وهذا سؤال طالما ردّده البعض: ما الفائدة من إمام غائب؟

والإمامة يا أخي كالنبوة لطف من الله تعالى بخلقه، ودعوة منه تعالى لهم إلى سبيل الرشاد، لتكون له عليهم الحجة (فلله الحجة البالغة) هذا بالنسبة له تعالى. وبالنسبة للنبي أو الإمام فعليه القيام بأداء الرسالة، وبث التعاليم، ونشر الدين، وإعلاء كلمة الله والدعوة إليه، وعلى الناس، - بعد هذا وذاك - السمع والطاعة، وامتثال قوله، والاهتداء بهديه، والأخذ بتعاليمه وتطبيق مناهجه ونظمه.

فإذا صد الناس النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) عن أداء واجبه واضطروه إلى غيبة أو نحوها، فقد خالفوا واجبهم، وتركوا ما أمروا به، وليس على النبي أو الإمام - حينذاك - بأس (وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين) لأنهم صدوه، وحالوا بينه وبين أداء رسالته، ونشر تعاليمه، فعليهم يقع اللوم، وعلى عاتقهم تقع المسؤولية.

ومع هذا فغيبته (عليه السلام) لم تخل من مصلحة للأمة، وفائدة للمسلمين.. ولا ضير على الأمة إذا غاب عنها وجه المصلحة والفائدة المترتبة على هذه الغيبة شأن أمور كثيرة من أمور الدين لم نزل نجهل الغاية منها، والفائدة المترتبة عليها، ومع هذا فهناك مجال للعقل أن يستوحي بعض الفوائد من غيبته (عليه السلام)، وقد سأل جابر بن عبد الله الأنصاري النبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟

فقال (صلى الله عليه وآله): أي والله الذي بعثني بالنبوة، إنّهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب(1).


ونعود فنسجل بعض فوائد هذه الغيبة:


1 - الفوائد المترتبة على غيبة الأنبياء (عليهم السلام) لأممهم تترتب على غيبته (عليه السلام).


2 - أجمع أهل القبلة - خلا المعتزلة والخوارج - على وجود الخضر (عليه السلام) وبقائه عبر القرون المتطاولة، والأجيال المتعاقبة، ونحن نجهل الفائدة لكثير من الأمور العبادية وغيرها، وهاهي طقوس الحج - من الإحرام والطواف والسعي والتقصير ورمي الجمار وذبح الفداء والحلق - من الأمور الغيبية التي لم نهتد إلى الغاية منها، والفائدة المترتبة عليها.


3 - فيها اختبار للمسلمين وتمحيص للمؤمنين، وليس هذا الاختبار والتمحيص ببعيد عن ملة الإسلام، بل عليه شواهد كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)(2).

وقال تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)(3).

• وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لابد من فتنة تبتلى بها الأمة بعد نبيها ليتعين الصادق من الكاذب، لأن الوحي قد انقطع وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة(4).


• وقال (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي سيفتنون بأموالهم ويمنّون بدينهم على ربهم، ويتمنّون رحمته، ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية؛ فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع.

قلت: يا رسول الله فأي المنازل أنزلهم، منزلة ردّة أم منزلة فتنة؟

فقال (صلى الله عليه وآله): بمنزلة فتنة(5).


• وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ولكن الله جل وعز يختبر عبيده بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل من أنفسهم، وليجعل ذلك أبواباً إلى فضله، وأسباباً ودليلاً إلى عفوه، كما قال الله (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)(6).

ولقد اختبر الله المسلمين الأولين بالهجرة تارة، وبالحرب أخرى، وبالانتصار مرة، وبالانتكاسة ثانية، ولو شاء أن يجعل لهم النصر في كل ذلك لفعل، لكنه الاختبار، لكنه التمحيص، لكنها الفتنة، وأختبر الله من جاء بعدهم - من التابعين وتابعيهم - أن يعيشوا وأئمتهم (عليهم الصلاة والسلام) في اضطهاد وقتل وحبس وتشريد، وما أعظم النكبة عليهم وهم يشاهدون موسى بن جعفر (عليه السلام) - مثلاً - في السجن، والأمر تملكه النسوان والخدم.

واختبرنا الله جل شأنه بغيبة إمامنا (عليه السلام)، وفقدان قائدنا، ليتبين ثباتنا على المبدأ وتمسكنا بالإسلام.


4 - وليست محن الحياة الكثيرة، ورزاياها المتعددة، وأدوار العسر والشدة، وجميع مكاره الحياة إلاّ تكميلاً للنفوس، وصقلاً للصفات الخيرة في الإنسان، ليخرج منها بانقطاع نحو الله تعالى، وتوجه إليه جل شأنه، ومصيبتنا في غيبة إمامنا (عليه السلام) لا تعدو أن تكون من هذه المصائب إن لم تكن أعظمها، وهي مدعاة للتوجه نحو الله تبارك وتعالى والانقطاع إليه لنصرة الحق، وإصلاح المجتمع، وتعجيل الفرج، وفي هذا ما فيه من تكميل للنفوس، وتهذيب للصفات. وإصلاح للغرائز.

الهوامش:

1 - إكمال الدين : ج 1 ص 316.

2 - سورة العنكبوت : الآية 3.

3 - سورة آل عمران: الآية 179.

4 - تفسير الصافي : ص 363.

5 - تفسير الصافي : ص 364.

6 - تفسير البرهان : ج 3 ص 243.