بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين...

تكررت لفظة (رزق) ومشتقاتها في القرآن الكريم في أكثر من 100 آية، وجملة من تلك الآيات أسندت الرزق على وجه الحصر لله سبحانه وتعالى ومنها:

قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (24) سورة سبأ

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } (58) سورة الذاريات

وقوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (12) سورة الشورى

وقوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ} (19) سورة الشورى

وقوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (27) سورة الشورى

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (52) سورة الزمر

وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} (30) سورة الإسراء

وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (151) سورة الأنعام

وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئا كَبِيرًا} (31) سورة الإسراء



* * * * *



وفي قبال الآيات المتقدمة، توجد آيات أخرى تنسب الرزق لغير الله سبحانه وتعالى، منها:

قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} (233) سورة البقرة

وقوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} (8) سورة النساء

وقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (58) سورة الحج

وهذا يدفعنا للتأمل في الآيات الكريمة، حتى نفهمها فهماً صحيحاً بحيث يتم الجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات...

طريقة الجمع:
لا يوجد أي تناقض بين الآيات التي تسند الرزق على جهة الحصر لله تبارك وتعالى، وبين الآيات التي تسند الرزق لبعض المخلوقين، فالآيات من الطائفة الأولى تسند الرزق لله على وجه الاستقلال، أما الآيات من الطائفة الأخرى فتسند الرزق لبعض المخلوقين لا على نحو الاستقلال بل على نحو التبعية...

قال الشيخ الطوسي قدس سره: يعني الله خير من يرزق، وفى ذلك دلالة على أن غير الله قد يرزق بإذنه، ولولاه لم يجز {خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
التبيان ج 7 ص 383

وقال الشيخ الطبرسي قدس سره: {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وفي هذا دلالة على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً، لأنه لو لم يكن كذلك لم يصح أن يقال له سبحانه {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} كما لا يجوز أن يقال أنت خير الآلهة، لمّا لم يكن غيره إلهاً.
تفسير مجمع البيان ج 3 ص 454

وقال أيضاً: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: أفضل من أعطى وآجر. وفي هذا دلالة على أن في العباد من يرزق غيره بإذن الله.
تفسير مجمع البيان ج 7 ص 201

وقال العلامة السيد الطباطبائي قدس سره: والمتحصل من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (58) سورة الذاريات، والمقام مقام الحصر:

أولاً: أن الرزق بحسب الحقيقة لا يُنتسب إلا إليه، فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدّقه أمثال قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (11) سورة الجمعة، حيث أثبت رازقين وعدَّه تعالى خيرهم، وقوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} (5) سورة النساء، كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته، ولغيره بإعطائه وإذنه، فهو الرزاق لا غير.

وثانياً: أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم والله رازقه، ويدل على ذلك مضافاً إلى آيات الرزق -على كثرتها- آيات كثيرة أخر كالآيات الدالة على أن الخلق والأمر والحكم والملك -بكسر الميم- والمشيئة والتدبير والخير لله محضاً عز سلطانه.

وثالثاً: أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعاً محرماً لكونه سبباً للمعصية لا ينسب إليه تعالى، لأنه تعالى نفى نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (28) سورة الأعراف، وقال تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} إلى أن قال: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (90) سورة النحل، وحاشاه سبحانه أن ينهي عن شيءٍ ثم يأمر به، أو ينهي عنه ثم يحصر رزقه فيه. ولا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقاً (بحسب التشريع) وكونه رزقاً (بحسب التكوين) إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحاً، وما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين، وليس البيان الإلهي بموقوف على الأفهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحاً عن التعرض للمعارف الحقيقية، وفي القرآن شفاءٌ لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} (82) سورة الإسراء، على أن الآيات تنسب الملك الذي لأمثال نمرود وفرعون والأموال والزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاءِ الله سبحانه، فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله آتاهم ذلك امتحاناً وإتماماً للحجة وخذلاناً واستدراجاً ونحو ذلك، وهذا كله نسب تشريعية، وإذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح.
تفسير الميزان ج 3 ص 138

وهذا يجري على أمور أخرى:
من قبيل التوفي، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} (42) سورة الزمر فهنا نسب التوفي لله عز وجل، وفي آية أخرى نسب التوفي لملك الموت، {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} (11) سورة السجدة، ومن قبيل الإستعانة، والإشفاء، والخلق، وتدبير الأمر... الخ

قال الشيخ جعفر السبحاني: فمن لمن يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيل لأول وهلة أن بين تلك الآيات تعارضاً غير أن الملمين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أن حقيقة هذه الأمور (أعني الرازقية، والإشفاء...) قائمة بالله على نحو لا يكون لله فيها أي شريك فهو تعالى يقوم بها بالأصالة وعلى وجه "الاستقلال" في حين أن غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده وفعله، فما سواه تعالى يقوم بهذه الأفعال والشؤون على نحو "التبعية" وفي ظل القدرة الإلهية.
وبما أن هذا العالم هو عالم الأسباب والمسببات، وأن كل ظاهرة لا بد أن تصدر وتتحقق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود: ينسب القرآن هذه الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية الله من ذلك، ولأجل ذلك يكون ما تقوم به هذه الموجودات فعلاً لله في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات.
غاية ما في الأمر أن في نسبة هذه الأمور إلى "الموجود الطبيعي نفسه" إشارة إلى الجانب "المباشري" وفي نسبتها إلى "الله" إشارة إلى الجانب "التسبيبي" ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} (17) سورة الأنفال. ففي حين يصف القرآن النبي الأعظم بالرمي، إذ يقول بصراحة {إِذْ رَمَيْتَ} نجده يصف الله بأنه هو الرامي الحقيقي. وذلك لأن النبي إنما قام بما قام بالقدرة التي منحها الله له، فيكون فعله فعلاً لله أيضاً، بل يمكن أن يقال: إن انتساب الفعل إلى الله (الذي منه وجود العبد وقوته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً لله لا غير، ولكن شدة الانتساب هذه لا تكون سبباً لأن يكون الله سبحانه مسئولاً عن أفعال عباده، إذ صحيح أن المقدمات الأولية للظاهرة مرتبطة بالله وناشئة منه إلا أنه لما كان الجزء الأخير من العلة التامة هو إرادة الإنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحققت الظاهرة يعد هو مسئولاً عن الفعل.
التوحيد والشرك في القرآن ص 13


بعض الروايات في الرزق:
روى الكليني قدس سره عن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) قَالَ يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ؟ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْ‏ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلا الْغِنَى وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلا الْفَقْرُ وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ، وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ.
الكافي ج 2 ص 352

عَنْهُ، عَنْ مُعَلىً، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي وَلادٍ الْحَنَّاطِ وَعَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ لا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله وَلا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ الله، فَإِنَّ الرِّزْقَ لا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لأدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالرَّاحَةَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ.
الكافي ج 2 ص 57



سؤال:
إذا كان الرزق مقسوما ومقدرا، فلماذا الدعاء لتوسيع الرزق؟


العلماء يحملون (التردد) المذكور في الحديث على ضرب من التأويل، تماماً كما يفعلون مع بعض الآيات كقوله تعالى: {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (15) سورة البقرة، وقوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (54) سورة آل عمران، وغير ذلك... ومن تلك التأويلات ما ذكره الشهيد الأول قدس سره وهو ما يلي:
ومنه: قوله صلى الله عليه وآله في الحديث القدسي: (ما ترددت في شيءٍ أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا يكون إلا ما أريد) فإن التردد على الله تعالى محال، غير أنه لمّا جرت العادة أن يتردد من يعظم الشخص ويكرمه في مساءته، نحو الولد والصديق، وأن لا يتردد في مساءة من لا يكرمه ولا يعظمه، كالعدو والحية والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته، أوقعها من غير تردد، فصار التردد لا يقع إلا في موضع التعظيم والاهتمام، وعدمه لا يقع إلا في مورد الاحتقار وعدم المبالاة. فحينئذ دلَّ الحديث على تعظيم الله تعالى للمؤمن، وشرف منزلته عنده عز وجل، فعبّر باللفظ المركب عما يلزمه، وليس مذكوراً في اللفظ، وإنما هو بالإرادة والقصد، فكان معنى الحديث: (منزلة عبدي المؤمن عظيمة، ومرتبته رفيعة) فدل على تصرف النية في ذلك كله.

وقد أجاب بعض من عاصرناه عن هذا الحديث: بأن التردد إنما هو في الأسباب، بمعنى أن الله تعالى يُظهر للمؤمن أسباباً يغلب ظنه على دنو الوفاة ليصير على استعداد تام للآخرة، ثم يظهر له أسباباً تبسط في أمله، فيرجع إلى عمارة الدنيا بما لابد منه. ولما كانت هذه بصورة التردد، أطلق عليها ذلك استعارة [و] إذ كان العبد المتعلق بتلك الأسباب بصورة المتردد، أسند التردد إليه تعالى، من حيث أنه فاعل للتردد في العبد. وهو مأخوذ من كلام بعض القدماء الباحثين عن أسرار كلام الله تعالى، إن التردد في اختلاف الأحوال، لا في مقدر الآجال.

وقيل: إنه تعالى لا يزال يورد على المؤمن سبب الموت حالاً بعد حال، ليؤثر المؤمن الموت، فيقبضه مريداً له وإيراد تلك الأحوال المراد بها غايتها، من غير تعجيل بالغايات، من القادر على التعجيل، يكون تردداً بالنسبة إلى قادري المخلوقين، فهو بصورة المتردد وإن لم يكن ثم تردد. ويؤيده الخبر المروي: أن إبراهيم عليه السلام لما أتاه ملك الموت لقبض روحه، وكره ذلك، أخره الله تعالى إلى أن رأى شيخاً هماً يأكل ولعابه يسيل على لحيته، فاستفظع ذلك وأحب الموت. وكذلك موسى عليه السلام.

القواعد والفوائد ج 2 ص 181




وللعلم فإن الحديث مروي من طرق أهل السنة أيضاً باختلاف يسير، فهو موجود في مسند أحمد ج 6 ص 256 وفي صحيح البخاري ج 7 ص 190