بسم الله الرحمن الرحيم ،
والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى أبي القاسم محمد،
وعلى آله الطيبين الطاهرين .
ثم اللعنة الابدية على أعدائهم من الاولين والآخرين .


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،



هناك جزء من الحوادث التي يذكرها الخطيب الحُسيني ، لا يوجد لها مصدر تاريخي ،بل مصدرها الخطيب نفسه ،لاسيما في معركة كربلاء الدامية ، ولعل السبب في ذلك يرجع الى قلة المصادر التي تذكر تفاصيل الواقعة . فانه مع كثرة وجود الكتب المتأخرة في واقعة الطف ،الا انها لا تتعرض الى تلك الواقعة الا إجمالاً.

وفي الواقع هنالك الكثير من الحوادث التي ذكرت مسيرة سيد الشهداء عليه السلام يوم الطف ،لم تنقلها لنا المصادر إمّا بسبب ملاحقة بني أمية للذين يذكرون تلك الواقعة ،لان ذكر مصيبة الحسين عليه السلام لا يكون في صالح حكومة بني أمية الظالمة .
أو بسبب عدم تحمل القلب لتلك المصائب المؤلمة . ولذلك جاء في زيارة الناحية المقدسة "ولأبكين عليك بدل الدموع دماً ، حسرة عليك ، وتأسفا على ما دهاك وتلهفاً ، حتى أموت بلوعة المصاب وغصة الاكتئاب".


لذلك يُحاول الخطيب المؤمن بقدر جهده وقوة ذهنه ، أن يستكشف تلك الوقائع الأليمة ، وهي إما تكون أمور بديهية الوقوع ، أو برسم لسان الحال .



وبيان ذلك :

أولاً: انه يوجد جزء من تلك الحوادث بديهي الوقوع ، أي أنّ وقوعه بديهيا لا يُشترط فيه ان يُدوّن في الكتب . لانه واضح ولا يقبل زيادة ايضاح .ولا نحتاج ان نبحث عنه في المصادر .

كقول الخطيب : "أن زينب عليها السلام ركضت في يوم العاشر من المحرم . " فهذه الحادثة لا نجد لها ذكرا في المصادر التي تناولت معركة كربلاء ، ولكن لا يعني ذلك عدم وقوعها ، بل ان وقوعها شيئا بديهياً ، لان الظروف والأجواء التي كانت تُحيط بالسيدة المظلومة تتطلب ذلك ، والظروف كان يتمثل في ،

أولاً: تحويل اتجاه الجيش الاموي من الميدان الى ناحية خيام الحسين عليه السلام.
ثانياً: فزع النساء والأيتام وذهولهم في لحظة هجوم الجيش على الخيام بقوتهم وخيولهم وصراخهم.
ثالثاً: حرق الخيام وعدم المبالاة بمن فيها.

فمن البديهي ان تركض السيدة الطاهرة مُسرعة ً لتحاول انقاذ الأيتام والثكالى.



وكقول الخطيب : " أنّه كان في ظهر السيدة رقية عليها السلام آثار سياط بني أمية ". ، وهذا أمر بديهي لا يحتاج ان نبحث عنه في المصادر .
لأنّ السيدة رقية كانت من ضمن الاسرى والسبايا ، وطبيعي ان ينالها الضرب بتلك السياط المؤلمة ،فلا يُتصور أنهم رحموها ولم يضربوها بعدما قتلوا أخيها الرضيع .!
والسياط تترك أثرا في جسم الشاب الكبير فكيف بالطفلة الصغيرة ذات الجسم الرقيق.؟


أو كقول الخطيب :" أن الامام الجواد بكى عند أبيه الرضا عليه السلام بكاءً شديداً" ،. فان هذا الشيئ لم يذكر في الكتب – حسب اطلاعي – ولكنّ وقوعه بديهياً. ،
وغيرها من الامور التي يكون وقوعها بديهياً .و التي لو جمعناها قد تكون كُتيّباً صغيراً.







ثانياً: يوجد جزء آخر من تلك الحوادث التي يذكرها الخطيب تكون بأسلوب "لسان الحال".
ولسان الحال يعني :ما دل على حالة الشيء من ظواهر أمره.

وهي كقول الخطيب حينما يذكر مصيبة أخذ السبايا من كربلاء الى الكوفة :
"لسان حال زينب عليها السلام ،
صاحت يا وادي كربلا عنّك مشينا.. بلايا غسل وأكفان خلينا ولينا
"

وكقوله حينما يذكر آلالام زينب عليها السلام في يوم العاشر :
"كأني بزينب التفت الى المدينة ...
صاحت يا أم حسن يمي تعالي .. وشوفي كربلا اشسوّت بحالي
وأشوف اخوتي مجتلة اقبالي .

ثم جاءها الجواب من الزهراء ..
أنا يمج يا يمة مو بعيدة .. أنا شفت احسين من قطعوا وريده
ثلاث أيام أنا ساكنة البيدة.. نوب أنهض وادور اصبع ايده
ونوب أنهض وادور جف عضيده
." وغيره...الخ




وهنالك حالتان يذكر فيهما الخطيب اسلوب" لسان الحال" ينبغي الالتفات اليهما،

الحالة الاولى : ان يذكر الخطيب الحادثة ويشير على أنها بلسان الحال . فيقول مثلا "لسان حال الحسين عليه السلام" أو " كأني بزينب عليها السلام".


الحالة الثانية : نظرا لكثرة استخدام الخطباء لهذا الاسلوب فانهم صاروا يذكرون القصص والابيات الشعرية التي تكون بلسان الحال من دون الاشارة الى انّها بلسان الحال.
كقصة مجيئ العباس عليه السلام الى أخته العقيلة عليها السلام وهو يخبرها بتجهيز المحامل للسفر الى العراق .أو كقصة مرور ذلك الاعرابي على فاطمة العليلة التي بقيت في المدينة واعطته الرسالة ليحملها الى العراق .فاني بحسب اطلاعي لم أجد لها مصدراً.أو كقوله عن الحسين عليه السلام "ان كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي ، فيا سيوف خذيني".





** في شروط استعمال هذا الاسلوب :



وما ذكرناه لا يعني ان يفتح الباب على مصراعيه للخطيب ، في استعمال هذا الاسلوب لمحاولة استشكاف بعض الوقائع والحوادث التي لم ينقلها لنا التاريخ . بل لابد من مراعاة شروط وهي :

أولاً: عدم قصد النسبة الواقعية اليهم . ، فلا يقطع الخطيب فعلا بصدور الحادثة التي يذكرها على أنّها بلسان الحال .ونحن نُحسن الظن في الخطيب الذي يكون من الحالة الثانية ونقول أنّه يقصد الذكر بلسان الحال ،وفي هذا الصدد نتشرف بنقل كلام السيد آية الله العظمى الخوئي – قدس سره - .، حيث سُئل كما في صراط النجاة ج 2 - ص 443:
"سؤال 1396 : بعض القصائد التي تذكر في مصيبة سيد الشهداء عليه السلام تنسب للإمام الحسين عليه السلام أو لزينب عليها السلام أو للإمام السجاد عليه السلام ، دون الإشارة إلى أن هذه الأبيات عن لسان حالهم ، نعم بعض الناس يعرف كون ذلك عن لسان الحال ، وبعضهم الآخر لا يعرف ذلك ، فما هو الحكم ؟
الخوئي : لا بأس ما لم يقصد واقع النسبة إليهم .".

وكذلك آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله http://www.s-alshirazi.com/masael/su...r/letter24.htm
" السؤال :هل يجوز للشاعر في قضية كربلاء مثلاً أن ينقل الوقائع وفق ما يوحي إليه خياله عوضاً عن المذكور في الروايات بنية استثارة المشاعر؟
الجواب :إذا كان ما يرويه قد ورد بمضمونه الروايات والنصوص التاريخية، أو كان من قبيل لسان الحال الذي يوحي به الحال، فلا إشكال فيه."


ثانياً: ان لا ينافي شيئا من مقامات أهل البيت عليهم السلام أو يكون غير لائق بهم ولا يخالف ما هو ثابت قطعاً .وهذا يجب ان يحرزه الخطيب .



سُئل آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله http://www.s-alshirazi.com/masael/su...r/letter24.htm
"السؤال : في كثير من المجالس الحسينية الخاصة بالسيدات وفي الأناشيد واللطميات ترد جمل وكأنّ لسان حال السيدة زينب سلام الله عليها تقول لأخيها العباس أو الإمام الحسين عليهما أفضل الصلاة والسلام ـ بأنه أتى بها إلى كربلاء وضيّعها ... وماشابه ذلك من جمل ، فهل يجوز مثل هذا الكلام أن ينسب إلى سيدتنا أمّ المصائب في تلك اللطميات؟
الجواب :لسان الحال فيما لم يكن منافياً لمقامهم سلام الله عليهم يكون جائزاً
.
12 رمضان المبارك 1428".




** اشكال وجوابه :


ألا يُعتبر هذا من الكذب على المعصومين عليهم السلام .؟
والجواب : كلا ، لاننا بيّنا انّ يجب ان لا يقصد الخطيب النسبة الواقعية اليهم عليهم السلام .وانّما يكون الاشكال فيما لو قصد النسبة الواقعية اليهم ،عليهم السلام.
ويظهر ان هذا الصنف هو الذي هاجمه العلامة والفقيه الشيخ الميرزا حُــسين النوري الطبرسي رضوان الله عليه ، في كتابه اللؤلؤ والمرجان حيث قال في المقدمة :" ان جناب العالم الجليل والفاضل الكامل النبيل ....السيد محمد مرتضى جونبوري الهندي أيّده الله تعالى قد شكى لي مراراً من اقبال بعض قراء العزاء وأهل المنابر على تحرّي المبالغة ونشر الاكاذيب والروايات المجعولة دون خوف او ورع بل ان بعض هؤلاء يزعم جواز ذلك واباحته اذ إنّ الغاية منه إبكاء المؤمنين على الامام الحسين وهذا ما يخرجه بنظرهم عن دائرة القبح والحرمة وقد طلب مني أن اكتب شيئا حول ذلك من باب الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي احسن عسى ان ينتبه هؤلاء الغافلون ويرتدعوا عن ارتكاب هذه القبائح."



أتمنى من الاخوة والاساتذة الكرام إبداء رأيهم وملاحظاتهم فيما ذكرناه .




والحمدلله رب العالمين ،

جابر المحمدي المهاجر،