الحلقة (4) الرؤية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، وصلواته على خير خلقه محمدٍ وآله الطاهرين...

قال الدكتور القفاري:
مسألة الرؤية: الرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة، آية: 22، 23، والنص عن الطحاوية (انظر: شرح الطحاوية ص146).]. وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسن [علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص151.].
وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة [علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146.].
وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية [علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146.] وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وإجماع السلف [انظر: الرد على الزنادقة والجهمية للإمم أحمد ص85، رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي العنيد ص 413، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: 3/454، وانظر التصديق بالظر إلى الله في الآخرة للآجري، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة، والتبصرة للشيرازي ص229، شرح الطحاوية ص146، مختصر الصواعق المرسلة ص179.].
وأذكر فيما يلي قول الشيعة من مصادرها:
لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية، وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمين لربهم في الآخرة، فتفتري –مثلاً– على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل "عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد ؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.. إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية" [بحار الأنوار: 4/31، وعزاه إلى أمالي الصدوق.].
ويظهر أن الحجة التي احتج بها هؤلاء الذين وضعوا هذه الرواية على جعفر تتضمن نفي الوجود الحق، لأن ما لا كيفية له مطلقًا لا وجود له. ولهذا قال بعض السلف حينما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول. ولم يقل: لا كيفية له.
فالمنفي هنا علم البشر بالكيفية لا ذات الكيفية، كما أن هذا يناقض ما رواه صاحب الكافي عن أبي عبد الله أنه قال: ".. ولكن لابد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره" [أصول الكافي: 1/85.].
وقال شيخهم وآيتهم جعفر النّجفي صاحب كشف الغطا: "ولو نسب إلى الله بعض الصّفات.. كالرّؤية حكم بارتداده" [كشف الغطا: ص 417.]. وجعل الحرّ العاملي نفي الرؤية من أصول الأئمة، وعقد لذلك بابًا بعنوان "باب أنّ الله سبحانه لا تراه عين ولا يدركه بصر في الدّنيا ولا في الآخرة" [الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: ص 12.].
فنفيهم لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضًا خروج عن مذهب أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، فقد روى ابن بابويه القمّي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم [ابن بابويه/ التّوحيد ص117، بحار الأنوار: 4/44، وانظر: رجال الكشّي ص450 (رقم848).].


التعليق:
الآن قد ظهر أن القائلين بالتجسيم هم جمهور أهل السنة ومنهم الدكتور، فإن الرؤية تستلزم التجسيم لا محالة...

ولنا ملاحظتان فقط:

الملاحظة الأولى: بيان تدليس الدكتور
قام الدكتور ببتر الرواية الأخيرة، حتى يستدل بها على ما نسبه زوراً وبهتاناً إلى الإمام الصادق عليه السلام، فهو يريد أن يصور الإمام عليه السلام بأنه كان مجسماً!!!

وهذا هو النص الكامل للرواية من نفس المصدر الذي نقل عنه الدكتور (الجزء المبتور باللون الأحمر) :
قال الشيخ الصدوق رضي الله عنه:
حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟
قال: نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة.
فقلت: متى؟
قال: حين قال لهم: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألستَ تراه في وقتك هذا؟
قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدّث بهذا عنك؟
فقال: لا، فإنك إذا حدّثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون
.

التوحيد ص 117

إذا فالإمام عليه السلام يتحدث عن الرؤية القلبية، وهي حق...

لكن الدكتور بتر الرواية، ولا أدري كيف حصل على الدكتوراه بالرغم من كثرة تدليساته!!!

الملاحظة الثانية: الإمامية تابعوا الوحي في نفي الرؤية ولم يتابعوا المعتزلة:
انه زعم أن الإمامية تابعوا المعتزلة في نفي الرؤية، ولم يأت بمستند لكلامه من كتب الشيعة، والحق أن الشيعة الإمامية أخذوا عقائدهم من القرآن الكريم، ومن سنة النبي الأعظم والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين...

وهذا ما تدل عليه نصوص علمائنا رضوان الله عليهم:

1 - قال الشيخ المفيد قدس سره (المتوفى سنة 413 هـ)
القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار وأقول: إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار، وبذلك شهد العقل و نطق القران وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد (ص) وعليه جمهور أهل الإمامة وعامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار.
والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والزيدية وطوائف من أصحاب الحديث ويخالف فيه المشبهة وإخوانهم من أصحاب الصفات.

أوائل المقالات ص 57

2 – قال آية الله العلامة السبحاني دام ظله: فإذا كانت الحنابلة والأشاعرة مصرّين على جواز الرؤية، فأئمة أهل البيت ومن تبعهم من الإمامية والمعتزلة والزيدية قائلون بامتناعها في الدنيا والآخرة. فالبيت الأموي والمنتمون إليه من أهل الحديث كانوا من دعاة التجسيم والتشبيه والجبر وإثبات الجهة، والرؤية لله سبحانه، وأما الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وبيته الطاهر وشيعتهم فكانوا من دعاة التنزيه والاختيار، ومن الرافضين لهذه البدع المستوردة من اليهود بحماس.
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية ص 611

وكلامهما لم يأت من فراغ بل الدليل قائم عليه، فقد قال عز وجل في كتابه الكريم: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فهذه الآية واضحة في أن الأبصار لا يمكن أن تدرك الله سبحانه وتعالى...

وأكدت الروايات ما نطق به القرآن الكريم، فمن الروايات ما رواه الشيخ الكليني قدس سره في (باب إبطال الرؤية) قال:

1 - محمد بن أبي عبدالله، عن علي بن أبي القاسم، عن يعقوب بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله: كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه؟
فوقّع عليه السلام: يا أبا يوسف جل سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يُرى.
قال: وسألته: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه؟
فوقّع عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب.

2 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرة: إنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية، فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس:
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}
و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أليس محمد؟
قال: بلى.
قال: كيف يجيئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول:
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}
و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
ثم يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر؟!
أما تستحون؟!
ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر؟!
قال أبو قرة: فإنه يقول: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}.
فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى، حيث قال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} فآيات الله غير الله وقد قال الله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟
فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها. وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء.

3 - أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة وسألته أن يشرح لي ذلك، فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة فإذا جاز أن يُرى الله بالعين وقعت المعرفة ضرورة ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيمانا أو ليست بإيمان فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيمانا فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها ضده، فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا الله عز ذكره وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول ولا تزول في المعاد فهذا دليل على أن الله عز وجل لا يرى بالعين إذ العين تؤدي إلى ما وصفناه.

4 - وعنه، عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس فكتب: لا تجوز الرؤية، ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء [لم] ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان ذلك التشبيه لأن الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات.

5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبدالله بن سنان، عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر عليه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟
قال: الله تعالى.
قال: رأيته ؟
قال: بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله، لا إله إلا هو، قال: فخرج الرجل وهو يقول: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.

6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟
قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره.
قال: وكيف رأيته ؟
قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.

7 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم ابن حميد، عن ابي عبدالله عليه السلام قال: ذاكرت أبا عبدالله عليه السلام فيما يروون من الرؤية فقال:
الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءا من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب.

8 - محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأه قط جبرئيل فكشف له فأراه الله من نور عظمته ما أحب.

9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} ليس يعني بصر العيون {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} ليس يعني من البصر بعينه {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين.

10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الله هل يوصف؟
فقال: أما تقرء القرآن؟
قلت: بلى.
قال: أما تقرء قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} ؟
قلت: بلى.
قال: فتعرفون الأبصار ؟
قلت: بلى.
قال: ماهي ؟
قلت: أبصار العيون.
فقال إن أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام.

11 - محمد بن أبي عبدالله، عمن ذكره، عن محمد بن عيسى، عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} ؟
فقال: يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون؟!

12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم قال: الأشياء [كلها] لا تدرك إلا بأمرين: بالحواس والقلب، والحواس إدراكها على ثلاثة معان: إدراكا بالمداخلة وإدراكا بالمماسة وإدراكا بلا مداخلة ولا مماسة، فأما الإدراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم وأما الإدراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التربيع والتثليث ومعرفة اللين والخشن والحر والبرد، وأما الإدراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر فإنه يدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة في حيز غيره ولا في حيزه، وإدراك البصر له سبيل وسبب، فسبيله الهواء وسببه الضياء فإذا كان السبيل متصلا بينه وبين المرئي والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والأشخاص فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكى ما وراءه كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعا يحكي ما وراءه وكذلك الناظر في الماء الصافي يرجع راجعا فيحكي ما ورائه إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره، فأما القلب فإنما سلطانه على الهواء فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهمه، فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجودا رجع راجعا فحكى ما في الهواء، فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من أمر التوحيد جل الله وعز فانه إن فعل ذلك لم يتوهم إلا ما في الهواء موجود كما قلنا في أمر البصر تعالى الله أن يشبهه خلقه.

مصدر الروايات: الكافي ج 1 ص 95