بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد


مـا هـو مـعـنـى الـعـبــادة؟
فـي سـبيل تبـرئة المسـلمين مـن تكـفيـر المُفلسـين


بـقـلـم: صـوت الاسـتـقـامـة

زملائي الأفاضل ؛

كلّنا نعرف أن من لا يفهم جوهر الموضوع، فإنه لا يحق له أن يتصدى لإبداء وجهة نظره فيما يرتبط بفروع الموضوع الذي يجهل جوهره وحقيقته..

مثلاً: تصوّروا أنّ رجلاً لا يعرف معنى الكهرباء، ثم يدعي أن جيرانه عندهم تماسّ كهربائي..!

سنقول لهذا الرجل: أنت لا تعرف معنى الكهرباء، فكيف تريد منّا أن نصدّق دعواك بوجود تماس كهربائي عند جيرانك؟!

فيما يرتبط بموضوع التوحيد والشرك، جوهر القضية هي العبادة.. ونحن نعتقد أن السلفية لا يفهمون معنى العبادة، وبناء عليه: لا يحق لهم أن يزعموا أن هناك مشركاً في الدنيا..

ومن أنجح الحلول، إن لم يكن أنجحها على الإطلاق، أن نناقش هؤلاء المفلسين في معنى العبادة.. فقد لاحظت من خلال حواراتي وقراءاتي في كتبهم، أنهم لا يعرفون المعنى الدقيق للعبادة.. ومن المؤسف أن الكثير من غير السلفية لا يستطيعون تحديد معنى العبادة بصورة علمية خالية من الخلل، مما يجعلهم في حيرة عند الحوار مع المُفلسين..

فعلينا - إذاً - أن نصوغ تعريفاً صحيحاً، خالياً من الخلل، ثم نناقش على أساسه أهل الفتنة من الوهابية، فنقنعهم - إن كانوا يبحثون عن قناعة أصلاً - بعدم انطباق عنوان العبادة على ممارسات المسلمين التي يرتابون فيها، فلا وجه إلى اتهامهم بالشرك.

توضيح ذلك: أن الشرك الذي ينعق به السلفية، معناه أن بعض المسلمين يعبدون غير الله تعالى، وعبادة غير الله تعالى، هي شرك.. فنلاحظ أنَّ الحكم بالشرك مُتوقِّف على تحقُّق مفهوم العبادة.. فلهذا لزم أن نُدقِّق في معنى العبادة.. وحين سنفعل، سنكتشف أنَّ ما يقوم به المسلمون مع غير الله تعالى، لا ينطبق عليه مفهوم العبادة بالمعنى الصحيح، فلا يصح الحكم بالشرك حينئذ، فنُبدِّد بذلك أوهام الوهابية أهل الفتنة..

والآن لنذكر التعريف الصحيح، ثم نبين النتيجة التي نخرج بها.

ولنحدِّد العناصر التي تكوِّن العبادة، ثم نصوغ تعريفنا على أساس هذه العناصر، والعناصر ثلاثة:

العنصر الأول: العمل أو القول - اللساني أو القلبي - أو التفكّر أو الاعتقاد .

العنصر الثاني: وجود غاية في العمل هي: التقرب به إلى ذات أخرى غير نفس المؤدي للعمل . ومعنى التقرب: محاولة كسب الرضا (الثواب) ودفع السخط (العذاب) .

العنصر الثالث: الاعتقاد بأن الذات التي يُتقرّب إليها بالعمل ، هي المتصرفة باستقلال الربوبية والقيومية في شؤون الشخص المؤدي للعمل (وحده لا شريك له في التأثير) .

هذه هي العناصر التي تكوِّن مفهومَ العبادة، صحيحها وسقيمها، توحيديِّها وشركيِّها..

ونصوغ التعريف بضم العناصر بعضها إلى بعض على النحو التالي:

العبادة هي: العمل أو القول - اللساني أو القلبي - أو التفكّر أو الاعتقاد المتقرب به إلى من يعتقد المؤدي للعمل أنه رب العالمين المتصرف باستقلال في شؤون الخلق.

طبعاً هذه الصياغة خاضعة للتطوير في ضوء نقد وإرشادات أهل الفضل والمعرفة من الزملاء الأكارم.

والآن: ما هي الثمرة المرجوة من صياغة التعريف الصحيح؟

الإجابة: إننا بعد أن عرفنا معنى العبادة بشكل صحيح، وبصورة خالية من الارتباك؛ نقول: إن جميع المسلمين في جميع ممارساتهم وطقوسهم مع غير الله تبارك وتعالى، ليسوا مشركين؛ لأن العنصر الثالث من مفهوم العبادة غير متحقق في ممارستهم، وبناء عليه: ليسوا مشركين في العبادة.

ويلزم التنبيه على أن نفي الشرك، لا يلزم منه نفي الخلل أو الإثم.. فمثلاً: إذا سجد شخصٌ للإمام المعصوم من أهل البيت عليهم السلام، فإنه لا ينطبق عليه عنوان الشرك؛ لأنه لا يعتقد في إمامه بالعنصر الثالث، ومع ذلك يكون آثماً في ممارسته هذه، لأن الشريعة الإسلامية حرمت السجود لغير الله تعالى.

ومن هنا نفهم كيف أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام، لم يكن شركاً ولا إثماً.. وكذا سجود أبوي يوسف عليه السلام وإخوته له.. فإن هذه الموارد لا يتحقق فيها العنصر الثالث من عناصر العبادة، كما أن الإثم أيضاً منتف؛ لأن تلك الشرائع لم يحرم فيها السجود لغير الله.. ومن هنا نعرف أن إقحام غاية الخضوع في تعريف العبادة، غير سديد، وإلا كانت تلك السجدات شركاً..

فافهم واغتنم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



اضافة:

محاضرات في الإلهيات - الشيخ جعفر السبحاني - ص 69

...حقيقة العبادة - على ما يستفاد من القرآن الكريم - هي " الخضوع والتذلل ، لفظا أو عملا مع الاعتقاد بألوهية المخضوع له " فما لم ينشأ الخضوع من هذا الاعتقاد ، لا يكون عبادة ، ويدل على ذلك الآيات التي تأمر بعبادة الله وتنهى عن عبادة غيره ، معللة ذلك بأنه لا إله إلا الله ، كقوله سبحانه : ( ويا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) . ( 1 ) وقد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الكريم . ( 2 ) ومعنى هذا التعليل إن الذي يستحق العبادة هو من كان إلها ، وليس هو إلا الله ، فإذا تحقق وصف الألوهية في شئ جازت - بل وجبت - عبادته واتخاذه معبودا ، وحيث إن الوصف لا يوجد إلا في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه . والمراد من الألوهية هو ما يعد من شؤون الإله ، أعني : الاستقلال في الذات والصفات والأفعال ، فمن اعتقد لشئ نحوا من الاستقلال إما في وجوده ، أو في صفاته ، أو في أفعاله وآثاره فقد اتخذه إلها