسول . قال البخاري في صحيحه : إن النبي قد قال : ( اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس ، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل . . . ) (صحيح البخاري ج 4 ص 33 ) .

وقال الهيثمي : قدم وفد بجيلة على رسول الله فقال الرسول : ( أكتبوا البجليين وابدؤوا بالأخمسين ) (مجمع الزوائد للهيثمي ج 10 ص 48 ) .

وعلق الشيخ علي الكوراني على ذلك بالقول بأن رسول الله هو أول من دون الدواوين وليس الخليفة عمر كما يذكر البعض ) (تدوين القرآن للشيخ علي الكوراني ص 232 - 233 ) .

الرواية الثانية عشرة :
لقد حث رسول الله على طلب العلم ، ورغب في طلبه بكل وسائل الترغيب الشرعية ، فأي علم أفضل من علمي الكتاب والنبوة ، لقد أدرك المسلمون ذلك ، وكتب كل قادر منهم ما رآه مهما من سنة الرسول ، قال عبادة بن الصامت : ( خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار ، فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله ومعه غلام له . . . ومعه ضبارة صحف ) (المستدرك للحاكم ج 2 ص 28 ) .

وبعض المسلمين كان يكتب أسئلة ويرسلها يستفتي بها ، من ذلك ما رواه البيهقي في سننه عن أبي الهذيل بقوله : ( أمرني ناس من أهلي أن أسأل لهم عبد الله بن عباس عن أشياء فكتبتها في صحيفة ، فأتيته ، لأسأله فإذا عنده ناس يسألونه ، فسألوه عن جميع ما في صحيفتي . . ) (سنن البيهقي ج 9 ص 241 ، وتدوين القرآن للشيخ علي الكوراني ص 235 - 236) .

آيات محكمات من القرآن الكريم :
لقد تكررت كلمة الكتابة ومشتقاتها في القرآن الكريم مئات المرات ، في مئات الآيات المحكمات ، ولم يرد نهي عن الكتابة في أي من تلك الآيات (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن - محمد فؤاد عبد الباقي ص 591 وما فوق )

وكلها تؤكد بأن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة للتوثيق ، ومن الملفت للنظر بأن أول آية نزلت من القرآن هي : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق 1 ) وأن الله سبحانه كما سمى القرآن بكتاب الله ، فهل يعقل أن يكون هنالك كتاب غير مكتوب ! !

ثم إن القرآن الكريم قد أمر بكتابة وتدوين وتوثيق ما هو أقل أهمية من السنة النبوية فقال عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق ) وقال تعالى : ( ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) (سورة البقرة ، الآية 282 )

فهل يعقل أن يأمر الله ورسوله المسلمين بكتابة الدين صغيرا أو كبيرا ، وأن يحرما على المسلمين كتابة سنة الرسول وهي الدين العملي كله ! ! !

الحمد لله الذي فضح الكذب والكاذبين ، وأكد ضروريات بقاء الدين .

الرواية الثالثة عشرة :
روى الزبير بن البكار ( أن سليمان بن عبد الملك في زمان ولايته للعهد ، مر بالمدينة حاجا ، وأمر إبان بن عثمان أن يكتب له سيرة الرسول ومغازيه ، فقال إبان : هي عندي ، أخذتها مصححة ممن أثق به ، فأمر عشرة من الكتاب بنسخها ، فكتبوها في رق ، فلما صارت إليه ، نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين ، يقصد فيها بيعة الأنصار في العقبة الأولى والثانية وذكر الأنصار في بدر . فقال سليمان : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل ، فإما أن يكون أهل بيتي - أي الخلفاء الأمويين - غمضوا عليهم ، وإما أن يكونوا ليسوا كذلك ! فقال إبان بن عثمان : أيها الأمير : لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم - يقصد الخليفة عثمان - من خذلانه أن نقول الحق هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا . قال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذلك حتى أذكره لأمير المؤمنين - يقصد والده عبد الملك - لعله يخالفه ، فأمر بذلك الكتاب فحرق ( أي أحرقه ) ولما رجع أخبر أباه بما كان فقال عبد الملك ، وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها ، قال سليمان : فلذلك أمرت بتحريق نسخته ، حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين ، فصوبه ) (الموفقيات للزبير بن بكار ص 332 - 333 ، ومعالم المدرستين ج 1 ص 261 ) .


هذا دليل قاطع على أن الناس قد كتبوا سنة رسول الله بأمر من الرسول ، وأن جزءا كبيرا من السنة قد بقي مكتوبا ، بالرغم من الحملات المتكررة التي شنها الخلفاء الثلاثة لتدمير سنة الرسول عملا بشعارهم ( حسبنا كتاب الله ) والحوار الذي دار بين الملك الأموي وولي عهده ويكشف الغاية من تدمير سنة الرسول ، وأمر ولي العهد بحرق ذلك الكتاب ببرودة أعصاب يبين لنا قيمة سنة الرسول عندهم ، وخطرها عليهم ، فإما السنة وإما الملك ! ! !

الرواية الرابعة عشرة
من سنن عمر بن الخطاب !
أخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب ، قد مر برجل يقرأ كتابا ، فاستمعه ساعة ، فاستحسنه فقال للرجل أكتب لي من هذا الكتاب قال نعم ، فاشترى عمر بن الخطاب أديما ، فهيأه ثم جاء إليه فنسخ له من ظهره وبطنه ، ثم أتى النبي ، فجعل يقرؤه عليه ، وجعل وجه رسول الله يتلون ، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب ، وقال ثكلتك أمك يا بن الخطاب أما ترى وجه رسول الله منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ فقال النبي إنما بعثت فاتحا وخاتما ، وأعطيت جوامع الكلم ، وفواتحه ، واختصر لي الحديث اختصارا ، فلا يهلكنكم المتهوكون ) (الدر المنثور للسيوطي ج 5 ص 148 ) .

ثم إن الخليفة عمر نفسه كان يغشى اليهود في يوم دراستهم طلبا للعلم فقال له اليهود ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا ، قلت وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف يصدق بعضها بعضا ! ! ! (كنز العمال ج 2 ص 353 ) .

قال عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا ، وقد هممنا أن نكتبها فقال الرسول : يا بن الخطاب أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى . . . ) (الدر المنثور للسيوطي ج 5 ص 148 ) .

قال عمر : ( يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ، قال الراوي فتغير وجه رسول الله . . . ) (مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 3 ص 469 ) .

جاء عمر بن الخطاب بجوامع من التوراة فقال : يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق ، فتغير وجه الرسول ، فقال عبد الله بن زيد : أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله . . . الخ ) (مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 174 ) .

قال عمر بن الخطاب : انطلقت في حياة النبي حتى أتيت خيبرا ، فوجدت يهوديا يقول قولا فأعجبني ، فقلت له : هل أنت مكتبي بما تقول ؟ قال نعم ، فأتيته بأديم ، فأخذ يملي علي ، فلما رجعت قلت يا رسول الله لقيت يهوديا يقول قولا لم أسمع مثله بعدك ، فقال النبي : لعلك كتبت منه ؟ قال : نعم ، قال : إئتني به فانطلقت ، فلما أتيته قال : إجلس إقرأه ، فقرأت ساعة ، ونظرت إلى وجهه ، فإذا هو يتلون ، فصرت من الفرق لا أجيز حرفا منه ، ثم رفعته إليه ثم جعل يتبعه . . . ) (كنز العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 372 ، وراجع تدوين القرآن للشيخ علي الكوراني ص 412 ) .

قصة من قصص يوسف - جاء حفصة زوج النبي ، وابنة عمر بن الخطاب بكتاب من قصص يوسف في كتف ، فجعلت تقرؤه عليه ، والنبي يتلون وجهه ، ثم قال والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ) (مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 113 ) .

وهذا كله يعني أن كتابة أي شئ كانت أمرا مباحا ، وأن بإمكان أي قادر على الكتابة أن يكتب بنفسه ما يريد ، ولم يردعه الرسول الأعظم بأنه قد نهى عن الكتابة - ككتابه - بأي موضوع من الموضوعات ، كان الرسول ينهى عن بعض مضامين ما يكتب ، ولكنه لم ينه عن الكتابة كوسيلة تعليمية أو توثيقية ، بل على العكس فقد أمر الرسول الإمام عليا بكتابة سنته أولا بأول ، فكان الرسول يملي والإمام علي يكتب بخط يده ، وكتب رسول الله القرآن الكريم ، فقد كان له كتاب وحي يكتبون له على الفور ما يوحى إليه من كتاب الله ، وكانت عنده صحف مرقمة ومميزة ، فتأتيه الآية أو الآيات ، مع التوجيه الإلهي بأي سورة من سور القرآن يضعها ، ثم إن الرسول كان يأمر المسلمين بالكتابة وطلب العلم ونشره ، ثم إن الرسول الأعظم ، لم يأمر بحرق نسخ التوراة المعربة التي جاء بها عمر بن الخطاب ، ولا هو أمر بحرق أو تمزيق قصة يوسف التي تلتها زوجته أمامه ، إنما نهى عن المضامين حتى لا تؤدي إلى زعزعة عقيدة المسلم ، أو بلبلة أفكاره ، أو انحرافه . فما هي مصلحة الرسول ، وما هي مصلحة الإسلام والمسلمين في أن يقوم الرسول بإحراق المكتوب من سنته كما زعموا (مسند أحمد ج 5 ص 182 ، وسنن أبي داود كتاب العلم ج 3 ص 319 )

ولماذا يمنع الرسول كتابة وتدوين سنته الطاهرة وهي دين الإسلام العملي في الوقت الذي يبيح فيه الرسول كتابة وتدوين كل شئ ! ! ! !

اليهود والنصارى كانوا من رعايا دولة الرسول ، فهل منعهم الرسول من كتابة التوراة والانجيل وأخبار الأنبياء السابقين ؟ ! وهل منعهم من رواية ما يعتقدون ؟ وهل منع الرسول رعايا دولته من أن يكتبوا الشعر ، أو القصص ، أو أخبار الأولين ، أو العلوم ، أو الآداب أو الأنساب أو التاريخ ؟ ! !

لقد كانت الكتابة من الأمور المألوفة في كل مجتمع ، ومن أبرز المظاهر الحضارية التي تسالمت على منطقيتها وضرورتها المجتمعات البشرية ، فلا علم لي أن دولة من الدول ، أو زعيما من زعماء الجنس البشري عبر التاريخ قد حرم الكتابة أو اعتبرها جريمة من الجرائم ! !

فلماذا يختار رسول الله سنته من دون علوم الأرض ومعلوماتها ، فيحرم كتابتها وروايتها ! ! !

لقد تقولوا على رسول الله بأكبر من ذلك ، فادعوا بأن رسول الله لم يجمع القرآن ، وأنه قد انتقل إلى جوار ربه والقرآن لم يجمع بعد ، ولولا الخلفاء الثلاثة الأول الذين شمروا عن سواعدهم فكتبوا القرآن وجمعوه ، لضاع القرآن ! ! ! !

فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يفترون ! ! ! إن ادعاءات القوم لا يقرها دين ولا عقل ولا منطق ، فحتى الذين لا يعتنقون الإسلام ، أيقنوا بأن رسول الله قد كتب سنته ، وأنه قد أمر المسلمين بكتابتها وتبليغها ونشرها ، إن ادعاءات القوم محاولات مكشوفة للتغطية على فضائح التاريخ وتبرير سلوك الخلفاء ( الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) . ومناشدة عمر بن الخطاب للمسلمين بأن يأتوه بما لديهم من السنة النبوية المكتوبة ، عندما أوهمهم بأنه يريد أن يجمع سنة الرسول في كتاب واحد وإحضارهم لما هو مكتوب عندهم من السنة دليل قاطع على أن المسلمين كانوا يكتبون سنة الرسول حال حياته . ثم إن المرسوم الذي أصدره عمر وعممه على كافة الأمصار طالبا منهم أن يمحوا كل ما هو مكتوب عندهم من سنة الرسول دليل آخر، لأن المسلمين لم يكتبوا في زمن أبي بكر ولا في زمن عمر أي شئ من السنة النبوية حيث أعلن الخليفتان حربهما على سنة الرسول عملا بشعار ( حسبنا كتاب الله ) ، وشعار ( لا كتاب مع كتاب الله ) ففي هذه الظروف يتعذر على المسلم كتابة حديث رسول الله ، وهذا يعني أن الأحاديث المكتوبة التي أحرقها عمر بن الخطاب ، شخصيا ، أو أمر ولاته بمحوها كانت مكتوبة في زمن رسول الله ، وبأمره أو سكوته وقبوله الضمني بكتابتها.

النتيــــــــــــــجة المراد تحصيلها:
وهذا يدل دلالة قاطعة بأن منع كتابة ورواية أحاديث رسول الله كان من الخلفاء وليس من النبي ، لأن شيوع وثبوت وانتشار أحاديث رسول الله ، سيكشف أن الخلفاء قد غصبوا ما ليس لهم ، وأنهم قد جلسوا في مكان مخصص لغيرهم ، وأنهم قد تجاهلوا بالكامل سنة الرسول وترتيبات الرسول المتعلقة بنظام الحكم ، والمرجعية ، لذلك كان من مصلحتهم الشخصية أن يدمروا بالكامل سنة رسول الله ، وأن يجتثوها من الوجود إن استطاعوا ، حتى لا يبقى شئ يدل على وجود الجريمة ، وفي ما بعد ، قام أولياؤهم بالكذب المتعمد على رسول الله ، وادعوا بأن الرسول هو الذي أمر بعدم كتابة وعدم رواية السنة النبوية ، وأن الخلفاء قد منعوا كتابة ورواية السنة عملا بأمر الرسول ! ! وقد أرادوا من تلك المزاعم الكاذبة أن يبرروا ما فعله الخلفاء ، فإذا كان الرسول قد أمر بعدم كتابة ورواية سنة الرسول ، فلماذا سمحوا بكتابة ورواية السنة بعد مائة عام من منع كتابة ورواية هذه السنة ! ! لقد قدر أولياء الخلفاء أن السنة قد تدمرت تماما ، وأن آثار جريمة الخروج على الشرعية الإلهية قد محيت ، وأن مئات الآلاف من الأحاديث المختلقة التي وضعوها كافية كل الكفاية لتبرير ما فعل الخلفاء ، وللتشكيك بكل نص من سنة الرسول يخدش فعل الخلفاء ، هذا إن وصل النص الصحيح للناس ! ! ! .

كل الصحابة القادرين على الكتابة والمهتمين بشرع الله وسنة رسوله قد كتبوا رأينا تحت عنوان ( التدوين الخاص لسنة رسول الله أن رسول الله كان يملي سنته على الإمام علي ، والإمام علي يكتبها بخط يده ، وأن هذه السنة المباركة قد جمعت في كتب وهي ما زالت محفوظة عند أهل بيت النبوة يتوارثونها كما يتوارث الناس ذهبهم وفضتهم . وتحت عنوان طائفة من الأخبار والروايات التي تثبت أن الرسول قد أمر المسلمين بكتابة سنته ، سقنا فيضا من أحاديث الرسول التي حثت المسلمين على كتابة السنة . ثم إن أبا بكر الخليفة الأول قد كتب بنفسه خمسمائة حديث سمعها بأذنه من رسول الله وكتبها بخط يده ، كما سنوثق ذلك في حينه ، نقول لأولياء الخلفاء : فهل يعقل أن يكتب أبو بكر سنة الرسول لو أن الرسول نهى عنها ! !

ثم إن عمر بن الخطاب كان قد ناشد الناس أن يأتوه بما هو مكتوب عندهم من سنة الرسول لأنه يريد أن يجمع السنة في كتاب واحد ، فأتوه بها . وناشدهم أن يأتوه بالكتب المحفوظة عندهم لأنه يريد أن ينظر بها ، فأتوه بها ، فلما تجمعت بين يديه أمر بحرقها فحرقت فعلا كما سنوثق في حينه .

فلو أن الرسول قد أمر المسلمين بعدم كتابة سنته ، فلماذا كتبها الناس واحتفظوا بها حتى عهد الخليفة عمر ! ! .

ثم إن كل صحابي قادر على الكتابة وراغب فيها كان يحتفظ بصحيفة خاصة كتب فيها بخط يده ما سمعه من رسول الله فعلى سبيل المثال :

1 - كانت لأنس بن مالك خادم الرسول صحيفة أو صحفا فقد رووا عنه أنه قال : ( هذه أحاديث كتبتها عن رسول الله أو سمعتها من رسول الله وكتبتها وعرضتها عليه ) (تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 5 ، وكنز العمال ج 10 ص 285 ، والكامل لابن عدي ج 1 ص 36 ، وميزان الاعتدال ج 3 ص 280 )
وألقى بمجال أي بصحف أو مجلات .

2 - و ( جابر بن عبد الله كانت له صحيفة ) (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 467 ، والمصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 183 ، والمراسيل للرازي ص 37 ، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 43 )
و ( معاذ بن جبل كان لديه كتاب يحتوي على أحاديث رسول الله ) (سيرة ابن هشام ص 886 و 956 ، وحلية الأولياء ج 1 ص 24 ، والأموال لأبي عبيد ص 27 )
و ( كان هذا الكتاب عند موسى بن طلحة ) (مسند أحمد ج 5 ص 228 ) .

3 - ورافع بن خديج كانت عنده صحف : روى مسلم في صحيحه عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم قد خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها ، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها . فناداه رافع بن خديج وقال له : ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها ، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها ، وقد حرم رسول الله ما بين لابتيها ، وذلك عندي في أديم جولاني إن شئت أقرأتكه ) (صحيح مسلم كتاب الحج باب فضل المدينة ج 2 ص 992 رقم 1361 ) .

4 - و ( سعد بن عبادة كانت له صحيفة روى ابنه منها حديثا ) (مسند أحمد ج 5 ص 285 ، وسنن الترمذي كتاب الأحكام باب اليمن مع الشاهد ج 3 ص 157 )

و ( العشرات من الصحابة الكرام كانت لهم صحف كتبوا فيها بأيديهم ما سمعوه بآذانهم من رسول الله ) (تدوين السنة الشريفة من ص 205 وما فوق )

واحتفظوا بهذه الكتب إلى زمن عمر بن الخطاب حيث سلم أكثريتهم هذه الصحف لاعتقادهم أنه يريد أن يجمع السنة ، فلما وضعت بين يديه أمر بحرقها فحرقت ولم يرو راو قط أن رسول الله قد نهى عن كتابة العلوم أو عن الكتابة عامة بل كان من الداعين إليها ، والحاثين عليها ، والممارسين لها ، وكان له كتاب يكتبون له كل يوم ، وكان يكتب لولاته وعماله ، ويرد على الذين يكتبون إليه ، لقد كتب الرسول إلى ملوك الأرض والزعماء يدعوهم إلى الإسلام ، لقد شجع رسول الله الأسرى بأن يفتدوا أنفسهم مقابل تعليم بعض صبيان المدينة الكتابة ، وكان من جملة رعايا دولة النبي يهود ونصارى ، وكانت لهم الحرية أن يكتبوا ما أرادوا ولم يرو راو قط بأن الرسول قد منعهم من كتابة أو قراءة أي شئ يرغبون ! ! ولم يرو راو قط بأن الرسول قد منع كتابة أي علم من العلوم ، ثم إن الرسول هو الذي بين للمسلمين آية ( ن والقلم وما يسطرون 1 ) . لقد اهتم رسول الله بالكتابة كل الاهتمام ، واهتم بالتفاصيل الفنية للكتابة فكان يقول : ( الخط الحسن يزيد الحق وضوحا ) (ميزان الاعتدال ج 2 ص 5 ، والجامع الصغير للسيوطي رقم 4134 ، وأدب الإملاء ص 166 ، ولسان الميزان ج 3 ص 221 ، وتدوين السنة الشريفة ص 101 )

وكان يقول : ( تربوا الكتاب فإن التراب بركة ) (أدب الإملاء ص 17 ، والسراج المنير للعزيزي ج 1 ص 165 )

وكان يقول : ( إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح للحاجة ) (الكامل لابن عدي ج 1 ص 294 ، وتدوين السنة ص 98 وما فوق )

فلماذا يمنع الرسول المسلمين من كتابة وتدوين سنته المباركة بالوقت الذي يبيح فيه للمسلمين ولأتباع كل الديانات كتابة كل شئ يريدون ! ! !

لقد صوروا رسول الله بصورة العدو المبين لكتابة سنته ، والقصد من هذا التصوير الكاذب تبرير أفعال الخلفاء الذين أحرقوا سنة رسول الله المكتوبة ، ومنعوا المسلمين من أن يحدثوا شيئا عن رسول الله ، وللتغطية على أفعال الخلفاء اختلقوا هذه الصورة على رسول الله ، فويل لهم مما كتبت أيديهم ، وويل لهم مما يفترون ! .


.....
أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب