بسم الله الرحمن الرحيم

أيها المؤمن؛ من هو إمام زمانك؟


إن من الواجبات الدينية التي أكدت عليها النصوص الإسلامية: معرفة المؤمن بإمام زمانه والتعهد له بالطاعة والانقياد.. ويستفاد من النصوص الإسلامية الصحيحة عند السنة والشيعة أن من لم يكن كذلك كان عند الله ككفار الجاهلية، أي أن الله تعالى لا يقبل منه أعماله التي عملها وهو يدعي الإسلام والإيمان، بل يجعله بمثابة الكفار الذين لا تقبل منهم أعمالهم.

وفيما يلي نتعرف على بعض النصوص الدالة على ذلك في كتب أهل السنة وكذا كتب الشيعة.

أولاً في كتب أهل السنة:
روى مُسلم في الصحيح بسنده عن عبد الله بن عمر قال:
سمعت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (من خَلَعَ يدًا من طاعة لقيَ الله يوم القيامة لا حجَّةَ له، ومَن مَات وليس في عُنُقه بَيعَةٌ مَات ميتةً جاهليَّةً) .
انظر: صحيح مسلم (6/22) دار الفكر ـ بيروت . ورواه بهذا اللَّفظ البيهقيُّ في السنن الكبرى (8/156) دار الفكر ـ بيروت .

وروى أحمدُ بن حنبل في مسنده عن معاوية بن أبي سفيان ، قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة) .
انظر: مسند أحمد (4/96) دار الصادر ـ بيروت .
ورواه الطبرانيُّ عن معاوية أيضًا بلفظ: (من مات وليس عليه إمامٌ مات ميتةً جاهليَّةً) .
انظر: المعجم الأوسط للطبراني (6/70) دار الحرمين.
ورواه بهذا اللَّفظ أبو يعلى في مسنده (13/366) دار المأمون ، دار الثقافة العربية . وعن أبي يعلى ابنُ حبان في صحيحه (10/434) مؤسسة الرسالة ـ بيروت . وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (5/225) وقال: وفيه العباس بن الحسن القنطري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح . وردَّ عليه الألباني في تعليقته على كتاب السُّنَّة لابن أبي عاصم (ص490) قائلاً: >الظاهر أنَّه العباس بن الحسين ـ مُصغَّرًا ـ القنطري، وهو ثقة من شيوخ البخاري.
ورواه باللَّفظ نفسه ابنُ أبي عاصم في كتاب السُّنَّة عن أبي هريرة أيضًا.
انظر: كتاب السنَّة لابن أبي عاصم (ص489) المكتب الإسلامي ـ بيروت . وقال الألباني في تعليقته: إسناده حسن، ورجاله ثقات، على ضعف يسير في عاصم وهو ابن أبي النجود وأبي بكر بن عياش.

ورواه أحمد بن حنبل في المسند عن عامر بن ربيعة، قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : (من مات وليست عليه طاعةٌ ماتَ ميتةً جاهليَّة، فإن خلعها من بعد عقدها في عنقه لَقِيَ الله تبارك وتعالى وليست له حُجَّة) .
انظر: المسند لأحمد بن حنبل (3/446) دار صادر ـ بيروت . ورواه أيضًا ابنُ الجعد في مسنده (ص330) دار الكتب العلمية ـ بيروت . وابنُ أبي شيبة في المُصنَّف (8/605) دار الفكر ـ بيروت.

ورواه الطبراني بسنده عن فضالة بن عبيد، قال:
عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (ثلاثةٌ لا يُسأل عنهم: رجلٌ فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا، وعبدٌ أو أمةٌ أَبَقَ من سيِّده، وامرأةٌ غابَ عنها زوجُها وقد كفاها مؤونة الدنيا فتزوجت بعده، فلا يسأل عنهم) .
انظر: المعجم الكبير للطبراني (18/306) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت . وعنه الهيثمي في المجمع (5/221) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنَّة (ص490) ، وقال الألباني في حاشيته على كتاب السنَّة: إسناده صحيح. ورواه أحمد في المسند (6/19) دار صادر ـ بيروت . والحاكم في المستدرك (1/206) دار الكتب العلمية ـ بيروت . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

ورواه ابن أبي شيبة بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال:
عن أبي سعيد الخدري، قال: إياكم وقتال العميَّة وميتة الجاهلية. قال: قلت: ما قتال العميَّة؟ قال: إذا قيل: يا لفلان، يا بني فلان. قال: قلت: ما ميتة الجاهليَّة؟ قال: أن تموت ولا إمامَ عليك.
انظر: المصنَّف لابن أبي شيبة (8/598) دار الفكر ـ بيروت .

ثانياً في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام:
وسنقتصر على الأحاديث الصحيحة والمعتبرة سنداً في مصادر الإمامية روماً للاختصار.

روى الشيخ الكليني ـ رحمه الله ـ في كتاب الكافي بسنده عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال:
(مَنْ مَاتَ لا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) .
انظر: الكافي للكليني (1/377) .

وروى الحميري ـ رحمه الله ـ في كتاب قرب الإسناد بسنده عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال:
(مَنْ مَاتَ وَلَيسَ عَلَيه إِمَامٌ حَيٌّ يَعْرِفُهُ، مَاتَ ميتةً جَاهليَّةً) .
انظر: قرب الإسناد للحميري (ص351) .

وروى الشيخ الكليني ـ رحمه الله ـ في كتاب الكافي بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:
(كُلُّ مَنْ دَانَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ وَلا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ، فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَهُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ، وَاللَّهُ شَانِئٌ لأَعْمَالِهِ) .
انظر: الكافي للكليني (1/183) .

وروى الشيخ الكليني ـ رحمه الله ـ في كتاب الكافي بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:
(أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَامَ لَيْلَهُ، وَصَامَ نَهَارَهُ، وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَحَجَّ جَمِيعَ دَهْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ وَلايَةَ وَلِيِّ اللَّهِ فَيُوَالِيَهُ وَيَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلالَتِهِ إِلَيْهِ، مَا كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ حَقٌّ فِي ثَوَابِهِ، وَلا كَانَ مِنْ أَهْلِ الإِيمَان) .
انظر: الكافي للكليني (2/19) .

وروى الشيخ الكليني ـ رحمه الله ـ في كتاب الكافي بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام:
(فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام: 122] فَقَالَ : مَيْتٌ لا يَعْرِفُ شَيْئاً، ونُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ إِمَاماً يُؤْتَمُّ بِهِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها قَالَ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْإِمَامَ.
انظر: الكافي للكليني (1/ 185) .

ومن مجموع ما اطلعنا عليه من كتب الفريقين، نستطيع أن نقول بأن (لزوم معرفة الإمام وتوقف النجاة على ذلك) هو أمر اتفق على روايته الفريقان، وقد صحت أسانيد ذلك عندهما، وهي متعددة، وفي ضوء ذلك نقول بأن هذا المضمون متواتر، أي إنه بلغ مرتبة القطع، وتجاوز حد الظن.

ثالثاً فقه الأحاديث الشريفة في هذا الموضوع:
1 ـ يستفاد من هذه النصوص لزوم معرفة الإمام، وأن غير العارف بإمامه يموت ميتة جاهلية، أي يكون ككفار الجاهلية لا يستحق ثواباً على عمل صالح عمله.

2 ـ يستفاد من هذه النصوص أن لكل زمان إماماً، فقد لاحظنا ـ في الإطار السني ـ عبارة : (وليس عليه إمام) ، وفي الإطار الشيعي عبارة : (إمام حي) ، وغير ذلك من التعابير التي تدل على أن المقصود بالإمام هو الإمام الحي الذي يباشر مهام الهداية.

ولو كان المقصود بالإمام أي إمام ولو كان قد توفي، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله هو إمام جميع المسلمين، فستكون هذه الأحاديث بغير معنى، ولن يكون هناك مخالف لهذه الأحاديث إلا المرتد عن الإسلام، ومن الواضح أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بصدد بيان تكليف شرعي خاص يلزم رقاب المسلمين ويخشى عليهم من عدم الالتزام به، وهذا التكليف هو غير الاعتقاد بالنبوة وغير الاعتقاد بمرجعية النبي التي سيذعن لها كل مسلم.

فلو كان المقصود هو الاعتقاد بأي إمام، ولو كان متوفى، فالنبي إمام الجميع، ولن يخرج من الاعتقاد بإمامته إلا من يكفر ويرتد، فهل الحديث في صدد الكلام عن الكفار والمرتدين، أم في صدد الكلام عن المسلمين الذين يخالفون حكماً إسلامياً مهماً يؤدي بهم إلى أن يكون ككفار الجاهلية؟
ولو كان الحديث بصدد الكلام عن الكفار لكان في صدد توضيح الواضحات، فكأنه يقول: من مات كافراً فقد مات ميتة كفار الجاهلية..!

فهل هذا المعنى يحتاج إلى بيان وتوضيح؟

فيتبين من ذلك أن الحديث ليس بصدد التأكيد على إمامة أي إمام ولو كان قد توفي، وإلا للزم المحذور المذكور، بل بصدد الكلام عن إمام حي يرزق، وعلى المكلف أن يتعرف عليه، ويتعهد بأن يكون مطيعاً له منقاداً لإمرته.

ولاحظ أن بعض الأحاديث قرنت معرفة الإمام بالطاعة وبالجماعة، وهذا يعني أن الكلام عن إمام موجود بالفعل يتولى زمام الهداية والقيادة للجماعة الصالحة.

وهناك نصوص إسلامية أخرى عديدة تؤكد على هذا المعنى، مثل حديث الثقلين الذي نص غير واحد من علماء أهل السنة بأنه يدل على وجود إمام حي من أهل البيت في كل زمان ليتولى أمر الهداية.

3 ـ إن هذه النصوص تدل على أن معرفة الإمام هي من أهم المسائل الدينية، وكما يعبر عنه: من أصول الدين؛ لأن معنى أن تكون المسألة من أصول الدين: أن تكون معياراً للتفريق بين أهل الجنة وأهل النار، وأن تكون أساساً لقبول الأعمال والعبادات.

4 ـ إن الإمام الذي تتحدث عنه هذه النصوص لا بد أن يكون في منزلة عظيمة جداً في القرب من الله تعالى؛ لأن من يكون التعرف عليه والارتباط به معياراً لقبول الأعمال ودخول الجنة، فلا بد أن يكون شخصاً عظيماً جداً في علمه وفي أخلاقه وفي انضباطه بصورة عامة.

وفي ضوء ذلك ندرك أنه لا يمكن أن يكون المقصود بالأئمة في هذه الأحاديث الحكام الظالمين الذي يتولون السلطة في البلاد ويتحكمون ـ بغير حق ولا شرعية ـ بمصير العباد.

وهل من الحكمة والعدالة أن يجعل الله أعمال الصالحين والأبرار غير مقبولة لمجرد أنهم لم يعرفوا أو لم ينصاعوا لطاعة فرعون من الفراعنة؟!

5 ـ إن تحديد ومعرفة إمام الزمان، يلزم أن يتحقق في ضوء الأدلة الصحيحة أيضاً، فليس من الحكمة أن يؤسس الله حكماً بهذه الأهمية، أقصد لزوم معرفة الإمام في كل زمان، ويجعل معرفته أساساً للنجاة واستحقاق المثوبة ودخول الجنة، ومع ذلك يكل عملية تحديد وتشخيص هذا الإمام إلى العباد أنفسهم، بل لا بد أن يتولى الله تعالى تحديد الإمام والتعريف به.

وإلا فإن التجربة أثبتت أن الناس لا يختلفون في شيء كاختلافهم في تحديد الزعماء والقادة والأئمة، وحب الرئاسة والسلطة والجاه يجعل التنافس على أشده بين أهل الدنيا، وأكثر الفتن التي شهدتها الأرض هي بسبب التنافس على السلطة.. ولا شك بأن من ملك الزعامة الدينية فإنه يملك الزعامة الدنيوية؛ لأن الدين هو الذي يحدد كل المسارات حتى الدنيوية منها.

وأما الشورى فبالرغم من أنها أمر عقلائي مؤيد من قبل الدين، إلا أنها لا تجدي في مجال تحديد الزعيم والإمام؛ لأنه لا ضمان بأن يتفق أهل الشورى، وما دام الاختلاف محتملاً جداً، فالفتنة والاقتتال محتمل كذلك، وقد تعارك الصحابة في سقيفة بني ساعدة، حتى قيل في السقيفة: قتلتم سعد بن عبادة..!
فإذا كان جيل الصحابة (رض) لم يستطع أن يطبق الشورى في مجال الإمامة والزعامة، فكيف بغيرهم؟
فينحصر الأمر بين أن يتولى الإمام بالقوة والغلبة، وبين أن يتم تحديده من قبل الله تعالى. ومن الواضح أن الخيار الأول يستلزم محذوراً خطيراً، وهو أن تقع الغلبة لأهل الدنيا وأهل الفسق، والفساد الذي نتج بسبب تولي بني أمية في التاريخ، كان سببه التولي بالغلبة.

فيلزم أن نقول بأن الحكمة والعقلانية ومصلحة الدين تقتضي أن يتم تحديد إمام الزمان من قبل الله تعالى.

تماماً كما يتم تحديد الأنبياء من قبل الله تعالى.

6 ـ إن الدارس للنصوص الإسلامية التي تضمنتها مصادر الفريقين (السنة والشيعة) يستطيع بسهولة أن يعرف الأئمة الذين حددهم الله تعالى ولم يترك الخيار بأيدي الناس.

فهناك مضمون ديني اتفق على روايته الفريقان يقول إن الخلفاء يتصفون بأنه راشدون مهديون أصحاب سنة يجب اتباعها.

وهناك مضمون ديني آخر متفق عليه بينهما يقول أن الخلفاء اثنا عشر ترتبط بهم عزة الدين ومنعته.

وهناك مضمون ديني آخر متفق عليه يقول بأن هؤلاء الخلفاء من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

وهناك مضمون ديني آخر متفق عليه أيضاً يقول بأن الأمة ستغدر بالإمام علي عليه السلام.

وهناك مضمون ديني آخر متفق عليه بين الفريقين يقول بأن آخر هؤلاء الخلفاء هو المهدي المنتظر.

وهناك العديد من علماء أهل السنة، إضافة إلى إجماع الشيعة الإمامية، صرحوا بأن الإمام المهدي المنتظر قد وُلد وهو الآن حي يرزق.

فهذه المضامين الدينية حين ننظر إليها منضمة بعضها إلى بعض؛ ينتج عندنا أن الأئمة بعد النبي اثنا عشر من أهل بيته، أولهم علي وآخرهم المهدي.

وهو ما يعتقد به الشيعة الإمامية، فإنهم مجمعون على أن الأئمة من أهل البيت عددهم اثنا عشر، ولهم سنة واجبة الاتباع، أولهم علي وآخرهم المهدي المنتظر الذي هو إمام زماننا هذا، وهو حي يرزق.

وهكذا يتبين أن الشيعة الإمامية قد أصابوا الحق في الموضوع.

وثمة تفاصيل وأدلة تركناها، وبعضها أشرنا إليها مجرد إشارة بغيةَ الاختصار.. ولمن أراد التوسع أن يتتبع وأن يطلب الموضوع من مظانه.

والله ولي التوفيق.