بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين


معاناة الأنصار من الظلم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله


بقلم: صوت الاستقامة

مخطط الدراسة:
أولاً - على صعيد الروايات.
ثانياً - ما هو المقصود من (الأَثَرَة) في هذه الروايات؟
ثالثاً – من هم الظالمون الذين مارسوا الاستئثار ضد الأنصار؟
رابعاً – ما هو السبب في معاناة الأنصار وظلامتهم؟
خامساً - مما يرتبط ببحثنا من جهة ما.
خلاصة ما تم تناوله.


أولاً - على صعيد الروايات:
1 - صحيح البخاري 3/80 : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.
والحديث في مسند الحميدي 2/503 ، وصحيح ابن حبان 16/265.

2 – صحيح البخاري 4/59 - 60 : ... إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَوْضِ قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ.
والحديث في مسند أحمد 3/166 ، وفضائل الصحابة للنسائي ص68 – 68 . وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة: ح91 المختصرة.

3 – صحيح البخاري4/177 : ...عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ.
وباللفظ نفسه: صحيح مسلم 6/17 ، ومسند أحمد 1/428 ، وصحيح ابن حبان 10/447.


ثانياً - ما هو المقصود من (الأَثَرَة) في هذه الروايات؟
المقصود بالأثرة: الاستئثار، أي الاستبداد بالشيء . قال العيني في عمدة القاري 15/73 : أراد استقلال الأمراء بالأموال وحرمانكم منها. انتهى
والأثرة هنا هي نوع من أنواع الظلم، وقد أوضح ذلك العيني في عمدة القاري 17/309 ، حيث قال: اصبروا حتى تموتوا فإنكم ستجدونني عند الحوض ، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم ، والثواب الجزيل على الصبر. انتهى ، والعبارة بعينها في فتح الباري لابن حجر 8/42 – 43 .


ثالثاً – من هم الظالمون الذين مارسوا الاستئثار ضد الأنصار؟
يظهر أن معاوية بن أبي سفيان كان من الذين تصدوا لممارسة الظلم ضد الأنصار رحمهم الله، ويدلك على ذلك رواية الحاكم في المستدرك 3/461 ، ففيه: ...عن ابن عباس أن أبا أيوب خالد بن زيد الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله نزل في داره، غزا أرض الروم، فمرَّ على معاوية، فجفاه معاوية، ثم رجع من غزوته، فجفاه ولم يرفع به رأساً . قال أبو أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنبأنا أنا سنرى بعده أثرة . قال معاوية: فبم أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذاً...!

فالمعاملة الجافية التي مارسها معاوية ضد الصحابي الجليل أبي أيوب، هي في نظر أبي أيوب من نماذج الظلم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله.

ولا يخفى عليك ما في هذا الخبر من الدلالة على تمادي معاوية في الظلم، بحيث لا يهمه حديث النبي صلى الله عليه وآله، بل كأنما يتهكّم من الأنصار الذين هم في موقف الضعيف المغلوب على أمره؛ فإن أمر النبي لهم بالصبر إنما كان من باب بيان تكليفهم وما يفترض عليهم لصلاحهم في دينهم ودنياهم، وأما أمر الظالم للمظلوم بالصبر، فهو من أبرز مظاهر الاستعلاء والتهكم على المستضعفين..

بل عبارة معاوية ظاهرة في الاستهزاء بحديث النبي صلى الله عليه وآله؛ ولذلك قال ابن أبي الحديد إن جماعة من المعتزلة قالوا بكفر معاوية بسبب استهزائه بهذا الحديث الشريف . انظر: شرح نهج البلاغة 6/32 .

وثمة رواية أخرى ترتبط بالأثرة على الأنصار ودور معاوية في ذلك، وهي الرواية التي يذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب 3/1421 ، ونصها:
عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال له معاوية: يا أبا قتادة! تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، ما منعكم؟ قال: لم يكن معنا دوابّ، قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، قال: نعم يا أبا قتادة. قال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إنا نرى بعده أثرةً. قال معاوية: فما أمركم عند ذلك؟ قال: أمرنا بالصبر. قال: فاصبروا حتى تلقوه. قال: فقال عبد الرحمن ابن حسان حين بلغه ذلك:

ألا أبلغ معاوية بن صخر
أمير المؤمنين نثا كلامي
فإنا صابرون ومنظروكم
إلى يوم التغابن والخصام

نثا كلامي: أي ما أخبرتُ من كلامي. والنواضح: الإبل التي يستقى عليها الماء.

وفي تفسير الكشاف للزمخشري بتفسير سور يونس، الآية 109 : أمير الظالمين، مكان أمير المؤمنين. وذكر الرافعي أن اللفظ الثاني هو ما في مسند ابن راهويه. وهو نفس ما ذكره ابن حجر في الكاف الشاف.

أقول: إلاّ أن لفظ أمير الظالمين أنسب بقرينة جو النص، وكون الأثرة من مصاديق الظلم.

فالقدر المتيقَّن أن معاوية وبني أمية هم أظهر مصداق لظالمي الأنصار رضي الله عنهم.

ثمَّ إنّ مما يرتبط ببحثنا هذا: حديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، صريح في أن مبغض الأنصار منافق، وذلك في صحيح البخاري 4/223 ، بما نصه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنصار لا يحبهم إلاّ مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلاّ منافقٌ، فمن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله. انتهى ، وبمثل لفظه: صحيح مسلم 1/60 ، وغيرهما.

ومن الغني عن البيان أن من يظلم الأنصار فهو يجسد بغضه لهم، ولو كان في قلب ظالمهم ذرة محبة لهم، لامتنع من ظلمهم، ولأكرمهم بما يتناسب مع مكانتهم في قلبه.

ويبدو أن هذه القاعدة النبوية الشريفة، أي أن حب الأنصار علامة الأيمان، وبغضهم علامة النفاق، قد أوقعت شيعة معاوية وأمثاله في مأزق، فذهبوا يأولون هذا الحديث بقولهم إنّ المراد هو البغض بسبب نصرتهم للنبي..! وهذا تفسير سقيم؛ لأن النبي لم يقل: من أبغضهم بهذا النحو الخاص فهو منافق، بل جعل مجرد البغض لهم دليلاً على النفاق، وكذلك لم يقل من أبغضهم بسبب بغضه لي، بل قال من أبغضهم أبغضه الله، فجعل مجرد البغض علامة لبغض الله. ويؤيِّده ما ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 10/39 ، حيث قال ما نصه: عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم . رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة.
وهي رواية الطبراني في المعجم الكبير 19/341 .

وظلم معاوية للأنصار بعد روايته هذا الخبر، دليل على أنه لا يؤمن بكلام النبي صلى الله عليه وآله، وإلا كيف يروي الحديث النبوي ثم يخالفه بنفسه. وهذا ما يؤكد صحة ما اختاره جماعة من علماء المعتزلة فيما حكاه ابن أبي الحديد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وللطبراني رواية أخرى بنفس اللفظ عن أبي هريرة في المعجم الأوسط 1/229 .

أقول: فالقاعدة ليست: (من أبغضهم ببغضي فهو مبغض بما يستوجب الذم) ، بل القاعدة: (أن المبغض لهم إنما يبغضهم لبغضه النبي) ، فبغضهم علامةُ بغض النبي، وهذا معناه أن مجرد البغض للأنصار يعني النفاق والكفر.

وبعبارة أخرى: إن الكاشفية ليست مجعولة لبغض الأنصار بقيد بغض النبي، بمعنى أن يكون بغض النبي جزءاً من الكاشف، بل الكاشفية مجعولة لبغض الأنصار بمفرده، فبغض النبي مدلول عليه، وليس جزءاً من الدال. ومعنى هذا: أن مجرد المبغض منافق كافر.


رابعاً – ما هو السبب في معاناة الأنصار وظلامتهم؟
قد يكون السبب – وهو القدر المتيقن – يكمن في عدم إيمان من آذوهم؛ فكأن هناك علاقة عضوية بين الإيمان وظلم الأنصار، وهو ما يمكن إفادته من حديث النبي (ص) الذي هو صريخ في أن مبغضهم منافقٌ.

وقد يكون السبب هو أن موقف الأنصار في التزامهم بمحبة أهل البيت عليهم السلام، وخصوصاً في حرب الإمام علي مع معاوية، حيث وقفوا موقفاً مشرِّفاً، ورفضوا ولاية معاوية، كما رفضوا فيما بعض ولاية ابنه يزيد لعنه الله.

ويمكننا استكشاف أدلة هذا السبب من عدّة أمور، نذكر ما تيسّر منها فيما يلي.

الأمر الأول: موقف الأنصار في سقيفة بني ساعدة.

الأمر الثاني: موقف أبي أيوب الأنصار من حديث الغدير وولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام.

الأمر الثالث: موقف الأنصار المؤازر للإمام علي في مُجابَهته لمعاوية.

أما الأمر الأول، وهو موقف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فملخصه: اجتماع الأنصار في السقيفة ليختاروا بأنفسهم زعيماً منهم، يتصدى لإدارة الدولة الإسلامية، وذلك من غير مشورة، بل ولا إشعار للمهاجرين، إلا أن الخبر تسرّب إلى أبي بكر وعمر، فسارعا هما ومجموعة من الصحابة القرشيين إلى السقيفة؛ ليقفوا دون نجاح مخطط الأنصار؛ لأن نجاحه كان يعني سحب البساط من تحت أقدام الحزب القرشي.. ومن يراجع الكلمات التي نطق بها الأنصار في السقيفة، يستطيع أن يدرك بسهولة مدى امتعاض الأنصار من الحزب القرشي، فمن العبارات التي استُعملت من قبل الأنصار في السقيفة وما بعد السقيفة:

1 – (أنتم يا معشر قريش رهط بيننا، وقد دفت إلينا دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير. وفي نص صحيح البخاري: (أنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر) . وهي عبارات قالها خطيب الأنصار في السقيفة.

2 – (استبدوا بِهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دونهم) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير . والمتكلم بهذا هو الصحابي الأنصاري سعد بن عبادة.

3 - فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير . والمتكلم بهذا الصحابي الأنصاري الحباب بن المنذر في السقيفة، والعبارة التي تلي، هي من تتمّة كلامه.

4 – (وَإِنْ شِئْتُمْ كَرَّرْنَاهَا خُدْعَة) ، أَيْ أَعَدْنَا الْحَرْب . انظُر: فتح الباري . وفي لفظ المصنف لعبد الرزاق الصنعاني: (...يا معشر قريش ! وإلا أجلبنا الحرب فيما بيننا وبينكم جذعاً) . وفي لفظ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: (يا معشر قريش إن شئتم أعدنا الحرب جذعة) .

5 – (لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري . والمتكلم بهذه العبارة هو سعد بن عبادة بعد أحداث السقيفة، حيث طلبوا منه أن يبايع، فعبر عن رفضه بهذه العبارات.

ويظهر أن مبايعة الأوس لأبي بكر، إنما كانت عن حسد للخزرج عن أن ينفردوا بالأمر؛ نظراً إلى أن المرشح للإمامة كان خزرجياً، وهو سعد بن عبادة. تدلك على ذلك عبارات مذكورة في كتب التاريخ، منها كتاب الكامل لابن الأثير... وغيره ، فراجع.

ويظهر أن معارضة الخزرج، كانت بدرجة من الشدة، بحيث نشب الشجار والاشتباك بالأيدي بين المهاجرين والأوسيين من جهة، وبين الخزرجيين من جهة أخرى. والدليل عليه قول عمر بن الخطاب – كما هي عبارة صحيح البخاري - : (وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقُلْتُ قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) .

فتلخص أن سبب الظلامة التي عاشها الأنصار، قد يكون راجعاً إلى موقفهم المضاد للحزب القرشي في السقيفة ومسألة الزعامة السياسية.

وبناء على هذا السبب، سوف نكون مطالبين بتعميم الموقف السلبي ضد الأنصار على جميع الحزب القرشي الذي تولى الزعامة السياسية، أي بدءاً من أبي بكر نفسه.

إلاّ أننا لا نملك أن نقول إن جميع الأنصار كانوا على رؤية واحدة في مسألة الإمامة؛ لأننا سنقرأ في الأمر الثاني الذي يلي، أنَّ من الأنصار من كان في أعلى درجات الوفاء والموالاة للإمام علي عليه السلام.. وربما كان ذلك الإصرار من قبل الأنصار بهدف تسليم الأمر إلى علي عليه السلام في النهاية، فقد كان إصرارهم ونزاعهم مع الحزب القرشي، يرمي إلى تمهيد الأمر للإمام علي ليس إلاّ.. هذا احتمال مطروح، ولا ينبغي إغفالُه. وأما ما يظهر من ترشيحهم لسعد بن عبادة، فهو من باب الحؤول دون الانقلاب السياسي الذي يخطط له الحزب القرشي، وتأمين زعامة أنصارية مؤقتة، يمكنها الوقوف في وجه المخطط القرشي الذي يعرف الأنصار من قبل أنه يرمي إلى قلب الأمور على أهل البيت، وفيما بعد اضطهاد الأنصار.

هذا على مستوى هذا الأمر.

وأما الأمر الثاني، أي أن يكون السبب في معاناة الأنصار هو موقفهم من ولاية الإمام علي عليه السلام، فهو يتجلى في موقف للأنصار بزعامة أبي أيوب الأنصاري، وذلك في رواية مسند أحمد التي جاء فيها أنَّ أبا أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) ـ وهو صحابي جليل ـ ورفقته من الأنصار فهموا من هذا الحديث أنَّهم وغيرهم من عليٍّ عليه السلام بمنزلة العبد من مولاه . فسلَّموا عليه بقولهم: (السلام عليك يا مولانا) ، فسألهم عليه السلام: (كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟) أي أنَّكم أحرارٌ فكيف أكون لكم مولًى . فأجابوا بحديث الغدير، ليقولوا بذلك إنهم ليسوا عبيدًا من حيث الأسر والسبي ، ولكنهم عبيدٌ لعليٍّ عليه السلام وهو مولاهم بحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. هذا الحكم الثابت بحديث الغدير . وهذه العبودية ليست عبوديةَ الرِّقِّ ، ولكنَّها عُبوديَّة الطَّاعة والانقياد لحكم الله تعالى.

والرواية أخرجها أحمد بن حنبل في المسند (5/419) . وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد (9/103 ـ 104) وقال: رواه أحمد والطبراني.. ، ثم قال : ورجال أحمد ثقات . وقالت أم شعيب الوادعية في الصحيح المسند من فضائل أهل بيت النبوة، ص59 : هذا حديث حسن ، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (ج2 ص572) ، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1355) . انتهى ما أفادته أمُّ شعيب . أقول : الصواب أنَّه صحيح ، فرجاله جميعًا ثقات كما قال الحافظ الهيثمي .

وهذه الرواية كفيلة بتصوير الحالة الإيمانية التي كانت تسود مجتمع الأنصار، وأنهم كانوا من صفة شيعة أهل البيت عليهم السلام، وأنهم كانوا من المعتقدين بإمامة علي عليه السلام بالمعنى الذي يتنافى مع الرؤية التي طرحها الحزب القرشي.

فمن الطبيعي أن يكون الأنصار محسوبين على حزب المعارضة، ومن المعلوم أن أحزاب المعارضة لا تهنأ بالعيش في ظل الحكومات الجائرة.

أما الأمر الثالث، أي أن يكون سبب المعاناة التي لقيها الأنصار، هو مؤازرتهم للإمام علي في حربه ضد معاوية، فهو أمرٌ تشهد له المصادر التاريخية؛ باعتبار أن الأنصار كانوا يمثلون شريحة واسعة في جيش الإمام علي عليه السلام.

فإننا نقرأ في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم، ص448 ، أنه لم يكن مع معاوية من الأنصار إلا رجلان: النعمان بن بشير، وسلمة.

كما أننا نقرأ في المصدر نفسه قول النعمان بن بشر مخاطباً لقيس بن سعد والأنصار الذين هم في جيش علي عليه السلام:

(ألستم معشر الأنصار ، تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ، وقتلتم أنصاره يوم الجمل وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم علياً ، لكانت واحدة بواحدة ، ولكنكم خذلتم حقاً ونصرتم باطلاً ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز ، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ، ووعدتموه الظفر . وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم . فاتقوا الله في البقية) .

وقريب منه ما في كتاب الفتوح لابن أعثم 3/167 .

فهذا النص التاريخي صريح في الدور الأساس الذي لعبه الأنصار في تلك الأحداث لصالح الإمام علي عليه السلام، وعلى حساب الحزب القرشي..

وثمة كلام آخر على لسان معاوية يرويه نصرٌ وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 8/84 ، حيث يقول معاوية مشتكياً من بأس الأنصار:

(...لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج ، واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال ، حتى لقد جبَّنوا أصحابي ، الشجاع منهم والجبان ، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قيل قتله الأنصار ، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي...) إلخ

وممن تيسّر لي الاطلاع على أسمائهم من الصحابة من الأنصار الذين أزروا الإمام علياً عليه السلام في حربه ضد معاوية:

أسيد بن ثعلبة الأنصاري، شهد بدراً، وثابت بن عبيد الأنصاري، شهد بدراً، وجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، قال بعضهم: شهد بدراً، وجبلة بن عمرو الأنصاري، كان فاضلاً من فقهاء الصحابة، والحارث بن حاطب بن عمرو الأنصاري، شهد بدراً، وحجاج بن عمرو بن غزية بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، وخزيمة بن ثابت الأنصاري (ذو الشهادتين) شهد بدراً والمشاهد كلها، واستشهد في صفين، ورافع بن خديج بن رافع الأنصاري، شهد أحداً والخندق وغيرهما، وسعد بن الحارث بن الصمة الأنصاري الخزرجي، وسعد بن عمرو الأنصاري، وسهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، شهد بدراً والمشاهد كلها، وعبد الرحمن بن خراش الأنصاري، يكنى أبا ليلى، وعبد الله بن عتيك الأنصاري، وعبد الله بن يزيد بن حصن الأنصاري الأوسي، والعلاء بن عمرو الأنصاري، وعمرو بن بلال بن بليل. وقيل: عمرو بن عمير، أبو ليلى الأنصاري. وشهد أحداً وما بعدها، والفاكه بن سعد بن جبير بن عنان بن عامر بن خطمة الأنصاري الأوسي، وقيس بن قيس الأنصاري، وكرامة بن ثابت الأنصاري، وأبو اليسر كعب بن عمرو بن عناد الأنصاري، شهد العقبة وبدراً، ومسعود بن أوس بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد بدراً، و وداعة بن أبي زيد الأنصاري، ويزيد بن حوثرة الأنصاري، ويزيد بن طعمة بن جارية بن لوذان الخطمي الأنصاري، وأَبو فُضَالة الأَنصاري، شهد بدراً، وهو ممن استشهد في صفين، وأبو الورد المازني الأنصاري.

هذا ما تيسر العثور عليه عبر البحث الالكتروني في البرامج الحاسوبية، في أكثر من مصدر من قبيل الاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة لابن حجر... وغيرها. ولعل ما فاتنا أكثر، ثم إن أسماء الصحابة بأكملهم ليست مضبوطة في المصادر التاريخية، فالله أعلم بالعدد الحقيقي للمشاركين من الأنصار، وكذا المهاجرين، مع أمير المؤمنين علي عليه السلام في جهادة للفئة الباغية التي تدعو إلى نار جهنم كما جاء في الحديث الصحيح عند أهل السنة.


خامساً - مما يرتبط ببحثنا من جهة ما:
لقد ورد في النصوص التاريخية أن أهل البيت كانوا أيضاً يعانون من معاملة سلبية من قبل الحزب القرشي، فمن ذلك الرواية التي رواها أحمد بن حنبل في مسنده، قال:
حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: دَخَلَ الْعَبَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَحَدَّثُ فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَرَّ عِرْقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي.

فأقرباء النبي – إذاً – كانوا يعانون من أنصاف المسلمين (حزب قريش) في حياة النبي صلى الله عليه وآله.

وروى الحاكم (ت 405 هـ ) في المستدرك (3/150 ) برقم (4676/274 ) دار الكتب العلمية ـ بيروت : ( ... عن علي (رض ) قال : إنَّ ممَّا عهد إليَّ النبي (ص ) أنَّ الأمَّة ستغدر بي بعده ) . وصححه الحاكم، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك. ورواه الحاكم ثانية (من طريق أخرى) في (3/153 ) برقم (4686/284 ) بلفظ: ( ... ، حيَّان الأسدي سمعت علياً يقول : قال لي رسول الله (ص ) : إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملَّتي وتقتل على سنَّتي ، من أحبَّك أحبَّني ومن أبغضك أبغضني وإنَّ هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه ) . وصرح الحاكم بصحته، ووافقه الذهبي. وتجده في طبعة دار المعرفة – بيروت، في (3/140 ، 142 ) .

فالنبي صلى الله عليه وآله – كما أخبر بمعاناة الأنصار – أخبر بمعاناة سيد أهل البيت بعده، أي الإمام علي عليه السلام.

ومما يرتبط بمعاناة الإمام علي: قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – لعليٍّ: (أما إنَّك ستلقى بعدي جهداً ) . أخرجه الحاكم في المستدرك (3/151 ) برقم (4677/ 275 ) دار الكتب العلمية – بيروت. وفي طبعة دار المعرفة (3/140 ) . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في التلخيص. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/503 ) دار الفكر – بيروت . وفي طبعة مكتبة الرشد – الرياض: (6/372 ) .

وكذا قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – لعليٍّ: (ضغائن في صدور أقوام، لا يبدونَها لك إلاَّ من بعدي ) . أخرجه أبو يعلى في مسنده (1/427 ) ، والطبراني في المعجم الكبير (11/61 ) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (42/322 ) ... وغيرها.


خلاصة ما تم تناوله فيما سبق:

1 . لقد أخبر النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – الأنصار بأنهم سيعانون من الاستبداد، وأوصاهم بالصبر.

2 . هذا وإنه قد ورد عن النبي – صلى الله عليه وآله – بأن مبغض الأنصار إنما يبغضهم انطلاقاً من بغض النبي، ومن أبغضهم فهو منافق.

3 . يمكننا أن نقرأ ملامح معاناة الأنصار وظلامتهم في التاريخ، ونجد أن معاوية وبني أمية هم القدر المتيقن ممن مارس الاستبداد ضد الأنصار.

4 . يمكننا أن نُرجع المعاناة التي لقيها الأنصار إلى ثلاثة أسباب:

أ – موقفهم في السقيفة ، حيث جابهوا الحزب القرشي بكل صلابة.

ب – موقفهم من ولاية الإمام علي وحديث الغدير.

جـ - موقفهم المؤازر للإمام علي في حربه ضد معاوية.

وبناء على السبب ( أ ) سيكون الممهدون لخلافة معاوية، أي بدءاً من أبي بكر، شركاء له في الاستبداد على الأنصار.

5 . وفي النصوص والتاريخ دلالة واضحة على أن الأنصار لم يكونوا الوحيدين الذين عانوا من الاستبداد، بل شاركهم أهل البيت عليهم السلام، وفي مُقدّمتهم الإمامُ عليّ عليه السلام.


والحمد لله أولاً وآخراً


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم

أخي الفاضل صوت الإستقامة أهدي إليك هذا الحديث أو هذه الأحاديث بشأن الأنصار والسقيفة.
الأول:
صحيح البخاري ج: 6 ص: 2503
"6442 حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن بن عباس قال ثم كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله بمنى وهو ثم عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمثين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر الا فلتة فتمت فغضب عمر ثم قال إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها فقال عمر والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة قال بن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف فأنكر علي وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله والحاصل عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله ثم إنه بلغني قائل منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرَّة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينَّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمَّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال ما من خير فأنتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي ثم الموت شيئا لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن عبادة قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلا مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا"


والثاني:
تاريخ الطبري ج: 2 ص: 233
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر زياد بن كليب عن أبي أيوب عن إبراهيم قال لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث ولم يجترىء أحد أن يكشف عن وجهه حتى اربد بطنه فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه ثم قال بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا ثم خرج أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ثم قرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وكان عمر يقول لم يمت وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقال ما هذا فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر منا الأمراء ومنكم الوزراء ثم قال أبو بكر إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قوم فقالوا أمينا فقال لأبعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وأنا أرضى لكم أبا عبيدة فقام عمر فقال أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه عمر وبايعه الناس فقالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلا عليا

أرجو أن تكون هذه الأحاديث لك عونا في بحثك



الصياغة الثانية للموضوع في ضوء إفادات الإخوان

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين


معاناة الأنصار من الظلم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله

بقلم: صوت الاستقامة

مخطط الدراسة:
أولاً - على صعيد الروايات.
ثانياً - ما هو المقصود من (الأَثَرَة) في هذه الروايات؟
ثالثاً – من هم الظالمون الذين مارسوا الاستئثار ضد الأنصار؟
رابعاً – ما هو السبب في معاناة الأنصار وظلامتهم؟
خامساً - مما يرتبط ببحثنا من جهة ما.
خلاصة ما تم تناوله.


أولاً - على صعيد الروايات:
1 - صحيح البخاري 3/80 : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.
والحديث في مسند الحميدي 2/503 ، وصحيح ابن حبان 16/265.

2 – صحيح البخاري 4/59 - 60 : ... إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَوْضِ قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ.
والحديث في مسند أحمد 3/166 ، وفضائل الصحابة للنسائي ص68 – 68 . وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة: ح91 المختصرة.

3 – صحيح البخاري4/177 : ...عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ.
وباللفظ نفسه: صحيح مسلم 6/17 ، ومسند أحمد 1/428 ، وصحيح ابن حبان 10/447.


ثانياً - ما هو المقصود من (الأَثَرَة) في هذه الروايات؟
المقصود بالأثرة: الاستئثار، أي الاستبداد بالشيء . قال العيني في عمدة القاري 15/73 : أراد استقلال الأمراء بالأموال وحرمانكم منها. انتهى
والأثرة هنا هي نوع من أنواع الظلم، وقد أوضح ذلك العيني في عمدة القاري 17/309 ، حيث قال: اصبروا حتى تموتوا فإنكم ستجدونني عند الحوض ، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم ، والثواب الجزيل على الصبر. انتهى ، والعبارة بعينها في فتح الباري لابن حجر 8/42 – 43 .


ثالثاً – من هم الظالمون الذين مارسوا الاستئثار ضد الأنصار؟
يظهر أن معاوية بن أبي سفيان كان من الذين تصدوا لممارسة الظلم ضد الأنصار رحمهم الله، ويدلك على ذلك رواية الحاكم في المستدرك 3/461 ، ففيه: ...عن ابن عباس أن أبا أيوب خالد بن زيد الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله نزل في داره، غزا أرض الروم، فمرَّ على معاوية، فجفاه معاوية، ثم رجع من غزوته، فجفاه ولم يرفع به رأساً . قال أبو أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنبأنا أنا سنرى بعده أثرة . قال معاوية: فبم أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذاً...!

فالمعاملة الجافية التي مارسها معاوية ضد الصحابي الجليل أبي أيوب، هي في نظر أبي أيوب من نماذج الظلم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله.

ولا يخفى عليك ما في هذا الخبر من الدلالة على تمادي معاوية في الظلم، بحيث لا يهمه حديث النبي صلى الله عليه وآله، بل كأنما يتهكّم من الأنصار الذين هم في موقف الضعيف المغلوب على أمره؛ فإن أمر النبي لهم بالصبر إنما كان من باب بيان تكليفهم وما يفترض عليهم لصلاحهم في دينهم ودنياهم، وأما أمر الظالم للمظلوم بالصبر، فهو من أبرز مظاهر الاستعلاء والتهكم على المستضعفين..

بل عبارة معاوية ظاهرة في الاستهزاء بحديث النبي صلى الله عليه وآله؛ ولذلك قال ابن أبي الحديد إن جماعة من المعتزلة قالوا بكفر معاوية بسبب استهزائه بهذا الحديث الشريف . انظر: شرح نهج البلاغة 6/32 .

وثمة رواية أخرى ترتبط بالأثرة على الأنصار ودور معاوية في ذلك، وهي الرواية التي يذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب 3/1421 ، ونصها:

عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال له معاوية: يا أبا قتادة! تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، ما منعكم؟ قال: لم يكن معنا دوابّ، قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، قال: نعم يا أبا قتادة. قال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إنا نرى بعده أثرةً. قال معاوية: فما أمركم عند ذلك؟ قال: أمرنا بالصبر. قال: فاصبروا حتى تلقوه. قال: فقال عبد الرحمن ابن حسان حين بلغه ذلك:

ألا أبلغ معاوية بن صخر
أمير المؤمنين نثا كلامي
فإنا صابرون ومنظروكم
إلى يوم التغابن والخصام

نثا كلامي: أي ما أخبرتُ من كلامي. والنواضح: الإبل التي يستقى عليها الماء.

وفي تفسير الكشاف للزمخشري بتفسير سور يونس، الآية 109 : أمير الظالمين، مكان أمير المؤمنين. وذكر الرافعي أن اللفظ الثاني هو ما في مسند ابن راهويه. وهو نفس ما ذكره ابن حجر في الكاف الشاف.

أقول: إلاّ أن لفظ أمير الظالمين أنسب بقرينة جو النص، وكون الأثرة من مصاديق الظلم.

فالقدر المتيقَّن أن معاوية وبني أمية هم أظهر مصداق لظالمي الأنصار رضي الله عنهم.

إلاّ أن مطالعة كلام الباحث السعودي المعاصر الدكتور حسن فرحان المالكي في كتاب قراءة في كتب العقائد ص46 ، قد تضيف إلى معلوماتنا رصيداً آخر، حيث يقول ما نصه:

(بل تبين أن معظم الأنصار كانوا يميلون مع عليّ أكثر من ميلهم مع أبي بكر رضي الله عنهما، لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم علياً أن علياً لم يكن موجوداً في السقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربما لو كان موجوداً لتمّ له الأمر ؛ لأن بعض الأنصار لما رأوا أن الأمر سينصرف عن سعد بن عبادة هتفوا باسم علي في السقيفة...) .

ثم يقول المالكي معلقاً في حاشية ص46 – 47 ما نصه:
(وقد كان بين علي والأنصار محبة عظيمة، وكان علي على علاقة كبيرة بِهم، وولى جمعاً من فضلائهم أيام خلافته، فولى سهل بن حنيف (بدري) على الشام، وقيس بن سعد (بدري) على مصر، وعثمان بن حنيف (أحدي) على البصرة، وقرظة بن كعب (أحدي) على الكوفة، وأبا أيوب الأنصاري (بدري) على المدينة، والنعمان بن عجلان (بدري) على البحرين، وأبا قتادة الأنصاري (بدري) على مكة، وهؤلاء من كبار الأنصار، بينما لم يجد الأنصار فرصتهم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ إذ كانت الولايات في أيدي القرشيين في الغالب (وهذا أمر يدعو للدراسة لمعرفة الأسباب) . ثم كان الأنصار مع علي في خلافته، ووجدوا بعده ظلماً وأثرة من بني أمية، حتى كان الأخطل النصراني يهجوهم عند معاوية وابنه يزيد) . انتهى

فهذه المعلومات تجعلنا نُرجع تاريخ الأثرة والاستبداد ضد الأنصار إلى عهد المؤسسين لحكومة معاوية، ونضم أبا بكر وعمر وعثمان إلى الذين مارسوا الاستبداد ضد الأنصار.

ثمَّ إنّ مما يرتبط ببحثنا هذا: حديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، صريح في أن مبغض الأنصار منافق، وذلك في صحيح البخاري 4/223 ، بما نصه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنصار لا يحبهم إلاّ مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلاّ منافقٌ، فمن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله. انتهى ، وبمثل لفظه: صحيح مسلم 1/60 ، وغيرهما.

ومن الغني عن البيان أن من يظلم الأنصار فهو يجسد بغضه لهم، ولو كان في قلب ظالمهم ذرة محبة لهم، لامتنع من ظلمهم، ولأكرمهم بما يتناسب مع مكانتهم في قلبه.

ويبدو أن هذه القاعدة النبوية الشريفة، أي أن حب الأنصار علامة الأيمان، وبغضهم علامة النفاق، قد أوقعت شيعة معاوية وأمثاله في مأزق، فذهبوا يُؤوّلون هذا الحديث بقولهم إنّ المراد هو البغض بسبب نصرتهم للنبي..! وهذا تفسير سقيم؛ لأن النبي لم يقل: من أبغضهم بهذا النحو الخاص فهو منافق، بل جعل مجرد البغض لهم دليلاً على النفاق، وكذلك لم يقل من أبغضهم بسبب بغضه لي، بل قال من أبغضهم أبغضه الله، فجعل مجرد البغض علامة لبغض الله. ويؤيِّده ما ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 10/39 ، حيث قال ما نصه: عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم . رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة.

وهي رواية الطبراني في المعجم الكبير 19/341 .

وظلم معاوية للأنصار بعد روايته هذا الخبر، دليل على أنه لا يؤمن بكلام النبي صلى الله عليه وآله، وإلا كيف يروي الحديث النبوي ثم يخالفه بنفسه. وهذا ما يؤكد صحة ما اختاره جماعة من علماء المعتزلة فيما حكاه ابن أبي الحديد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وللطبراني رواية أخرى بنفس اللفظ عن أبي هريرة في المعجم الأوسط 1/229 .

أقول: فالقاعدة ليست: (من أبغضهم ببغضي فهو مبغض بما يستوجب الذم) ، بل القاعدة: (أن المبغض لهم إنما يبغضهم لبغضه النبي) ، فبغضهم علامةُ بغض النبي، وهذا معناه أن مجرد البغض للأنصار يعني النفاق والكفر.

وبعبارة أخرى: إن الكاشفية ليست مجعولة لبغض الأنصار بقيد بغض النبي، بمعنى أن يكون بغض النبي جزءاً من الكاشف، بل الكاشفية مجعولة لبغض الأنصار بمفرده، فبغض النبي مدلول عليه، وليس جزءاً من الدال. ومعنى هذا: أن مجرد المبغض منافق كافر.


رابعاً – ما هو السبب في معاناة الأنصار وظلامتهم؟
قد يكون السبب – وهو القدر المتيقن – يكمن في عدم إيمان من آذوهم؛ فكأن هناك علاقة عضوية بين عدم الإيمان وظلم الأنصار، وهو ما يمكن إفادته من حديث النبي (ص) الذي هو صريح في أن مبغضهم منافقٌ.

وقد يكون السبب هو موقف الأنصار في التزامهم بمحبة أهل البيت عليهم السلام، وخصوصاً في حرب الإمام علي مع معاوية، حيث وقفوا موقفاً مشرِّفاً، ورفضوا ولاية معاوية، كما رفضوا فيما بعد ولاية ابنه يزيد لعنه الله.

وبعبارة أخرى: استقامة الأنصار على محبة أهل البيت عليهم السلام.

ويمكننا قراءة ملامح ذلك في عدّة أمور:

الأمر الأول: موقف الأنصار في سقيفة بني ساعدة.

الأمر الثاني: موقف أبي أيوب الأنصار من حديث الغدير وولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام.

الأمر الثالث: موقف الأنصار المؤازر للإمام علي في مُجابَهته لمعاوية.

أما الأمر الأول، وهو موقف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فملخصه: اجتماع الأنصار في السقيفة ليختاروا بأنفسهم زعيماً منهم، يتصدى لإدارة الدولة الإسلامية، وذلك من غير مشورة، بل ولا إشعار للمهاجرين، إلا أن الخبر تسرّب إلى أبي بكر وعمر، فسارعا هما ومجموعة من الصحابة القرشيين إلى السقيفة؛ ليقفوا دون نجاح مخطط الأنصار؛ لأن نجاحه كان يعني سحب البساط من تحت أقدام الحزب القرشي.. ومن يراجع الكلمات التي نطق بها الأنصار في السقيفة، يستطيع أن يدرك بسهولة مدى امتعاض الأنصار من الحزب القرشي، فمن العبارات التي استُعملت من قبل الأنصار في السقيفة وما بعد السقيفة:

1 – (أنتم يا معشر قريش رهط بيننا، وقد دفت إلينا دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير. وفي نص صحيح البخاري: (أنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر) . وهي عبارات قالها خطيب الأنصار في السقيفة.

2 – (استبدوا بِهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دونهم) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير . والمتكلم بهذا هو الصحابي الأنصاري سعد بن عبادة.

3 – (فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير . والمتكلم بهذا الصحابي الأنصاري الحباب بن المنذر في السقيفة، والعبارة التي تلي، هي من تتمّة كلامه.

4 – (وَإِنْ شِئْتُمْ كَرَّرْنَاهَا خُدْعَة) ، أَيْ أَعَدْنَا الْحَرْب . انظُر: فتح الباري . وفي لفظ المصنف لعبد الرزاق الصنعاني: (...يا معشر قريش ! وإلا أجلبنا الحرب فيما بيننا وبينكم جذعاً) . وفي لفظ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: (يا معشر قريش إن شئتم أعدنا الحرب جذعة) .

5 – (لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي) . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري . والمتكلم بهذه العبارة هو سعد بن عبادة بعد أحداث السقيفة، حيث طلبوا منه أن يبايع، فعبر عن رفضه بهذه العبارات.

ويظهر أن مبايعة الأوس لأبي بكر، إنما كانت عن حسد للخزرج عن أن ينفردوا بالأمر؛ نظراً إلى أن المرشح للإمامة كان خزرجياً، وهو سعد بن عبادة. تدلك على ذلك عبارات مذكورة في كتب التاريخ، منها كتاب الكامل لابن الأثير... وغيره ، فراجع.

ويظهر أن معارضة الخزرج، كانت بدرجة من الشدة، بحيث نشب الشجار والاشتباك بالأيدي بين المهاجرين والأوسيين من جهة، وبين الخزرجيين من جهة أخرى. والدليل عليه قول عمر بن الخطاب – كما هي عبارة صحيح البخاري - : (وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) .

فتلخص أن سبب الظلامة التي عاشها الأنصار، قد يكون راجعاً إلى موقفهم المضاد للحزب القرشي في السقيفة ومسألة الزعامة السياسية.

وبناء على هذا السبب، سوف نكون مطالبين بتعميم الموقف السلبي ضد الأنصار على جميع الحزب القرشي الذي تولى الزعامة السياسية، أي بدءاً من أبي بكر نفسه.

إلاّ أننا لا نملك أن نقول إن جميع الأنصار كانوا على رؤية واحدة في مسألة الإمامة؛ لأننا سنقرأ في الأمر الثاني (الذي يلي) أنَّ من الأنصار من كان في أعلى درجات الوفاء والموالاة للإمام علي عليه السلام.. وربما كان ذلك الإصرار من قبل الأنصار بهدف تسليم الأمر إلى علي عليه السلام في النهاية، فقد كان إصرارهم ونزاعهم مع الحزب القرشي، يرمي إلى تمهيد الأمر للإمام علي ليس إلاّ.. هذا احتمال مطروح، ولا ينبغي إغفالُه. وقد قرأنا الدلالة على ذلك في كلام الدكتور حسن فرحان المالكي فيما مر، وندعمه برواية تاريخ الطبري (2/443) التي جاء فيها في ذكر مجريات السقيفة:
(...فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً) .

وأما ما يظهر من ترشيحهم لسعد بن عبادة، فقد يكون من باب الحؤول دون الانقلاب السياسي الذي يخطط له الحزب القرشي، وتأمين زعامة أنصارية مؤقتة، يمكنها الوقوف في وجه المخطط القرشي الذي يعرف الأنصار من قبل أنه يرمي إلى قلب الأمور على أهل البيت، وفيما بعد اضطهاد الأنصار.

هذا على مستوى هذا الأمر.

وأما الأمر الثاني، أي أن يكون السبب في معاناة الأنصار هو موقفهم من ولاية الإمام علي عليه السلام، فهو يتجلى في موقف للأنصار بزعامة أبي أيوب الأنصاري، وذلك في رواية مسند أحمد التي جاء فيها أنَّ أبا أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) ـ وهو صحابي جليل ـ ورفقته من الأنصار فهموا من هذا الحديث أنَّهم وغيرهم من عليٍّ عليه السلام بمنزلة العبد من مولاه . فسلَّموا عليه بقولهم: (السلام عليك يا مولانا) ، فسألهم عليه السلام: (كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟) أي أنَّكم أحرارٌ فكيف أكون لكم مولًى . فأجابوا بحديث الغدير، ليقولوا بذلك إنهم ليسوا عبيدًا من حيث الأسر والسبي ، ولكنهم عبيدٌ لعليٍّ عليه السلام وهو مولاهم بحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. هذا الحكم الثابت بحديث الغدير . وهذه العبودية ليست عبوديةَ الرِّقِّ ، ولكنَّها عُبوديَّة الطَّاعة والانقياد لحكم الله تعالى.

والرواية أخرجها أحمد بن حنبل في المسند (5/419) . وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد (9/103 ـ 104) وقال: رواه أحمد والطبراني.. ، ثم قال : ورجال أحمد ثقات . وقالت أم شعيب الوادعية في الصحيح المسند من فضائل أهل بيت النبوة، ص59 : هذا حديث حسن ، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (ج2 ص572) ، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1355) . انتهى ما أفادته أمُّ شعيب . أقول : الصواب أنَّه صحيح ، فرجاله جميعًا ثقات كما قال الحافظ الهيثمي .

وهذه الرواية كفيلة بتصوير الحالة الإيمانية التي كانت تسود مجتمع الأنصار، وأنهم كانوا من صفة شيعة أهل البيت عليهم السلام، وأنهم كانوا من المعتقدين بإمامة علي عليه السلام بالمعنى الذي يتنافى مع الرؤية التي طرحها الحزب القرشي.

وما نقلناه آنفاً من تاريخ الطبري من هتاف الأنصار باسم علي - عليه السلام - في السقيفة، يؤكد التزام الأنصار، أو شريحة واسعة منهم، بخط ولاية الإمام علي عليه السلام.

فمن الطبيعي أن يكون الأنصار محسوبين على حزب المعارضة، ومن المعلوم أن أحزاب المعارضة لا تهنأ بالعيش في ظل الحكومات الجائرة.

أما الأمر الثالث، أي أن يكون سبب المعاناة التي لقيها الأنصار، هو مؤازرتهم للإمام علي في حربه ضد معاوية، فهو أمرٌ تشهد له المصادر التاريخية؛ باعتبار أن الأنصار كانوا يمثلون شريحة واسعة في جيش الإمام علي عليه السلام.

فإننا نقرأ في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم، ص448 ، أنه لم يكن مع معاوية من الأنصار إلا رجلان: النعمان بن بشير، وسلمة.

كما أننا نقرأ في المصدر نفسه قول النعمان بن بشر مخاطباً لقيس بن سعد والأنصار الذين هم في جيش علي عليه السلام:
(ألستم معشر الأنصار ، تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ، وقتلتم أنصاره يوم الجمل وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم علياً ، لكانت واحدة بواحدة ، ولكنكم خذلتم حقاً ونصرتم باطلاً ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز ، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ، ووعدتموه الظفر . وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم . فاتقوا الله في البقية) .

وقريب منه ما في كتاب الفتوح لابن أعثم 3/167 .

فهذا النص التاريخي صريح في الدور الأساس الذي لعبه الأنصار في تلك الأحداث لصالح الإمام علي عليه السلام، وعلى حساب الحزب القرشي..

وثمة كلام آخر على لسان معاوية يرويه نصرٌ وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 8/84 ، حيث يقول معاوية مشتكياً من بأس الأنصار:
(...لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج ، واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال ، حتى لقد جبَّنوا أصحابي ، الشجاع منهم والجبان ، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قيل قتله الأنصار ، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي...) إلخ

وممن تيسّر لي الاطلاع على أسمائهم من الصحابة من الأنصار الذين أزروا الإمام علياً عليه السلام في حربه ضد معاوية:

أسيد بن ثعلبة الأنصاري، شهد بدراً، وثابت بن عبيد الأنصاري، شهد بدراً، وجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، قال بعضهم: شهد بدراً، وجبلة بن عمرو الأنصاري، كان فاضلاً من فقهاء الصحابة، والحارث بن حاطب بن عمرو الأنصاري، شهد بدراً، وحجاج بن عمرو بن غزية بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، وخزيمة بن ثابت الأنصاري (ذو الشهادتين) شهد بدراً والمشاهد كلها، واستشهد في صفين، ورافع بن خديج بن رافع الأنصاري، شهد أحداً والخندق وغيرهما، وسعد بن الحارث بن الصمة الأنصاري الخزرجي، وسعد بن عمرو الأنصاري، وسهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، شهد بدراً والمشاهد كلها، وعبد الرحمن بن خراش الأنصاري، يكنى أبا ليلى، وعبد الله بن عتيك الأنصاري، وعبد الله بن يزيد بن حصن الأنصاري الأوسي، والعلاء بن عمرو الأنصاري، وعمرو بن بلال بن بليل. وقيل: عمرو بن عمير، أبو ليلى الأنصاري. وشهد أحداً وما بعدها، والفاكه بن سعد بن جبير بن عنان بن عامر بن خطمة الأنصاري الأوسي، وقيس بن قيس الأنصاري، وكرامة بن ثابت الأنصاري، وأبو اليسر كعب بن عمرو بن عناد الأنصاري، شهد العقبة وبدراً، ومسعود بن أوس بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد بدراً، و وداعة بن أبي زيد الأنصاري، ويزيد بن حوثرة الأنصاري، ويزيد بن طعمة بن جارية بن لوذان الخطمي الأنصاري، وأَبو فُضَالة الأَنصاري، شهد بدراً، وهو ممن استشهد في صفين، وأبو الورد المازني الأنصاري.

هذا ما تيسر العثور عليه عبر البحث الالكتروني في البرامج الحاسوبية، في أكثر من مصدر من قبيل الاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة لابن حجر... وغيرها. ولعل ما فاتنا أكثر، ثم إن أسماء الصحابة بأكملهم ليست مضبوطة في المصادر التاريخية، فالله أعلم بالعدد الحقيقي للمشاركين من الأنصار، وكذا المهاجرين، مع أمير المؤمنين علي عليه السلام في جهادة للفئة الباغية التي تدعو إلى نار جهنم كما جاء في الحديث الصحيح عند أهل السنة.


خامساً - مما يرتبط ببحثنا من جهة ما:
لقد ورد في النصوص التاريخية أن أهل البيت كانوا أيضاً يعانون من معاملة سلبية من قبل الحزب القرشي، فمن ذلك الرواية التي رواها أحمد بن حنبل في مسنده، قال:
حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: دَخَلَ الْعَبَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَحَدَّثُ فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَرَّ عِرْقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي.

فأقرباء النبي – إذاً – كانوا يعانون من أنصاف المسلمين (حزب قريش) في حياة النبي صلى الله عليه وآله.

وروى الحاكم (ت 405 هـ ) في المستدرك (3/150 ) برقم (4676/274 ) دار الكتب العلمية ـ بيروت : ( ... عن علي (رض ) قال : إنَّ ممَّا عهد إليَّ النبي (ص ) أنَّ الأمَّة ستغدر بي بعده ) . وصححه الحاكم، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك. ورواه الحاكم ثانية (من طريق أخرى) في (3/153 ) برقم (4686/284 ) بلفظ: ( ... ، حيَّان الأسدي سمعت علياً يقول : قال لي رسول الله (ص ) : إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملَّتي وتقتل على سنَّتي ، من أحبَّك أحبَّني ومن أبغضك أبغضني وإنَّ هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه ) . وصرح الحاكم بصحته، ووافقه الذهبي. وتجده في طبعة دار المعرفة – بيروت، في (3/140 ، 142 ) .

فالنبي صلى الله عليه وآله – كما أخبر بمعاناة الأنصار – أخبر بمعاناة سيد أهل البيت بعده، أي الإمام علي عليه السلام.

ومما يرتبط بمعاناة الإمام علي: قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – لعليٍّ: (أما إنَّك ستلقى بعدي جهداً ) . أخرجه الحاكم في المستدرك (3/151 ) برقم (4677/ 275 ) دار الكتب العلمية – بيروت. وفي طبعة دار المعرفة (3/140 ) . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في التلخيص. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/503 ) دار الفكر – بيروت . وفي طبعة مكتبة الرشد – الرياض: (6/372 ) .

وكذا قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – لعليٍّ: (ضغائن في صدور أقوام، لا يبدونَها لك إلاَّ من بعدي ) . أخرجه أبو يعلى في مسنده (1/427 ) ، والطبراني في المعجم الكبير (11/61 ) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (42/322 ) ... وغيرها.


خلاصة ما تم تناوله فيما سبق:

1 . لقد أخبر النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – الأنصار بأنهم سيعانون من الاستبداد، وأوصاهم بالصبر.

2 . هذا وإنه قد ورد عن النبي – صلى الله عليه وآله – بأن مبغض الأنصار إنما يبغضهم انطلاقاً من بغض النبي، ومن أبغضهم فهو منافق.

3 . يمكننا أن نقرأ ملامح معاناة الأنصار وظلامتهم في التاريخ، ونجد أن معاوية وبني أمية هم القدر المتيقن ممن مارس الاستبداد ضد الأنصار.

4 . يمكننا أن نُرجع المعاناة التي لقيها الأنصار إلى استقامتهم والتزامهم بولاية الإمام علي، وهو ما يمكن أن نقرأ ملامحه في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: موقفهم في السقيفة ، حيث جابهوا الحزب القرشي بكل صلابة.

الأمر الثاني: موقفهم من ولاية الإمام علي وحديث الغدير.

الأمر الثالث: موقفهم المؤازر للإمام علي في حربه ضد معاوية.

وبناء على الأمر الأول سيكون الممهدون لخلافة معاوية، أي بدءاً من أبي بكر، شركاء له في الاستبداد على الأنصار.

5 . وفي النصوص والتاريخ دلالة واضحة على أن الأنصار لم يكونوا الوحيدين الذين عانوا من الاستبداد، بل شاركهم أهل البيت عليهم السلام، وفي مُقدّمتهم الإمامُ عليّ عليه السلام.

والحمد لله أولاً وآخراً