أهلُ البيت ورثة سيّد البيت، وإذا كان رسولُ الله صلّى الله عليه وآله قد تلقّى معارفه من الله تبارك وتعالى، فقد ورّثَها خلفاءه وأوصياءه.. أميرَ المؤمنين وأولاده الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، فأخذوا عنه وورثوه في كلّ فضيلةٍ وخير وهدى.
• حدّث الإمام محمّد الباقر عليه السّلام أحدَ خُلّص أصحابه، وهو جابر بن يزيد الجعفيّ، فقال له: يا جابر، إنّا لو كنّا نحدّثُكم برأينا وهوانا لَكُنّا مِن الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما يكنز هؤلاءِ ذهبَهم وفضّتهم.
وفي رواية أخرى: يا جابر، لو كنّا نُفتي الناسَ برأينا وهوانا لكُنّا من الهالكين، ولكنّا نُفتيهم بآثارٍ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصولٍ عندنا نتوارثها كابرٌ عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبَهم وفضّتهم

ومن هنا ـ أيُّها الإخوة الأعزة ـ يكون دور الأئمة عليهم السّلام فيما أوكل الله إليهم من شؤون وتكاليف، هو تحصين الرسالة الإسلاميّة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله من التحريف والتشويه، والحفاظ عليها باستخراج المضامين والبواطن التي تخفى على الناس. لذا، اقتضى أن يكونوا عليهم السلام معصومين من كلّ زلل واشتباه وخطأٍ ونسيان، وأن يكونوا محاطين بتأييد الله تعالى من كلّ شكّ ولَبْس وخلط. فلو كان يجري عليهم ما يجري على الناس، لم يُؤهَّلوا لحماية الشريعة الإسلاميّة إلى حين تدوينها وبثِّها في الآفاق وحفظِها من عبث العابثين والمحرّفين والضالّين المضلّين.
وقد أودع اللهُ تعالى أئمّة الهدى عليهم السّلام قابليّة الإلهام في تلقّي العلم الربّانيّ، ليرتفع كلُّ حَرَجٍ لدى الناس في المسائل المستعصية، وليثبت لهم أنّ الأئمّة هم ـ بحقّ ـ أولياء الله المكلّفون بصيانةِ الدين الحنيف، وأنّهم خلفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهُم أولو الأمر الذين أمر الله جلّ وعلا بطاعتهم، حيث قال في مُحكَم تنزيله المجيد: يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم... )، فعنهم يُؤخذ، وإليهم يُتوَجَّه، ومن مَنْهلِهم يُغتَرف.. في معارف الشريعة والأخلاق والحِكَم والأحكام والاعتقادات>
إذن.. فعندهم كلُّ خير، ومن الخير الذي عندهم سلام الله عليهم الحكمة، ومَن يُؤتَ الحِكمةَ فقَدْ أُوتيَ خيراً كثيرا )، وممّن أوتيَ الحكمة الإلهيّة من أهل البيت: الإمام الحسن العسكريّ عليه السّلام، فلنتعرّف على جوانب من حكمته البليغة البالغة.
إنّ المتبصّر ـ أيّها الإخوة ـ في حِكم ومواعظ الإمام العسكريّ عليه السّلام، يجدُه إذا أراد أن يوصيَ أحداً هداه إلى أوضح المسالك، وأراه أنجحَ السُّبل، ودلّه إلى حيثُ كرامةُ الدنيا وسعادة الآخرة.
• فمِن وصيّة له عليه السّلام إلى شيعته.. جاء فيها:
أُوصيكم بتقوى الله، والورعِ في دينكم، والاجتهاد لله، وصِدقِ الحديث، وأداء الأمانة إلى مَن ائتمنكم مِن برٍّ أو فاجر، وطولِ السجود، وحُسن الجوار.. فبهذا جاء محمّد صلّى الله عليه وآله..
• وكتب عليه السّلام إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوريّ:
يا إسحاق، ليس تَعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور؛ وذلك قول الله في محكم كتابه حكايةً عن الظالم إذ يقول: ربِّ لِمَ حَشَرتَني أعمى وقد كنتُ بصيرا * قال كذلك أتَتْك آياتُنا فنَسِيتَها وكذلكَ اليومَ تُنسى . وأي آيةٍ أعظمُ من حُجّةِ الله على خَلْقه وأمينهِ في بلاده، وشهيدهِ على عباده ؟! مِن بعدِ مَن سلَفَ مِن آبائه الأوّلينَ النبيّين، وآبائه الآخِرينَ الوصيّين، عليهم أجمعين السلامُ ورحمة الله وبركاته...
إنّ الله ـ بمَنّه ورحمته ـ لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجةٍ منه إليكم، بل رحمةً منه ـ لا إله إلاّ هو ـ عليكم؛ ليَميزَ الخبيثَ من الطيّب، وليبتليَ ما في صدوركم، وليمحّص ما في قلوبكم، لِتَسابَقوا إلى رحمة الله، ولتتفاضلَ منازلُكم في جنّته.. ففرض عليكم الحجَّ والعمرة وإقامَ الصلاة وإيتاءَ الزكاة والصومَ والولاية، وجعل لكم باباً تستفتحون به أبوابَ الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله.
لولا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله والأوصياءُ مِن ولْده، لكنتم حيارى كالبهائم.. لا تعرفون فرضاً من الفرائض، وهل تُدخَل مدينةٌ إلاّ مِن بابها، فلمّا مَنّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم، قال الله في كتابه: اليومَ أكملتُ لكُم دِينَكم وأتممتُ عليكُم نعمتي ورَضِيتُ لكمُ الإسلامَ ديناً ، ففرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمَرَكم بأدائها؛ لِيحَلّ لكم ما وراء ظهورِكم مِن أزواجِكم وأموالِكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: « قُلْ لا أسألُكم عليهِ أَجْراً إلاّ المودّةَ في القُربى »