بسم الله الرحمن الرحيم

معرفة أهل البيت بمتشابهات القرآن
لا ريب أن القران الكريم فيه المحكم والمتشابه ، كما هو مقتضى قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم )(288) .
وليست ثمّة عالم أو مفسر أو محدث أو فقيه يدعي أن القران بالنسبة له محكم بأكمله ، بل الكل أجمع على أن القران الكريم بالنسبة لهم فيه المحكم والمتشابه .
ولو أنّا وجهنا سؤالاً للجميع : هل أن القران محكم كله ، متشابه كله ، أو أن فيه المحكم والمتشابه ؟!
لكان الجواب : أن القرآن فيه المحكم والمتشابه ، لقوله تعالى ( منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات )(289) ، فلم نجد أحداً من علماء الاسلام قاطبة من ادعى أن القرآن بالنسبة إليه محكم كله .

إلا جماعة من البشر
أولهم محمد وأوسطهم محمد وآخرهم محمد(290)

ادعوا أن القران بالنسبة لهم بأكمله محكم بيّن واضح ، لا لبس ولا خفاء فيه .
فحينما نسأل أئمة أهل البيت عليهم السلام : هل القرآن عندكم محكم بأكمله ، أو أن فيه المحكم والمتشابه ؟
لكان الجواب : أن القران بأكمله محكم بيّن واضح لا تشابه ولا غموض فيه ، فهذه حقيقة صرّح بها أهل البيت عليهم السلام ، دون غيرهم من سائر الناس ، ولم يدعها أحد غيرهم قط ، كما ستأتي رواياتهم عليهم السلام في ذلك .
والسؤال : هل القرآن الكريم يقرّ هذه الحقيقة ويؤيدها ، ويصرح بضرورة وجود شخص له علم بمحكم القران ومتشابه ، أم أن الأمر على خلاف ذلك ؟!!
والجواب : نعم ; قد أقرّ القران الكريم في بعض آياته الشريفة المباركة هذه الحقيقة ، وأن القران الكريم بأكمله محكم وبيّن في صدور الذين أوتوا العلم ، قال تعالى ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون )(291) ، أي أن القران الكريم آيات واضحات في صدور الذين أوتوا العلم .
وعليه : فحيث أن القرآن الكريم يقرّ هذه الحقيقة ويجزم بضرورة وجود من يعلم محكم الكتاب ومتشابهه ، وبما أنه لم يدَّع أحد ذلك غير أهل البيت عليهم السلام ، فهذا يستلزم بالضرورة العقلية والوجدانية أنهم عليهم السلام صادقون في دعواهم ، وأن عندهم العلم بمحكم الكتاب ومتشابهه ، وبذلك استفاضت وتتابعت الروايات على أنهم عليهم السلام الراسخون في العلم والذين أوتوا العلم .
ففي صحيحة محمد بن الفضيل قال : سألته ـ أي الصادق (عليه السلام) ـ عن قول الله عز وجل ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أتوا العلم ) قال : هم الائمة عليهم السلام خاصة .
وفي صحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قلت له قول الله ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ، قال : إيانا عنى(292) .
وفي صحيحة آخرى عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم ) قال : رسول الله(صلى الله عليه وآله)أفضل الراسخون قد علمه الله جميع ما أنزل الله إليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله ، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيه بعلم ، فأجابهم الله ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) والقران له خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ فالراسخون في العلم يعلمونه(293) .
وفي صحيحة أبي بصير ، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : نحن الراسخون في العلم ، ونحن نعلم تأويله(294) .
فما ادعاه أهل البيت عليهم السلام ـ الائمة الاثني عشر الذين أولهم علي وآخرهم القائم المهدي ـ حقيقة يقرّ بها القران وينادي بضرروتها في كل زمان ومكان .
كما تدل على هذه الحقيقة القرانية ـ أيضاً ـ ما رواه أهل السنّة والجماعة .
قال الامام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا فطر ، عن اسماعيل بن رجاء الزبيدي ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : كنا جلوساً ننتظر رسول الله(صلى الله عليه وآله)فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال : فقمنا معه فانقطعت نعله ، فتخلف عليها علي (عليه السلام) يخصفها فمضى رسول اللهومضينا معه ، ثم قام ينتظره وقمنا معه ، فقال : إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القران ، كما قاتلت على تزيله ، فاستشرفنا ، وفينا أبو بكر وعمر ، فقال : لا ، ولكنه خاصف النعل ، قال : فجئنا نبشره ، قال : وكأنه قد سمعه(295) .
فعلي عليه السلام محيط بتأويل القرآن وحقيقته ، وقد أُمر بأن يقاتل على تأويل القران كما أُمر الرسول (صلى الله عليه وآله)بالقتال على تنزيله ، وتأويل القرآن كما يفهم من الاية الشريفه هو العلم بحقيقة القران بأكمله : محكمه ومتشابه ، عامه وخاصه ، ناسخه ومنسوخه ، مطلقه ومقيده ، والشاهد على ذلك قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم )(296) ، فتأويل القرآن هو العلم بمتشابهات القرآن بأكمله .
إن قلت : إن ظاهر ذيل الآية ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عندنا ربنا ) يدل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل القرآن الكريم ، فـ « الواو » في قوله تعالى ( والراسخون )ليست معطوفة على « الله » ، وإنما هي واو استئنافية ، فالله عز وجل يعلم التأويل ، والراسخون في العلم يؤمنون بالمحكم والمتشابه ، فيكون بيان الآية هكذا « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، وأما الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا » .
قلت : بل « الواو » في قوله « والراسخون في العلم » عاطفة وليست استئنافية كما هو الظاهر(297) ، ولذا ورد في بعض القراءات ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ويقولون آمنا به كل من عند ربنا ) بزيادة «واو» ، فقد قال الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم أن « يقولون » نصب على الحال من الراسخين فيكون معنى الاية هكذا « وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم والحال أنهم يقولون »(298) .
وقد عطف العلامة الطباطبائي قول تعالى ( والراسخون في العلم )على قوله تعالى ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) فيكون معنى الاية « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ... وأما الراسخون في العلم فيقولون ... » فيكون قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) عدل لقوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ ) ، والمعنى أن الناس بالاخذ بالكتاب قسمان : فمنهم من يتبع ماتشابه منه ، ومنهم من يقول اذا تشابه عليه شيء منه ( آمنا به كل من عند ربنا ) وإنما اختلفا لاختلافهم من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم(299) .
وفيه : لو كان قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) عدل ومعطوف على قوله تعالى ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) لكان حق التعبير ( وأما الراسخون في العلم ) حتى لا تكون هذه الاية من مصاديق الايات المتشابه ، فافهم .
على أن التسليم بكون القران فيه المحكم والمتشابه لا يقتضي بالضرورة أن يكون الانسان من الراسخين في العلم ، والاية في مقام المدح ، فلو كان الراسخون في العلم لا يعلمون متشابه القران وتأويله لكان ينبغي أن تكون الاية هكذا ( وما يعلم تأويله إلا الله ، والذين آمنوا يقولون آمنا به ) ، فالاتيان بهذا العنوان « الراسخون في العلم » لا بد وأن يكون له خصوصية وميزة ، ليست هذه الخصوصية إلا العلم بتأويل ومتشابه القران كما هو مقتضى سياق المدح في الاية الكريمة ، وإلا الايمان بأن القران فيه المحكم والمتشابه لا يختص به الراسخ في العلم ، بل كل من يؤمن بالله وبالرسول يعتقد بذلك حق المعرفة .
حديث الثقلين والعلم بالمتشابه :
وحديث الثقلين شاهد ودليل آخر على علم أهل البيت عليهم السلام بمتشابهات القران وأسراره ، فقوله (صلى الله عليه وآله)« لن يفترقا » صريح في معرفة أهل البيت عليهم السلام لكل أسرار القران الكريم ، إذ لو كان ثمة غموض وتشابه في آياته بالنسبة لهم فلربما حصل الافتراق ، فلعل الاية المتشابه والغامضة تأمر بالشيء والعالم من آل محمد ينهى عنه ، وهذا ما يصرح الحديث الشريف بنفيه مطلقاً .
فعنوان « الراسخون في العلم » في قوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) ، و « أوتوا العلم » في قوله تعالى ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ، المصداق الأتم والأكمل لهما ليس هم فلان وفلان ... وإنما المصداق الأتم هم النبي وأهل بيته عليهم السلام ، الذين هم معدن الرسالة ومهبط الوحي ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وآله « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي » ، ولم يقل « كتاب الله وفلان ... وفلان ... و... » .
فإن أردت العلم الصحيح فعليك بأهل البيت عليه السلام ، كما قال الامام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : « شرقا وغربا ، لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت »(300) .
وقال الصادق عليه السلام ليونس : يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت ، فإنا ورثنا وأتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب .
فقال يونس : يا ابن رسول الله وكل من كان من أهل البيت ورث كما ورثتم من كان من ولد علي وفاطمة عليهما السلام ؟
فقال : ما ورثه إلا الائمة الاثنا عشر .
قال : سمهم لي يا ابن رسول الله ؟
فقال : أولهم علي بن أبي طالب ، وبعده الحسن والحسين ، وبعده علي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، ثم أ نا ، وبعدي موسى ولدي ... وبعد الحسن الحجة ، اصطفانا الله وطهرنا وأوتينا ما لم يؤت أحداً من العالمين ... »(301) .
قلت : والشاهد على هذا الحديث قوله صلى الله عليه وآله « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي » فهل ثمة كمال وجمال أشد وأرقى وأكمل من « علم الكتاب » والاحاطة بأسراره وحقائقه ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب )(302) ، ومن كان بمعية القران الكريم فهو الذي عنده علم الكتاب بأكمله ، إذ أن القران الكريم هو الكتاب المهمين على سائر الكتب السماوية ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه )(303) .
----------------- الهوامش
(288) آل عمران : 7 .
(289) آل عمران : 7 .
(290) وهم محمد صلى الله عليه وآله ، وعلي والحسن والحسين وتسعة من صلب الحسين عليهم السلام أولهم علي بن الحسين ، وآخرهم القائم الحجة المنتظر المسمى باسم جده صلى الله عليه واله : محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم أفضل الصلاة والسلام .
(291) العنكبوت : 49 .
(292) الكافي : 1/214 * بصائر الدرجات : 227 وقد روى ثمانية عشر رواية في ذلك .
(293) الكافي : 1/213 * بصائر الدرجات : 223 .
(294) الكافي : 1/213 .
(295) المسند : 3/82 ، وسنده صحيح * مجمع الزوائد : 9/133 .قال الحافظ الهيثمي : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر وهو ثقة ، والحديث ثابت عن إسماعيل بن رجاء فقد رواه عنه عدة من الرواة ، منهم : فطر ، والأعمش ، وقطن ، وعبد الملك بن حميد ، والشقري ، وغيرهم . راجع : مسند أحمد بن حنبل : 3/31 عن قطن * السنن الكبرى للنسائي : 5/154 رقم 8541 عن الأعمش * مسند أبي يعلى : 2/341 عن الأعمش ، وقال محققه حسين أسد : اسناد صحيح * المستدرك على الصحيحين : 3/122 عن فطر والأعمش * الكامل لابن عدي : 3/237 عن الشقري ، 7/209 عن عبد الملك * تاريخ دمشق : 42/453 .
(296) آل عمران : 7 .
(297) الذي لا يصار إلى غيره إلا بقرينة ، إذ الاصل في الواو للعطف لا للاستئناف .
(298) تفسير القرطبي : 4/17 .
(299) الميزان : 3/27 ، وقد جزم قدس سره بأن الراسخين في العلم يعلمون التأويل من خلال السنة المطهرة ، أما الاية الكريمة فقد ادعى قدس سره عدم دلالتها على ذلك على نحو الجزم ، فلا تغفل .
(300) الكافي الشريف : 1/399 بسند صحيح * بصائر الدرجات : 30 بنفس السند .
(301) راجع كتابنا « الاربعون حديثاً في النص على الائمة الاثني عشر بأسمائهم .
(302) الرعد : 43 .
(303) المائدة : 48 .