بسم الله الرحمن الرحيم
( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) بما فيهم كبار الملائكة المقربين : اسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل ، المشار اليهم في قوله تعالى ( والمدبرات امرا ) وهذا شاهد على ان مقام ادم عليه السلام متقدم من حيث الرتبة على جميع ا لملائكة المقربين .



خزّان علم الله
في الارض والسماء


من الكمالات الوجودية المذكورة لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ في « الزيارة الجامعة » أنهم : خزنة لعلمه ، و خزَّان العلم ، وكونهم كذلك ممّا تواترت به الروايات ، نكتفي بذكر جملة منها :
1 / حسنة سورة قال : قال لي أبو جعفر (عليه السلام) : « والله إنا لخزان الله في سمائه وأرضه ، لاعلى ذهب ولا على فضة إلا على علمه » .
2 / صحيحة أبي حمزة قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : قال رسول الله صلى الله عليه واله : قال الله ـ تبارك وتعالى ـ : « استكمال حجتي على الاشقياء من أمتك ، من ترك ولاية علي والاوصياء من بعدك ، فإن فيهم سنتك وسنّة الانبياء من قبلك ، وهم خزّاني على علمي من بعدك » .
3 / صحيحة ابن أبي يعفور قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « يا ابن ابي يعفور إن الله واحد متوحد بالوحدانية ، متفرد بأمره ، فخلق خلقاً فقدرهم لذلك الامر ، فنحن هم ياابن ابي يعفور فنحن حجج الله في عباده ، وخزانه على علمه ، والقائمون بذلك » .
4 / معتبرة سدير الصيرفي ، قال للصادق (عليه السلام) : جعلت فداك ما أنتم ؟ قال : « نحن خزّان علم الله ، نحن تراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون ، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الارض » .
5 / مصححة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) أنه قال : يا أبا بصير ! نحن شجرة العلم ، ونحن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ، وفي دارنا مهبط جبرئيل ، ونحن خزّان علم الله ، ونحن معادن وحي الله ، من تبعنا نجا ومن تخلف عنّا هلك ، حقاً على الله ـ عز وجل ـ .
6 / حسنة سورة بن كليب الاخرى عن ابي عبدالله (عليه السلام) ، في قول الله تبارك وتعالى ( ربّنا آرنا الَّذَين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت اقدامنا ليكونا من الاسفلين ) قال : « ياسورة هما والله ـ ثلاثا ـ والله ياسورة ;إنّا لخزّان علم الله في السماء ، وإنّا لخزان علم الله في الارض ».
7 / معتبرة الحسين بن علوان ، عن همام بن الحرث ، عن وهب بن منبّه قال : إن موسى (عليه السلام) نظر ليلة الخطاب الى كل شجرة في الطور وكل حجر ونبات تنطق بذكر محمد ـ صلى الله عليه واله ـ واثنى عشر وصياً له من بعده ، فقال موسى : إلهي ! لا أرى شيئاً خلقته إلا وهو ناطق بذكر محمد وأوصيائه الاثني عشر ـ عليهم السلام ـ فما منزلة هؤلاء عندك ؟ قال : ياابن عمران ! إني خلقتهم قبل خلق الانوار ، وجعلتهم في خزانة قدسي ، يرتعون في رياض مشيئتي ويتنسمون روح جبروتي ، ويشاهدون أقطار ملكوتي حتى إذا شاءت مشيئتي ، انفذت قضائي وقدري ... ياابن عمران ! تمسك بذكرهم فإنهم خزنة علمي وعيبة حكمتي ومعدن نوري » .
قال الحسين بن علوان فذكرت ذلك لجعفر بن محمد (عليه السلام) فقال : « حق ذلك ، هم اثنى عشر من آل محمد ـ عليهم السلام ـ علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي ، ومن شاء الله ، قلت : جعلت فداك ! إنما أسألك لتفتيني بالحق ! قال : أنا وابني هذا ـ وأومأ الى ابنه موسى ـ والخامس من ولده يغيب شخصه ولايحل ذكره باسمه ».
والروايات بذلك كثيرة ، وما في الأدعية والزيارات كاف لاستحصال واثبات الاستفاضة ، وبمجموعها تصل هذه الاحاديث إلى التواتر اللفظي ، بعد الفراغ عن التواتر المعنوي والاجمالي(1) ، إذ الاحاديث في علم الامام (عليه السلام) وسعته وكميته ونوعيته تفوق حد الاحصاء .
وأما الاحاديث المصرحة بكونهم ـ عليهم السلام ـ « خزانه في سمائه وأرضه » بلا إضافة ذلك الى علمه ، فهي مستفيضة سيأتي ذكر عدة منها عند ذكر القرينة الأولى على علمهم الإحاطي فانتظر !
تعريف العلم
وقد وقع الخلاف بين الحكماء في أن العلم هل هو من سنخ الوجود أم من سنخ الماهية ؟ وإذا كان من سنخ الماهية ، فمن أي مقولة من المقولات ؟ وهذا بحث مرتبط بنظرية المعرفة لا نريد أن نقحمه في المقام ، وإنما نكتفي هنا بذكر تعريف العلم أولا ، وبيان قسميه بعد ذلك ، فنقول :
العلم : هو حضور المعلوم لدى العالم ، أو فقل : « حضورُ شيء لشيء » .
وحضور الاشياء لدى العالم تارة بوجودها الخارجي ، وأخرى بوجود صورة عنها ، ومن ذلك يُعرف أن العلم قسمان :
القسم الاول :
العلم الحصولي : وهو حضور صور الاشياء لدى ذهن الانسان ، كحضور صورة الجبل أو صورة السماء أو صورة الارض وما شابه ذلك ; وهذه الصور شيء ووجود ، وماتحكي عنه شيء ووجود آخر ، فالجبل الخارجي شيء وصورته الذهنية شيء آخر ، والاحاطة بهذه الصورة وحضورها لدى الانسان لايستلزم الاحاطة بما تحكيه من أعيان خارجية تكوينية ، ولهذه الصور طول وعرض وعمق ، ولكنها مجردة عن المادة .
وهناك صور أخرى لاطول ولاعرض ولاعمق لها ، يُعبّر عنها بالمفاهيم والصور العقلية ، كالمفاهيم المنطقية ، مثل مفهوم النوع والجنس والفصل والكلي والجزئي ، أو المفاهيم التي لاوجود لها في الخارج العيني كالاعداد الرياضية والهندسية وما شابه ذلك(1) .
فالعلم الحصولي هو حضور صور الاشياء لدى العالم والمُدرِك ، فهو علم بالاشياء الخارجية عبر الصور والمفاهيم ، فالمعلوم أولا ـ وبالذات ـ الصور الذهنية ; وثانياً ـ وبالعرض ـ ماتحكيه هذه الصور من أعيان خارجية ، كأن يقف الانسان أمام مرآة فيرى ارتسام صور الاشياء .
فالذهن البشري بمثابة مرآة تنتقش فيها الصور ، فالذي حضر لدى الانسان هو الصور المرآتية دون ماتحكيه هذه الصور ، لذا فالمعلوم بالذات هي الصور والمعلوم بالعرض وبالتبع هو الوجود الخارجي ، ولذلك فإن هذا السنخ من العلم علم ناقص .
والسر في تسمية الصور الذهنية بالمعلوم بالذات ، والاشياء الخارجية بالمعلوم بالعرض ، هو اعتبار مايحلّ ضيفاً لدى الذهن أولا وبالذات ، فحيث أن الصور الذهنية هي التي تحل أولا وبالذات لدى الذهن البشري دون الوجود الخارجي ، فسميت تلك الصور بالمعلوم بالذات .

القسم الثاني :
العلم الحضوري : وهو حضور الشيء بنفسه لدى العالم ، لا مجرد صورة الشيء ; وإليك عدة من الامثلة لهذا السنخ من العلم .
1 / الصور المنتقشة في الذهن : فإنها بما هي هي حاضرة بنفسها لدى الذهن والعالم فهي معلومة بالعلم الحضوري ، وبما أنها حاكية ومرآة وطريق للخارج ، فهي معلومة بالعلم الحصولي .
فالصورة الذهنية من حيثية معينة علم حصولي ومن حيثية أخرى علم حضوري ، يعني من حيث حكايتها عن الخارج علم حصولي ، ومن حيث حضورها لدى الذهن ـ بعيداً عن حكايتها للخارج ـ علم حضوري ، فتدبر !
2 / علم الانسان بنفسه وذاته : فان نفس الانسان حاضرة لديه ، لابتوسط الصور ، وإنما بذاتها وذاتياتها ; فكل انسان يعلم نفسه بنفسه لابشيء آخر ، فمعرفة الانسان نفسه وذاته من سنخ العلم الحضوري .
3 / علم الانسان بمشاعره النفسية : من ألم ، وارتياح ، وفرح ، وحزن ، وجوع ، وعطش ، وشبع ، وارتواء ، وماشابه ذلك . فالانسان يعلم بأنه جائع او شبع ، لابتوسط الصور والمفاهيم الذهنية والعقلية ، وإنما بحضور الجوع والشبع لديه .
وهذا السنخ من العلم هو العلم الراقي والكامل ، وهو العلم بحقيقة معنى الكلمة ، إذ أن العلم الحصولي يشوبه الجهل ويعتريه الخطأ ، وقد لا يكون مطابقاً للواقع ، لانه ليس بعلم بالواقع على ماهو عليه واقعاً وحقيقة ، وإنما العلم بالواقع من خلال الصور والمفاهيم التي قد لا تكون ـ أي الصور والمفاهيم ـ مطابقة للواقع الخارجي ، والانسان يحسبها أنها مطابقة .
وذلك بخلاف العلم الحضوري ، فإن نفس حقيقة الشيء ـ في هذا العلم ـ تحضر لدى الانسان فلا مجال للخطأ والاشتباه ، لذا لايخطىء الانسان في جوعه وعطشه وفرحه وحزنه ، ومنشأ ذلك أن العطش والجوع والفرح والحزن حضر بنفسه وذاته لدى الانسان ، بلا توسط صورة أو مفهوم أو لفظ .
فالخلاصة : ان المعلوم إن كان بنفسه حاضراً لدى العالم ومنكشفاً له مباشرة ، فهذا العلم علم حضوري ; وان كان انكشاف المعلوم لدى العالم عبر الصور ، فهو علم حصولي ، فالعلم الحضوري ليس بحاجة إلى توسط شيء ، بخلاف العلم الحصولي ، فإنه بحاجة إلى توسّط الصور والمفاهيم العقلية والوهمية .
علم الله حضوري
وعليه : فعلم الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس بتوسط الصور والمفاهيم(2) ، وإنما بحضور ذوات الاشياء لديه ـ تعالى وتقدس ـ فجميع العوالم الامكانية بقضها وقضيضها حاضرة لديه ومفتقرة إليه ، فهي محض التعلق والارتباط والفناء والفقر ، وهو القائم على كل شيء .
ألا ترى كيف أن الانسان بمجرد غفلته أو انشغاله عن صوره الذهنية تنمحي تلك الصورة المنتقشة في صفحة الذهن ؟ كذلك العوالم الامكانية بالنسبة له ـ تعالى ـ لو انقطع فيضه لحظة واحدة لكان مصيرها العدم والفناء ( ولله المثلى الاعلى )(3) .
فعلمُه ـ تعالى ـ علمٌ إحاطيٌ قيوميٌ ، المشار إليه بقوله ـ عليه السلام ـ « داخل في الاشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمزايلة » ، المسمى في ألسنة بعض الحكماء من أهل المعرفة « بسيط الحقيقة كل الاشياء وليس بشيء منها » .
علم أهل البيت من أي سنخ هو ؟
فتوصيف أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بأنهم « خزان علم الله » و « خزنة علمه » لا يتلاءم مع العلم الحصولي ، و إنما له تمام المناسبة والملاءمة مع العلم الحضوري الاحاطي ، إذ أن ذات اللفظة تتناول هذا العلم بصورة خاصة لكون العلم الحصولي ـ بحسب الدقة ـ ليس علماً ; فلا يمكن أن يضاف ويوصف الباري به وذلك لاستلزامه التركّب في الذات المقدسة مما يؤدي للقول بأن معرفة الله لمخلوقاته تكون عن طريق الصور ، وهذا أمر محال وممتنع .
مضافا إلى القرائن الخاصة الدالة على كون علم أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ليس من سنخ العلم الحصولي فحسب ، وإنما هو أعم من ذلك ومن العلم الحضوري الاحاطي ، نذكر هذه القرائن مع التعليق عليها بشكل موجز ومقتضب :

القرينة الأولى : خزنة الله في الارض والسماء
ماورد من أنهم ـ عليهم السلام ـ خزنة الله في الارض والسماء ، وهو تفسير لقوله ـ تعالى ـ ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم )(4) ، وكون الامام كذلك معناه إحاطته بما في الارض والسماء ، وهو عين العلم الإحاطي الحضوري ، فهم ـ عليهم أفضل السلام ـ خزنته في الأرض وكذلك خزنته في السماء(5) .
من هذه النصوص :
1 / صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تبارك وتعالى ( صراط الله الذي له مافي السماوات والارض )(6) : « يعني علياً أنه جعل علياً خازنه على مافي السماوات وما في الارض من شيء وائتمنه عليه ، ألآ الى الله تصير الامور(7) .
2 / صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا ، وصوّرنا فأحسن صورنا ، وجعلنا خزانه في سمائه وأرضه ، ولنا نطقت الشجرة ، وبعبادتنا عُبِدَ الله ـ عز وجل ـ ولولانا ماعُبد الله »(8) .
3 / صحيحة ابي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « واللهانّا لخزان الله في سمائه وخزّانه في أرضه ، لا على ذهب ولا على فضّة ، وإن منّا لحملة العرش يوم القيامة »(9) .
4 / صحيحة ذريح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « نحن لخزان الله في الارض وخزانه في السماء ، لسنا بخزّانه على ذهب ولا فضة ، وإنّا منا لحملة عرشه يوما لقيامة »(10) .
5 / صحيحة خيثمة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « نحن خزان الله »(11) .
القرينة الثانية : الشهداء على الخلق
ما تواترت به الروايات من كونهم ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ الشهداء يوم القيامة على أعمال العباد ، والشهادة فرع الحضور ، فشهادتهم كشهادة أعضاء الانسان يوم القيامة : (حتى إذا ماجاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي أنطق كل شيء )(12) .
وبما أن الاعضاء واسطة لتحقق جميع ما يقوم به الانسان ، كذلك هم ـ عليهم السلام ـ الواسطة في الفيض لكل وجود وصفة وفعل في عالم الامكان وفق « قاعدة الامر بين الامرين »(13) .
ويؤيد ، بل يدل على ذلك أن هذه الشهادة على نسق شهادة الله ـ تعالى ـ على مخلوقاته وهي شهادة قيّومية إحاطية اشرافية كما هو ظاهر قوله تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )(14) وقوله ( وكذلك جعلناكم وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول شهيداً عليكم )(15).
كما أن هذه الشهادة ليست مقصورة على أفعال الجوارح بل تشمل أيضا الشهادة على أفعال الجوانح ،وهذا يتطلب الاحاطة التامة والاشراف الكامل على المشهود عليه ، إذ العمل الظاهري الجوارحي منصبغ بصبغة الباطن وفعل النفس، فربما يوجد عمل نراه قبيحاً هو عند الله حسن ، وربما صلاة وصيام وقيام بالليل وتصدق على المساكين نحسبها إخلاصاً لله ـ تعالى ـ وهي رياء ونفاق ، فمن له هذا المنصب لابد من أحاطته التامة بافعال الجوارح والجوانح ، وإلا لايمكنه الادلاء بالشهادة على وجهها الاتم .
نتبرك بذكر مجموعة من تلكم الروايات :
1 / صحيحة أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : سئل عن قول الله ـ عز وجل ـ ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) قال : « إن أعمال العباد تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل صباح ، أبرارها وفجارها ، فاحذروا ! »(16).
2 / مصححة أبي بصير قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : « إن أبا الخطاب كان يقول : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعرض عليه أعمال امته كل خميس ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : ليس هكذا ، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله)تعرض عليه أعمال هذه الامة كل صباح ، أبرارها وفجارها ، فاحذروا ! وهو قول الله ـ عز وجل ـ : (وقل اعملوا فسيرى الله ورسوله والمؤمنون ) ، وسكت ، قال أبو بصير : إنما عنى الائمة ـ عليهم السلام ـ »(17) .
3 / صحيحة الميثمي قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )قال : « هم الائمة ، تعرض عليهم أعمال العباد كل يوم الى يوم القيامة »(18) .
4 / صحيحة محمد بن مروان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « اذا اراد الله أن يخلق الامام انزل ... فإذا وقع على الارض ، رُفع له منار من نور يرى أعمال العباد »(19) ; وفي رواية اخرى عنه : « رفع له عمود من نور يرى به مابين المشرق والمغرب »(20) .
5 / موثقة إسحاق بن عمار قال : قال ابو عبدالله (عليه السلام) : « الامام يسمع الصوت في بطن امه .... فإذا ترعرع ; نصب له عموداً من نور من السماء الى الارض يرى به أعمال العباد »(21) .
6 / صحيحة أبي حمزة قال : قال ابو جعفر (عليه السلام) : « ان الامام منا ليسمع الكلام وهو في بطن أمه ... حتى إذا شبّ رفع الله له عموداً من نور يرى فيه الدنيا وما فيها ، لايستر عنه منها شيء »(22) .
والاحاديث في ذلك كثيرة جداً ، وبعض الاحاديث ذكرت أن العرض يكون يومي الاثنين والخميس ، وهي لا تنافي الروايات التي تقول أن العرض في كل يوم ، بل لحظة بلحظة وساعة بساعة ، إذ ذلك بيان لبعض مراتب العرض ، والآيات ظاهرة في أن رؤيتهم لأعمال الخلق على نسق رؤية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ، وهي رؤية إحاطية بما يفعله العباد ، ولو كان هناك ثمَّ واسطة بين الرسول والائمة ـ عليهم السلام ـ وبين أعمال العباد ، لكانت هذه الواسطة هي الشاهد يوم القيامة لا هم ـ عليهم السلام ـ ، والعمود المذكور في جملة من الروايات ليس بشيء خارج عن ذواتهم ـ عليهم السلام ـ وستأتي الاشارة إليه ، فانتظر !
القرينة الثالثة : مظاهر العلم الالهي
أنه قد ذُكر في القرآن الكريم عدة مظاهر للعلم الالهي :
المظهر الاول «العرش» : كما في قوله ـ تعالى ـ ( فسبحان الله رب العرش عمَّا يصفون )(23) ، وقوله ( الله لاإله الا هو رب العرش العظيم )(24) ، وقوله ( رفيع الدرجات ذو العرش )(25) ، وقوله ( الرحمن على العرش استوى )(26) .
وقد فسرت الاحاديث أن العرش الالهي هو العلم الذي لايقدر أحد قدره ، ففي صحيحة عبدالله بن سنان عن ا بي عبدالله ـ عليه السلام ـ في قوله (وسع كرسيه السماوات والارض ) فقال : « السماوات والارض ومابينهما في الكرسي ، والعرش هو العلم الذي لايقدر أحد قدره »(27) .
وبما أن الكرسي والسماوات والارض كلها في العرش ـ كما هو صريح الروايات ـ فالمحدق به والحامل له محيط بكلِّ شيء بإذن الله تعالى ، وقد استفاضت الروايات أن حملة العرش هم أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وهم المحدقون به ، بل في النظر الدقي العرش ليس إلا طوراً من أطوارهم ، وشاناً من شؤونهم ، ومظهراً من مظاهرهم ، ومرتبة من مراتبهم ، وتنزلا من تنزلاتهم ، وتجلياً من تجلياتهم ، وفعلا من افعالهم فافهم ولاتغفل !
ويدل على إحاطتهم وحملهم للعرش عدة من الروايات :
1 / قولهم ـ عليهم السلام ـ في الزيارة الجامعة « خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين » والاحداق هو الاحاطة التامة بالشيء ، وإحداقهم بالعرش ليس بوجودهم المادي بل بوجودهم النوري كما هو نص العبارة ، وكما صرّح به العظماء الربانيين .
2 / صحيحة ابي حمزة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « حملة العرش ـ والعرش العلم ـ ثمانية : أربعة منّا وأربعة ممن شاء الله »(28) ، وليس الحمل في عرض واحد وانما هو طولي مشكك ذو درجات كالدوائر في بعضها البعض .
3 / حسنة سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « والذي بعثني بالحق بشيراً ، ما استقر الكرسي والعرش ولادار الفلك ولاقامت السماوات والارض إلا بان كتب الله عليها : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، علي أمير المؤمنين »(29) .
وبتعبير آخر بالله ومحمد وعلي قامت السماوات والارض وليس الكتابة كتابة تدوينية ، بل هي كتابة تكوينية .
4 / صحيحة ذريح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « نحن لخزان الله في الارض ، وخزانه في السماء ، لسنا لسنا بخزّانه على ذهب ولا فضة ، وإن منا لحملة عرشه يوم القيامة »(30) .
قلت : وكونهم خزنة علم الله يقتضي أنهم حملة عرشه ، إذ الخزينة الالهية التي فيها أصل كل شيء هي العرش .
قال الصدوق : « وأما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الاولين وأربعة من الاخرين : فأما الاربعة من الأولين ، فنوح وابراهيم وموسى وعيسى ـ عليهم السلام ـ ، وأما الاربعة من الآخرين : فمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم ، هكذا روي بالاسانيد الصحيحة عن الائمة ـ عليهم السلام ـ »(31) .
المظهر الثاني «الكرسي» : كما في قوله تعالى (ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والارض )(32) والكرسي أيضاً مرتبة نازلة دون العرش ، وإليه اشارت الروايات المتعددة .
فعن حفص بن غياث قال : « سألت ابا عبدالله ـ عليه السلام ـ عن قوله الله عز وجل ( وسع كرسيه السماوات والارض ) قال : علمه »(33) .
وعن المفضل بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن العرش ، والكرسي ماهما ؟ فقال : « في وجه : هو جملة الخلق ، والكرسي وعاؤه ; وفي وجه آخر : العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه ; والكرسي : هو العلم الذي لم يطلع الله عليه أحداً من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام »(34) .
وهناك عدة روايات تقول أن السماوات والارض وكل شيء في الكرسي فهو يسع كل شيء .
المظهر الثالث «الكتاب المبين» : كقوله تعالى ( ومايعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين )(35) وقوله : ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين )(36) وهذا الكتاب المبين الذي فيه كل شيء صغيراً وكبيرا مفسر بالامام المعصوم (عليه السلام) كما سيأتي ، وليست الكتابة كالكتابة المعروفة عندنا بل هي كتابة وجودية فهذا الكتاب محيط بكل شيء وفيه كل شيء ـ ذاتاً ووجوداً ـ .
المظهر الرابع «الامام المبين» : في قوله تعالى ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين )(37) المفسر في الاحاديث بانه الامام المعصوم ـ عليه السلام ـ والمعصومون إثنا عشر إماماً من قريش من بني هاشم .
من هذه الاحاديث :
مارواه : الصدوق بسنده عن أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عن جده ـ عليهم السلام ـ قال : « لما نزلت هذه الاية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) ، قام أبو بكر وعمر من مجلسيهما ، فقالا : يارسول الله ! هو التوارة ؟ قال : لا ، قالا : فهو الانجيل ؟ قال : لا ، قالا : فهو القران ؟ قال : لا ; فأقبل أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : هو هذا ، إنه الامام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شيء »(38) .
ومنها : مارواه محمد بن العباس بسنده عن صالح بن سهل قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقرأ : ( وكل شيء احصيناه في إمام مبين ) ، قال : أمير المؤمنين (عليه السلام) »(39) .
ومنها : مارواه الكليني بسنده عن ابراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال ـ في حديث ـ : إن الله سبحانه يقول ( ولو أن قرآنا سيّرت به الجبال أو قطعت به الارض او كلم به الموتى )(40) ، وقد ورثنا نحن هذا القران الذي فيه تسيّر به الجبال وتقطع به البلدان وتحيى به الموتى ، ونحن نعرف الماء تحت الهواء ، وإن في كتاب الله لآيات مايراد بها أمر إلا يأذن الله به مع ماقد يأذن الله مما كتبه الماضون جعله الله لنا في أُم الكتاب . إن الله يقول : ( وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتاب مبين )(41) وقال : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا )(42) فنحن الذين اصطفانا الله عز وجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء(43) .
ومنها : مارواه الكليني بسنده عن أبي بصير قال : « قلت : ( هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق )(44) قال : إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب »(45) .
ومنها : مارواه القمي بسند صحيح عن سعدان عن أبي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال : « الكتاب : علي ـ عليه السلام ـ لاشك فيه (هدى للمتقين )(46) ، قال : بيان لشيعتنا »(47) .
ومنها : مارواه الكليني بسنده عن يعقوب بن جعفر بن ابراهيم عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث طويل ، قال : « أما «حم» فهو محمد ـ صلى الله عليه واله ـ وأما «الكتاب المبين» فهو أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ ، وأما الليلة ففاطمة »(48) .
هذا وقد استفاضت ـ بل تواترت ـ الاخبار عن طريق العامة والخاصة بأن علم الكتاب عندهم ـ عليهم السلام ـ ; والعلم بالكتاب يستلزم الاحاطة الوجودية بكل مافيه ، كما تشير إليه بعض الاحاديث المتقدمة والاتية ـ ان شاء الله ـ في «القرينة الخامسة» .
المظهر الخامس «أم الكتاب» : كقوله : ( يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب )(49) ، وقوله ( وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم )(50) ; وورد عنهم ـ عليهم السلام ـ أنهم المثاني ، والظاهر أن المثاني اشارة الى مرتبة أم الكتاب ، وأم الكتاب هي المشار إليها بقوله تعالى ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وماننزله إلا بقدر معلوم )(51) .
فهذه المظاهر المذكورة في القران الكريم للعلم الالهي الاحاديث والروايات تنص على أنها متحدة مع المعصوم ـ عليه السلام ـ بل هي عينه طبقاً لمسألة اتحاد العاقل والعقل والمعقول التي حققها صدر المتألهين ، والتي أشارت إليها الاحاديث وقد تقدم بعضها .
القرينة الرابعة : لا يحجب عنهم شيء
ماجاء من روايات مستفيضة أنه لايحجب عنهم علم السماوات والارض والجنة والنار ، وقد عقد لها صاحب «البحار» بابين أورد فيهما عدّة من الروايات .
منها : صحيحة عبدالاعلى وعبيدة بن بشير قالا : « قال أبو عبدالله (عليه السلام) ابتداء منه : والله إني لاعلم ما في السماوات ومافي الارض وما في الجنة وما في النار ومكان ومايكون إلى أن تقوم الساعة ، ثم قال : أعلمه من كتاب الله أنظر إليه هكذا ، ثم بسط كفيه ، ثم قال : ان الله يقول ( ونزلنا إليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) »(52) .
ومنها : صحيحة المفضل عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : اعطيت تسعاً لم يعطها أحد قبلي سوى النبي صلى الله عليه واله فتحت لي السبل ، وعلمت المنايا والبلايا والانسان وفصل الخطاب ، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربي فما غاب عني ماكان قبلي ولا مايأتي بعدي وإن بولايتي أكمل الله لهذه الامة دينهم ... »(53) .
ومنها : رواية الحسن بن عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة : والله إني لديان الناس يوم الدين ، وقسيم الله بين الجنة والنار .... ولقد أعطيت السبع التي لم يسبق إليها أحد قبلي ، بُصرت سبل الكتاب وفتحت لي الاسباب وعلمت الانساب ومجرى الحساب وعلمت المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب ، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني ولم يفتني ماسبقني ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الاشهاد ، وأنا الشاهد عليهم وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته وبي يكمل الدين ، وانا النعمة التي أنعمها الله على خلقه ، وأنا الاسلام الذي ارتضاه لنفسه ، كل ذلك منّ من الله »(54) .
فالشهادة على الاعمال والنظر في الملكوت هو الاحاطة الوجودية بكل العوالم الامكانية .
القرينة الخامسة : عندهم علم ما كان وما يكون
ماورد من أحاديث مستفيضة عنهم ـ عليهم السلام ـ ومضمونها واضح : من أن عندهم علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وذلك كاشف عن احاطتهم الوجودية بكل العوالم الامكانية ، اذ العلم بما يكون لحظة بلحظة يقتضي ذلك كما لايخفى ، من هذه الروايات :
1 / صحيحة ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث طويل : « وإن عندنا الجامعة ومايدريهم ما الجامعة ... وإن عندنا الجعفر ومايدريهم ماهو الجفر ... وإن عندنا لمصحف فاطمة وما يدريهم ما مصحف فاطمة ... ثم سكت ساعة ثم قال : إن عندنا علم ماكان وعلم ماهو كائن الى ان تقوم الساعة ، قال : قلت : جعلت فداك هذا والله هو العلم ، قال : إنه لعلم وليس بذاك ... الحديث »(55) .
2 / صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال : « سئل علي (عليه السلام)عن علم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : علم النبي علم جميع النبيين ، وعلم ماكان وعلم ماهو كائن الى قيام الساعة ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! إني لاعلم علم النبي (صلى الله عليه وآله) وعلم ماكان وعلم ماهو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة »(56) .
3 / حسنة سيف التمار قال : كنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجرة فقال : « علينا عين ؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً ، فقلنا : ليس علينا عين ، قال : وربّ الكعبة ورب البيت ـ ثلاث مرات ـ لو كنت بين موسى والخضر لاخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما ماليس في أيديهما لان موسى والخضر أعطيا علم ماكان ، ولم يعطيا علم ماهو كائن ، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطي علم ما كان وماهو كائن الى يوم القيامة ، فورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)وراثة »(57) .
4 / وفي مستفيضة عبد الاعلى وعبيدة بن بشير وعبدالله بن بشير قالوا : قال (عليه السلام) : « والله اني لاعلم مافي السماوات ومافى الارض ومافي الجنة ومافي النار وماكان ومايكون الى ان تقوم الساعة ، فرأى أن ذلك كَبُر على من سمعه ، فقال : اعلمه من كتاب انظر إليه هكذا ثم بسط كفيه ثم قال إن الله يقول : ( ونزلنا عليك الكتاب فيه تبياناً لكل شيء )(58) .
5 / وفي مستفيضة معاوية بن وهب في ثواب زوار الحسين (عليه السلام) قال : استأذنت على أبي عبدالله (عليه السلام) ، فأذن لي ، فسمعته يقول في كلام له : « يامن خصّنا بالوصية وأعطانا علم مامضى وعلم مابقي ، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا ، وجعلنا ورثة الانبياء ـ عليهم السلام ـ »(59) .

وللكلام تتمة تأتي ان شاء الله تعالى

---------- الهوامش
(1) المفاهيم الحاصلة في العقل إما أن تكون مفاهيم ماهوية أو مفاهيم وجودية فلسفية ، وانتزاع المفاهيم الماهوية يكون عبر التحليل والتقشير ، بينما المفاهيم الوجودية يكون عبر المقارنة والقياس بين الوجودات .
(2) اذ الصور والمفاهيم لا تحقق لها إلا بتحققها وحصولها في الذهن ، والذهن من مختصات النفوس المتعلقة بالمادة ، والله منزّه عن المادة وآثارها .
(3) النحل : 60 .
(4) الحجر : 21 .
(5) وكونهم ـ عليهم السلام ـ خزنته في السماء ليس بوجودهم المادي ونشأتهم الأرضية ، وإنما بوجودهم النوري المقدس الذي هو نور الله عز وجل في السماوات والارض ، وستأتي تتمة مفيدة ومختصرة فانتظر .
(6) الشورى : 53 .
(7) بصائر الدرجات : 126 ج2 * تفسير القمي : 2/279 .
(8) كتاب علي بن جعفر : 321 * الكافي : 1/193 ، بسندين : مصحح وصحيح * بصائر الدرجات : 125 بسندين عن علي بن جعفر .
(9) بصائر الدرجات : 124 .
(10) بصائر الدرجات : 126 .
(11) بصائر الدرجات : 125 .
(12) فصلت : 20 .
(13) راجع كتابنا « وسائط الفيض الالهي » ، وكتابنا « حقيقة الأسماء الحسنى » .
(14) التوبة : 105 ; وقد أورد في البرهان في تفسير القران خمسة وثلاثين رواية ذكرت تطبيق الاية على أهل ا لبيت ـ عليهم السلام ـ .
(15) البقرة : 143 ; أورد في البرهان احد عشرة رواية في تطبيق الاية على أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، أما الروايات الدالة على أنهم شهداء الله على خلقه فهي من المقطوع بتواترها اللفظي .
(16) بصائر الدرجات : 444 ومثلها صحيحة محمد بن مسلم ، وحسنة ابن الفضيل * الكافي : 1/220 صحيحة الوشاء عن الرضا عليه السلام .
(17) الكافي : 1/219 * معاني الاخبار : 392 * بصائر الدرجات : 444 .
(18) بصائر الدرجات : 447 .
(19) الكافي : 1/387 * بصائر الدرجات : 451 .
(20) بصائر الدرجات : 454 .
(21) بصائر الدرجات : 451 .
(22) بصائر الدرجات : 451 .
(23) الانبياء : 22 .
(24) النمل : 26 .
(25) غافر : 15 .
(26) طه : 5 .
(27) التوحيد : 327 باب 52 حديث 2 .
(28) الكافي : 1/132 .
(29) المائة منقبة : 72 منقبة 24 ، اليقين لابن طاووس : 239 .
(30) بصائر الدرجات : 126 .
(31) اعتقادات الصدوق : 75 .
(32) البقرة : 255 .
(33) التوحيد: 327 باب 52 حديث 1 .
(34) معاني الاخبار : 29 ، فهو من العلم المخزون المكنون المشار إليه في عدة من الروايات ، ومنه يكون البداء ، وهو مقام ( تعلم مافي نفسي ولا أعلم مافي نفسك ) إذ مهما بلغ العبد من الكمال والجمال والتقدم الوجودي الشديد ، فإن حقيقة الحقائق الحقيقية لايمكن أن يحاط بها ، فهي غيب مطلق ، حتى بالنسبة لاشرف المخلوقات وسيد الكائنات والعبد المطلق الرسول الاكرم صلى الله عليه واله ، فمع انه وصل الى قاب قوسين بل أدنى إحاطته بالذات المقدسة من المستحيلات والممتنعات ، ونفي الاحاطة لايعني نفي الادراك الحضوري ، إذ لاتلازم بين العلم الحضوري والاحاطي ، فقد يكون العلم بالشيء حضورياً ولكنه ليس بإحاطي ، نعم العلم الاحاطي ـ دائماً وابداً ـ حضوري .
(35) يونس : 61 .
(36) الانعام : 59 .
(37) يس : 12 .
(38) معاني الاخبار : 95 .
(39) تأويل الايات : 477 ، ومحمد بن العباس المعروف بابن الحجام صاحب كتاب التفسير ، قال فيه النجاشي : ثقة ثقة من أصحابنا عين سديد كثير الحديث .
(40) الرعد : 31 .
(41) النمل : 75 .
(42) فاطر : 32 .
(43) الكافي : 1/226 ، وكون علم القران عندهم مما تواترت به الروايات عن طريق الخاصة والعامة ، ويكفي في ذلك حديث الثقلين الدال على كونهم هم القران والقران هم والتفصيل في محله .
(44) الجاثية : 29 .
(45) الكافي : 8/50 * تفسير القمي : ج2/295 بسند آخر * ورواه محمد بن العباس عن ابي بصير بسند ثالث ، وفيه « ولكن محمد وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ هم الناطقون بالكتاب » .
(46) البقرة : 2 .
(47) تفسير القمي : 1/30 ، وصححنا السند مع أن سعدان لم يوثق صراحة ، لذكر الشيخ والنجاشي له في أصحابنا المصنفين مع عدم القدح فيه ، وهو من أمارات الحسن ، مع كثرة رواياته في الكتب الاربعة ، واعتماد الصدوق عليه في الفقيه وجعل كتابه من الكتب المعتمدة التي عليها المعول وإليها المرجع والتي على وفقها يفتي ويحكم بصحته ويعتقد أنها الححبة بينه وبين الله تعالى ، وهذه الشهادة بنظري القاصر أقوى من توثيقات النجاشي إن أكثر الرواية عنه ، وذلك لان الصدوق قدس سره من المتشددين في التثبت والتدقيق في صحة الروايات وخلوها من التدليس والاعراض عن الرواية عن الضعفاء ، ولذا ذَكَرَ في حقه الشيخُ الطوسي قدس سره أنه كان بصيراً بالرجال ناقداً للاخبار لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه .
(48) الكافي : 1/479 .
(49) الرعد : 39 .
(50) الزخرف : 4 .
(51) الحجر : 21 .
(52) النحل : 89 ; بصائر الدرجات : 147 .
(53) الامالي للشيخ : 205 مجلس 8 حديث 1 ، عن الشيخ المفيد بسنده الصحيح الى المفضل .
(54) الفضل بن شاذان عن صالح بن حمزة عن الحسن ، ونقله عنه المحتضر وعنه البحار : ج26/154 وفي البصائر : عن احمد بن محمد عن ابن سلام عن المفضل قال : سمعت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ يقول : اعطيت خصالا ماسبقني إليها احد من قبلي : علمت المنايا والبلايا وفصل الخطاب فلم يفتني ماسبقني ولم يعزب عني ماغاب عني ، ابشر بإذن الله تعالى وأؤدي عنه كل ذلك منّ من الله مكنني فيه بعلمه .
(55) الكافي : 1/238 باب ذكر الصحيفة والجعفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام .
(56) بصائر الدرجات : 147 .
(57) الكافي : 1/260 .
قال المجلسي : إن قيل : سؤاله ـ عليه السلام ـ أولا ينافي علمه بماكان وبما هو كائن ؟
قلت : انهم ليسوا بمكلفين بالعمل بهذا العلم ، فلا بد لهم من العمل بما توجبه التقية ظاهراً ، مع أنه يمكن أن يحتاجوا في العلم على هذا الوجه الى مراجعة الكتب ، او توجه الى عالم القدس ، او سؤال من روح القدس في بعض الاحيان .
(58) النحل : 89 ، البصائر : 148 حديث : 2 ، 3 ، 5 ، 6 .



تتمة البحث :

إشكال ودفع
إن قلت : إن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ بمقتضى قوله تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم )(60) ، بشر مثلنا ، مخلوقون من الطين والمادة ، والمادة كما هو واضح لها حدٌّ وقدرٌ معين ، والموجود المادي تغيب بعض أجزائه عن بعض ـ فضلا عن غياب غيره عنه ـ وعليه فكون علم الرسول والائمة ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ علم احاطي من سنخ العلم الحضوري ، يتنافى مع مقتضى بشريته وكونه مخلوق من طين وله حد وقدر معين ، فلا يمكن أن يكون علمهم ـ عليهم السلام ـ لما يحدث في العوالم الامكانية من سنخ العلم الحضوري .
قلت : لا خلاف في أن الموجود المادي يغيب بعضه عن بعض ، فضلا عن غياب غيره عنه ، ولكن حقيقة الانسان ليست منحصرة بالمادة ، بل المادة مرتبة من مراتب الانسان ، وهي أخس المراتب ، بل هذه المادة من شؤون هذه النشأة فحقيقة الإنسان بما هي هي شيء وراء المادة .
وهذا الاشكال هو امتداد لإشكال المشركين المتصوّرين أن الانسان ليس شياً وراء المادة ، المشار إليه بقوله ـ تعالى ـ : (وقالوا ءَإذا ضللنا في الارض ءَإنّا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون )(61) ، فتصوروا أن فناء البدن فناء للانسان ، فكان الجواب : ( بل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم ) .
فحقيقة الانسان في هذه النشأة لا تنحصر بالمادة ، بل له مراتب مثالية وعقلية وقدسية وهو في نشأته هذه ، والادلة على ثبوت هذه المراتب كثيرة ومتعددة ، وليس هناك من المسلمين من ينكر الروح وآثارها في الحياة الدنيا ، إلا من أصابه لطخ المادة وأثّر عليه الماديون ، لكن مشكلة الانسان انه غير ملتفت لتلك المراتب لا لعدم وجودها وتحققها ، وإنما لغفلته عنها ، ومنشأالغفلة التثاقل للارض ، وتناسيه قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين )(62) والانصباغ بالماديات ونسيان الملكوت الاعلى .
وهذا الاشكال أجابت عنه الروايات الكثيرة المستفيضة ، من أن احاطة المعصوم ـ عليه السلام ـ بكل العوالم الامكانية لاطلاعه على ملكوت السماوات والارض وتأييده بروح القدس المشار إليه بقوله تعالى : ( يوحى إلىّ ) في ذيل ( قل إنما أنا بشر مثلكم )(63) ، فهو بشر مثلنا لكن يوحى اليه ، أى متصل بالسماء وبالملكوت الاعلى .
وقبل ذكر هذه الروايات وبيان كيفية اجابتها عن هذا الاشكال نشير بشكل مختصر الى مصطلح «الملكوت» ومايعني .

حقيقة الملكوت
أثبت القران الكريم أن لكل شيء ملكوت من قوله : ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون )(64) وقوله : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولايجار عليه )(65) ومن قوله : (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض )(66) ، والسماوات والارض كناية عن جميع ماخلق الله ـ عز وجل ـ ، فلكل شيء ملكوت وهو المرتبة الباطنة من كل شيء .
فلكل شيء ظاهر وباطن ، فالسماوات والارض لها ظاهر وهو مانراه ونستشعره ، ويسمى في القران بالملك ، ولها باطن وهو الملكوت ، فالملك والملكوت وجهان لعملة واحدة ، فظاهر الحياة الدنيا هو الملك وباطن الحياة الدنيا هو الملكوت ، وإليهما أشار ـ تعالى ـ : ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون )(67) .
ورؤية عالم الملك وظاهر الحياة الدنيا بالحواس الظاهرة ، أما رؤية عالم الملكوت وباطن الحياة الدنيا فبواسطة الرؤية القلبية والحواس الباطنة .
لذا قال الامام زين العابدين (عليه السلام) كما في رواية الزهري عنه في حديث طويل : « ألا إن للعبد أربع أعين : عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه ، وعينان يبصر بهما أمر آخرته ; فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه ، فأبصر بهما الغيب في امر آخرته ، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه »(68) .
واليقين هو الموصل للانسان الى هذه المرتبة كما هو ظاهر قوله تعالى ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين )(69) .
ففي الحديث الصحيح المأثور أن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) صلى بالناس الصبح ، فنظر الى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه ، مصفراً لونه ، قد نحف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « كيف أصبحت يافلان ؟ قال : أصبحت يارسول الله موقناً ، فعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قوله وقال : إن لكل يقين حقيقة ، فما حقيقة يقينك ؟ فقال : إن يقيني ـ يارسول الله ـ هو الذي أحزنني ، وأسهر ليلي ، وأظمأ هواجري ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأني أنظر الى عرش ربي وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلك ـ وأنا فيهم ـ وكأني أنظر الى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون ، وعلى الارئك متكئون ، وكأني أنظر الى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأني الان أسمع زفير النار يدور في مسامعي »(70) .
قلت : وهذا الشاب هو الحارث بن مالك النعماني الانصاري كما صرحت بذلك معتبرة أبي بصير ، وهو مصداق لقوله ـ تعالى ـ : ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترونَّ الجحيم ، ثم لترونها عين اليقين ، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم )(71) ، فعلم اليقين موّرث لرؤية الجحيم في الدنيا قبل الاخرة .
وهذه الرؤية لا تكون إلا بالحواس الباطنة ، وبتعبير الروايات «الرؤية القلبية» المشار إليها في قوله ـ تعالى ـ ( ماكذب الفؤاد مارأى افتومرونه على مايَرَى ، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة مايغشى مازاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى )(72) .
وفي قوله (عليه السلام) حينا سأله سائل : « هل رأيت ربك ؟! فقال ـ عليه السلام ـ : أفأعبد ربّاً لم أره ؟! فقال : وكيف تراه ؟ فقال : لاتراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان » .
فما أعظم نعمة اليقين ، فهو ـ كما في الاحاديث المستفيضة ـ فوق التقوى ، والتقوى فوق الايمان ، والايمان فوق الاسلام بدرجة ، وما قسم بين العباد شيء أقل من اليقين ، ومنه يصل الانسان الى مرتبة «كن فيكون» ويكون هادياً للبشرية ، وإليه أشار ـ تعالى ـ ( وكذلك جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )(73) ، وأمره تعالى قوله : ( كن فيكون )(74) ، ومنه تعرف معنى قولهم ـ عليهم السلام ـ «نحن ولاة أمر الله»(75) .
فالخلاصة : إن الملكوت ـ وهو المبالغة في الملك ـ باطن الحياة الدنيا محيطٌ بها فما من شيء ظاهري إلا وله ملكوت وباطن ، ورؤيته بحاجة الى قوى باطنية تنشأ من اليقين .
ومن يصل الى مرتبة النظر في الملكوت يقول للشيء «كن» فيكون ، وهو ظاهر قوله ـ تعالى ـ : ( إنما أمره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون )(76) ، فالاية اثبتت ان من بيده ملكوت كل شيء يقول للشيء «كن» فيكون .

الرجوع الى أصل المطلب
فليس النظر الى الملكوت والاحاطة العلمية بآلآت وقوى مادية حتى يتأتى الاشكال من أن المادة محدودة ويغيب بعضها عن بعض فلا إحاطة ولا محاط ، والجواب على هذا الاشكال كما قلنا موجود في كلماتهم عليهم افضل الصلاة والسلام ، فهم خزّان علم الله في السماء وخزّان علم الله في الارض كما هو صريح معتبرة كليب المتقدمة ، فإذا كان الحارث وهو ليس بمعصوم وغير مؤيد بروح القدس يرى تنعم اهل الجنة وعذاب أهل النار وهو في دنياه هذه فكيف بمن له نحو اتحاد مع روح القدس وكُشف له الملكوت الاعلى ؟!
ومن أجل المزيد من الفائدة ، نذكر مجموعة من الروايات التي تجيب على هذا التساؤل بشكل واضح .
من هذه الرايات :
أولا : عمود النور
1 / معتبرة الثمالي قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : « إن الامام منّا ليسمع الكلام في بطن أمه حتى إذا سقط على الارض أتاه ملك فيكتب على عضده الأيمن : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلاً لامبدل لكماته وهو السميع العليم )(77) ; حتى إذا شبّ رفع الله له عموداً من نور يرى فيه الدنيا وما فيها لايستر عنه منها شيء »(78) .
2 / صحيحة محمد بن عبيدة قال : كنت أنا وابن فضال جلوساً اذ أقبل يونس ـ بن عبدالرحمن ـ فقال : دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقلت له : جعلت فداك ! قد أكثر الناس في العمود ، قال : فقال لي : يايونس ماتراه ، أتراه عموداً من حديد يرفع لصاحبك ؟ قال : قلت : لا أدري ، قال : لكنه ملك موكّل بكل بلدة يرفع الله به أعمال تلك البلدة ، قال : فقام ابن فضال فقبّل رأسه وقال : رحمك الله يا أبا محمد ! لاتزال تجيىء بالحديث الحق الذي يفرج الله به عنا(79) .
وأحاديث العمود كثيرة ومتعددة ومستفيضة ، بل متواترة اجمالا عقد لها الكليني والصفار والمجلسي ـ رحمهم الله ـ بابا خاصا ، وذكروا فيه عدة من الروايات الصحيحة سنداً أما شهادة الاعمال فالقران والاحاديث المتواترة تثبته وقد تقدم ذكر بعضها .
ثانياً : الاطلاع على الملكوت
1 / ففي صحيحة المفضل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى النبي صلى الله عليه واله ، لقد فتحت لي السبل وعلمت المنايا والبلايا والانساب وفصل الخطاب ، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربي فما غاب عني ماكان قبلي ولا مايأتي بعدي »(80) .
2 / وفي صحيحة هشام عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله ـ تعالى ـ : ( وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين )(81) ، قال : « كشط له عن الارض ومن عليها وعن السماء وما فيها والملك الذي يحملها والعرش ومن عليه ، وفعل ذلك برسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه »(82) .
3 / وفي الحسن الى أبي داود السبيعي عن بريدة الاسلمي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ياعلي ! إن الله أشهدك معي سبع مواطن حتى ذكر الموطن الثاني ، أتاني جبرئيل فأسرى بي الى السماء ، فقال : أين أخوك ؟ فقلت : ودعته خلفي : فقال : فادع الله يأتيك به ، قال : فدعوت ، فإذا أنت معي ، فكشط لي عن السماوات السبع والارضين السبع حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها ، فلم أر من ذلك شيئا إلا وقد رأيتَه كما رأيتُه »(83) .
4 / وفي صحيحة عبدالله بن مسكان قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ( وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض ) ، قال : « كشط لابراهيم السماوات السبع حتى نظر الى مافوق العرش وكشط له الارض حتى رأى مافي الهواء ، وفعل بمحمد (صلى الله عليه وآله) مثل ذلك وإني لارى صاحبكم والائمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك »(84) .
وغيرها من روايات وقد روى الشيخ الجليل الصفار احد عشرة رواية في ذلك ، فراجع !
ثالثاً : التأييد بروح القدس
1 / صحيحة ابن مسكان عن أبي بصير قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله ـ عز وجل ـ : ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي )(85) قال : « خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول الله ـ صلى الله عليه واله ـ وهو مع الائمة ، وهو من الملكوت »(86) .
2 / صحيحة ابي الصباح الكناني عن ابي بصير قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ماكنت تدري مالكتاب ولا الايمان )(87) ، قال : « خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده ، وهو مع الائمة من بعده »(88) .
3 / حسنة أسباط بن سالم قال : سأله رجل من أهل هيت ـ وأنا حاضر ـ عن قول الله ـ عز وجل ـ : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) ، فقال : « منذ أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد صلى الله عليه واله ماصعد إلى السماء وإنه لفينا »(89) .
4 / وعن جابر قال : قال ابو جعفر (عليه السلام) : « ان الله خلق الانبياء والائمة على خمسة أرواح ، روح القوة ، وروح الايمان ، وروح الحياة ، وروح الشهوة ، وروح القدس ، فروح القدس من الله وساير هذه الارواح يصيبها الحدثان ، فروح القدس لايلهو ولا يتغير ولايلعب ، وبروح القدس علموا ـ ياجابر ـ مادون العرش الى ماتحت الثرى(90) .
5 / وفي صحيحة أخرى له قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام)في حديث : « وخاصة الله من خلقه ، جعل فيهم خمسة أرواح أيدهم بروح القدس فبه عرفوا الاشياء ، وأيدهم بروح الايمان فبه خافوا الله عز وجل ، وأيدهم بروح القوة فبه قدروا على طاعة الله وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله عز وجل وكرهوا معصيته ، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيؤون ... »(91) .
والاحاديث في تأييدهم بروح القدس وأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أيدهم بخمسة أرواح مما يقطع بتواترها عنهم عليهم أفضل الصلاة والسلام ، فراجع !
معنى التأييد
وليس معنى التأييد أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الروح تصاحب المعصوم وتمنعه من الخطأ والزلل ، وإنما هذه الروح مرتبة من حقيقة المعصوم وقوة ممنوحة له ـ كبقية الارواح المشار إليها في صحيحة جابر وغيرها ـ فروح القوة وروح الشهوة وروح المدرج وروح الايمان وكذا روح القدس ليست أشياء غير واقعية المعصوم ، وإنما هي قوى وكمالات وجودية يُؤيد بها المعصوم (عليه السلام) .
ولذا قال الامام الرضا (عليه السلام) : « إن الله عز وجل قد أيدنا بروح منه مقدسة مطهرة ، ليست بملك ، ولم تكن مع أحد ممن مضى ، إلا مع رسول الله ـ صلى الله عليه واله ـ وهي مع الائمة منّا تسددهم وتوفقهم وهو عمود نور بيننا وبين الله عز وجل »(92) .
فعمود النور ورؤية الملكوت والتأييد بروح القدس وسائل لاربط لها بمرتبة الانسان المادية ، وإنما مرتبطة بروح الانسان وحقيقته ; فصحيح ان المعصوم بشر مثلنا مخلوق من طين ، لكنه زُوّد بما لم نزود به نحن ، والمجال مفتوح لأن يطلع الانسان على ملكوت السماوات والارض ويكون كذلك الانصاري الذي يشاهد تنعم اهل الجنة وعذاب أهل النار ، بل هناك دعوة صريحة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ لذلك : ( أو لم ينظرون الى ملكوت السماوات والارض وماخلق الله )(93) ، جعلنا الله من المطلعين على ملكوت السماوات والارض بمحمد وآله الطاهرين .
قال المولى المجلسي ـ قدس سره ـ : « قد تظافرت الاخبار بكون نبينا صلى الله عليه واله وأئمتنا ـ عليهم السلام ـ عالمين بجميع العلوم ، وأن عندهم علم ماكان ومايكون الى يوم القيامة ، وأن كل ماعلم النبي صلى الله عليه واله علمه علياً وكذا كل إمام علم الامام الذي بعده كل ماعلمه »(94) .
وقال علم الهدي السيد المرتضى ـ قدس سره ـ : حينما سُئل عن صاحب الزمان (عليه السلام) هل يشاهدنا أم لا ؟ فأجاب بأنه « مشاهد لنا ومحيط بنا وغير خاف عليه شيء من أحوالنا »(95) .
والاحاديث في أحاطة المعصوم (عليه السلام) بما في الارض والسماء كثيرة جداً ، وعلى عدة طوائف ، مروية في الكتب المعتبرة بأسانيد صحيحة وحسنة ومعتبرة وموثقة ومقبولة ، ولولا خوف التطويل لذكرنا قبسا من تلك الطوائف ، وما ذكرناه كاف للمتأمل المحتمل .
وللبحث تتمة مفيدة تجدها في ما ذكرناه تحت عنوان «وارتضاكم لغيبه» ، فراجع !


ملاحظة : هذه البحث كان نتيحة مجموعة من الدروس القيناها سنة 2000 في جمع من الاخوة في دولة الكويت ، قام بتدوينها بعض الاخوة الاعزاء .

------------ الهوامش
(60) الكهف ط 110 .
(61) السجدة : 10 .
(62) التين : 4 .
(63) ومن أجل معرفة هذه المثلية وحقيقتها وموضع افتراق الرسول صلى الله عليه واله عن بقية بني البشر راجع ما ألقيناه تحت عنوان «قل إنما أنا بشر مثلكم» .
(64) يسى : 83 .
(65) المؤمنون : 88 .
(66) الانعام : 75 .
(67) الروم : 7 .
(68) الخصال : 240 باب الاربعة حديث 90 ، وقد أشار القران الكريم الى ضرورة النظر في الملكوت عبر توظيف هذه القوى فقال ( أفلا ينظرون الى ملكوت السماوات والارض ) .
(69) الانعام : 75 .
(70) الكافي : ج2/54 ، بطريقين معتبرين .
(71) التكاثر : 5 .
(72) النجم : 11 الى 18 .
(73) السجدة : 24 .
(74) البقرة : 117 .
(75) راجع دروس من الزيارة الجامعة فقرة «ولاة أمر الله» .
(76) يس : 83 .
(77) الانعام : 115 .
(78) بصائر الدرجات : 451 .
(79) الكافي : ج1/388 .
(80) الامالي للشيخ : 305 مجلس 8 حديث 1 ، عن الشيخ المفيد بسنده الصحيح الى المفضل .
(81) الانعام : 75 .
(82) تفسير القمي : 193 .
(83) بصائر الدرجات : 127 .
(84) المصدر السابق : حديث 2 .
(85) الاسراء : 85 .
(86) الكافي : ج1/273 ، عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن ابن مسكان ، ومثلها صحيحة ابي أيوب الخزار عن ابي بصير .
(87) الشورى : 52 .
(88) الكافي : ج1/273 ، عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن يحي الحلبي عن ابي الصباح ، والسند في غاية الاعتبار والوثاقة * بصائر الدرجات : 475 عن منصور بن يونس عن ابي بصير .
(89) الكافي : ج1/273 .
(90) البصائر : 454 .
(91) الكافي : ج1/271 .
(92) عيون أخبار الرضا : ج2/200 .
(93) الاعراف : 185 .
(94) الاربعين للمجلسي : حديث 37 في ذيله .
(95) رسائل الشريف المرتضى : ج1/280 مسألة 17 .