بسم الله الرحمن الرحيم

يطلق أهل الحديث من علماء السنة على بعضهم البعض ألقابا ونعوتا تحمل في طياتها المبالغة !!!

والذي أراه أن الكثير من تلك الألقاب والنعوت تحمل في طياتها ما هو أبعد من ذلك وهو: تضليل الناس خصوصا من ليس لديهم معرفة دقيقة على حقيقة أولئك الرجال...

فالكثير منهم قد وصف بأنه: حافظ، إمام، أمير المؤمنين في الحديث... الخ فمن يقرأ ان هذه الألقاب وأكثر منها قد حازها رجل واحد، فإن الإنطباع الذي سيتكون لديه هو أن هذا الرجل يملك قدرة غير اعتيادية من الحفظ والتثبت...

وأقل ما يقال انه يؤدي الحديث بلفظه كما سمعه، لا بمعناه، ولكن من المؤسف أن نقول أن الحقيقة خلاف ذلك...

ولنأتي لأحد الحفاظ الكبار وهو سفيان الثوري، لنقرأ بعض ما قيل في ترجمته، ثم نلقي بعض الضوء على حفظه الواقعي، ولنبدأ بالترجمة وسننقل مقتطفات من كلام الذهبي الذي قال:
سفيان ابن سعيد بن مسروق الثوري: هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبدالله الثوري الكوفي المجتهد، مصنف كتاب "الجامع".
ولد سنة سبع وتسعين اتفاقا...
وعداده في صغار التابعين...
روى له الجماعة الستة في دواوينهم...
وقال شعبة، وابن عيينه، وأبو عاصم، ويحيى بن معين، وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث.
وقال عباس الدوري: رأيت يحيى بن معين، لا يقدم على سفيان أحدا في زمانه، في الفقه والحديث والزهد وكل شيء.
وقال محمد بن عبدالله بن عمار: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش.
وقال ابن عرعرة: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سفيان أثبت من شعبة، وأعلم بالرجال.
وقال محمد بن زنبور: سمعت الفضيل يقول: كان سفيان - والله - أعلم من أبي حنيفة.
وقال بشر الحافي: كان الثوري عندنا إمام الناس.
وعنه قال: سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما.
وعن يحيى بن معين قال: ما خالف أحد سفيان في شيء، إلا كان القول قول سفيان.
قلت: مع جلالة سفيان، كان يبيح النبيذ الذي كثيره مسكر.
أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة، عن اللبان، أنبأنا الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم، حدثنا الآبار، حدثنا عبدالملك الميموني: سمعت يعلى بن عبيد يقول: قال سفيان: إني لآتي الدعوة، وما أشتهي النبيذ، فأشربه لكي يراني الناس.
وقال أبو حاتم الرازي: سفيان فقيه حافظ زاهد إمام، هو أحفظ من شعبة.
وقال أبو زرعة: سفيان أحفظ من شعبة في الإسناد والمتن.
وقال يحيى القطان: مات في أول سنة إحدى وستين ومئة.

سير أعلام النبلاء ج 7 ص 229

هذا بعض ما قيل عن سفيان الثوري، ولكن عندما نقرأ أكثر في نفس الترجمة التي ساقها الذهبي فإننا قد نصطدم حين نقرأ ما يلي:
مهنا بن يحيى: حدثنا عبد الرزاق: قال صاحب لنا لسفيان: حدثنا كما سمعت، فقال: لا والله لا سبيل إليه، ما هو إلا المعاني.
وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان يقول: إن قلت: إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني.

سير أعلام النبلاء ج 7 ص 256

أيعقل هذا !!!
شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه وأمير المؤمنين في الحديث: لا يحسن أن يؤدي حديثاً كما سمعه ؟؟؟

فإذا كان هذا حال سفيان الثوري، فما هو حال بقية الرواة الذين هم دونه في الوثاقة والحفظ ؟؟؟

فهل رأيتك كيف أن الألقاب مبالغ فيها، بل هي تضليل وخداع لعامة الناس المساكين


تكميل:
لم ينفرد سفيان بهذا بل هذا هو حال عامة المحدثين إلا من شذ، فقد عقد الخطيب البغدادي فصلا بعنوان: ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق بعض أخبارهم في ذلك، ثم أورد جملة من الروايات أذكر بعضها بحذف الأسانيد، قال:

1 - عن مكحول قال دخلنا على واثلة بن الاسقع فقلنا يا أبا الاسقع: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه وهم ولا نسيان.
فقال هل قرأ أحد منكم الليلة من القرآن شيئا ؟
قالوا: نعم.
قال: فهل زدتم الفا أو واوا أو شيئا ؟
فقلت: انا نزيد وننقص وما نحن باولئك في الحفظ.
فقال: هذا القرآن بين أظهركم وأنتم تدرسونه بالليل والنهار، فكيف ونحن نحدث بحديث سمعناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ! إذا حدثتكم على معناه فحسبكم.

2 - عن أبى سعيد قال كنا نجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عسى ان تكون عشرة نفر نسمع الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد.

3 – عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة رضي الله عنها يا بنى انه يبلغني انك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه، فقلت لها أسمعه منك على شي ثم اعود فأسمعه على غيره، فقالت هل تسمع في المعنى خلافا ؟ قلت لا. قالت لا بأس بذلك.

4 - عن محمد بن سيرين قال: كنت اسمع الحديث من عشرة المعنى واحد واللفظ مختلف.

5 – عن هشام قال: قيل للحسن يا أبا سعيد انك تحدثنا بالحديث اليوم وتحدث من الغد بكلام آخر ! فقال لا بأس بالحديث إذا أصبت المعنى.

6 - عن غيلان المعولي قال سألت الحسن أسمع الحديث فلا آلو أن أحدث به كما سمعت فأزيد فيه أو أنقص قال سبحان الله ومن يطيق ذلك !

7 - عن عمرو بن مرة قال: انا لا نستطيع ان نحدثكم الحديث كما سمعناه ولكن عموده ونحوه.

8 – عن الفريابي قال سمعت سفيان يقول لو أردنا ان نحدثكم بالحديث كما سمعناه (وقال بن برهان كما سمعه) ما حدثناكم بحديث واحد.

9 - قال الحسن قال زيد قال سفيان إذا ذهبت أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني.

10 - عن زيد بن الحباب قال سمعت سفيان الثوري يقول ان قلت لكم انى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، قال زيد يعني أنه يحدث على المعاني.

الكفاية في علم الرواية ص 239

إذا فلن ننخدع بالألقاب البراقة بعد اليوم