بسم الله الرحمن الرحيم



هناك العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على إمامة الخلفاء من أهل البيت عليهم السلام، وهناك نقاط مهمة لا بد من التنبيه عليها، وقد قام علماء الشيعة (الإمامية والزيدية) بإشباع هذا الموضوع، وما سأقوم به هنا هو مجرد تلخيص لجهود علماء الشيعة، ومحاولة لتبسيط وتسهيل وتقريب الدراسة الدلالية للأحاديث في الموضوع والتي رواها علماء أهل السنة.

في البداية سأقوم ببيان النسق المترابط للأحاديث النبوية (من كتب أهل السنة) ودلالاتها الواضحة على إمامة أهل البيت، وفي مشاركة لاحقة سوف أسرد ما يحضرني من أحاديث تدل على إمامة أهل البيت من كتب أهل السنة. ومن الله أستمد العون وعليه التكلان..

في موضوع مستقل تبين لنا من خلال آيات القرآن الكريم أن خط الإمامة هو خط الأنبياء وأوصيائهم، وأن الناس كانوا على الدوام مطالبين باتباع حُجج الله تعالى، وأن هذا الخط بقي ما بعد النبي في أهل البيت الأطهار.. بعد أن تبين ذلك من خلال آيات الذكر الحكيم، نلاحظ أن السنة النبوية تولت تتميم ملامح الفكرة وتبيين ما يحتاجه العباد للارتباط بأئمتهم من أهل البيت عليهم السلام.. وإليك البيان.

1 ـ جاء في الحديث الذي يعتقد بصحته أهل السنة: (عليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) [سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم 937] .

فهذا الحديث النبوي يذكر أن خلفاء النبي لهم مزيتان:

المزية الأولى: أنهم راشدون مهديون.

المزية الثانية: أنهم أصحاب سنة وسنتهم واجبة الاتباع كما أن سنة النبي كذلك.

وبناء على المزية الأولى لا يجوز إدخال المجرمين في عداد خلفاء النبي بحجة أنهم تولوا السلطة؛ لأن تولي السلطة ليس هو المعيار، بل الرشد والهداية لا بد منهما في خلفاء النبي صلى الله عليه وآله.

وبناء على المزية الثانية يلزم القول بعصمة خلفاء النبي؛ لأن من يكون صاحب سنة واجبة الاتباع، يلزم أن يكون مصوناً من الزلل والخطأ، كما أن النبي كان معصوماً أيضاً.

وينبغي أن نلاحظ أن أهل السنة لا يعتقدون أن أحداً من الخلفاء كان ذا سنة واجبة الاتباع كسنة النبي صلى الله عليه وآله.

كما ينبغي أن نلاحظ أن مفهوم (الخلفاء الراشدين) موجود في روايات الإمامية الاثني عشرية وهم يطلقونه على أئمتهم مع الاعتقاد بأنهم ذوو سنة واجبة الاتباع.

2 ـ جاء في العديد من الأحاديث التي رواها أهل السنة والإمامية أن النبي قال بأن خلفاءه اثنا عشر.

ففي صحيح مسلم: (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعًا إلى اثني عشر خليفة) .

وفي مسند أحمد: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش) .

وفي مسند أحمد أيضاً: (يكون لهذه الأمة اثنا عشر خليفة) .

وفي مسند أحمد أيضاً: (عن مسروق، قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يُقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كم تملك هذه الأمَّةَ من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثمَّ قال: نعم؛ ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) .

وبالتدبر في هذه الأحاديث نفهم مجموعة مزايا:

المزية الأولى: أنهم اثنا عشر، لا أقل ولا أكثر.

المزية الثانيـة: أن منظومة الدين ـ عقيدةً وشريعةً ـ تبقى منيعةً وعزيزة ضد ما يهددها، وذلك ببركة هؤلاء الخلفاء الاثني عشر، وهذا يعني أن هؤلاء الاثني عشر علماء عظماء يعملون على حماية الدين وترشيد مسار المؤمنين إلى قيام القيامة.

المزية الثالثة: أنهم من قريش، وليس يمكن للشورى أو أي طريقة أخرى أن تفرض خلفاء من خارج الأسرة القرشية.

وبضم أحاديث الاثني عشر إلى حديث الخلفاء الراشدين تكون النتيجة بوضوح: أن خلفاء النبي عبارة عن اثني عشر خليفة راشداً مهدياً من قريش وهم يعملون على حماية الدين وترشيد مسار الهداية للمؤمنين، وهم بدرجة من العظمة والاستقامة بحيث سنتهم واجبة الاتباع كما أن سنة النبي كذلك.

3 ـ جاء في مسند أحمد قول النبي صلى الله عليه وآله: (إنِّي تارك فيكم خليفتين: كتابَ الله عزّ وجلَّ، حبلٌ ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهلَ بيتي، وإنّهما لن يتفَرّقا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوض) .

وهذا الحديث يعني أن أهل بيت النبي قد وُصفوا بالخلفاء، وأوضح النبي أنهم لا يفارقون القرآن الكريم، وهذا يعني أن استقامتهم لا يعتريها أي خلل ولا يشوبها أي نقص أو باطل، كما أن القرآن الكريم كذلك (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .

4 ـ لقد تم التأكيد في النصوص النبوية على أن أهل البيت يمثلون صمام الأمان للأمة، وأن من تمسك بهم مع القرآن الكريم فإنه يكون مهتدياً، ففيه قال النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : (قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا: كتابَ الله، سَبَبُهُ بيده، وسَبَبُهُ بأيديكم، وأهلَ بيتي) ، أخرجه بهذا اللفظ إسحاقُ بن راهويه في مُسنده كما في المطالب العالية لابن حجر العسقلاني (4/252) برقم (3943) دار المعرفة ـ بيروت، وصححه الحافظ ابن حجر. وأورده الحافظ البوصيري أيضاً عن ابن راهويه، وذلك في إتحاف الخيرة المهرة (9/279) ، وقال الحافظ البوصيري: رواه إسحاق بسند صحيح، وأورده الشريف السمهودي في جواهر العقدين (ص238) عن مسند إسحاق بن راهويه، وقال السمهودي: وهو سند جيد، وأورده السيوطي عن ابن راهويه وغيره في مسند عليٍّ (ص192) ، برقم 605 ، و أشار إلى تصحيحه، ونص الرواية مع المصادر نفسها والتصحيح في كنْز العمال (13/140) ، وأورده السخاوي عن ابن راهويه أيضاً في استجلاب ارتقاء الغُرَف (1/357) وقال محقِّقُ الكتاب في الهامش (5) : إسنادُه صحيح، والحديث في كنز العمال للمتقي الهندي (1/379 - 380) عن ابن جرير، وفيه أنَّ ابن جرير صحَّحَه.

وبضم هذا إلى ما سبق استنتاجه من النصوص النبوية يتحصل لدينا أن أولئك الخلفاء الراشدين المهديين الاثني عشر ذوي السنة واجبة الاتباع هم عبارة عن أشخاص من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وهم الذين يقومون بتأمين الهداية ويبينون المسار الصحيح.

5 ـ وقد ورد في كتب أهل السنة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في الإمام علي: (إنَّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن من بعدي) ولم يقل: بعد عثمان، وفي نفس الوقت ورد عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال للإمام علي: (إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي) ولم يقل أهل الجمل أو أهل الشام أو أهل النهروان فقط. وهذا يؤكد ما فهمناه من النصوص السابقة؛ فإن علياً هو سيد العترة، وحسب معتقد شيعة أهل البيت: هو الإمام والخليفة الراشد الأول، وهذان النصان يؤكدان ذلك؛ إذ الأول يثبت ولايته، والثاني يخبر عن أن الأمة ستغدر به ولن تفي له بالتزامها تجاه إمامته.

6 ـ هناك نصوص عديدة في إمامة الإمام علي، وفي نفس الوقت هناك إجماع من الأمَّة (سنة وشيعة) على أن الخليفة الثاني عشر هو الإمام المهدي من أهل البيت عليهم السلام، وهذا شاهد على صحة المعتقد الشيعي في تحديد الأئمة؛ لأن الإمام الأول عند الشيعة هو علي والثاني عشر هو المهدي، وهذا يُنبِّه ذا العقل الرشيد على صحة ما يذهب إليه الإمامية الاثني عشرية.

ومن مجموع ما قلناه يتبين أن خلفاء النبي صلى الله عليه وآله:

( أ ) اثنا عشر.

(ب) راشدون مهديون.

(جـ) لهم سنة يجب اتباعها كما أن سنة النبي كذلك.

( د ) هم من قريش وبالتحديد من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

(هـ) دورهم تأمين الهداية للعباد وحفظ الدين من كل ما يهدده.

( و ) أولهم عليٌّ وآخرهم المهدي.

( ز ) ستغدر الأمَّة بأولهم ولن تنصاع لإمامته.

ومن المؤسف أننا قد لا نستطيع العثور على نصوص صحيحة السند في كتب أهل السنة تبين أكثر من هذا القدر حول هوية هؤلاء الخلفاء الاثني عشر الراشدين، ولكن هذا طبيعي جداً بالنسبة إلى مذهب حارب التشيع وتبنى علماؤه موقفاً عدائياً من أهل البيت وشيعتهم، وهذا القدر الذي تم العثور عليه وبيانه كاف جداً لإرشاد اللبيب إلى نور الحقيقة.

طبعاً هذا باختصار كما قلنا، وهناك تفاصيل على طالب الحقيقة أن يطلبها في الكتب والمصادر التاريخية والحديثية وغيرها.

وأكتفي بهذا القدر لضيق الوقت.. وربما توسعنا في بعض الجوانب لاحقاً.

والله ولي التوفيق.

_________________

إضافة العضو ياسر الحسيني
تحليل بسيط حول حديث (إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي)..

1- من قام بحرب الجمل لا ينطبق عليهم لفظ الأمة .. لأن الأمة كانت مع خليفتها في الحرب وانتصر . بل والرسول الأعظم نصح السيدة عائشة عن الخروج على الإمام علي ع وحدثها بحديث الحوأب . وبالتالي لا يمكن أن تكون السيدة عائشة تمثل الأمة بهذه الحرب .
2- وكذلك في حرب صفين ... لا يمكن أن تكون الأمة تعني جماعة معاوية .. لأن الرسول الأعظم قال ويح عمار تقتله الفئة الباغية .
3- وكذلك في حرب الخوارج ... لا يمكن أن يكون الخوارج مصداق لكلمة الأمة !! لأن الخوارج وصفهم الرسول الأعظم بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم ...

وعليه لم يبق شيء غدرت فيه الأمة بعلي عليه السلام ... سوى اغتصاب الخلافة .