يقول شمس الدين بن طولون مؤرّخ دمشق في كتابه؛ الأئمّة الاثنا عشر: الحسن بن عليّ بن أبي طالب.. القرشيّ الهاشميّ المدنيّ، أبو محمّد، سِبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وريحانته، وابن فاطمة بنت رسول الله سيّدة نساء العالمين رضي الله عنها وعنه.
وُلد في نصف رمضان سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكان رضي الله عنه شبيهاً بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، سمّاه النبيُّ وعَقَّ عنه يومَ سابِعه، وهو خامس أهل الكساء.
• وروى محبّ الدين الطبريّ في ذخائر العقبى قائلاً: عن أسماء بنت عُمَيس قالت: أقبلتُ فاطمةَ عليها السّلام بالحسن عليه السّلام.. فجاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا أسماء هَلُمّي ابني. قالت أسماء: فدفعتُه إليه في خِرقة صفراء، فألقاها عنه قائلاً:ألَم أعهَد إليكُنّ ألاّ تَلفُّوا مولوداً بخِرقةٍ صفراء ؟! فلَفَفتُه بخرقة بيضاء، فأخذه وأذّن في أُذُنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ قال لعليٍّ عليه السّلام: أيَّ شيءٍ سَمّيتَ ابني ؟ قال: ما كنتُ لأسبِقَكَ بذلك، قال: ولا أنا سابقٍ ربّي.
فهبط جبرئيل عليه السّلام فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقرئك السّلام ويقول لك: عليٌّ منك بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبيَّ بعدك، فسَمِّ ابنَك هذا باسم وَلَد هارون، فقال: وما كانَ اسمُ ابنِ هارونَ يا جبرئيل ؟ قال: شبّر، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ لساني عربيّ، فقال: سمِّهِ الحَسَن. ففعل.
• وفي أُسد الغابة يتحدّث ابنُ الأثير عن حياة الإمام الحسن عليه السّلام فيقول: قال أبو محمّد العسكريّ: سمّاه النبيُّ صلّى الله عليه وآله الحس، ولم يكن يُعرَف هذا الاسم في الجاهلية. ورُوي عن ابن الأعرابيّ عن المفُضَّل قال: إنّ الله حَجَب اسمَ الحسن والحسين عليهما السّلام حتّى سمّى بهما النبيُّ صلّى الله عليه وآله ابنَيهِ: الحسنَ والحسين عليهما السّلام.


بهجة قلب المصطفى صلّى الله عليه وآله

يعرّف الله تعالى نبيَّه صلّى الله عليه وآله فيقول: لَقَدْ جاءَكُم رسولٌ مِن أنفُسِكم عَزيزٌ علَيه ما عَنِتُّم حَريصٌ علَيكُم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم (1) إذ هو صلّى الله عليه وآله أطيبُ الناس وأشفَقُهم، إلاّ أنّه لم يكن يُحابي أحداً لِهَوىً أو تعصّبٍ، حاشاه، فإذا أحبّ أحبَّ في الله، وهو المعصوم صلّى الله عليه وآله في سلوكه وأعماله، وحتّى في عواطفه ومشاعره.. فإذا أثنى على شخص أفصحَ عن الحقيقة، وإذا أشفق على إنسان كان ذلك بحقّ.
وقد كان للنبيّ صلّى الله عليه وآله مع حفيده الحسن المجتبى عليه السّلام حنان خاص؛ لأنّه نظر إليه من خلال البصيرة النبويّة، فرآه خليفتَه بعد أبيه عليّ عليه السّلام، ورآه الإمام الحقّ والوصيَّ المعيَّن بأمر الله تعالى.
وكانت علاقة رسول الله صلّى الله عليه وآله بالحسن عليه السّلام تعطي صوراً عديدة، منها:

الأولى: تعلّقُه صلّى الله عليه وآله به تعلّق الأب بولده، إذ شاء الله تعالى أن يمتدّ نسلُ نَبيّه الخاتَم من طريق ابنته فاطمة عليها السّلام وابن عمّه الإمام عليّ عليه السّلام. فيكون الحسن المجتبى عليه السّلام سبطَ النبيّ وحفيده، وولدَه الشرعيّ والروحيّ معاً؛ وهو خليفته فيما بعد.. فالعلاقة ـ من هنا ـ تصبح أسمى ما تكون:
• في حِلية الأولياء يكتب أبونعيم: عن عبدالله بن عمر بن الخطّاب، قال: كنّا جُلوساً عند رسول الله إذ مرّ به الحسن والحسين وهما صَبيّان، فقال: هاتِ ابنَيَّ أُعَوِّذهما بما عَوّذ به إبراهيمُ ابنَيهِ إسماعيلَ وإسحاق. فقال: أُعيذُكُما بكلماتِ الله التامّة، مِن كلّ عينٍ لامّة، ومن كلّ شيطانٍ وهامّة.
• وعن أنس بن مالك قال: دُعيَ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى صلاةٍ والحسنُ متعلّقٌ به، فوضعه وصلّى، فلمّا سجد أطال.. فلمّا سلّم ( أي بعد التشهّد ) قال له القوم: يا رسول الله، لقد سجدتَ في صلاتك هذه سجدةً ما كنتَ تَسجُدها! كأنّما يُوحى إليك، فقال: لَم يُوحَ إليّ، ولكنّ ابني كان على كتفي فكَرِهتُ أن أُعجِلَه حتّى نَزَل.
الصورة الثانية: حبُّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لمن يحبّ ولدَه الحسن عليه السّلام، وما ظنُّنا بمَن أحبَّه النبيُّ صلّى الله عليه وآله ؟!
• في كشف الغمّة للإربليّ: قال أبو هريرة: أتى الحسنُ يوماً يشتدّ ( أي يمشي مسرعاً ) حتّى قعد في حِجْر رسولِ الله صلّى الله عليه وآله، ورسولُ الله يَفتح فمَه ثمّ يُدخل فمَه في فمه.. ويقول: اللهمّ إنّي أُحبُّه، وأُحِبّ مَن يُحبّه ـ يقولها ثلاث مرّات.

الصورة الثالثة: هي أنّ محبّة المؤمن للإمام الحسن عليه السّلام كاشفة عن صدق محبّته لرسول الله صلّى الله عليه وآله.. كما أنّ محبّة العبد لله تعالى لا تتحقّق حتّى يُحبَّ مَن أحبَّه اللهُ تعالى، كذلك لا تتحقق محبّتُه لرسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى يُحبَّ المؤمنُ مَن أحبَّه رسولُ الله صلّى الله عليه وآله.
ولَم يَخْفَ على أحد ما كان من علاقة رسول الله صلّى الله عليه وآله بسبطَيه وولَدَيه: الحسن والحسين عليهما السّلام، حتّى قال يوماً لعِمران بن حُصَين: يا عمرانَ بن حصين! إنّ لكلّ شيءٍ موقعاً في القلب، وما وَقَع موقعَ هذينِ الغُلامَين ( أي الحسن والحسين ) من قلبي شيءٌ قطّ. قال عمران: قلت: كلُّ هذا يا رسول الله ؟! قال: يا عمران! وما خَفِيَ عليك أكثر، إنّ الله أمَرَني بحبّهما.
• وفي كنز العمال 222:6 يروي المتّقي الهنديّ عن أنس بن مالك أنّه قال: جئتُ أُميط الحسن ( أي أُبعده ) عن رسول الله، فقال: وَيْحَك يا أنس! دَع ابني فؤادي، فإنّ مَن آذى هذا فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله.
والآن.. ما السرّ في هذا التلازم والتأكيد يا تُرى ؟!
• يروي أحمد بن حنبل في الفضائل، من المسند / خ 7392 عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال في الحسن عليه السّلام: اللهمّ إنّي أُحبُّه، فأحبَّه، وأحِبَّ مَن يُحبّه. وقال في الحسنَين عليهما السّلام: مَن أحَبَّهما فقد أجَبّني، ومَن أبغضهما فقد أبغَضَني.
إنّه تلازمٌ سماويّ، بأمرٍ إلهيّ.. وتلازم ولائيّ، بدليلٍ شرعيّ، فالإمام الحسن عليه السّلام هو وريثُ النبيّ صلّى الله عليه وآله وخليفتُه ووصيّه بعد أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام. والإمامة وريثة النبوّة، والرسالة هي الناصّة بالوصيّة والمؤكِّدة عليها. ومِن هنا يروي الشيخ سليمان القندوزي الحنفيّ المذهب عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قولَه يخاطب ابنَ عمّه ووصيَّه عليَّ بن أبي طالب عليه السّلام:
يا عليّ!.. إنّ الله تبارك وتعالى خَلَقَني وخَلقَك مِن نوره، واصطفاني واصطفاك، فاختارني للنبوّة واختارك للإمامة، فمَن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي(2).
ومِن هنا وجبت محبّة أهل البيت عليهم السّلام، بنصٍّ قرآنيّ وتأكيد إلهيّ، وبيان نبويّ.. فبعد نزول قوله تعالى: قُلْ لا أسألُكُم عليه أجراً إلاّ الموَدّةَ في القُربى (3) قال ابن عبّاس: سُئل رسولُ الله صلّى الله عليه وآله: مَن هؤلاء الذين يجب علينا حُبُّهم ؟ فقال صلّى الله عليه وآله: عليٌّ وفاطمةُ وابناهما ـ قالها ثلاث مرّات.
هكذا روى الإربليّ في كشف الغمّة، فيما روى الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودّة عن مسند أحمد بن حنبل والمعجم الكبير للطبراني، وتفسير ابن أبي حاتِم و المناقب للحاكم النيسابوريّ، وتفسير الثعلبيّ، وفرائد السمطين للحموينيّ، والصواعق المحرقة 101 لابن حجر.. عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: لمّا نزلت ( الآية ): قُلْ لا أسألُكُم علَيهِ أجْراً إلاّ المَودّةَ في القُربى قالوا: يا رسول الله! مَن هؤلاء الذين وَجَبتْ علينا مودّتُهم ؟ قال: عليٌّ وفاطمةُ والحسن والحسين.
ومن دواعي المودّة ـ أيُّها الإخوة ـ وهي أجر تبليغ الرسالة، أن نُجِلَّ الإمام الحسن عليه السّلام ونُحيي ذكراه باتّباع سيرته وتعلّم أخلاقه والأخذ بإرشاده ووصاياه، والاعتقاد بإمامته وراثته النبيَّ صلّى الله عليه وآله.


ممّا سجّله التاريخ

• روى أحمد بن حنبل، بإسناده عن معاوية قال: رأيت رسول الله يمصّ لسانه، أو قال: شفتَه ( يعني الحسنَ بن عليّ )، وإنّه لن يُعذَّبَ لسان أو شفتانِ مَصَّهما رسولُ الله (4).
• وقال عثمان بن عفّان في الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر عليهم السّلام: أولئك فُطِموا العلمَ فَطماً، وحازَوُا الخيرَ والحكمة(5).
• نعود لمعاوية وهو الذي تكاد تُجمع المصادر على أنّه هو الذي دسّ للإمام الحسن عليه السّلام السمَّ عن طريق امرأته جَعدة بنت الأشعث، وكان يتشدّق بعد قتله غيلةً عدداً من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: إنّ للهِ جُنوداً مِن عَسَل! حينما كان يدسّ السمَّ في العسل فيغتال به الأخيار.
يذكر المؤرّخ المسعوديّ في مروج الذهب 8:3 أنّه لمّا بلغه وفاة الحسن عليه السّلام كبّر معاوية في قصره « الخضراء » فكبّر أهل الخضراء، ثمّ كبّر أهل المسجد.. فخرجت فاخِتَةُ بنت قَرَظَة فقالت له: سرَّك الله! ما هذا الذي بَلَغك فسُرِرتُ به ؟! قال معاوية: موت الحسن بن عليّ، فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ بكت وقالت: مات سيّد المسلمين، وابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال معاوية ( مُقِرّاً رغم حقده ):إنّه كان كذلك أهلاً أن يُبكى عليه.
• وذاك عمرو بن العاص، وهو المحارب اللدود لآل محمّد صلّى الله عليه وآله.. يروي عنه الزَّرَندي في نظم درر السمطَين 202 أنّه لمّا أقبل الحسن بن عليّ قال عمرو: هذا أحَبُّ أهلِ الأرض إلى أهل السماء.
• وأمّا مروان بن الحكم.. فذاك الذي دأب على مقاتلة أهل البيت النبويّ بكلّ ما أُوتي من مكر ودهاء وحقد، لكنّه ـ كما يذكر ابن كثير ـ: لمّا مات الحسن بكى عليه في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنتَ تُجرِّعُه ما تُجرّعه ؟! فقال مروان: إنّي كنتُ أفعل إلى أحلَمَ مِن هذا! ـ وأشار هو إلى الجبل(6).
• ويعرّف ابن حجر فيقول: وكان الحسن رضي الله عنه سيّداً كريماً حليماً زاهداً، ذا سكينةٍ ووَقارٍ وحُشمة، جَواداً مَمدوحاً(7).
• وقال سبط ابن الجوزيّ فيه: وكان الحسن عليه السّلام من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقّاد، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يحبّه حبّاً شديداً(8).
• وذكره أبو نعيم واصفاً إيّاه بقوله: السيّد المُحبَّب، والحكيم المقرَّب، الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما(9).
• ونقل ابن أبي الحديد عن المدائني قولَه: وكان الحسن عليه السّلام سيّداً سخيّاً حليماً خطيباً، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يحبّه(10).
• ونقل ابن شهرآشوب أنّ واصل بن عطاء قال: كان الحسن بن عليّ عليه السّلام عليه سيماء الأنبياء، وبهاء الملوك(11).
• أمّا ابن الأثير.. فهكذا جاءت عباراته: كان الحسن بن عليّ: حليماً، كريماً، وَرِعاً. دعاه ورعُه وفضله إلى أن ترك الدنيا رغبةً فيما عند الله تعالى. وكان يقول: ما أحببتُ أن ألِيَ أمرَ أُمّةِ محمّد صلّى الله عليه وآله على أن يُهَراقَ في ذلك مِحْجَمةُ دم ( أي تفريطاً وحراماً )(12).
• وأخيراً.. لنقف عند كلمة الأستاذ عبدالقادر أحمد اليوسف في كتابه؛ الحسن بن علي ص 42 حيث يقول: لِتكُنْ للقارئ مبدئيّةٌ على أن الحسنَ بنَ عليّ وابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله ومَن تلاه من الأئمّة المعصومين.. يُعتَبرون أنفسُهم أحقَّ مِن غيرهم، لا بل همُ المكلَّفون بعد الرسول صلّى الله عليه وآله بنشر الإسلام والمحافظة على السُّنن والشرائع المحمّديّة؛ لِما لهم مِن: وشائج القُربى، ونقاوة النَّفْس، وتفهّم التنزيل.






--------------------------------------------------------------------------------
1 ـ سورة التوبة: 128.
2 ـ ينابيع المودّة 53:1.
3 ـ سورة الشورى: 23.
4 ـ مسند أحمد بن حنبل 93:2. البداية والنهاية، لابن كثير 36:8.
5 ـ الخصال، للشيخ الصدوق ـ باب الثلاثة ص 136 حديث 149.. ثمّ قال مصنّف هذا الكتاب: معنى قوله: فُطِموا العلم فطماً، أي قَطَعوه عن غيرهم قَطعاً، وجَمَعوه لأنفسهم جَمعاً.
6 ـ البداية والنهاية 38:8.
7 ـ الصواعق المحرقة 82.
8 ـ تذكرة خواصّ الأُمّة 194.
9 ـ حِلية الأولياء 35:2.
10 ـ شرح نهج البلاغة 10:4 ـ طبعة مصر.
11 ـ مناقب آل أبي طالب 9:4.
12 ـ أُسد الغابة 13:2.