يقول ابن الأمير الصنعاني في كتابه "ثمرات النظر" ص125 - 130 في النقطة التاسعة من نتائج بحثه ، ما نصه :
( التاسعة : كلام الأقران والمتضادين في المذاهب والعقائد لا ينبغي قبوله ، فقد فتح باب التمذهب عداوات وتعصبات قلَّ من سلم منها إلا من عصمة الله.

قال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد ابن عبد الله بن أبي نعيم ما لفظه : كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به ، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة ، أو لمذهب ، أو لحسد ، لا ينجو منه إلا من عصمه الله ، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك ، سوى النبيين والصديقين ، فلو شئت لسردتُ لك من ذلك كراريس . انتهى .

وهذا كلام الذهبي ونصه ، وقد عيب عليه ما عابه عليه [على] غيره . قال ابن السبكي في الطبقات ـــ نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي ـــ ما لفظه : الشيخ شمس الدين الذهبي لا شك في دينه وورعه وتحريه فيما يقول ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم لأحد منهم أطنب في محاسنه ، وتغافل عن غلطاته ، وإذا ذكر أحدا من أهل الطرف الآخر ، كالغزالي ، وإمامه الجويني ، لا يبالغ في وصفه ، ويُكثر من أقوال من طعن فيه ، وإذا ظفر لأحدهم بغلطة ذكرها . وكذا في أهل عصرنا إذا لم يقدر على التصريح ، يقول في ترجمته : والله يصلحه ، ونحو ذلك . وسببه : المخالفة في العقيدة .انتهى .

قال ابن السبكي : وقد وصل ــ يريد الذهبي ــ من التعصب وهو شيخنا إلى حد يُسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين ، والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي في ذم أشعري ، ولا مدح حنبلي !.

وأقول : الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان إمامان كبيران ، والذهبي إمام كبير الشأن حنبلي المذهب ، وبين هاتين الطائفتين في العقائد وفي الصفات وغيرها تنافر كلي ، فلا يقبلان عليه تعين [بعين] ما قالاه .

وقال ابن السبكي : قد عقد ابن عبد البر باباً في حكم قول العلماء بعضهم في بعض ، بدأ فيه بحديث الزبير : "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء" .
قال ابن السبكي : وقد عيب على ابن معين كلامه في الشافعي وتكلمه في مالك بن أبي ذئب وغيره .

قلت : إذا كان الأمر كما سمعت ، فكيف حال الناظر في كتب الجرح والتعديل ، وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد حتى إنه يوصف الرجل بأنه حجة ، أو يوصف بأنه دجال باعتبار اختلاف حال الاعتقادات والأهواء !.
فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث : الجرح والتعديل ، فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد ! ! ، ثم ما بعد قول ابن السبكي : إنه لا يقبل قول الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري !!.
وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه ، ولكن الحق أنه لا يُقبل على الذهبي بما ذكره هو ، وبما ذكره الذهبي ؛ أنهم لا يقبلون الأقران بعضهم على بعض .
ثم إن كان مرادهم بالأقران : المتعاصرون في قرن واحد ، والمتساوون في العلوم ، فهو مشكل ! لأنه لا يعرف حال الرجل إلا من عاصره ، ولا يعرف حاله من بعده ، إلا بأخبار من قارنه .
إن أُريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم ، ولا يعرف أولي الفضل إلا ذوو الفضل ، فالأولى إناطة ذلك لمن يعلم أن بينهما تنافسا أو تحاسدا ، أو شيئا يكون سببا لعدم الثقة لقبول بعضهم في بعض ، لا لكونه من الأقران ، فإنه لا يعرف عدالته ولا جرحه إلا من أقرانه .
وأعظم ما فرَّقَ بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها ، فليحذر عن قبول المختلفين فيها بعضهم في بعض قبل البحث عن سبب القدح والتثبت في صحة نسبته إليه ، وأعون شيء على معرفة ذلك في هذه الأعصار البحث في كتب الرجال المتعددة المختلف مؤلفوها ، وسنقرر آخراً ما يكشف هذه الغمة !. انتهى بحروفه.



فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث : الجرح والتعديل ، فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد ! ! ،
ساعدك الله يا صنعاني .!

وفعلاً .. إذا كانت هذه أفاعيل عليتهم ، فما بالك بأصاغرهم !!


مرآة التواريخ ،،،