السلام عليكم

لو أردنا أن نعمل مقارنة بين نبينا محمد صلى الله عليه وآله والنبي يوسف عليه السلام في مسألة زراعية لوجدنا بوناً شاسعاً بينهما في قضية زراعية ( لا تتعلق بالتشريع ) ، وذلك البون الشاسع ناتج عمّا طرحه القرآن الكريم وعمّا طرحته روايات مروية في كتب الطائفة السنية ، فنجد أن القرآن الكريم يتحدث عن النبي يوسف عليه السلام في قضية تتعلق بحلم حصل لعزيز مصر حيث عبّر يوسف عليه السلام لرؤيا ذلك الملك وقال له ازرعوا سبع سنين متواليات بجد واجتهاد ، فما حصدتموه فاتركوه في سنابله لئلا يهلك وادّخروه إلا ما لابدّ منه لتموين البلاد ، ثم يأتي من بعد ذلك سنين صعاب من القحط يأكلن ما ادّخرتم لهنّ إلا قليلاً مما تحرزون وتدخرون للبذر والزراعة ، وإذا واظبتم على هذه الخطة فحينئذ لا خطر يهددكم لأنه يأتي بعد تلك السنين عام فيه يمطر الناس وفيه يعصرون الثمار ، وأما النبي محمد صلى الله عليه وآله فهو لا يعرف كيف يعالج قضية أقل من تلك القضية ، فهو والعياذ بالله يجهل أصول الزراعة وسبّبت استشارته في هكذا موضوع من الأمور الدنيوية خسارة فادحة لمن استشاروه ، ثم بعد ذلك يأسف ويعلّل أسفه بأنه ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ،

فقد روى مسلم في صحيحه :

141 - ‏(‏2363‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد‏.‏ كلاهما عن الأسود بن عامر‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ حدثنا الأسود بن عامر‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة‏.‏ وعن ثابت، عن أنس؛
أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون‏.‏ فقال ‏"‏لو لم تفعلوا لصلح‏"‏ قال فخرج شيصا‏.‏ فمر بهم فقال ‏"‏ما لنخلكم‏؟‏ ‏"‏ قالوا‏:‏ قلت كذا وكذا‏.‏ قال ‏"‏أنتم أعلم بأمر دنياكم‏"‏‏.
http://al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=138&CID=143

نعم هكذا رووا وأنزلوا من مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورتبوا على هذا آثاراً عقائدية ، منها أن النبي صلى الله عليه وآله لا يتدخل إلا في أمور الدين ، وأنه لا يفهم ولا يفقه شيئاً من أمور الدين ، وقالوا بأن ذلك لا يتنافى مع نبوته ، والحال أن هذا الأمر فيه :

1- أن هذا يعبّر عن منزلة أقل من منزلة النبي يوسف عليه السلام ، والذي وصفه القرآن الكريم بأنه ذلك المخطّط الجهبذ ( إني حفيظ عليم ) .

2- أن النبي صلى الله عليه وآله لا يتدبر عواقب الأمور ، وقد قال الله تعالى ( وأتوا الأبواب من أبوابها ) أي من وجوهها المعدّة لها ، فإفتاؤه لهم بعدم تأبير النخل دخول في أمر من غير بابه ومؤدي إلى عواقب أمور سيئة ، تؤدي إلى نفرة الناس منه ، حيث ألحق بهم خسائر فادحة اقتصادياً.

3- أن ذلك ينسحب على عصمته صلى الله عليه وآله ، إذ كما أخطأ في أمر له علاقة بالناس فإنه سيخطئ في أمر تشريعي له علاقة بالناس فتأمل .
ويمكن للحصيف من المتدبرين أن يكتشف أشياء أخرى في هذا المجال .
إذن نعرف أن الذين رووا هذه الروايات إنما هم يطعنون برسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو مناف لتوقيره وتعزيره الذي أمرنا الله به ، فهل يتعظ المسلمون ويحذفوا هذه الروايات الباطلة الفاشلة التي لا تقيم وزناً لرسول الله صلى الله عليه وآله .



تحاول مدرسة الخلفاء أن تثبت من خلال الروايات التي أشرنا إلى مصدرها آنفاً أن يثبتوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله في أموره الدنيوية ما هو إلا رجل عادي يعتمد الظن في تقرير مصير الأمور ، والحال أن الوحي يرفده في كل الأمور حتى الأمور العائلية ، فمثلاً لو أردنا أن نعطي مثالاً من القرآن الكريم على أمر شخصي بحت لا علاقة له بالتشريع لوجدنا بأن الوحي كان له دور في إطلاع الرسول صلى الله عليه وآله في ما يدور حوله ، فقد قال تعالى في سورة التحريم : ( وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبّات به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض ، فلمّا نبّاها به قالت من أنبأك هذا قال نبّاني العليم الخبير ) ( 3 ) ،
وحينئذ نسأل ما هي الجهة التشريعية المهمة الإجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية التي على أساسها نزل الوحي في هذه القضية ؟ إنها قضية عادية لا ترقى إلى مصاف المسائل المهمة التي تتعلق بالمجتمع ، فهي قضية تتعلق بأمر من أمور الأسرة لا غير ، ومع ذلك فالوحي لم يترك النبي صلى الله عليه وآله وأخبره بما يجري وراء الكواليس ، أفهل يعجز الله تعالى أن يرفد نبيه صلى الله عليه وآله بوحي يسدّده في القضية التي نتحدث عنها ؟

وقال بعضهم : إن النبي يريد أن يعلّم المسلمين قضية أساسية ، وهي أن على الناس أن يبدعوا في أمورهم الدنيوية ويبحثوا ولا يعتمدوا على أشياء جاهزة ، فهم لا بد من أن يقوموا بالتجارب تلو التجارب حتى يعزّزوا من مكانة النشاط الاقتصادي لديهم .
ولكن يمكن الجواب :
إن ترك الأمور الدنيوية للناس يبدعوا ويقوموا فيها بنشاطهم ويخترعوا ويجربوا لا يعني أبداً أن يفعل النبي صلى الله عليه وآله ما يتنافى مع عصمته ويوجب خسارة اقتصادية للمجتمع بسوء رأي غير حصيف ، تماماً كما في مسألة سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة كما تذكر بعض المرويات ،حيث علل سهو النبي في الصلاة لئلا يتخذ رباً أو ليعلّم الناس أحكام السهو ، فإن عدم اتخاذه رباً أو لتعليم الناس أحكام السهو في الصلاة لا يلازم فعل النبي صلى الله عليه وآله ذلك وحصوله منه .