بسم الله الرحمن الرحيم

شبهة انقطاع السند بين الأئمة وبين النبي صلى الله عليه وآله


من الإشكاليات الوهمية التي يعتني بها أعداء الشيعة: أن معظم أحاديث الشيعة مروية عن شخصيات الأئمة من أهل البيت، وليست مروية عن النبي صلى الله عليه وآله.. فمثلاً كثيراً ما تنتهي الأسانيد الشيعية إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ولا يذكر الإمام الصادق السند بينه وبين النبي. فيقول خصوم الشيعة: أحاديثكم ضعيفة لعدم السند غالباً بين الأئمة وبين النبي.

وفي هذا الموضوع نريد أن نبين بطلان هذه الإشكالية، فنقول ـ وبالله التوفيق ـ :

إنَّ الشيعة الإمامية يعتقدون أنَّ المعصومين الـ 14 يمثلون نوراً واحداً، وما يصدر عن الإمام محمد الجواد ـ مثلاً ـ فهو بمنزلة الصادر عن الإمام جعفر الصادق، وما يصدر عن الإمام الصادق فهو بمنزلة الصادر عن الإمام الحسين الشهيد، وجميع ذلك هو بمنزلة الصادر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والسر في ذلك أنَّ الأئمة ـ في اعتقاد الشيعة ـ ليسوا مجتهدين ينطلقون من موقع الرواية التي يشوبها الخطأ والخلل ولو على صعيد الاحتمال، بل هم أناسٌ عصمهم الله من الزلل وأيدهم بروح القدس وجعلهم خلفاء يؤدون عن النبي وينطقون عنه. وهذا الاعتقاد يستند إلى أحاديث متواترة عند الشيعة الإمامية وصلتهم عن النبي وأهل البيت، ولنذكر أمثلة من تلك الأحاديث:

المثال الأول: روى الشيخ الصدوق في كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) (2/60) برقم (25) بسند صحيح، قال: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام، قال : سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) من العترة؟ فقال عليه السلام: أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه.

فهذا حديث الثقلين المتواتر عند السنة والزيدية والإمامية، وهذا سند إمامي صحيح، وله أسانيد أخرى في كتب الإمامية يبلغ بها حد التواتر.

وهذا الحديث من الأدلة على عصمة الاثني عشر عليهم السلام، وبه يستدل الإمامية على أن ما يصدر عن الصادق ـ مثلاً ـ فهو بمنزلة ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله.

المثال الثاني: روى الشيخ الكليني في الكافي (1/235 ـ 236) برقم (8) بسند صحيح، قال: مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَمَّا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ دُفِعَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ صَحِيفَةٌ مَخْتُومَةٌ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَمَّا قُبِضَ وَرِثَ عَلِيٌّ عليه السلام عِلْمَهُ وَسِلاحَهُ وَمَا هُنَاكَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْحَسَنِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ عليهم السلام. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ صَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى ابْنِهِ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.

وهذا الحديث مما اتصل إسناده صحيحاً إلى النبي صلى الله عليه وآله، ويدل على أنَّ علم الأئمة متوارث من علم النبوة، وليسوا رواة اعتياديين يصيبون ويخطئون.

المثال الثالث: روى الشيخ الكليني في الكافي (1/256) ، برقم (4) بسند صحيح، قال:
أَبُو عَلِيٍّ الأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سُوَيْدٍ الْقَلاّءِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ لا يَعْلَمُهُ إِلاّ هُوَ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ، فَمَا عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ.

المثال الرابع: روى الشيخ الكليني في الكافي (1/256) برقم (1) بسند صحيح، قال:
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلادٍ، قَالَ: سَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ [الرضا] عليه السلام رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ فَقَالَ لَهُ: أَتَعْلَمُونَ الْغَيْبَ؟ فَقَالَ عليه السلام: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ [الباقر] عليه السلام: يُبْسَطُ لَنَا الْعِلْمُ فَنَعْلَمُ، وَيُقْبَضُ عَنَّا فَلا نَعْلَمُ، وَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَسَرَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ عليه السلام، وَأَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، وَأَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ.

المثال الخامس : روى الشيخ الكليني في الكافي (1/263) برقم (2) بسند صحيح، قال:
عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ: نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِرُمَّانَتَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُمَا، فَأَكَلَ وَاحِدَةً، وَكَسَرَ الأُخْرَى بِنِصْفَيْنِ، فَأَعْطَى عَلِيّاً عليه السلام نِصْفَهَا فَأَكَلَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ؛ أَمَّا الرُّمَّانَةُ الأُولَى الَّتِي أَكَلْتُهَا فَالنُّبُوَّةُ، لَيْسَ لَكَ فِيهَا شَيْ‏ءٌ، وَأَمَّا الأُخْرَى فَهُوَ الْعِلْمُ، فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهِ.

المثال السادس: روى الشيخ الكليني في الكافي (1/286 ـ 288) ، برقم (1) بسند صحيح، قال:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [ النساء: 59 ] فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عليهم السلام. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: فَمَا لَهُ لَمْ يُسَمِّ عَلِيّاً وَأَهْلَ بَيْتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: فَقَالَ: قُولُوا لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) نَزَلَتْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ لَهُمْ ثَلاثاً وَلا أَرْبَعاً، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمْ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَ الْحَجُّ فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ طُوفُوا أُسْبُوعاً، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَتْ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59) ـ وَنَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فِي عَلِيٍّ (مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ) ، وَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَهْلِ بَيْتِي، فَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُورِدَهُمَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَعْطَانِي ذَلِكَ) ، وَقَالَ: (لا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ) ، وَقَالَ: (إِنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى وَلَنْ يُدْخِلُوكُمْ فِي بَابِ ضَلالَةٍ) . فَلَوْ سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، لادَّعَاهَا آلُ فُلانٍ وَآلُ فُلانٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقاً لِنَبِيِّهِ: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [ الأحزاب: 33 ] فَكَانَ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَفَاطِمَةُ، فَأَدْخَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ تَحْتَ الْكِسَاءِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَهْلاً وَثَقَلاً، وَهَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَثَقَلِي) ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: (إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ أَهْلِي وَثِقْلِي) ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ عَلِيٌّ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ؛ لِكَثْرَةِ مَا بَلَّغَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامَتِهِ لِلنَّاسِ، وَأَخْذِهِ بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَضَى عَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ عَلِيٌّ ـ وَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ـ أَنْ يُدْخِلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَلا الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ وَلا وَاحِداً مِنْ وُلْدِهِ؛ إِذاً لَقَالَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِينَا كَمَا أَنْزَلَ فِيكَ، فَأَمَرَ بِطَاعَتِنَا كَمَا أَمَرَ بِطَاعَتِكَ، وَ بَلَّغَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ كَمَا بَلَّغَ فِيكَ، وَأَذْهَبَ عَنَّا الرِّجْسَ كَمَا أَذْهَبَهُ عَنْكَ، فَلَمَّا مَضَى عَلِيٌّ عليه السلام كَانَ الْحَسَنُ أَوْلَى بِهَا لِكِبَرِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُدْخِلَ وُلْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ (وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) [ الأنفال: 75 ] ، فَيَجْعَلَهَا فِي وُلْدِهِ؛ إِذاً لَقالَ الْحُسَيْنُ: أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِي كَمَا أَمَرَ بِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ أَبِيكَ، وَبَلَّغَ فِيَّ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا بَلَّغَ فِيكَ وَفِي أَبِيكَ، وَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الرِّجْسَ كَمَا أَذْهَبَ عَنْكَ وَعَنْ أَبِيكَ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى الْحُسَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ هُوَ يَدَّعِي عَلَى أَخِيهِ وَعَلَى أَبِيهِ لَوْ أَرَادَا أَنْ يَصْرِفَا الأَمْرَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُونَا لِيَفْعَلا، ثُمَّ صَارَتْ حِينَ أَفْضَتْ إِلَى الْحُسَيْنِ فَجَرَى تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: (وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) [ الأنفال: 75 ] ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ بَعْدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ: (الرِّجْسُ) هُوَ الشَّكُّ، وَاللَّهِ لا نَشُكُّ فِي رَبِّنَا أَبَداً. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ وَعِمْرَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، مِثْلَ ذَلِكَ.

إلى غير ذلك من الأحاديث المتواترة التي تدل على أنَّ المعصومين الأربعة عشر ليسوا عبارة عن مجتهدين ينطلقون من اجتهادات قد تلتقي وقد تفترق، بل هم ينطلقون من نور واحد، وكتاب الله تعالى آيات بينات في صدورهم.

فهذا باختصار إلماح إلى أنَّ ما ينطق به الصادق عليه السلام فإنما هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لوحدة النور الذي يميز المعصومين بعصمتهم وعلمهم وقربهم من الله تعالى.

ومن المهم أن نعرف أن من علماء أهل السنة من يلتزم بما يشبه هذه القاعدة، وذلك إذا صدر مضمون غيبي (أو ما هو بحكمه) عن صحابي، ولم يسنده الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وآله، فإن من علماء أهل السنة من يقول ـ وربما هو قول جمهورهم ـ إنَّ هذا الحديث الموقوف ظاهراً هو بحكم المرفوع واقعاً؛ لأن ساحة الصحابي تجل عن أن ينطق بما لا يعلم وبما لا يستند فيه إلى حجة، والحجة في الغيبيات (وما أشبهها) هو المعصوم، فتكون طبيعة المضمون مع جلالة الصحابي عاملين يوجبان القول بأن الحديث مرفوع، أي أنه عن النبي صلى الله عليه وآله، وفي ذلك يقول صبحي الصالح في كتاب (علوم الحديث) ، ص219 : (وإنما نبيح لأنفسنا العمل بما ثبت منه أنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه؛ لأن الصحابي في مثل ذلك لا يقول ولا يفعل ولا يقر إلا ما تحققه بنفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم).

وهذه نفس الفكرة الشيعية، إلا أن الشيعة يضيفون إليها عنصرين:

1 ـ أن الاجتهاد غير محتمل في حق الإمام المعصوم، فيكون جميع الصادر من المعصوم حجة بلا استثناء.

2 ـ أن الصادر من الإمام المعصوم مضمون الصحة والحجية ولا احتمال للخطأ بسبب أنه معصوم.

فكما أن أهل السنة يجزمون بأن بعض الصادر من الصحابي هو رواية له عن النبي، حتى إذا لم يصرح الصحابي بأنه أخذه من النبي، فكذلك الإمامية يجزمون بأن جميع الصادر عن الإمام الصادق ـ مثلاً ـ هو رواية عن النبي صلى الله عليه وآله حتى إذا لم يصرح الإمام الصادق بأنه أخذه بسند متصل صحيح عن النبي.

وما قلناه إلى الآن فهو يستند إلى البعد العقائدي المبني على الأدلة التي منها الأحاديث المتواترة عند الإمامية.

وهناك أحاديث خاصة متواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام صرحوا فيها بأن جميع ما يصدر عنهم فإنه لا ينبع عن رأي واجتهاد وشخصي، بل جميعه عن النبي صلى الله عليه وآله. ولنذكر بعض تلك الأحاديث المتواترة:

1 ـ الكافي (3/92 ـ 94) ، برقم (1) بسند صحيح، قال:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ الْكُوفِي‏...
فذكر رواية طويلة فيها مسألة فقهية أشكلت عليهم، فطرحها خلف بن حماد على الإمام الكاظم عليه السلام ، فلما أجابه الإمام بالجواب الصحيح، قال خلف بن حماد للإمام ـ عليه السلام ـ : (جُعِلْتُ فِدَاكَ مَنْ كَانَ يُحْسِنُ هَذَا غَيْرُكَ؟) ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: (وَاللَّهِ إِنِّي مَا أُخْبِرُكَ إِلاّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَنْ جَبْرَئِيلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) .

2 ـ كمال الدين (ص224) برقم (18) بسند صحيح، قال:
حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، قالا: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: لم يترك الله عز وجل الأرض بغير عالم يحتاج الناس إليه، ولا يحتاج إليهم بعلم الحلال والحرام. قلت: جعلت فداك؛ بماذا يعلم؟ قال: بوراثة من رسول الله ومن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما.

3 ـ بصائر الدرجات للصفار (ص319) برقم (2) بسند صحيح، قال:
حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن عمرو بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر [الباقر] عليه السلام ، أنه قال: لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينها لنا.

4 ـ بصائر الدرجات للصفار (ص319) برقم (3) بسند صحيح، قال:
حدثنا عبد الله بن عامر، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن داود بن أبي يزيد الأحول، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنها آثار من رسول الله صلى الله عليه وآله، أصول علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم.

5 ـ بصائر الدرجات للصفار (320) برقم (5) بسند صحيح، قال:
حدثنا أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن فضيل بن عثمان، عن محمد بن شريح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله لولا أنَّ الله فرض ولايتنا ومودتنا وقرابتنا، ما أدخلناكم بيوتنا، ولا أوقفناكم على أبوابنا، والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا، إلا ما قال ربُّنا.

6 ـ بصائر الدرجات للصفار (320) برقم (6) بسند صحيح، قال:
حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر، قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر؛ والله لو كنا نحدث الناس ـ أو حدثناهم ـ برأينا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثهم بآثار عندنا من رسول الله صلى الله عليه وآله، يتوارثها كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.
هذا سند مختلف فيه لمكان جابر بن يزيد الجعفي، والمختار ـ وفاقاً للسيد الخوئي ـ أنه إمامي ثقة، فالسند صحيح.

إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا ريب في بلوغها مرتبة التواتر.

فهذا غيض من فيض وقليل من كثير، وبه يتبين أن الحديث الصادر عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام، هو في الحقيقة صادر من علم النبوة، بالسند الصحيح المتصل، وبالإلهام السديد المعتصم.

وبذلك نستطيع أن ندرك مدى سخافة خصوم الشيعة الذين يطالبون بسند صحيح متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ويتصورون أن الشيعة الإمامية إذا لم يأتوا بذلك فهو يستلزم وجود إشكالية في مذهب الشيعة لعدم السند الصحيح إلى النبي عندهم.. بينما تبين ـ من خلال ما أوضحناه ـ أن الحديث إذا ثبت عن الإمام جعفر الصادق مثلاً فهو ـ في عقيدة الشيعة الإمامية ـ ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله، ولكن خصوم الشيعة يتميزون بجهل فظيع كبير، مع قلة حياء ووقاحة منعدمة النظير، ونسأل الله العافية.

هذا باختصار، والحمد لله أولاً وآخراً.