بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الاحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، والصلاة والسلام على محمد عبده المجتبى، ورسوله المصطفى، أرسله إلى كافة الورى، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وعلى أهل بيته أئمة الهدى ومصابيح الدجى، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والسلام على من اتبع الهدى.

وبعد ،،

فإن من أقوى أدلة الإمامية على فضل أهل البيت وعصمتهم كانت ولا تزال الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب المسماة بآية التطهير

وقد أدرك القوم قوة هذا الإستدلال منذ الأزل فحاولوا بشتى الوسائل توهين هذا الاستدلال

فتارة تراهم يدعون دخول زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية

وتارة يضعفون حديث الكساء الثابت في صحيح مسلم

وأخرى يتمادون في الضلالة فيضعفون أحاديث الكساء بأجمعها

وما هذا إلا جدالا بالباطل وإلا فالدليل واضح والحجة دامغة ...

وقد حاورت أحدهم قبل بضع سنوات في أحد المنتديات المسمى بـ " شبكة الدفاع عن السنة " وألقمته حجرا بتوفيق من الله عز وجل بأدلة وبراهين قلما توجد في بحث حول آية التطهير وحديث الكساء

فجمعتها كلها لأضعها في موضوع واحد - مع بعض التنقيح - لتكون حجة دامغة لكل من يحاول التشكيك في دلالة آية التطهير أو تضعيف حديث الكساء

وقد أسميت البحث " غيث السماء في تخصيص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء " فأدلة البحث إن شاء الله وبراهينه ما هي إلا غيث من السماء لشيعة آل البيت عليهم السلام ...

وهذه نقاط البحث : -

1 - عرض أحاديث الكساء بطرقها الصحيحة ودلالتها على التخصيص
2 - سرد أقوال المفسرين من أهل السنة عند تفسيرهم لآية التطهير
3 - بيان أن الإجماع قد انعقد أن الآية خاصة بهم دون غيرهم
4 - دحض الحجج الواهية التي احتجوا بها في المقابل

فمن الله التوفيق وبه نستعين ...




عرض أحاديث الكساء بطرقها الصحيحة ودلالتها على التخصيص

ورد الحديث عن طريق ستة من الصحابة

أولا : طريق أم سلمة

ورواه عنها جماعة من التابعين هم :

1- شهر بن حوشب (وهو مشهور من روايته)
2- أبو ليلى الكندي (كما في مسند أحمد وغيره)
3- عطاء بن يسار (كما في مستدرك الحاكم)
4- عمرة بنت أفعى (كما في الشريعة للآجري)
5- حكيم بن سعد (كما في تفسير الطبري)
6- أم حبيبة بنت كيسان (كما في معجم الطبراني)
7- عبد الله بن وهب بن زمعة (كما في تفسير الطبري)

سنن الترمذي [12 /372]
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة وأنا معهم يا رسول الله قال إنك إلى خير
قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب وفي الباب عن عمر بن أبي سلمة وأنس بن مالك وأبي الحمراء ومعقل بن يسار وعائشة

مسند أحمد [53 /462]
حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح قال حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فدخلت بها عليه فقال لها ادعي زوجك وابنيك قالت فجاء علي والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء له خيبري قالت وأنا أصلي في الحجرة فأنزل الله عز وجل هذه الآية
{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } قالت فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت فأدخلت رأسي البيت فقلت وأنا معكم يا رسول الله قال إنك إلى خير إنك إلى خير
قال عبد الملك وحدثني أبو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء قال عبد الملك وحدثني داود بن أبي عوف أبو الحجاف عن شهر بن حوشب عن أم سلمة بمثله سواء

مسند أبي يعلى الموصلي [14 /195]
حدثنا حوثرة بن أشرس أبو عامر قال : أخبرني عقبة ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : « ائتني بزوجك وابنيك » . فجاءت بهم ، فألقى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كساء كان تحتي خيبريا أصبناه من خيبر ، ثم قال : « اللهم هؤلاء آل محمد عليه السلام ، فاجعل صلاتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد » . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يدي وقال : « إنك على خير »

المعجم الكبير للطبراني [17 /179]
حدثنا الحسين بن إسحاق، ثنا عمرو بن هشام الحراني، ثنا عثمان، عن القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة، قالت: أنزلت هذه الآية "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت"[الأحزاب آية 33] ، وأنا في بيتي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، فأجلس أحدهما على فخذه اليمنى، والآخر على فخذه اليسرى، وألقت عليهم فاطمة كساء، فلما أنزلت "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت"[الأحزاب آية 33] ، قلت: وأنا معكم يا رسول الله؟، قال:وأنت معنا.

مشكل الآثار للطحاوي [2 /262]
حدثنا الحسين بن الحكم الحبري الكوفي ، حدثنا مخول بن مخول بن راشد الحناط ، حدثنا عبد الجبار بن عباس الشبامي ، عن عمار الدهني ، عن عمرة بنت أفعى ، عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، يعني في سبعة جبريل ، وميكائيل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين عليهم السلام وأنا على باب البيت فقلت : يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ قال : « إنك من أزواج النبي عليه السلام » وما قال : إنك من أهل البيت


الشريعة للآجري [4 /248]
وحدثنا ابن أبي داود أيضا قال : حدثنا سليمان بن داود المهري قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : حدثنا أبو صخر ، عن أبي معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الصهباء ، عن عمرة الهمدانية قالت : قالت لي أم سلمة : أنت عمرة ؟ قالت : قلت : نعم يا أمتاه ، ألا تخبريني عن هذا الرجل الذي أصيب بين ظهرانينا ، فمحب وغير محب ؟ فقالت أم سلمة : أنزل الله عز وجل إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وما في البيت إلا جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهما وأنا فقلت : يا رسول الله أنا من أهل البيت ؟ قال : « أنت من صالحي نسائي » قالت أم سلمة : يا عمرة ، فلو قال : « نعم » كان أحب إلي مما تطلع عليه الشمس وتغرب

تفسير الطبري [20 /266]
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرني أم سلمة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جمع عليا والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي". فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم. قال: "إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي".

ثانيا : طريق عائشة بنت أبي بكر

صحيح مسلم [12 /164]
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لأبي بكر قالا حدثنا محمد بن بشر عن زكرياء عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت قالت عائشة خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا }

ثالثا : رواية واثلة بن الأسقع

مسند أحمد [34 /350]
حدثنا محمد بن مصعب قال حدثنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار قال دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا فلما قاموا قال لي ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال أتيت فاطمة رضي الله تعالى عنها أسألها عن علي قالت توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله تعالى عنهم آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساء ثم تلا هذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق

المعجم الكبير للطبراني [3 /93]
حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي ، حدثنا محمد بن بشر التنيسي ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا أبو عمار شداد ، قال : قال واثلة بن الأسقع الليثي كنت أريد عليا فلم أجد ، فقالت فاطمة انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه حتى يأتي ، قال : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ، فدخلت معهما ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنا وحسينا ، فأجلس كل واحد منهما على فخذه ، وأدنى فاطمة من حجره ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستند ، ثم قال : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب : 33 ] ، ثم قال : " هؤلاء أهلي " ، قال واثلة : قلت : يا رسول الله وأنا من أهلك ؟ قال : " وأنت من أهلي " ، قال واثلة : إنه لأرجى ما أرجوه .

رابعا : رواية سعد بن أبي وقاص

تفسير الطبري [20 /266]

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: "رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي".

خامسا : طريق أبي سعيد الخدري

مسند أبي يعلى الموصلي [14 /172]
حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن فضيل ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم غطى على علي وفاطمة وحسن وحسين كساء ، ثم قال : « هؤلاء أهل بيتي ، إليك لا إلى النار » . قالت أم سلمة : فقلت : يا رسول الله ، وأنا منهم ؟ قال : « لا ، وأنت على خير »

تفسير الطبري [20 /263]
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، قال: ثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي رضي الله عنه وحسن رضي الله عنه وحسين رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) " .

المعجم الأوسط للطبراني [4 /355]
حدثنا أحمد قال : نا محمد بن عباد بن موسى قال : نا أبو الجواب الأحوص بن جواب ، عن سليمان بن قرم ، عن هارون بن سعد ، عن عطية العوفي قال : سألت أبا سعيد الخدري : من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ؟ فعدهم في يده خمسة : « رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين » قال أبو سعيد : في بيت أم سلمة أنزلت هذه الآية « لم يرو هذا الحديث عن هارون إلا سليمان ، تفرد به : الأحوص »

المجالسة وجواهر العلم [8 /286]
حدثنا أحمد ، نا أبو يوسف القلوسي ، نا سليمان بن داود ، نا عمار بن محمد ، نا سفيان الثوري ، عن أبي الجحاف ، عن أبي سعيد ؛ قال : نزلت : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } [ الأحزاب : 33 ] في خمسة : في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، رضوان الله عليهم أجمعين

سادسا : طريق عمر بن أبي سلمة

سنن الترمذي [10 /494]
حدثنا قتيبة حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن يحيى بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة وأنا معهم يا نبي الله قال أنت على مكانك وأنت على خير
قال أبو عيسى هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة

نقول : نذكر أولا من صحح حديث الكساء من علماء الحديث

1- الترمذي في سننه

2- الذهبي في سير أعلام النبلاء

3- ابن حجر في فتح الباري

4- حسين سليم أسد في هامش مسند أبي يعلى

5- شعيب الأرناؤوط في هامش مسند أحمد

6- الألباني في هامش مشكاة المصابيح

وغيرهم كثير ...

بل نقول : أن تصحيح الحديث لا فائدة منه بعد أن أخرجه مسلم في صحيحه

لا يقال : حديث مسلم ضعيف بضعف أحد رواته فإن الشيخان كانا ينتقيان من رواية الضعفاء ما صح وثبت من روايتهم وهذا مبسوط في كتب المصطلح

يتبع دلالات الحديث ...




دلالة حديث الكساء على تخصيص آية التطهير بالخمسة دون نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم

بعد استبعاد طريقي عائشة وسعد بن أبي وقاص للاختصار الشديد في المتن من الملاحظ أن ألفاظ الحديث متناقضة خاصة الشق الأخير منه في طريق أم سلمة

فمن ناحية نرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يوافق على دخول أم سلمة تحت الكساء بل ومنعها من ذلك ، نراه من ناحية أخرى يوافق على ذلك ويؤكد قائلا " أنت معنا " كما في رواية أم حبيبة بنت كيسان

وعند الترجيح بين الروايات عند التعارض الواضح بين الإيجاب والرد لا يشكك عاقل أن روايات المنع من الدخول أصح وأكثر طرقا للأسباب التالية :

1- رواية أم حبيبة الدالة على موافقة النبي ضعيفة السند فرواتها بين ضعفاء ومجاهيل

2- روايات منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدخول أم سلمة بقوله " أنت على مكانك " صحيحة السند فقد جاء هذا اللفظ من رواية شهر بن حوشب عن أم سلمة وعطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة

3- أضف إلى ذلك ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع أم سلمة من الدخول تحت الكساء بالقول فقط بل بالفعل كما في طريق أبي يعلى الموصلي حين جذب الكساء من يدها

لا يقال : أن الطريق إلى شهر ضعيف بعقبة

لأنا نقول : عقبة قد توبع من علي بن زيد كما في مسند أحمد والمعجم الكبير

فرواية جذب رسول الله للكساء من يد أم سلمة إن لم تكن صحيحة فلا أقل من حسنها

كما أن المنع قد جاء بلفظ آخر من طريق آخر سوى لفظ " أنت على مكانك " ، فقد أخرج ابن كثير عن ابن أبي حاتم رواية عن عائشة فيها منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها بلفظ " تنحي "

تفسير ابن كثير [6 /414]
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام -يعني: ابن حوشب -عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن علي، رضي الله عنه، فقالت، رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فألقى عليهم ثوبا فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال: "تنحي، فإنك على خير".

وهذا إسناد قوي إلى العوام بن حوشب

وقد فهم دلالة هذه الأمور على التخصيص - كما فهمها الإمامية تماما - جماعة من كبار علماء أهل السنة نذكرهم تباعا :

1- أبو العباس القرطبي

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم [20 /50]

وقراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الآية : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا } ؛ دليل على : أن أهل البيت المعنيون في الآية : هم المغطون بذلك المرط في ذلك الوقت . والرجس : اسم لكل ما يستقذر ، قاله الأزهري . والمراد بالرجس الذي أُذهب عن أهل البيت : هو مستخبث الخلق المذمومة ، والأحوال الركيكة ، وطهارتهم : عبارة عن تجنبهم ذلك ، واتصافهم با لأخلاق الكريمة ، والأحوال الشريفة .

2- محمد بن علي الشوكاني

نيل الأوطار [4 /53]
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } لأن ما قبل الآية وبعدها في الزوجات فأشعر ذلك بإرادتهن وأشعر تذكير المخاطبين بها بإرادة غيرهن .
وبين هذا الحديث وحديث أبي هريرة الآتي من هم المرادون بالآية وبسائر الأحاديث التي أجمل فيها الآل ولكنه يشكل على هذه امتناعه صلى الله عليه وسلم من إدخال أم سلمة تحت الكساء بعد سؤالها ذلك .
وقوله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية مشيرا إلى علي وفاطمة والحسن والحسين : { اللهم إن هؤلاء أهل بيتي } بعد أن جللهم بالكساء .

3- ابن النجار

شرح الكوكب المنير [1 /399]
ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الخلفاء الأربعة ( ولا ) قول ( أهل البيت ، و ) أهل البيت ( هم : علي وفاطمة ) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ونجلاهما ) هما حسن وحسين ( رضي الله تعالى عنهم ) لما في الترمذي { أنه لما نزل قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } أدار النبي صلى الله عليه وسلم الكساء .

4- الذهبي

تاريخ الإسلام للذهبي [1 /372]
وفي فاطمة وزوجها وبنيها نزلت: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي " .

5- الصفدي

الوافي بالوفيات [4 /261]
الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، هو وأخوه وأمه وأبوه أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

6- السيوطي

وهذا السيوطي يذهب إلى أبعد من ذلك فينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفسير الآية بهم صراحة

الإتقان [ص 405]
(أهل البيت) قال صلى الله عليه وسلم: هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين

7- ابن حجر العسقلاني

فتح الباري لابن حجر [11 /134]
وفي ذكر البيت معنى آخر ؛ لأن مرجع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، لما ثبت في تفسير قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قالت أم سلمة " لما نزلت دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي " الحديث أخرجه الترمذي وغيره ، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة ، لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها ، وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها ، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها .

8- ابن عساكر الدمشقي

الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين [ص 50]
وقولها وأهل البيت هؤلاء الذين ذكرتهم إشارة إلى الذين وجدوا في البيت في تلك الحالة وإلا فآل رسول الله صلى الله عليه وعليهم كلهم أهل البيت والآية نزلت خاصة في هؤلاء المذكورين والله أعلم

9- ابن عطية

بل إن ابن عطية في تفسيره يذكر أن جمهور أهل السنة مع التخصيص

المحرر الوجيز [5 /308]
وقالت فرقة : هي الجمهور { أهل البيت } علي وفاطمة والحسن والحسين ، وفي هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو سعيد الخدري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين » رضي الله عنهم ، ومن حجة الجمهور قوله { عنكم } و { يطهركم } بالميم ، ولو كان النساء خاصة لكان عنكن .




أقوال المفسرين عند تفسير آية التطهير


تفسير الخازن [5 /191]
{ أهل البيت ويطهركم تطهيراً } هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وتلا قوله تعالى { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وهو قول عكرمة ومقاتل وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، يدل عليه ما روي عن عائشة أم المؤمنين قالت « خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن فأدخله فيه ، ثم جاء الحسين فأدخله فيه ثم قال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيراً } أخرجه مسلم .

النكت والعيون [3 /375]
وفي قوله تعالى { أهل البيت } - ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه عنى عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، قاله أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم .
الثاني : أنه عنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، قاله ابن عباس وعكرمة .
الثالث : أنها في الأهل والأزواج ، قاله الضحاك .

تفسير البحر المحيط [9 /152]
وقول عكرمة ، ومقاتل ، وابن السائب : أن أهل البيت في هذه الآية مختص بزوجاته عليه السلام ليس بجيد ، إذ لو كان كما قالوا ، لكان التركيب : عنكن ويطهركن ، وإن كان هذا القول مروياً عن ابن عباس ، فلعله لا يصح عنه . وقال أبو سعيد الخدري : هو خاص برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين . وروي نحوه عن أنس وعائشة وأم سلمة . وقال الضحاك : هم أهله وأزواجه . وقال زيد بن أرقم ، والثعلبي : بنو هاشم الذين يحرمون الصدقة آل عباس ، وآل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، ويظهر أنهم زوجاته وأهله ، فلا تخرج الزوجات عن أهل البيت ، بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم لملازمتهن بيته ، عليه الصلاة والسلام . وقال ابن عطية : والذي يظهر أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك ألبتة ، فأهل البيت : زوجاته وبنته وبنوها وزوجها .

تفسير ابن عبد السلام [5 /39]
{ أَهْلَ الْبَيْتِ } علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين قاله أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عنهم أو الأزواج خاصة ، أو الأهل والأزواج .

تفسير القرطبي [14 /182]
وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، من هم ؟ فقال عطاء وعكرمة وأبن عباس: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهن.
وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: " وأذكرن ما يتلى في بيوتكن ".
وقالت فرقة منهم الكلبي: هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، وفي هذا أحاديث عن النبي عليه السلام، واحتجوا بقوله تعالى: " ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم " بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان " عنكن ويطهركن "، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الاهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك، أي أمرأتك ونساؤك، فيقول: هم بخير، قال الله تعالى: " أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت " [ هود: 73 ] (1).
والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الازواج وغيرهم.
وإنما قال: " ويطهركم " لان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليا وحسنا وحسينا كان فيهم، وإذا أجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لان الآية فيهن، والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام.
والله أعلم.

نقول :

نستخلص مما سبق ما يلي :

1- أن تخصيص " أهل البيت " في الآية بالخمسة أصحاب الكساء قد ورد عن عائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري

2- أن ابن عباس وعكرمة ذهبا إلى أن " أهل البيت " هم زوجات النبي خاصة

نقول : هذا زعم سندحضه - إن شاء الله - في القسم الأخير من البحث




بيان انعقاد الإجماع على أن " أهل البيت " هم أصحاب الكساء دون غيرهم

قد استعرضنا خلال البحث أقوال عدد من علماء القوم الذين تبنوا التخصيص كالسيوطي وابن حجر ونضيف أيضا


10- الآجري

الشريعة للآجري [4 /378]
باب ذكر قول الله عز وجل إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قال محمد بن الحسين رحمه الله : هم الأربعة الذين حووا جميع الشرف ، وهم : علي بن أبي طالب ، وفاطمة ، والحسن والحسين رضي الله عنهم

11- الطحاوي

مشكل الآثار للطحاوي [2 /269]
فدل ما روينا في هذه الآثار مما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة مما ذكر فيها لم يرد به أنها كانت ممن أريد به مما في الآية المتلوة في هذا الباب ، وأن المرادين بما فيها هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين عليهم السلام دون من سواهم

12- الطبري

ذخائر العقبى [ص 21]
في بيان ان فاطمة وعليا والحسن والحسين هم أهل البيت المشار إليهم في قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وتجليله صلى الله عليه وسلم إياهم بكساء ودعائه لهم

وقد نفى أحمد بن حنبل - في رواية عنه - كون نساء النبي من أهل بيته

13- أحمد بن حنبل

الفتاوى الكبرى [2 /356]
وأما مثل قوله : " وعلى آل محمد " وقوله في الأخرى " وعلى أزواجه وذريته " فلا ريب أنه قال هذا تارة ، وهذا تارة ؛ ولهذا احتج من احتج بذلك على تفسير الآل [ أي آل محمد ] ، وللناس في ذلك قولان مشهوران : أحدهما : إنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة ، وهذا هو المنصوص عن الشافعي وأحمد ، وعلى هذا ففي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن أحمد : إحداهما : لسن من أهل بيته ، وهو قول زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في صحيحه عنه .


وقد نقل هذا الإجماع صاحب كتاب جناية الأكوع ...

جناية الأكوع [1/125]
وقد أجمعت امهات كتب السنة وجميع كتب الشيعة على أن المراد بأهل البيت في آية التطهير النبي {صلى الله عليه وسلم} وعلي وفاطمة والحسن والحسين ؛ لأنهم الذين فسر بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المراد بأهل البيت في الآية، وكل قول يخالف قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بعيد أو قريب مضروب به عرض الحائط، وتفسير الرسول {صلى الله عليه وسلم} أولى من تفسير غيره ؛ إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربه



دحض الشبهات والحجج الواهية التي احتجوا بها

ذكرنا فيما مضى من البحث أن الإجماع قد انعقد أن المقصود بأهل البيت في الآية الشريفة هم الخمسة أصحاب الكساء دون من سواهم من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم

أما النواصب ومن لف لفهم فقد استدلوا بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت سنتناولها تفنيدا وتمحيصا حتى يكتمل بحثنا إن شاء الله تعالى ...

فنقول ...

تركزت شبهات القوم في النقاط التالية :

1- أن عبد الله بن عباس وزيد بن أرقم قد ذهبا إلى أن نساء النبي من أهل البيت

2- أن السياق قبل الآية وبعدها ظاهر في أن نساء النبي داخلات في أهل البيت

3- أن نساء الرجل من أهله في المصطلح اللغوي


وسنتناول هذه النقاط بالتفصيل إن شاء الله تعالى


1- قول عبد الله بن عباس وزيد بن أرقم

أولا : رواية زيد بن أرقم


يلاحظ أن رواية زيد بن أرقم فيها من التناقض ما فيه

فلا يصح أن يُحتج برواية زيد بن أرقم


فقد جاء قول زيد بن أرقم في صحيح مسلم


صحيح مسلم [12 /134]
فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة قال نعم

وفي ذات الرواية أيضا ...

صحيح مسلم [12 /134]
فقلنا من أهل بيته نساؤه قال لا وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده

فمن جهة نرى زيد بن أرقم ينص على أن " نساء النبي " من أهل بيته ثم من جهة أخرى ينفي ذلك ...

فإن قيل : فأي القولين أصح ؟

قلنا : روايات النفي أكثر كما صرح النووي في شرح مسلم

شرح النووي على مسلم [8 /151]
وأما قوله في الرواية الأخرى : ( نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة ) قال : وفي الرواية الأخرى : فقلنا : ( من أهل بيته نساؤه قال : لا ) فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض ، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال نساؤه لسن من أهل بيته

فإن قيل : أين الدليل على هذا الإدعاء ؟

قلنا : هذه الروايات ...

مصنف ابن أبي شيبة [3 /104]
حدثنا ابن فضيل عن أبي حيان عن يزيد بن حيان قال انطلقت أنا وحصين ابن عقبة إلى زيد بن أرقم فقال له يزيد وحصين من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته قال لا ولكن أهل بيته من حرم الصدقة عليه فقال له حصين ومن هم قال هم آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل فقال له حصين على هؤلاء تحرم الصدقة قال نعم.

المعجم الكبير للطبراني [5 /110]
حدثنا محمد بن حيان المازني ، حدثنا كثير بن يحيى ، حدثنا حيان بن إبراهيم ، حدثنا سعيد بن مسروق ، أو سفيان الثوري ، عن يزيد بن حيان ، عن زيد بن أرقم ، قال : دخلنا عليه ، فقلنا : لقد رأيت خيرا ، أصحبت أصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصليت خلفه ، قال : لقد رأيت خيرا ، وخشيت أن أكون إنما أخرت لشر ، ما حدثكم فاقبلوا ، وما سكت عنه فدعوه ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بواد بين مكة والمدينة ، فخطبنا ، ثم قال : أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم اثنين أحدهما كتاب الله فيه حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة ، وأهل بيتي ؟ أذكركم الله في أهل بيتي ، ثلاث مرات ، فقلنا : من أهل بيته نساؤه ؟ قال : لا ، إن المرأة قد يكون يتزوج بها الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وأمها ، أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده ، آل علي ، وآل العباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل .

فإن قيل : لكن أكثر طرق الرواية فيها إيجاب لا نفي زيد بن أرقم كما في النسائي وغيره

قلنا : يجب الرجوع للمخطوطات فهذا تعارض واضح في الرواية


بل إن ابن تيمية نفسه يؤكد " نفي " زيد بن أرقم كما في فتاواه


الفتاوى الكبرى [2 /356]
وللناس في ذلك قولان مشهوران : أحدهما : إنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة ، وهذا هو المنصوص عن الشافعي وأحمد ، وعلى هذا ففي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن أحمد : إحداهما : لسن من أهل بيته ، وهو قول زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في صحيحه عنه .

ثانيا : رواية عبد الله بن عباس

جاءت رواية ابن عباس من طريق عكرمة مولاه وسعيد بن جبير

أما طريق عكرمة فأخرجه ابن عساكر في تاريخه وابن كثير نقلا عن ابن أبي حاتم

تاريخ دمشق [69 /150]
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين بن النقور أنا أبو طاهر المخلص نا عبد الله بن محمد بن زياد نا علي بن حرب نا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد عن زيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قال نزلت في أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خاصة قال عكرمة ومن شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم )

تفسير ابن كثير [6 /410]
وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.


نقول : هذا طريق لا يصح وأفضل أحواله أن يكون حسنا لا صحيحا لعلل

أولها : الحسين بن واقد ثقة لكن له أوهام

وقد ذكره في الضعفاء العقيلي وغيره

ثانيها : زيد بن الحباب صدوق يخطئ ومثله يكون حسن الحديث لا صحيحه

فبمثل هذا لا يعارض به الأحاديث الصحيحة الثابتة عن أم سلمة وعائشة وسعد وغيرهم الناصة على أن أصحاب الكساء هم أهل البيت دون غيرهم فضلا عن أن تكون الآية خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وأما طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس

أخرجه الثعلبي في تفسيره كما في نسختي من تفسير الكشف والبيان

الكشف والبيان [11 /129]
أخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن الحسن بن علي بن عفان قال : أخبرني أبو يحيى، عن صالح بن موسى عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أنزلت هذه الآية : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية في نساء النبي صلى الله عليه.

نقول : هذا سند ضعيف

فيه صالح بن موسى الطلحي المتروك بالاتفاق

وبهذا يسقط احتجاج القوم بهاتين الروايتين لزيد بن أرقم وعبد الله بن عباس


2- الاحتجاج بالسياق

لعل هذا هو أقوى حجة لدى القوم في زعمهم أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم داخلات في آية التطهير

ولكن يدفع هذا الاحتجاج عدة أمور :

أولها ... أن آية التطهير قد نزلت مستقلة بدلالة حديث الكساء فالاستدلال بالسياق باطل بلا شك

ثانيها ... أن السياق ليس بحجة في كل الأحوال

فالقرآن مليء بآية مدنية وسط آيات مكية والعكس كذلك

وبآية في موضوع وسط آيات تتحدث عن أمر آخر


ولعل خير مثال على ذلك هي الآية في سورة النمل :

بسم الله الرحمن الرحيم


وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)

[النمل: 89 - 91]

يُلاحظ أن الآيات ما قبلها وما بعدها تتحدث عن يوم القيامة أما الآية ذاتها فهي عن قدرة الله وإتقان صنعه سبحانه ، فهذا سياق لا يُحتج به للتباين بين الآيات ووجود سبب للنزول يخالف الآيات الأخريات ...

3- المعنى اللغوي للأهل

وهذا مدفوع بأمور :

لا يدعي عاقل أن زوجة الرجل ليست من أهله اصطلاحا

لكن مصطلح " أهل البيت " في الآية هل يعادل الأهل ؟

يجب أولا معرفة أي بيت هو ذلك " البيت " المقصود ... عندها نعرف أهل ذلك " البيت "

فنقول : نلاحظ في حديث الكساء أن البيت المقصود في الآية هو بيت أم سلمة و " أهل البيت " هم المتواجدون فيه في ذلك الوقت ...

فإن قيل : بهذا تكون أم سلمة من " أهل البيت "

قلنا : لا ... فالرواية تدل على أنها كانت خارج البيت

مصنف ابن أبي شيبة [7 /501]
فقال : تنحي لي عن أهل بيتي ، فتنحت في ناحية البيت

المعجم الكبير للطبراني [17 /158]
فقلت وأنا عند عتبة الباب: يا رسول الله، وأنا معهم؟

ثم إن عممنا وقلنا - جدلا - أن زوجات النبي صلى الله عليه وآله من " أهل البيت " فإن استثناء النبي - كما في حديث الكساء - يدفع هذا التعميم فدفعه أم سلمة وجذبه الكساء من يدها - كما بينا في دلالات حديث الكساء - دال بكل وضوح على التخصيص فهذا استثناء للفظ للغوي دلت عليه السنة ...

وقبل الختام لا بأس بذكر شواهد قطعية على تخصيص أهل البيت بالخمسة أصحاب الكساء ...

الشاهد الأول : قول أهل البيت عامتهم بأنهم المقصودون في الآية الشريفة

1- قول أمير المؤمنين عليه السلام

رواه ابن الأعرابي بسند صحيح :

معجم ابن الأعرابي [4 /431]
نا أبو رفاعة ، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، نا إبراهيم بن مهدي ، عن عيسى بن يونس ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : قال علي : ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد الله فغلبه

فكيف خرج الزبير وابنه عن منهج أهل البيت وعبد الله بن الزبير خالته زوجة النبي عائشة بنت أبي بكر ، فهو منها وهي منه ؟

2- قول الإمام الحسن عليه السلام

المعجم الكبير للطبراني [3 /157]
حدثنا محمود بن محمد الواسطي ، حدثنا وهب بن بقية ، أنا خالد ، عن حصين ، عن أبي جميلة ، أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه حين قتل علي رضي الله تعالى عنه استخلف ، فبينما هو يصلي بالناس إذ وثب عليه رجل ، فطعنه بخنجر في وركه ، فتمرض منها أشهرا ، ثم قام على المنبر يخطب ، فقال : " يا أهل العراق اتقوا الله فينا ، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذي قال الله عز وجل : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب : 33 ] " ، فما زال يومئذ يتكلم حتى ما يرى في المسجد إلا باكيا.

3- قول الإمام الباقر عليه السلام

حجة الوداع لابن حزم [1 /303]
حدثنا حمام ، حدثنا الباجي ، عن ابن خالد ، عن الكشوري ، عن الحذاقي ، عن عبد الرزاق ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، أنه ذكر حديث ابن مسعود هذا لأبي جعفر محمد بن علي ، فقال : أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع .

الشاهد الثاني : لم يرد احتجاج من نساء النبي بالآية المذكورة في حقها

في مقابل استدلال الأئمة بالآية الشريفة ، لم ترد رواية واحدة إطلاقا على استدلال إحدى نساء النبي بالآية على فضلها

وهذا إن دل فإنما يدل على قناعتهن التامة أنهن لسن المقصودات بالآية




ختاما، وبهذا كله ، يتضح بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة بالأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة أن آية التطهير قد نزلت في أصحاب الكساء خاصة وأنهم المعنيين بها دون غيرهم

هذا ، وصلى الله على رسوله والأئمة الميامين من آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وسلم تسليما كثيرا




____

رد على اشكال:

جئت زميلنا المحترم برواية البيهقي وكان الأولى بك أن تأتي برواية الحاكم في مستدركه

فالحاكم هو شيخ البيهقي وسنده أولى بالاستدلال

هذا إن كنت تريد الحق وتبحث عن الحقيقة ...

المستدرك على الصحيحين للحاكم [8 /220]
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، ثنا شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة رضي الله عنها ، أنها قالت : في بيتي نزلت هذه الآية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، أجمعين فقال : « اللهم هؤلاء أهل بيتي » قالت أم سلمة : يا رسول الله ، ما أنا من أهل البيت ؟ قال : « إنك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق » « هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه »

وهذه رواية البيهقي

السنن الكبرى للبيهقي [2 /150]
(اخبرنا) أبو عبد الله الحافظ غير مرة وابو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمى من اصله وابو بكر احمد بن الحسن القاضى قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن مكرم ثنا عثمان بن عمر ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن شريك بن ابى نمر عن عطاء بن يسار عن ام سلمة قالت في بيتى انزلت (انما يريد الله ليذهب عكم الرجسن اهل البيت ويطهركم تطهيرا) قالت فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلى والحسن والحسين فقال هؤلاء اهل بيتى وفى حديث القاضى والسمى هؤلاء اهلي قالت فقلت يا رسول الله اما انا من اهل البيت قال بلى ان شاء الله تعالى * قال أبو عبد الله هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته

أقول ...

إسناد الروايتين متطابق من عثمان بن عمر إلى أم سلمة

والمتن متطابق تماما ... سوى ذيل الرواية !!!

ففي رواية الحاكم نرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول " بلى " إطلاقا بل على النقيض ...

فمن يا ترى أقحم موافقة النبي إقحاما في روايتك ؟؟

ثم ألم تجد إلا رواية البيهقي لكي تحتج بها !!!

ألم تر جذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكساء من يد أم سلمة في أحد طرق الخبر !!!

سؤالنا أخي المحترم هو كما يلي ...

لماذا تركت روايات الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة والحاكم وأتيت لرواية البيهقي والبغوي وهما متأخران عمن سبقهما ممن روى حديث الكساء ؟

وكيف توفق بين جذب النبي للكساء من يد أم سلمة وقوله لها " مكانك أنت إلى خير " وبين قولها " بلى " فيما استدللت به ؟