التسامح في نقل أخبار القصص والفضائل والوقائع


الثاني: إنّ وقائع الطف وما احتفّ بها وما سواها مما يقرأه الذاكرون لم تتضمن أحكاماً إلزامية لينظر في سندها ويعرف أنّه من قسم الصحيح أو الموثق أو الحسن، ولا حكماً غير إلزامي ليقع الكلام في تحكيم أخبار التسامح في أدلة السنن فيها - كما هو المشهور - أو عدمه - كما هو مذهب بعض -، بل هي قسم ثالث من سنخ الرّخص، وإن لم تكن رخصاً حقيقة، وأعني بذلك القصص والمواعظ والفضائل والمصائب وأخبار الوقائع، فإنها نوع من الأخبار لا تدخل في ما تضمّن الأحكام الشرعية ليجري عليها حكمه من لزوم التصحيح وجواز المسامحة. وما يكون كذلك مما لا يترتب عليه حكم شرعي، لا ينبغي النظر في سنده إذا كان مما لا تنفيه فطرة العقول، وكان الضرر فيه مأموناً على تقدير كذبه في نفس الأمر.

وقد ادّعى الشهيد الأول (قدس سره) في (الذكرى) أنّ أهل العلم يتسامحون في أخبار الفضائل (4). ونسب الشهيد الثاني في (شرح الدراية). إلى الأكثر جواز العمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ والفضائل، واستحسن ذلك ما لم يبلغ الخبر في الضعف حد الوضع والاختلاق(5). والمراد بالعمل بالخبر الضعيف في الفضائل والمصائب هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب، وذلك مما لا محذور فيه عقلاً، لفرض أمن المضرّة فيه على تقدير الكذب، وشرعاً لأنه لا يعدّ عرفاً من الكذب حتى تترتب عليه أحكامه، وليس ثمّة عنوان آخر من العناوين المحرمة يشمله حتى يقال لأجله بعدم الجواز.

قال شيخنا المحقق الأنصاري(6)- بعد نقل العبارة المتقدمة عن الشهيد الثاني -: (المراد بالعمل بالخبر الضعيف(7) في القصص والمواعظ هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها عدا ما يتعلق بالواجب والحرام. والحاصل أن العمل بكل شيء على حسب ذلك الشيء، وهذا أمر وجداني لا ينكر، ويدخل في ذلك [حكاية] فضائل أهل البيت ومصائبهم. ويدخل في العمل - أي: العمل بالخبر الضعيف في الفضائل والمصائب وشبهها - الإخبار(8) بوقوعها - أي: الفضائل والمصائب - من دون نسبة إلى الحكاية(9) على حد الاجتهاد بالأمور المذكورة الواردة بالطرق المعتمدة، كأن يقال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول كذا، ويبكي كذا، ونزل على مولانا سيد الشهداء كذا وكذا، ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة، وإن كان يجوز حكايتها فإنّ حكاية الخبر الكاذب ليست كذباً، مع أنّه لا يبعد عدم الجواز إلاّ مع بيان كونها كاذبة.

ثم إن الدليل(10) على جواز ما ذكرنا من طريق العقل، حسن العمل بهذه مع أمن المضرة فيها على تقدير الكذب، وأما من طريق النقل فرواية ابن طاووس(11) والنبوي(12) مضافاً إلى إجماع (الذكرى)(13) المعتضد بحكاية ذلك عن الأكثر)(14). انتهى كلام المحقق الأنصاري بنصه.

ومن هذا يعلم الوجه في ما جرى عليه العلماء قديماً وحديثاً من العمل - بالمعنى الذي ذكرناه - بالوقائع التاريخية، فإنها لم يصح السند في شيء منها، وإنما ترسل في كتب التاريخ مسلّمة، ولذلك إذا نقل المؤرخ في كتابه واقعة منها، لا يقال إنّها من الأمور المكذوبة، لأنه لم يسندها معنعنة إلى من شهد تلك الواقعة، وكذلك إذا نقل الواقعة نفسها ناقل من ذلك الكتاب، لا يعدّ من ناقلي الكذب لمجرد أنه نقل ما ليس مسنداً عن رجال قد زكّي كل واحد منهم بشهادة عدل أو عدلين.



الإرسال في أخبار وقائع الطف:



الثالث: إنّ وقائع الطف لم تصل إلينا - حتى التي تلقيناها بواسطة المفيد والشيخ والسيد وأضرابهم - إلا مرسلة، وأكثر ما يرسل المؤرخون وأوثقهم ابن جرير الطبري عن أبي مخنف، وهو لم يحضر الواقعة وكذلك غيره. وكثيراً ما اعتمدوا في النقل على هلال بن نافع وحميد بن مسلم وهلال بن معاوية وغيرهم ممن شهد حرب الحسين (عليه السلام) وكان مقاتلاً له.

وأيّ فرق - غير اختلاف مراتب الوثوق - بين ما ينقله المفيد ويرسله السيّد، وبين قوله في (البحار) وغيره من الجوامع (روي مرسلاً) أو (روى بعض الثقات) أو (روى بعض أصحابنا) أو (روي في بعض الكتب القديمة) أو (روي في بعض الكتب المعتبرة) وشبه ذلك من العبائر؟!

أم أيّ فرق - غير ذلك - بين ما تضمنته تلك العبارات، وبين ما يوجد في كتاب العالم الفاضل الأديب الشيخ حسن بن الشيخ علي السعدي، الكنّى بـ(أبي قفطان)(15) من مراسيل تلقاها من مشايخ أهل الكوفة وصاغ لها ألفاظاً من نفسه، وما القصور الذي يكون فيها بحيث تنحطّ عن درجة سائر المراسيل الموجودة في (المنتخب) وفي (الدمعة الساكبة) إلى حيث تسقط عن درجة الاعتبار من رأس؟ وإذا كان القارئ - على ما قلناه - نقل مضمون تلك المراسيل المروية في تلك الكتب، لا يكون كاذباً البتة، ولا ناقلاً لما هو معلوم الكذب، فما هو إذاً معنى قول الكاتب - مشيراً إلى ما يقرأه - الذاكرون من الأخبار - إنّها معلومة الكذب؟!

من ذا يا ترى - غير عالم الغيب - يعلم أنّ الأخبار مكذوبة. نعم إنّ تلك الأخبار غير معلومة الصدق، وهكذا جميع الأخبار بلا استثناء، وشتان بين معلوم الكذب وبين غير معلوم الصدق. ولو لزم الناس أن لا ينقل أحد منهم إلا الصادق أو معلوم الصدق - ولو بالطرق الظاهرية المعروفة في كتب الأصول والحديث - لانسدّ باب نقل الأخبار، وبطل الاحتجاج بأقوال المؤرخين، وذلك ما لا يلتزم به عالم ولا جاهل.

ولو أن الكاتب - سامحه الله - توسط في الأمر، فتوقف في الأخبار المزعوم كذبها، وردّ علمها إلى قائلها، لكان أدنى للحزم وأقرب إلى ما جاء عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من (إن حق الله على العباد أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون)(16) وأنّه إذا جاءهم من يقول للّيل إنّه نهار، وللنهار إنّه ليل، لا يسعهم إلاّ ردُّ علمه إليهم، وإلاّ فإنه يكون مكذّباً لهم(17). وعن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): (لا تكذبوا بحديث أتاكم به أحد، فإنكم لا تدرون لعلّه من الحق)(18). وعن علي المسناني عن أبي الحسين (عليه السلام): (لا تقل لما بلغك عنا، أو نسب إلينا: هذا باطل، وإن كنت تعرف خلافه(19) (20).



الأخبار المكذوبة!!




الأخبار المكذوبة - بزعم الكاتب - مما دخل في التعازي الحسينية معدودة محصورة، وقد ذكر منها في صفحة 13 نحو عشرة أخبار، فلتكن مائة بدل كونها عشرة، فإنها مهما كثرت لا يقرأها كل قارئ، بل الصغار قد يقرءون نبذة من بعضها في السنة مرة أو مرتين جهداً منهم بأنها مفتعلة، لأنهم ليسوا من أهل التمييز بين الأخبار، فاللازم على المصلحين تعيين تلك الأخبار والنهي عن قراءتها، لا التهويل على الشعائر الحسينية بأنها محرّمة، لأن فيها الكذب المحرّم الذي هو من الكبائر بإجماع المسلمين، فيما هذا إلا إرعاد يراد به إخفاء صوت الحقيقة الحقة التي لا تخفى بالتهاويل.

هذا مع أنّ بعض ما أشار إليه من الأخبار المختلقة - بزعمه - لا يقصر عن غيره من المراسيل والمسانيد التي يعتمد عليها في باب التاريخ كافة العلماء.

أما حديث الطيور البيض فقد رواه في محكي (العوالم)(21)، وفي (المنتخب)(22)، و(البحار) (23) وعبارتها هكذا: (روي من طريق أهل البيت أنه لما استشهد الحسين (عليه السلام) [بقي في كربلاء صريعاً، ودمه على الأرض مسفوحاً، و] إذا بطائر أبيض قد أتى وتمسّح بدمه...)(24) الحديث.

ومثله حديث الغراب(25) الذي أعلم فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) - بقتله، فقد نقله في محكي (العوالم)(26) وفي (البحار)(27) عن كتاب المناقب القديم، مسنداً(28) عن المفضل بن عمر الجعفي عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن علي بن الحسين (عليه السلام)(29).

وأما حديث (خرجت أتفقّد الثنايا) فقد نقله في (الدمعة الساكبة) وهذا لفظه: (عثرت على أشياء أرسلها بعض معاصرينا في مؤلفاتهم، فأحببت ذكرها، وإن لم أقف عليها في الكتب، منها ما عن المفيد قال: ...)(30) الحديث.

وهذا المعاصر هو العالم العامل الشيخ حسن الملقّب بأبي قفطان، فقد حكى أنّه روى أحاديث كثيرة، منها حديث (أتفقد الثنايا)، وحديث (أنا صاحب السيف الصقيل)، وحديث (أين ظلت مطيتك يا حسان) عن مشايخ من أهل الكوفة يروونها عن آبائهم ومشايخهم. وهذه لا تقصر عن المراسيل المروية في الكتب القديمة عن حميد بن مسلم وهلال بن نافع، وبين زمان تأليفها وزمن رواتها أكثر من خمسمائة عام.

وأما حديث دفن السجاد لأبيه فقد نقله في (الدمعة) عن بعض الكتب المعتبرة عن كتاب (أسرار الشهادات) (31)،(32).

وروى أبو عمرو الكشّي - في رجاله - عن الرضا (عليه السلام) ما يتضمن تقرير الواقعة بأن علي بن الحسين هو الذي دفن أباه(33).

ويؤيده ما روي عنهم من أنّ الإمام لا يلي أمره إلا إمام، إما ظاهراً وإما بطريق الخفاء (34).

وأما قول بعض قد مائنا بدفن بني أسد له، فيراد به معاونتهم للسجاد (عليه السلام) في دفن أبيه، وكذلك ما جاء من قول: (السلام على من دفنه أهل القرى) (35)، وقول النبي (صلى الله عليه وآله) عن الحسين (عليه السلام): (يدفنه الغرباء، ويزوره الغرباء)(36).

ومن الغريب القطع بأمر يعينه في شأن دفن الحسين (عليه السلام) بعد إرسال المفيد(37) والسيد(38) دفن بني أسد له، ورواية (الأسرار) بأن الذي دفنه هو السجاد (عليه السلام) (39)، وذلك مؤيد بما عرفت من رواية الكشي التي هي حجة مستقلة.

وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي في أماليه والصدوق في مجالسه بأسانيد معتبرة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي دفن الحسين (عليه السلام) (40).

فلماذا ولأيّ مرجح يكون الأول صادقاً ويجعل الكاذب ما عداه؟ مع أنّ الكل مروي مسنداً ومرسلاً عدا دفن بني أسد، فإنها لم ترد في رواية مرسلة، وإنما ذكر في الكتب قولاً كحادثة من التاريخ منقولة.

ومن غريب ما تركه الأول للآخر أنّ خاتمة المحدثين شيخنا النوري (قدس سره) و(ناهيك به إطلاعاً وإنكاراً للكذب) استقصى في كتابه (اللؤلؤ والمرجان) الأخبار المكذوبة(41)، وما عدّ منها حديث دفن السجاد لأبيه مجملاً ولا مفصلاً، ولا حديث الطيور البيض، ولا الغراب الذي طار من كربلاء إلى المدينة وغيرها مما سرّده الكاتب، وما ذلك إلا لاكتفائه في مقام النقل أن توجد الرواية في كتاب معتبر، ولو بعنوان (روى بعض أصحابنا) وشبه ذلك إذا كانت مما لا يأباها العقل، ولم تظهر عليها أمارات الوضع والافتعال. وكم له في بعض كتبه مثل ذلك.

إنّ شيخنا النوري (قدس سره) في كتابه المذكور بالغ في تقريع القرّاء باستعمال الكذب ونقل الأحاديث في ذمه، وها نحن نزيده من تقريعهم على الكذب - إذا شاء - ونؤكد ذمه وقبحه عقلاً ونقلاً، ولكن أين هو ممّا يقرءونه؟ إنّهم لم يتخطّوا قيد شبر عمّا رسمه لهم من الخطة المتبعة إذ يقول (ما ترجمته): (إنّ على الناقل أن ينقل عن ثقة مطمئن بنقله، وذلك بأن يكون متحرزاً عن الكذب، بانياً على الصدق، بحيث كان الصدق له ملكة أو عادة، حتى يكون معروفاً في ذلك بين من عرفه وعاشره، وأن لا يكون كثير النسيان والسهو، وأن يكون من أهل المعرفة والبصيرة)(42).

وفي مقام آخر - بعد نقل ما جاء في النهج في كتاب علي (عليه السلام) للحارث الهمداني: (ولا تحدّت الناس بكل ما سمعت، فكفى بذلك كذباً) وبما جاء في (كشف المحجة) عن رسائل ثقة الإسلام من قولهم: (ولا تحدّث إلاّ عن ثقة، فتكون كذاباً، والكذب ذل). ونحو ذلك - قال ما ترجمته: (وحاصل مفاد جميع هذه الأخبار المعتبرة أنّ تكليف الناقل في مقام نقل أي أمر ديني أو دنيوي لغيره، بنفسه أو بواسطة أو وسائط، أو من كتاب، أن ينقل عن شخص ثقة يطمأن بنقله)(43).

وهذا مما لا ينكره أحد، لكنه لا يوجب إلا ترك ما لا يطمأن بصدقه، أو علم كون راويه متعمداً للكذب أو كثير الخطأ في الأمور المحسوسة، فضلاً عن المنقولة، لا ما يحاوله الكاتب من الاقتصار على مرويّات المشاهير الأقدمين وأرباب التاريخ.

وأما ما ادعاه الكاتب في صحيفة 13 من فقرات ادعى كذبها، فإنّا لا نعرفها ولا سمعنا أحداً يقرأها في العراق، ولقد سألت كثيراً من القرّاء عنها، فلم يعرفها أحد، وكم سألني جمع منهم عنّها، فلم أدر بها.

وعسى أن تكون تلك صادرة من البحر الذي ورد منه قول الكاتب أن زين العابدين (عليه السلام) شاهد شمر بن ذي الجوشن يفري بسيفه وريدي الحسين (عليه السلام) حتى فصل رأسه المكرّم عن جسده(44).

وقوله ج 3 ص 6، وج 4 ص 3: أن الرّباب أخذت رأس الحسين (عليه السلام) ووضعتها في حجرها، وقبّلته وقالت:

واحسيـناً فلا نســـيت(45) حسيناً أقصــــــدته أســــنة الأعداء(46)

وقوله ج 3 ص 119: بات أطفال الحسين (عليه السلام) في الليلة الحادية عشر جياعاً عطاشى.

وقوله ج 2 ص 47: كانت لحيته المباركة مخضوبة بالوسمة، كأنها سواد السبّح(47). فإن لفظ (سواد السبج) وقع في حديث مسلم الجصاص الذي جاء فيه: (نطحت جبينها بمقدّم المحمل)(48).

وقوله ج 3 ص 22 وج 4 ص 16: إنّ مروان أخذ رأس الحسين (عليه السلام) بعد قتله فوضعه بين يديه، وجعل يقول: (يا حبّذا بردك في اليدين). والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان...)، مع أن من ذكر ذلك يظهر منه أنّ ذلك كان في المدينة، وهو بعيد عن الصحة. نعم جاء في كتب أصحابنا أنّ مروان لما نظر إلى الرأس الشريف في الشام جعل يهزّ أعطافه وينشد الأبيات، ولا كلمة بعدها.

وقوله في ج 2 ص 138 - تبعاً لبعض الروايات - : إنّ السجّاد عاش بعد أبيه أربعون سنة، وهو يبكي. مع أنّه يعلم بأنه (سلام الله عليه) على جميع الأقوال والروايات في وفاته، لم يعش بعد أبيه أزيد من خمس وثلاثين سنة.

وروايته ج 4 ص 22 وص 37 حديث جابر الجعفي في تغسيل الباقر (عليه السلام) أباه، وقوله: (لما جردته ثيابه، وجدت آثار الجامعة في عنقه). إلى غير ذلك مما لا أحبّ ذكره، ولا أطيل.



الكذب في الشعر:



يصرّح صاحب (المستند) بأن ما يتضمن من الشعر نسبة قول أو فعل إلى أحد الأئمة (عليهم السلام) يقطع بعدم صدوره، هو محرّم ومبطل للصوم، لأنه من الكذب على الإمام (عليه السلام)، إلاّ إذا كان داخلاً في باب مبالغات الشعر وإغراقاته(49)،(50).

وهذا من الغرائب، فإن الخلاص عن الكذب لا ينحصر بالمبالغة والإغراق، لأن الشعر أكثر ما يكون خيالاً أو متضمناً لحكاية، حال، نظير قوله تعالى: (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) على ما يرتئيه سيدنا المرتضى في (المسائل الطرابلسية)(51).

فمن الخيال قوله:

تريب المــــحيّا تظــــــنّ السّما بأن علـــــى الأرض كــــيوانها

ومن حكاية الحال قوله:

وقال قفـــــي يا نفــــس وقفة واردٍ حيــــاض الــرّدى لا وقفة المتردّد

وقوله:

وهوى علــــيه مــــا هنـــالك قائـلاً اليــــوم بـــان عن اليمين حسامها

ومن أقسام الخيال إرسال القول أو الفعل مبنياً على إضمار (كأنّ) أو شبهها، كقوله:

عجّت بهم مذ على أبرادها اختلفت أيدي الــــعدوّ ولكــــن من لها بهم

يريد (كأني بها عجّت بهم وهي تقول كذا..) ولا يقصد أنّ ذلك واقع منها واقعاً، فهو في الحقيقة يجري مجرى قول علي (عليه السلام) في إحدى خطبه في وصف الموتى (ولو استنطقت(52) عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلاّلا..)(53) في كونه ليس من الكذب إن أريد به (كأنّي بها لو استنطقت..).

وكذا إذا لم يرد ذلك، لكنه يكون على هذا من حكاية الحال نحو (قالت نملة).

ولو أني ذهبت استقصي أمثال هذا من شعر حسّان بن ثابت، والكميت، والسيد(54) ودعبل، وغيرهم الذين أنشدوا بحضور النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لخرجت عن وضع الرسالة.


والهوامش التي أوردها المحقق حفظه الله - وأعتقد والله العالم أنه من طلبة أو أساتذة الحوزة الزينبية في دمشق ربما - جداً مفيدة ومنها ما :

- الإخبار مع النسبة إلى الرواية مما لا ينبغي الريب فيه بناءً على ما ذكر في جوازه لأنه لا كذب فيه، وإن كان فهو من الراوي لا الناقل، وحكاية الخبر الكاذب ليست بكذب، بل نقل الكفر ليس بكفر. أما الإخبار بالوقوع بلا نسبة ففي غاية الإشكال، إلاّ إذا اعتقد المخبر الوقوع، أو كان ذلك مظنوناً له بالظن الاطمئناني، وإن كان مخالفاً للواقع، أو كان من قصده النسبة إلى الرواية، لكنه لم يذكرها في اللفظ حتى يفهم ذلك كل سامع، لأن هذا كذكر شيء له ظاهر وإرادة غيره من دون قرينة في أن ناقله لا يعدّ كاذباً، ولا تترتب عليه شرعاً أحكام الكذب، وإن لم يكن كذلك لزم الإسناد، لما جاء في الكافي [1/52] عن علي (عليه السلام): (إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذاباً فعليه).

وهذا هو الذي اختاره بعض مشايخنا (قدس الله أسرارهم)، وبه صرح العلامة الفقيه الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري في كتابه (ذخيرة المعاد) / ص 368 - 369، وهذه ترجمة عبارته: هل يجوز في الفضائل والمصائب القراءة بلسان الحال ومقتضى شاهد الحال أم لا؟ وعلى تقدير الجواز هل يجب الإشعار والإعلام بذلك أم لا؟ وإذا نقل أحدٌ حكايات الفضائل من كتاب غير معتبر أو لسان بعض القرّاء، هل يجوز ذلك أم لا؟ وهل على القارئ إسناده أم لا؟ الجواب: ذكر المصائب بلسان الحال جائز إذا كان مناسباً للإمام (عليه السلام)، ولابد من الإشعار والإعلام بكونه لسان الحال، وإذا نقل من كتاب معتبر أو غير معتبر لابد من الإسناد إلى الناقل، ولا حاجة إلى تعيين الكتاب المنقول عنه).

10- قد لا يحتاج إلى بعض ما ذكره من الأدلة الشرعية، فإنه يكفي في الجواز شرعاً أن ذلك لا يعدّ كذباً عرفاً حتى تترتب عليه أحكامه، وليس سواه عنواناً محرّماً يعمه حتى يقال بالحرمة لأجله. وأما العقل فلا حاجة إلى تحسينه، بل يكفي عدم حكمه بقبحه، لفرض خلوه عن المضرة على تقدير الكذب، وببيان آخر يكفي في جوازه شرعاً الأصل، لعدم الدليل من العقل والنقل على حرمته.

- قد يستبعد عقلاً صدور هذا الخبر، لبعد وصول الطير المتمرغ بالدم من كربلاء إلى المدينة فضلاً عن وقوعه على جدران بيت فاطمة. ولكن يردّ هذا الاستبعاد أن نوعاً من الطيور في العراق تمعن في الطيران إلى أبعد من المدينة تسمى (حمام الهدى) و(حمام الرسائل). ويؤخذ من قول شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله المعمري - في كتاب: (التعريف)- أن أصل هذه الطيور من الموصل. وقد اعتنى بها الملوك الفاطميين إلى الغاية، وكانت الرسائل تعلّق بأرجلها وترسل، فتطير للمكان الذي اعتادته، مهما بعد، فإذا أخذ الكتاب منها عادت إلى المحل الذي جاءت منه مزودة بكتاب أيضاً أو غير مزودة. وأنا للآن لم أعثر على ما يدل على أثر لها في دولة بني أمية ولا في أوائل دولة بني العباس. وعن كتاب (تمائم الحمائم) نقل المحيي الدين بن عبد الظاهر أن أول من نقلها من الموصل من الملوك هو نور الدين محمود بن زنكي في سنة 575. وهذا خطأ يشهد به مراجعة تاريخ الفاطميين والعباسيين في القرن الثالث والرابع. ولعل هذه الطيور نوع من الغربان، أو أن المتمرغ طائرٌ صار بتمرغه بالدم والتراب بلون الغراب، فاتفق وقوعه على جدران بيت فاطمة. والذي يغلب على ظني - إن صح الحديث - أنه من معجزات سيد الشهداء وكراماته، وهي أول كرامة له بعد شهادته. وقد ذكره السيد هاشم البحراني في كتابه (مدينة المعاجز) [4/72-73] بأسانيد مختلفة ومتون متقاربة من معجزاته (عليه السلام)، وكرّر نقله في مواضع من الكتاب المذكور.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو حيدر العماني
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله
اللهم صل على محمد وآل محمد

السيد الكريم ابن تيهان ...
أتمنى أن تطرحوا موضوعكم ولعل أحد الشبه التي وقعت تحت ناظري قريبا هي شبهة طرح الضعيف والمرسل من ما حدث على أبي عبدالله الحسين سلام الله تعالى عليه وذلك من أجل إثارة عاطفة المؤمنين وجذبهم وتقريبهم من أهل البيت عليهم السلام

فكيف تردون على من يدعي أن الغاية لا تبرر الوسيلة وأنه لا بد من اتباع معايير مشددة في قبول روايات المقتل الحسيني وذلك لأن التقرب إلى الله لا يكون بالضعيف أو المكذوب؟

لي جواب على هذه الشبهة ولكني أطمح في سماع أجوبة أخرى

دمتم سيدي الكريم


سيدي العزيز : العماني

1- الأخبار المشتملة لحوادث عاشواء أغلبها ضعيفة من حيث الإسناد، وحينئذٍ فعلى المستشكل أن يطرحها جميعاً. ولا أظن أحداً يلتزم بهذا.

2- ذهب جملة كبيرة من علمائنا إلى القول بعموم "التسامح في أدلة السنن" للقصص والمواعظ والفضائل والتواريخ. وعلى هذا جرت سيرة المتشرعة والعقلاء. ولا يخفى أن هذه سيرة أخرى غير السيرة الجارية على العمل بخبر الواحد في الأحكام.

وبما أن السيرة دليل لبي، فنقتصر فيها على القدر المتيقن، وهو غير الأحكام الشرعية، والأمور الاعتقادية، وغير ما علم من الخارج بكذبه.

قال الشهيد الأول في الذكرى ج2 ص34 من الطبعة الجديدة:

[الحديث الوارد فيه ضعيف ، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم ]

وقال الشهيد الثاني - قدس سره الشريف - في كتابه الرعاية لحال البداية في علم الدراية صـ 76 طبعة مركز الأبحاث والدراسات الاسلامية ط1 1423 هـ ق قم - ايران:

( وجوز الأكثر العمل به ) أي بالخبر الضعيف ( في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال ، لا في ) نحو صفات الله المتعال و ( أحكام الحلال والحرام . وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع ) والاختلاق ؛ لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل بأدلة السنن ، وليس في المواعظ والقصص غير محض الخير ، ولما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من طريق الخاصة والعامة - أنه قال : [ من بلغه عن الله تعالى فضيلة فأخذها وعمل بها فيها إيمانا بالله ورجاء ثوابه ، أعطاه الله تعالى ذلك وإن لم يكن كذلك] .
وروى هشام بن سالم - في الحسن - عن أبي عبد الله عليه السلام قال : [ من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه ].

وقال ابن فهد الحلي قدس سره في عدة الداعي ص 10 طبعة مكتبة وجداني، بعد أن أورد مجموعة من أحاديث التسامح في أدلة السنن:

[فصار هذا المعنى مجمعا عليه عند الفريقين]

وقال الآشتياني قدس سره في حاشيته على الرسائل : [ ذكر غير واحد أنه كما يتسامح في السنن يتسامح في القصص والمواعظ والفضائل . بل استظهر مما عرفت عن الشهيد قدس سره في الذكرى أن اخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم ، كونه مسلما عن القائلين بالتسامح ، وعن ثاني الشهيد ين في الدراية التصريح به ، حيث قال : جواز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ وفضائل الأعمال ، لا في صفات الله تعالى وأحكام الحلال والحرام . وهو حسن حيث لم يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاق ] .

قال السيد سعيد الحكيم بعد أن نقل هذا الكلام في كتابه المحكم في أصول الفقه ج 4 160:

[ لا يبعد أن يكون المراد بالتسامح فيها هو التسامح في نقلها من دون نسبتها إلى الرواية ، فلا يتقيد بثبوتها بطرق معتبرة ، كما عليه ديدن الوعاظ وخطباء المنبر الحسيني في عصورنا هذه .]

وقد ذهب إلى هذا القول كلُّ من الشيخ الأعظم في رسالة التسامح، وصاحب المفاتيح في كتابه، وصاحب هداية المسترشدين فيه وغيرهم.

وإلى هذا القول ذهب المحقق النراقي - قدس سره - صاحب جامع السعادات كما نقله عنه ولده في عوائد الأيام ص 793 .

والحاصل أن هذا القول هو من ذهب إليه الأكثر كما نقل الشهيد الثاني.
وأظن أنه خارج عن نزاع الأصوليين المعروف في القاعدة، لأن محل ذلك النزاع إنما هو إثبات الإستحباب كحكم شرعي لما وصل بخبر غير مستجمع لشرائط الحجية ، لا محض النقل للفضائل وغيرها.




هناك طرق أخرى للتعامل مع الأحاديث الوادرة فيما يتعلق بعاشوراء الحسين عليه السلام، وهي في حقيقتها تخريجاته لابد منها، حذراً من طرح جميع الأخبار بحجة ضعف سندها أو إرسالها.

وقد ذكرنا فيما تقدم التمسك بعموم التسامح في أدلة السنن.

ونذكر الآن طرقاً أخرى:

فمنها: الاعتماد على القرائن الداخلية أو الخارجية التي تحف الأخبار العاشورائية: وومنها أن تكون واردة على لسان أعداء أهل البيت عليهم السلام، أو في كتب التاريخ السنية، فإنها قرينة على حصول المخبر به، لأن الأخبار كلها طعن في دولة بني أمية ورجالها.

ومنها: وجود الأخبار في كتب المشاهير من علمائنا: كشيخنا المفيد في الإرشاد وغيره، والصدوق في المجالس وغيره، والطوسي، وغيرهم.
وهؤلاء الأعلام - كما يبدو لمن تتبع كلماتهم - يعتمدون على وجود القرائن التي تحف الأخبار، على أنهم ينقلون عن تاريخ الطبري وغيره، وينقلون أخباراً لا شك في ضعفها سنداً. إلا أنها لما كانت محفوفة بقرائن توجب صدقها فإنهم ينقلونها.

ومنها: الاعتماد على الشهرة، فإن الخبر المشهور حتى لو كان ضعيفاً سنداً، يوجب الاطمئنان بصدوره، لأن الشهرة تعني تراكم مجموعة من الاحتمالات تورث الاطمئنان أو اليقين.

وغير ذلك من الطرق.

غير ان الاشكالية التي تثار، إنما هي على الخطباء في نقلهم لأخبار ضعيفة ، أو مرسلة، او لا سند لها أصلاً.

وهذه الاشكالية غير صحيحة أصلاً، لأنه لا محذور في نقل الخبر الضعيف إلا الكذب، ولا كذب مع نصب القرينة الحالية أو المقالية.

فالخطيب حينما ينقل أخباراً ، نعلم يقيناً بأنه لم يشهد واقعة كربلاء، وبالتالي فمن اليقين أنه ينقلها عن كتاب. وهذه قرينة حالية تسوغ نقل الخبر حتى لو كان ضعيفاً او لا اسناد له أصلا.

هذا كله فضلاً عن تصريح الخطيب بأنه ينقل الحادثة عن فلان أو عن كتاب معين.

قال المحقق النراقي في عوائد الأيام عن نقل الاخبار الضعيفة والفضائل صـ 794:

[وإن أريد مطلق حكاية الاخبار الضعيفة في هذه الامر فلا كلام فيه. مالم يفهم الثبوت واقعاً أو الاسناد الى الشارع.]

وعلى هذا فأي محذور في نقل الخطباء للأخبار الضعيفة والمرسلة ؟!

هذا ما ننتظره من المستشكلين