قال الجنيد تحت عنوان : ( عصمة الأئمة والغلو فيهم ) :
( وأهل السّنة مقرّون بفضل أهل البيت وصلاح دينهم ويرون أنّ ذلك لا يمنع من وقوع هفوات أو أخطاء تمثلها الطبيعة البشرية القابلة للخطأ ، فإنّه ما من أحد من بني آدم يخرج عن الطبيعة البشرية التي يتصف بها كل الخلق والتي بيّنها قول الرسول (ص) : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ( حوار هاديء صفحة 27 ) .
وقال تحت عنوان ( عصمة الإمام المطلقة عند الشيعة ) : ( غير أنّ الشيعة يرون العصمة المطلقة عن الخطأ في أئمتهم سواء أكان الخطأ سهواً أم عمداً ) ( حوار هاديء صفحة 29 ) .


أقول : من عقائد الشيعة الإمامية الإثنى عشرية القول بعصمة الأئمة الطاهرين من أهل البيت خلفاء النبي الأكرم عليه وعليهم آلاف الصلاة والسلام ، فهم معصومون كالأنبياء عليهم السلام من الذنوب والأخطاء والنسيان ، ولم يقل الشيعة بهذه العقيدة اعتباطاً وبدون دليل ، وإنّما يستندون إلى العديد من الأدلة العقلية والنقلية ، ومن جملة الأدلة النقلية ما هو مخرّج في كتب أهل السنة .
إنّ الإمام هو القائم بوظائف النبي (ص) بعد رحيله ما عدا وظيفة الوحي – بمعنى الإتيان بالشريعة – وذلك لأنّ الشريعة قد اكتملت في حياة النبي (ص) فلا حاجة لوجود شخص يشغل هذا المنصب بعده ، فالإمام هو المبيّن للأحكام الشرعية والموضح لمعاني آيات القرآن الكريم ومفاهيمه حسب الواقع – أي حسب ما نزلت هذه الأحكام ، وما نزل من بيان وتفسير لآيات القرآن من الله عزوجل للنبي (ص) عن طريق الوحي - ، ولا يمكن لأحد أنّ يؤدي ذلك ويقوم به كما كان النبي (ص) يقوم به إلاّ إذا اتصف بصفتين :-
الأولى : أن يكون نظير النبي (ص) في علمه بمعارف الشريعة وأحكامها ، وبمفاهيم القرآن الكريم وتفسير آياته وبيان معانية .
الثانية : أن يكون معصوماً من الذنب والخطأ والنسيان .
أمّا لزوم كونه نظير النبي (ص) فواضح ، لأنّه لو لم يكن كذلك لما أمكنه القيام بهذه الوظيفة ، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه .
أمّا أنّه يلزم أن يكون معصوماً من الذنب والخطأ والنسيان ، فلأنه لو لم يكن كذلك فلربما يقتحم الذنب والمعصية فيبين معارف الشريعة أو أحكامها أو يفسر آيات الكتاب العزيز على غير وجهها الصحيح ، أو يخطـأ في بيان هذه المعارف والأحكام و تفسير الآيات القرآنية ، أو ينسى شيئاً منها أو بيانها ومعناها .
ومن وظائف الإمام أيضاً المحافظة على الشريعة الغراء من التغيير والتبديل والتحريف ، والقيام بهذا الأمر لا يتأتى إلاّ لمن كان معصوماً وعالماً بالشريعة تمام العلم .
ثمّ إنّ الداعي إلى لزوم نصب الإمام هو جواز الخطأ على الأمّة ، والإمام المنصوب إمّا أن يجوز عليه الخطأ أو لا يجوز ، فإن جاز عليه الخطأ فلا فائدة من نصبه فيحتاج إلى إمام آخر ، وهذا الآخر إمّا أن يكون مثل الأول أو لا يكون ، فإن كان مثله فلا فائدة أيضاً من نصبه فيحتاج إلى ثالث وهكذا فيلزم منه التسلسل أو الدّور وكلاهما باطل ، وإن لم يكن مثل الأول – أي لم يجز عليه الخطأ – ثبت المطلوب ، وهو لزوم عصمة الإمام عن الخطأ .
على أنّ المستفاد من آيات الكتاب المجيد لزوم عصمة ولي الأمر والإمام ، يقول الله عزّ وجل : [ وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدي الظّالِمينَ ] ( البقرة : 124 ) ، حيث نفى سبحانه أن ينال الظالم أي عهد من عهوده ، فالآية تقرر أنّ الظالم لا يصلح أن يكون إماماً ، والذي لم يتصف في آن من آنات حياته بظلم هو المعصوم فثبت من الآية الكريمة أنّ الإمام يلزم أن يكون معصوماً .
ويقول سبحانه : [ يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ وَأولي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ] ( النساء : 59 ) وظاهر الآية الكريمة يدل على أن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعة أولي الأمر على وجه الإطلاق والجزم في جميع الحالات دون أن يقيّد طاعتهم بحالة معيّنة أو شيء ما ومن كان الأمر بطاعته على هذا الشكل فإنّه يجب أن يكون معصوماً ، وإلاّ لما صحّ الأمر بطاعته على وجه الإطلاق وبلا قيد أو شرط .
وقد بيّن عالم أهل السّنة الفخر الرّازي في تفسيره الكبير عند تفسير الآية الكريمة كيفيّة إفادتها على عصمة أولي الأمر فقال : ( إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يقضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أن الله أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكور في الآية لا بدّ وأن يكون معصوماً ) ( مفاتيح الغيب 10/144 ) .
والأدلة على عصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام عديدة منها :
قوله (ص) ( أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي ) ( وقد صحح الألباني هذا الحديث في صحيح سنن الترمذي 3/542 حديث رقم : 3786 ) .
وفي نص آخر قال (ص) : ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) ( وصحح الألباني أيضاً الحديث بهذا النص في صحيح سنن الترمذي 3/543 حديث رقم : 3788 )
وهذا الحديث الشريف يعرف بحديث الثقلين .
والمراد من العترة وأهل البيت فيه هم الأئمة الإثنى عشر الذين جعلهم النبي (ص) خلفاء في أمته وأشار إليهم بقوله : ( لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلهم من قريش ) (صحيح مسلم 3/1453 ) .
وحديث الثقلين صريح في دلالته على عصمة العترة ومن عدة وجوه :
أولاً : إن النبي (ص) أمر فيه باتباع عترته على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط ، ومن كان الأمر بطاعته كذلك فلا يكون إلاّ معصوماً ، فحاشا النبي (ص) أن يأمر على نحو الإطلاق باتباع من يعلم ويحتمل خطأه ومخالفته للكتاب والسنة .
ثانياً : أنه جعل التمسك بهم مانعاً من الضلال كالقرآن الكريم ، ومن كان جائزاً عليه الضلال لا يكون مانعاً منه ، فالنتيجة أن عترة النبي (ص) غير جائز في حقهم الضلال ومن كان كذلك كان معصوماً .
ثالثاً : أنه (ص) قرنهم بالكتاب وأمر باتباعهما معاً فكما أن الكتاب منزّه من كل باطل فأهل البيت كذلك وهو عين العصمة .
رابعاً : أنه صرح بأنهم لا يفارقون الكتاب ، والكتاب لا يفارقهم ، فهم لا يخالفونه في زمن من الأزمنة ووقت من الأوقات ، فإذا كانوا كذلك كانوا معصومين .
ومنها قوله (ص) : ( مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ) ( المستدرك على الصحيحين 2/486 و 3/163 وقال عنه : > حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه < المعجم الأوسط للطبراني 5/355 و 6/85 ، المعجم الكبير للطبراني 3/45 و 3/46 و 12/34 ، مسند الشهاب 2/273 ، 274 ، حلية الأولياء 4/306 ، فضائل الصحابة لابن حنبل 2/785 ، أخبار مكة للفاكهي 3/134 ، المعرفة والتاريخ 1/296 ) .
وفي لفظ آخر : ( إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له ) (المعجم الصغير للطبراني 2/84 برقم : 825 و 1/240 برقم : 391 ، المعجم الأوسط للطبراني 4/10 برقم : 3478 ، المعجم الكبير للطبراني 3/45 برقم : 2637 ، مسند البزار 9/343 برقم : 3900 ، المعرفة والتاريخ 1/296 ) .
والحديث واضح الدلالة على عصمتهم لأن التخلف عنهم حال الخطأ لا يعد هلاكاً ، والنبي (ص) جزم فيه بأن النجاة في إتباعهم والهلاك في التخلف عنهم ، فثبت أنهم لا يخطؤون ، فإذا هم معصومون .
ومنها قوله (ص) : ( النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف فإذا خالفتهم قبيلة اختلفوا فصاروا حزب إبليس ) ( المستدرك على الصحيحين 3/162 برقم : 4715 وقال عنه : ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
فلو كان أهل البيت عليهم السلام يخطئون لجازت مخالفتهم في الخطأ ، ولا يكون مخالفهم – حال ذلك – من حزب إبليس ، ولما أن النبي (ص) اعتبر مخالفهم مطلقاً من حزب إبليس علمنا أنهم لا يخطئون ، ومن لا يخطىء مطلقاً هو المعصوم ، فالنتيجة أن أهل البيت معصومون .
وآية التطهير وهي قوله تعالى : [ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ] دليل على عصمة ثلاثة من الأئمة وهم الإمام علي والحسن والحسين عليهم السلام فقد ثبت بالأدلة الصحيحة والصريحة نزولها في أصحاب الكساء وتخصيص النبي (ص) مفهوم أهل البيت فيها بهم دون غيرهم :
أخرج الحاكم النيسابوري المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 451 حديث رقم : 3558 عن أم سلمة رضوان الله تعالى عليها أنها قالت : ( في بيتي نزلت هذه الآية [ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ] قالت : فأرسل رسول الله (ص) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي .
قالت أم سلمة : يا رسول الله ما أنا من أهل البيت قال إنك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق ) قال الحاكم النيسابوري : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ) وقال الذهبي في التلخيص : ( على شرط مسلم ) .
وسيأتي إن نشاء الله تعالى ذكر المزيد من الأدلة على اختصاص آية التطهير ومفهوم أهل البيت فيها بإصحاب الكساء .
أما دلالتها على العصمة فهي في غاية الوضوح والجلاء ، فالله سبحانه وتعالى أراد لأهل البيت عليهم السلام بإرادته التكوينية (1) التي لا يتخلف المراد فيها عن الإرادة أن يكونوا مطهرين من كل الأقذار المادية منها والمعنوية ، فكشف من خلال الآية الكريمة عن هذه الإرادة وتحقق ذلك بالنسبة إليهم ، فتكون آية التطهير كاشفة عن طهارة المخاطبين بها من كل الأرجاس والأدناس وهذه عين العصمة وحقيقتها .
وأما أدلة عصمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بالخصوص من مصادر أهل السنة فعديدة أكتفي بذكر دليلين منها :
1- مارواه أبو يعلى في مسنده عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال : ( كنا عند بيت النبي (ص) في نفر من المهاجرين والأنصار ، فخرج علينا فقال : ألا أخبركم بخياركم ؟ قالوا : بلى . قال : خياركم الموفون المطيبون ، إن الله يحب الحفي التقي ، قال : ومر علي بن أبي طالب فقال : الحق مع ذا الحق مع ذا ) ( مسند أبي يعلى 2/318 برقم : 1052 ، ورواه عنه الهيثمي في مجمع الزوائد 7/235 وقال : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ) .
فالنبي (ص) في قوله : ( الحق مع ذا ) يخبر على نحو الإطلاق أن علياً عليه السلام لا يفارق الحق ، فهو معه دائماً وابداً وبتاتاً ، إذ لو كان النبي (ص) لا يرى عصمة علي ويحتمل إمكانية وقوعه في الخطأ لما صح أن يخبر عنه بذلك وبهذا الشكل المطلق ، فثبت أن قوله (ص) هذا دليل على عصمة علي عليه السلام .
2- وما رواه الحاكم النيسابوري عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال : ( علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ) ( المستدرك على الصحيحين 3/134 برقم : 4628 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد )
والاستدلال بهذا الحديث على عصمة علي عليه السلام شبيه بالاستدلال بالحديث السابق ، فلو كان النبي (ص) لا يرى عصمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ويحتمل وقوعه في الخطأ لما أخبر على وجه الإطلاق بأن علياً عليه السلام لا يفارق القرآن والقرآن لا يفارقه ، فلما أن أخبر النبي (ص) بهذه الطريقة المطلقة عن ذلك علمنا أن علياً معصوم .
فإذا الأدلة العقلية والنقلية هي التي قادت الشيعة إلى الإعتقاد والقول بعصمة الأئمة الإثنى عشر عليهم السلام من أهل بيت النبي (ص) ومن يستنكر عليهم ذلك عليه أن يناقشهم في أدلتهم ، وقد ورد من عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الكثير من الأخبار مما يؤكد هذه العقيدة ففي الخبر الصحيح الذي رواه العلامة الكليني في الكافي 1/191 عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحججاً في أرضه وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا ) .

___________________
(1) إنما قلنا بأن الإرادة في آية التطهير تكوينية لأن ذلك مما ينسجم مع الحصر الموجود فيها فلو قلنا بأنها – أي الإرادة – تشريعية يكون معنى الآية ، إنما شرعنا لكم – أهل البيت – الأحكام لنذهب عنكم الرجس ونطهركم تطهيرا ، وهذا يتنافى مع الحصر المستفاد من لفظة > إنما < فمن المعلوم أن الغاية من تشريع الأحكام إذهاب الرجس عن جميع المكلفين لا عن خصوص أهل البيت عليهم السلام ولا خصوصية لهم في تشريع الأحكام ، وليست لهم أحكام مستلقة عن بقية المكلفين ، فالمطلوب من أهل البيت عليهم السلام مطلوب من غيرهم من المكلفين ، فيكون الحصر لغواً ، وحاشا لله أن يكون في كلامه لغو .