اخرج البخاري في صحيحه ج 5 ص 110 بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله عنه قال:
بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس ، وكنت ابغض عليا ، وقد اغتسل ، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا ؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: يا بريدة أتبغض عليا ؟
قلت: نعم .
قال: لا تبغضه فان له في الخمس أكثر من ذلك .
انتهى


قلت: هكذا روى البخاري قصة الجارية باختصار وحذف لكثير من التفاصيل ، وليس هذا بغريب عليه وهو الذي لا تطيب نفسه بذكر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، فلنقرأ تفاصيل القصة من مصادر أخرى:



1 - روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 129 بسنده عن عبد الله بن بريدة الاسلمي قال:
اني لامشى مع أبي (1) ، إذ مر بقوم ينقصون عليا رضى الله عنه يقولون فيه ، فقام فقال:
انى كنت أنال من على ، وفى نفسي عليه شيء ، وكنت مع خالد بن الوليد في جيش ، فأصابوا غنائم ، فعمد علي إلى جارية من الخمس فأخذها لنفسه ، وكان بين علي وبين خالد شيء ، فقال خالد: هذه فرصتك - وقد عرف خالد الذى في نفسي على علي - قال: فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاذكر ذلك له ، فاتيت النبي صلى الله عليه وآله فحدثته - وكنت رجلا مكبابا وكنت إذا حدثت الحديث أكببت ثم رفعت رأسى - فذكرت للنبى صلى الله عليه وآله أمر الجيش ، ثم ذكرت له أمر على ، فرفعت رأسي وأوداج رسول الله صلى الله عليه وآله قد احمرت ، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت وليه فان عليا وليه ، وذهب الذى في نفسي عليه .

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذه السياقة ، إنما أخرجه البخاري من حديث على بن سويد بن منجوف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مختصرا ، وليس في هذا الباب أصح من حديث ابي عوانة هذا عن الاعمش عن سعد بن عبيدة . ( وهذا رواه ) وكيع بن الجراح عن الاعمش ...... عن ابن بريدة عن ابيه انه مر على مجلس ثم ذكر الحديث بطوله .


وروى الطبراني في المعجم الأوسط ج 5 ص 117 بسنده عن عبد الله بن بريدة عن علي قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد كل واحد منهما وحده وجمعهما فقال: إذا اجتمعتما فعليكم علي ، قال: فأخذ يمينا ويسارا فدخل علي فأبعد فاصاب سبيا فأخذ جارية من السبي .
قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضا لعلي ، فأتى رجل خالد بن الوليد ، فذكر أنه قد اخذ جارية من الخمس ، فقال ما هذا ؟
ثم جاء آخر ، ثم جاء آخر ، ثم تتابعت الاخبار على ذلك .
فدعاني خالد فقال: يا بريدة قد عرفت الذي صنع ، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ الكتاب بشماله ، وكان كما قال الله عز وجل لا يقرأ ولا يكتب .
فقال: وكنت إذا تكلمت طأطات رأسي حتى افرغ من حاجتى ، فطأطات رأسي ، فتكلمت فوقعت في علي حتى فرغت ، ثم رفعت رأسي ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير .
فنظر إلي فقال: يا بريدة أحب عليا ، فإنما يفعل ما يؤمر به .
قال: فقمت وما من الناس احد أحب إلي منه .


وأيضا روى الطبراني في المعجم الأوسط ج 6 ص 162 بسنده عن ابن بريدة عن أبيه قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أميرا على اليمن ، وبعث خالد بن الوليد على الجبل ، فقال إن اجتمعتما فعلي على الناس ، فالتقوا وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله ، وأخذ علي جارية من الخمس ، فدعا خالد بن الوليد بريدة فقال: اغتنمها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع .
فقدمت المدينة ، ودخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله ، وناس من أصحابه على بابه .
فقالوا: ما الخبر يا بريدة ؟
فقلت: خير فتح الله على المسلمين .
فقالوا: ما أقدمك ؟
قال: جارية أخذها علي من الخمس ، فجئت لاخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
قالوا: فأخبره فإنه يسقطه من عين رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الكلام ، فخرج مغضبا وقال: ما بال أقوام ينتقصون عليا ، من ينتقص عليا فقد انتقصني ، ومن فارق عليا فقد فارقني ، إن عليا مني وأنا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم ، وأنا أفضل من إبراهيم ، ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم .
وقال: يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ ، وأنه وليكم من بعدي .
فقلت: يا رسول الله بالصحبة ، إلا بسطت يدك حتى أبايعك على الاسلام جديدا .
قال: فما فارقته حتى بايعته على الاسلام (3) .



ويبدو أن هذه الرواية ايضا تتعلق بنفس السرية ، فروى أحمد بن حنبل في مسنده ج 4 ص 437 بسنده عن عمران بن حصين قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، وأمر عليهم على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه ، فأحدث شيئا في سفره فتعاهد - قال عفان فتعاقد - أربعة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ان يذكروا أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمنا عليه .
قال: فدخلوا عليه ، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا .
فاعرض عنه .
ثم قام الثاني فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا .
فاعرض عنه .
ثم قام الثالث فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا .
فاعرض عنه .
ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا .
قال: فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرابع ، وقد تغير وجهه فقال: دعوا عليا ، دعوا عليا ، ان عليا منى وأنا منه ، وهو ولى كل مؤمن بعدى .


والجدير بالذكر ان هذه القصة الثابتة (4) تتعارض مع الرواية الموضوعة حول خطبة أمير المؤمنين عليه السلام بنت أبي جهل ، وسيأتي التفصيل .
يتبع


-----------------------------------
هامش:

(1) يعني بريدة الأسلمي ، قال السيد الإمام الخوئي رضي الله عنه في معجم رجال الحديث ج 4 ص 202
بريدة الاسلمي: من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، قاله الفضل بن شاذان ...... وهو من الإثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر .

(2) في هذا دلالة على كثرة من يبغض أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة .

(3) سبحان الله بريدة يبايع النبي صلى الله عليه وآله على الإسلام من جديد ! وحق له ذلك فما أعظم ما صدر منه رضي الله عنه .

(4) هذه القصة رواها محدثوا الشيعة ايضا منهم الشيخ المفيد قدس الله سره في الارشاد ج 1 ص 160 قال:
وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية ، فبعث خالد بن الوليد بريدة الاسلمي إلى النبي صلى الله عليه واله وقال له: تقدم الجيش إليه فأعلمه ما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه ، وقع فيه . فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وآله فلقيه عمر بن الخطاب فسأله عن حال غزوتهم وعن الذي أقدمه ، فاخبره أنه إنما جاء ليقع في علي ، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه ، فقال له عمر : امض لما جئت له ، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي . فدخل بريدة على النبي صلى الله عليه واله ومعه كتاب من خالد بما أرسل به بريدة ، فجعل يقرؤه ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله يتغير ، فقال بريدة : يا رسول الله ، إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : " ويحك - يا بريدة - أحدثت نفاقا ! إن علي بن أبي طالب يحل له من الفئ ما يحل لي ، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك ، وخير من أخلف من بعدي لكافة أمتي ، يا بريدة ، احذر أن تبغض عليا فيبغضك الله " . قال بريدة : فتمنيت أن الارض انشقت بي فسخت فيها ، وقلت : أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله ، يا رسول الله ، استغفر لي فلن ابغض عليا أبدا ، ولا أقول فيه إلا خيرا . فاستغفر له النبي صلى الله عليه وآله .


-

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 119
وقد غضب لها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا الحسن هم بما رآه سائغا من خطبة بنت أبي جهل ، فقال: "والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله ، وإنما فاطمة بضعة مني ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها" فترك علي الخطبة رعاية لها .
فما تزوج عليها ولا تسرى .
فلما توفيت تزوج وتسرى ، رضي الله عنهما .

انتهى

واخرج مسلم في صحيحه ج 7 ص 141 والبخاري في ج 4 ص 47 واللفظ له:
عن ابن شهاب عن على بن حسين حدثه انهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل حسين بن على رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرني بها ؟
فقلت له: لا .
فقال: فهل انت معطى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فانى اخاف ان يغلبك القوم عليه وايم الله لئن اعطيتنيه لا يخلص إليهم ابدا حتى تبلغ نفسي ، ان على بن أبى طالب خطب ابنة أبى جهل على فاطمة عليها السلام فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وانا يؤمئذ محتلم فقال: ان فاطمة منى وانا اتخوف ان تفتن في دينها ثم ذكر صهرا له من بنى عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته اياه ، قال حدثنى فصدقني ووعدني فوفى لى وانى لست احرم حلالا ولا احل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله ابدا .

وايضا اخرج مسلم في ج 7 ص 141 والبخاري في ج 6 ص 158 واللفظ له:
حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن أبى مليكة عن المسور بن مخرمة قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر ان بنى هشام بن المغيرة استأذنوا في ان ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب ، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبى طالب ان يطلق ابنتى وينكح ابنتهم ، فانما هي بضعة منى يريبنى ما ارابها ويؤذيني ما آذاها .

قلتُ: وغرضهم من وضع هذه القصة ، الانتقاص من مقام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، من جهة . ومن جهة أخرى تمييع الوعيد الذي طالما كرره النبي صلى الله عليه وآله وهو قوله: "فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني" فيقولون انها صلوات الله وسلامه عليها لم تغضب على فلان وفلان فقط ، بل انها غضبت حتى على زوجها أبي الحسن صلوات الله وسلامه عليه ، بل انهم يريدون ان يوهموا الآخرين ان هذا القول انما صدر من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في مناسبة خاصة ، وهي قصة خطبة بنت أبي جهل المزعومة .

وقد رد علمائنا على هذه المزاعم بأن اللفظ عام غير مقيد ، فكلما غضبت عليها السلام غضب النبي صلى الله عليه وآله لغضبها ، ولم يقيده النبي صلى الله عليه وآله بمورد دون مورد ، أو بحالة دون أخرى ، ومن هنا قال العلماء ان هذا النص دليل على عصمتها عليها السلام فكما أن أباها صلى الله عليه وآله لا يغضب غلا للحق ، فهي ايضا لا تغضب إلا للحق .

وايضا اثبتوا – جزاهم الله خيرا – ان قصة خطبة ابنة ابي جهل ما هي إلا من نسج الخيال ، وأقاموا على ذلك عدة ادلة وناقشوا الروايات الواردة تارة من حيث أسانيدها وأخرى من حيث متونها ، قال العلامة السيد الطباطبائي قدس الله سره في تفسير الميزان ج 14 ص 229 بعد أن نقل تلك الأسطورة عن البخاري ومسلم:
والإمعان في التأمل فيما يتضمنه الحديث يوجب سوء الظن به ، فإن فيه طعنا صريحا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو كان ما يتضمنه حقا كانت السخطة منه صلى الله عليه وآله وسلم نزعة جاهلية من غير مجّوّز يجّوزها له .
فبماذا كان يسخط عليه ؟
أبقوله تعالى: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) الاية ، وهو عام لم ينسخ ولم يخصص بآية أخرى خاصة بها ؟
أم بشئ من السنة ، يخصص الآية بفاطمة عليها السلام ، ويشرع فيها خاصة حكما شخصيا بالتحريم ، فلم يثبت ولم يبلغ قبل ذلك ، وفي لفظ الحديث دلالة على ذلك ؟
أم أن نفس هذا القول بيان وتبليغ ، فلم يبين ولم يبلغ قبل ذلك ، ولا بأس بمخالفة الحكم قبل بلوغه ، ولا معصية فيها .
فما معنى سخطه صلى الله عليه وآله وسلم على من لم يأت بمعصية ولا عزم عليها ؟
وساحته صلى الله عليه وآله وسلم منزهة من هذه الشيم الجاهلية ، وكأن بعض رواة الحديث أراد به الطعن في علي عليه السلام فطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يشعر . على أنه يناقض الروايات القطعية الدالة على نزاهة ساحة علي عليه السلام من المعصية كخبر الثقلين وخبر المنزلة وخبر علي مع الحق والحق مع علي ، إلى غير ذلك .

انتهى كلامه أعلى الله مقامه

قلتُ: وكل كلام بعد هذا فهو نفلٌ ، ولكن هل يفهم النواصب هذا الكلام ؟

والقصة مليئة بالاشكالات ، إلى درجة قد لا تخطر على بال أحد إلا بعد دراستها دراسة دقيقة ، والعجب أن أهل السنة مصرون بشدة على تصحيحها ، وذلك يعود لسببين:
الأول: انهم لما لم يعثروا على أي مخالفة شرعية لأمير المؤمنين عليه السلام ، كما عثروا على عدة مخالفات لغيره من الصحابة ، تمسكوا بتصحيح هذه الاسطورة .
الثاني: انها وردت في الصحيحين ، وهم لا يجرؤن على رد ما فيهما ، كائنا ما كان .

ومن جملة ما استدلوا به على بطلان اسطورة خطبة ابنة ابي جهل ، قصة الجارية التي اصطفاها أبو الحسن عليه الصلاة والسلام المتقدمة ، وتفصيل ذلك يأتي إن شاء الله تعالى .


يتبع



أولا: من هي المخطوبة ؟
اختلفوا في اسم المخطوبة على أقوال أشهرها بل المحفوظ منها هو: جويرية بنت أبي جهل ، أسلمت عام الفتح ، ويزعمون أنها تزوجت بالصحابي عتاب بن أسيد بعد أن خطبها أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنجبت ولدا قبل وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله اسمه عبد الرحمن بن عتاب .

قال ابن حجر في فتح الباري ج 7 ص 68
واختلف في اسم ابنة أبي جهل ، فروى الحاكم في الاكليل جويرية وهو الاشهر ، وفي بعض الطرق اسمها العوراء أخرجه بن طاهر في المبهمات ، وقيل اسمها الحنفاء ذكره بن جرير الطبري ، وقيل جرهمة حكاه السهيلي ، وقيل اسمها جميلة ذكره شيخنا بن الملقن في شرحه .

الإصابة ج 8 ص 72
جويرية بنت أبي جهل: التي خطبها علي بن أبي طالب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا" ، فترك علي الخطبة ، فتزوجها عتاب بن أسيد أمير مكة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فولدت له عبد الرحمن ، فقتل يوم الجمل .

أسد الغابة لابن الاثير ج 5 ص 419
جويرية بنت أبى جهل وهى التى خطبها على بن أبى طالب رضى الله عنه وقيل اسمها جميلة ... ثم ذكر حديث الخطبة ثم قال: فترك على الخطبة ، ولما ترك على الخطبة تزوجها عتاب بن أسيد فولدت له عبد الرحمن بن عتاب .

وقال ابن حجر في الإصابة ج 8 ص 68 في ترجمة: جميلة بنت أبي جهل: وقيل إنها التي خطبها علي والمحفوظ أنها جويرية .

الإصابة ج 5 ص 35
عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد بن أبي العيص بن أمية الاموي: تقدم ذكر أبيه وانه كان أمير مكة ، وولد له عبد الرحمن هذا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فان أمه جويرية بنت أبي جهل التي أراد علي ان يتزوجها ثم تركها فتزوجها عتاب .

أسد الغابة ج 3 ص 308
عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ... وأمه جويرية بنت أبى جهل التى كان على بن أبى طالب رضى الله عنه يخطبها فنهاه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها عتاب فولدت له عبد الرحمن وكان مع عائشة يوم الجمل .

الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 8 ص 261
جويرية بنت أبي جهل بن هشام بن المغيرة .... أسلمت وبايعت ، وتزوجها عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية .... وجويرية هي التي خطبها علي بن أبي طالب .

تاريخ الاسلام للذهبي ص 463 (موقع الوراق)
عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي . ولد قديماً . وأمه جويرية بنت أبي جهل بن هاشم التي كان قد خطبها علي ، ثم تزوجها عتاب بن أسيد أمير مكة.

تهذيب الكمال للمزي ج 19 ص 282
في ترجمة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن .... أسلم يوم الفتح ، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة حين انصرف عنها بعد الفتح وسنه عشرون سنة .
وقال أبو عمر بن عبد البر: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة عام الفتح في حين خروجه إلى حنين فأقام للناس الحج تلك السنة ، وهي سنة ثمان ، وحج المشركون على ما كانوا عليه . وعلى نحو ذلك أقام أبو بكر للناس الحج سنة تسع حين أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنهما ، وأمره أن ينادي بأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان وأن يبرأ إلى كل ذي عهد من عهده وأردفه بعلي بن أبي طالب يقرأ على الناس سورة براءة ، فلم يزل عتاب أميرا على مكة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقره أبو بكر عليها ، ولم يزل عليها واليا إلى أن مات ، وكانت وفاته فيما ذكر الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق قال: ماتا في يوم واحد كذلك يقول ولد عتاب .
وقال الزبير بن بكار .... قال عمي مصعب بن عبدالله: قالوا: خطب علي بن أبي طالب جويرية بنت أبي جهل به هشام فشق ذلك على فاطمة رضي الله عنها فأرسل إليها عتاب: أنا أريحك منها ، فتزوجها ، فولدت له عبد الرحمان بن عتاب .

الكامل في التاريخ لابن الأثير ص 332 (موقع الوراق)
ولما جاء وقت الظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلالاً أن يؤذن على ظهر الكعبة وقريش فوق الجبال ، فمنهم من يطلب الأمان ومنهم من قد أمن ، فلما أذن وقال: أشهد أن محمداً رسول الله ، قالت جويرية بنت أبي جهل: لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة . وقيل: إنها قالت: لقد رفع الله ذكر محمد ، وأما نحن فسنصلي ولكنا لا نحب من قتلا الأحبة . وقال خالد بن أسد، أخو عثمان بن أسد: لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: ليتني مت قبل هذا اليوم. وقال جماعة نحو هذا القول. ثم أسلموا وحسن إسلامهم ورضي الله عنهم.

المغازي للواقدي ص 342 (موقع الوراق)
قال: وحدثني ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني كعب، فأعطوا القتيل مائةً من الإبل. قالوا: وجاءت الظهر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يؤذن بالظهر فوق ظهر الكعبة يومئذٍ، وقريش فوق رءوس الجبال، وقد فر وجوههم وتغيبوا خوفاً أن يقتلوا، فمنهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أومن. فلما أذن بلالٌ ورفع صوته كأشد ما يكون، فلما بلغ أشهد أن محمداً رسول الله، تقول جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك! أما الصلاة فسنصلي، والله لا نحب من قتل الأحبة أبداً؛ ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمداً من النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم، أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث العظيم أن يصيح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة. قال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخط الله فسيغيره، وإن كن رضاء الله فسيقره. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئاً، لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحصاء! فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم.

الخلاصة:
إذا فالمخطوبة هي: جويرية بنت أبي جهل ، كانت مشركة وأسلمت عام الفتح ، وتزوجها عتاب بن اسيد ، وأنجبت ولدا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله .




ثانيا: أين كانت الخطبة المزعومة ؟
الروايات تنص بصراحة على انها كانت في المدينة المنورة ، واليكم نص الرواية:

‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏
‏أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ عِنْدِ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏مَقْتَلَ ‏ ‏حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَقِيَهُ ‏ ‏الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا فَقُلْتُ لَهُ لَا فَقَالَ لَهُ فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا حَتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي إِنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏خَطَبَ ‏ ‏ابْنَةَ ‏ ‏أَبِي جَهْلٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏مِنِّي وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏صِهْرًا ‏ ‏لَهُ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ ‏ ‏أَبَدًا .

انظر:
صحيح البخارى ج 4 ص 47 وصحيح مسلم ج 7 ص 141 وسنن أبي داود ج 1 ص 459 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 148 ومسند أحمد ج 4 ص 326 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 523 والمعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 19 وإرواء الغليل للألباني ج 8 ص 294
واللفظ المتقدم للبخاري ، وفي الجميع النص الصريح على المدينة المنورة وعلى منبر النبي صلى الله عليه وآله بالتحديد .




ثالثا: متى كانت الخطبة المزعومة ؟

من جملة الإشكالات التي ترد على قصة الخطبة ، عدم ذكر تاريخ وقوعها ، لذلك فقد اضطر أهل السنة تجميع القرائن لتخمين تاريخا تقريبيا ، فقد ذكروا ان المسور بن مخرمة - راوي هذه الأسطورة - ولد بعد الهجرة بسنتين ، وهو يقول فيها انه سمع حديث النبي صلى الله عليه وآله مباشرة ، وكان محتلما يومها !

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 10 ص 137 في ترجمة المسور:
قال عمرو بن علي: ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين ، فقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان ومات سنة أربع وستين ..... ووقع في صحيح مسلم من حديثه في خطبة علي لابنه أبي جهل قال المسور: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا محتلم يخطب الناس ، فذكر الحديث .
قال ابن حجر: وهو مشكل المأخذ ، لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة ، وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين أو سبع سنين ، فكيف يسمى محتلما ؟
فيحتمل انه أراد الاحتلام اللغوي وهو العقل ، والله تعالى أعلم .
انتهى

تهذيب الكمال للمزي ج 27 ص 581
وولد بمكة بعد الهجرة بسنتين ، فقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح ، وهو ابن ست سنين ، وكان مروان ولد معه في تلك السنة .

سير أعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 394
وعن أم بكر ، قالت: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بعامين ، وبها توفي لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين .

الإصابة لابن حجر ج 6 ص 94
قال يحيى بن بكير: وكان مولده بعد الهجرة بسنتين ، وقدم المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان ، وهو غلام أيفع بن ست سنين .
إذا فبناء على تقدير ابن حجر تكون القصة قد حدثت في السنة الثامنة او التاسعة ، لأنه يزعم انها كانت بعد مولد المسور بنحو ست او سبع سنين ، والمسور ولد في السنة الثانية (1) .

ولكنهم اتفقوا على ان المسور انما قدم المدينة المنورة (((عقب))) ذي الحجة سنة ثمان ، وعليه فلا يمكن ان تكون قد حدثت في السنة الثامنة ، وعلى هذا فيستحيل أن تقع هذه القصة قبل السنة التاسعة للهجرة .



رابعا: متى كانت سرية أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن ؟
وأما السرية فهي تذكر أن خالدا كان معهم ، وكان أميرا على جماعة منهم ومأمورا لأمير المؤمنين عليه السلام ، وخالد بن الوليد لم يسلم إلا في السنة الثامنة للهجرة ،
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 366 في ترجمة خالد بن الوليد: هاجر مسلما في صفر سنة ثمان . انتهى

إذا فهذه السرية كانت بعد صفر سنة ثمان بلا إشكال ، بل انها كانت بعد مقدم خالد بن الوليد باثنين وثلاثين شهرا على وجه التحديد ، واليكم التفصيل:

جاء في صحيح البخارى ج 5 ص 110 (باب بعث على بن أبى طالب وخالد بن الوليد رضى الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع)

عن البراء رضى الله عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن ، قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه فقال: مر اصحاب خالد من شاء منهم ان يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل ، فكنت فيمن عقب معه ، قال: فغنمت اواق ذوات عدد .

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس ، وكنت ابغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد: الا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: يا بريدة اتبغض عليا ؟ قلت: نعم ، قال: لا تبغضه ، فان له في الخمس اكثر من ذلك .

وروى في نفس الباب عن ابن عمر ان انسا حدثهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل بعمرة وحجة ، فقال: اهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج واهل لنا به معه ، فلما قدمنا مكة قال من لم يكن معه هدى فليجعلها عمرة ، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم هدى ، فقدم علينا على بن أبى طالب من اليمن حاجا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بم اهللت فان معنا اهلك ؟
قال: اهللت بما اهل به النبي صلى الله عليه وسلم .
قال فأمسك فان معنا هديا .
انتهى

قلت: فعلى هذا تكون السرية حدثت في السنة العاشرة بدليل ان أمير المؤمنين عليه السلام رجع إلى مكة حاجا بعد منصرفه من اليمن مباشرة ، وهي حجة الوداع التي كانت في السنة العاشرة ، بدون خلاف بين أحد في كل هذا .

وقد صرح ابن سعد في الطبقات الكبرى ج 2 ص 169 بذلك ، قال:
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن ، يقال مرتين إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى اليمن ، وعقد له لواء وعممه بيده وقال: امض ولا تلتفت ، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك .
فخرج في ثلاثمائة فارس وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد وهي بلاد مذحج ، ففرق أصحابه ، فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك ، وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الاسلمي ، فجمع إليه ما أصابوا ، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الاسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة فصف أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي ثم حمل عليهم علي بأصحابه ، فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا ، فكف عن طلبهم ثم دعاهم إلى الاسلام فأسرعوا وأجابوا ، وبايعه نفر من رؤسائهم على الاسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا ، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله ، وجمع علي الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء ، فكتب في سهم منه لله وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس ، وقسم علي على أصحابه بقية المغنم ثم قفل ، فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، قد قدمها للحج سنة عشر .
انتهى

وايضا ذكر الذهبي هذه السرية في حوادث السنة العاشرة للهجرة ونص على اتصالها بحجة الوداع ، قال في تاريخ الاسلام ص 355 (موقع الوراق) قال:
بعث خالد ثم علي إلى اليمن
وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي ، عن أبيه ، عن جده ، عن البراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليمن ، يدعوهم إلى الإٍسلام .
قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه ، فأمره أن يقفل خالد ، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه .
فكنت فيمن عقب مع علي . فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، فصلى بنا علي ، ثم صفنا صفاً واحداً ، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلمت همدان جميعاً .
فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ الكتاب خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان". هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد .
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن علي: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن .
فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء.
فضرب بيده في صدري وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه". فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه د .
وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أن علياً قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .
متفق عليه من حديث عطاء .
انتهى

النتيجة:
إذا فسرية أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن كانت في السنة العاشرة للهجرة ولم يرجع علي عليه السلام إلى المدينة ، بل توجه إلى مكة المكرمة لأداء الحج ، وهي حجة الوداع ، والتاريخ الذي ذكره ابن سعد معقول ومنطقي جدا وهو شهر رمضان السنة العاشرة ، فعليه يكون الإمام عليه السلام قضى حوالي شهرين منذ أن خرج من المدينة المنورة متوجها إلى اليمن ، منجزا ما كُبف به هناك ، ثم عودته إلى مكة المكرمة حاجا .


والنتيجة التي نستفيدها من كل ما تقدم:
1 - أن قصة الخطبة المزعومة يستحيل أن تقع قبل السنة التاسعة ، لأن المسور (راوي الاسطورة) لم يقدم إلى المدينة المنورة إلا بعد نهاية سنة ثمان للهجرة .

2 - ويستحيل أن تقع في الفترة من شهر رمضان من السنة العاشرة (وهو التاريخ الذي خرج فيه الإمام عليه السلام إلى اليمن) إلى يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، لأن المسور يصرح بأن القصة وقعت في المدينة المنورة ، وأنه سمع بأذنيه رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب وهو على منبره في المدينة ويقول: ان فاطمة منى وانا اتخوف ان تفتن في دينها ... الخ . وقد تقدم أن جويرية توجت بعتاب بن أسيد وأنجبت ولدها عبد الرحمن في زمن النبي صلى الله عليه وآله .

وخلاصة النتيجة ان نقول ان واضع الاسطورة يفترض وقوعها في المدينة المنورة في الفترة الواقعة ما بين بداية السنة التاسعة وشهر شعبان من السنة العاشرة .

وهذا يعني بالضرورة أن تاريخ إصطفاء أمير المؤمنين عليه السلام للجارية متأخر عن تاريخ خطبة ابنت أبي جهل ، والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله أقر عليا عليه السلام على ما فعل ، وصرح بشكل لا يقبل التأويل بأن لعلي عليه السلام من الخمس ما هو أكثر من وصيفة ، بل وغضب عليهم النبي صلى الله عليه وآله غضبا شديدا وقال لهم كما روى بريدة:
فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير .
فنظر إلي فقال: يا بريدة أحب عليا ، فإنما يفعل ما يؤمر به .
قال: فقمت وما من الناس احد أحب إلي منه .


ولما قال صلى الله عليه وآله:
وقال: يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ ، وأنه وليكم من بعدي

ولو كان الأمر كما زعموا من الحرمة لما أقره النبي صلى الله عليه وآله .

وهناك شيء آخر وهو ان جويرية كانت في مكة ، وإنما أسلمت عام الفتح كما تقدم ، وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان للهجرة ، وعتاب بن أسيد الذي تزوجها هو الآخر كان في مكة ، وأسلم في نفس الوقت ، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله استعمله على مكة حين انصرف من الفتح ، ولم يزل أميرا على مكة حتى قبض النبي صلى الله عليه وآله (راجع النص الذي نقلته عن المزي من تهذيب الكمال ج 19 ص 282)

في حين أن المسور مصر على أن الخطبة كانت في المدينة المنورة !
فكيف خطبها عليٌ عليه الصلاة والسلام في المدينة وهي في مكة ؟
وأعجب من هذا انهم يروون ايضا ما يلي:
خطب علي بن أبي طالب جويرية بنت أبي جهل به هشام ، فشق ذلك على فاطمة رضي الله عنها ، فأرسل إليها عتاب: أنا أريحك منها ، فتزوجها ، فولدت له عبد الرحمان بن عتاب .

في حين أن عتاب لم يسلم إلى في شهر رمضان سنة ثمان وبقي في مكة إلى أن قبض النبي صلى الله عليه وآله فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ


والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين المظلومين .

.......................

هامش:
(1) ولا ينقضي العجب من أهل السنة ، فهم قيّدوا عموم الآية المباركة في سورة النساء: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) برواية رواها صبي عمره لا يتجاوز الثامنة ، فحكموا بأن عليا عليه السلام مستثنى من الإطلاق الذي نصت عليه الآية ، فكل رجل يجوز له أن ينكح أربع نساء إلا علي بن أبي طالب عليه السلام !

ويجدر التنويه إلى ما قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 391 في ترجمة المسور:
قال الزبير بن بكار: كانت الخوارج تغشاه ، وينتحلونه . انتهى
وايضا إلى ما قاله ابن حجر في فتح الباري ج 9 ص 268 قال:
ولا أزال أتعجب من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال أنه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحدا منه حتى تزهق روحه ، رعاية لكونه بن فاطمة ، محتجا بحديث الباب ، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين ، لما فيه من إيهام غض من جده علي بن أبي طالب ، حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة ، حتى اقتضى أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من الانكار ما وقع .
بل أتعجب من المسور تعجبا آخر أبلغ من ذلك ، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد بن فاطمة ، وما بذل نفسه دون بن فاطمة نفسه ، أعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدي ظلمة الولاة ، لكن يحتمل أن يكون عذره أن الحسين لما خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل إليه ، والله أعلم . انتهى
وبهذا نلم بما كان في قلب ذلك الصبي تجاه آل محمد صلى الله عليهم أجمعين .


كلمة أخيرة
قال مسلم في صحيحه:
‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ
‏أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ وَعَلَيَّ ‏ ‏إِزَارٌ ‏ ‏خَفِيفٌ قَالَ فَانْحَلَّ إِزَارِي ‏ ‏وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً

فهذا الصبي الذي انحل إزاره فمشى عاريا بمرأى من الناس ، والأفظع أنه كان بمرأى من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم تطاوعه نفسه ولم يحمله حياؤه على أن يكلف نفسه بأن يرمي ذلك الحجر الثقيل فورا ليستر عورته ...

هذا الصبي هو راوي تلك الأسطورة ، والعجيب حقا انه يدعي أنه كان محتلما تلك الفترة ، وحملوا الاحتلام على المعنى اللغوي وهو العقل والضبط !
وليت شعري ، أين ذهب عنه عقله وضبطه عندما آثر إيصال الحجر إلى موضعه ، على أن يستر عورته المكشوفة ؟؟؟

هذا الصبي يزعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يخطب على منبره الشريف في المدينة المنورة تلك الخطبة ، ولكن التاريخ يثبت لنا أن جويرية (المخطوبة المزعومة) وهي المشركة التي وصفت أذان بلال بالنهيق ، وكذلك عتاب بن أسيد الذي تزوجها ، كانا من أهل مكة المكرمة ولم يسلما إلا عام الفتح سنة ثمان للهجرة ، ولم يذكر أحد أنهما هاجرا إلى المدينة ، فكيف خطبها أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة وهي في مكة ؟؟؟

والحمد لله رب العالمين