الحسين كتاب الله التكويني


آية الله المرجع الديني الأعلى الامام كاشف الغطاء تفضل فحلّى صدر (البيان) بكلمته هذه التي اغربت عن سمو عظمته فلعمر الله لقد اوتي هذا الامام العظيم من المواهب ما لم يؤتها الا ذو حظ عظيم، فهو الأمير في البيان والزعيم في الفقه والمصلح الأكبر بين سائر المسلمين، فلا بدع اذا اقتدى به الجماهير واعتنق رأيه الملايين من البشر فقد برهن طوال اربعة عقود من الزمن انه الحارس للدين والراعي لشرعة سيد المرسلين، وآثاره ناطقة ومؤلفاته شاهدة، واسفاره معربة عن كل ذلك وفوق ذلك.

البيان (1)

جرت عادة الصحف منذ سنوات ان تفرّد عدداً خاصاً في الحسين (عليه السلام) عند رأس السنة مستهلّ محرم من كل عام فيستنهضون اقلام الكتّاب ويشحذون عزائمهم لتحبير المقالات، فيأخذ كلّ كاتب او شاعر او خطيب ناحية من نواحي واقعة الطفّ ويكتب فيها ما تملي عليه قريحته وتواتيه قدرته، وكنا كتبنا في فواتح عدة من الصحف في مستهل السنوات الغابرة ما لو جمع لجاء مؤلفاً مستقلاً وكتاباً فذاً، اما لو جمع ما كتبه العلماء والأدباء والشعراء والخطباء في تلك الفاجعة الدامية من بدء حدوثها الى اليوم لأستوعب الوف الكتب والمؤلفات وبرزت منه دائرة معارف كبرى لم يأتِ لها الدهر بنظير، وليس هذا هو الغرض من كلمتي هذه انما المقصود بالبيان ان نهضة الحسين (عليه السلام) على كثرة ما نظم الشعراء فيها مما يجمع مئات الدواوين واكثر منها الخطب والمقالات والوف المؤلفات هل ترى ان كلّ ذلك وجميع اولئك احاطوا بكل مزاياها؟ احصوا جميع خصائصها وخفاياها؟ ووصلوا الى كنه اسرارها وعجائبها؟ كلاّ، فأن اسرار تلك الشهادة ومزاياها لا تزال تتجدد بتجدد الزمان وتطلع كل يوم على البشر طلوع الشمس والقمر لا ينتهي امدها ولا ينطفئ نورها ولا يحد سورها ولعل اقرب مثل يضرب للحسين (عليه السلام) هو كتاب الله المجيد فأن هذا الفرقان المحمدي على كثرة تفاسيره وشرح نكاته ودقائقه وغوامض حقائقه واعجازه وبلاغته وباهر فصاحته وبراعته لا يزال كنزاً مخفياً، ولا تزال محاسنه تتجدد واسراره تتجلى، وفي كل عصر وزمان يظهر للمتأخر من اشارته ومغازيه ما لم يظهر للمتقدّم فكأنه يتجدد مع الدهر ويتطوّر بتطور الزمان، نعم القرآن كتاب الله الصامت والحسين كتاب الله الناطق، القرآن كتاب الله التدويني والحسين (كتاب الله التكويني) وكل من الكتابي صنع ربوبي وعمل الهي، نعم كل الكائنات صنع ربوبي ولكن الحسين (عليه السلام) والقرآن صنعهما للتحدي والاعجاز، وما تحدى الله بصنعه البشر عن الاحاطة به واستيعاب مزاياه واسراره وبدائع احكامه وحكمته، القرآن يملي على البشر في كل زمان اسرار الكون وخبايا الطبيعة ودقائق الفطرة، ونهضة الحسين (عليه السلام) في كل محرّم من كل سنة بل في كل سنة تملي على الكائنات عجائب التضحية وغرائب الاقدام والثبات ومقاومة الظلم ومحاربة الظالم، تلقي على العالم دروس العزّة والأباء والاستهانة بكل عزيز من نفس او مال في سبيل نصرة الحق وقمع الباطل والدفاع عن المبدأ والعقيدة، يلقى على الواعين دروس الاخلاق الفاضلة الانسانية الكاملة، والسجايا العالية والملكات الزاكية وكلّ ما جاء به القرآن والسنة من الخلق العظيم والنهج القويم، ولكن جاء بها القرآن قولاً وطبقها الحسين (عليه السلام) عملاً وابرزها للناس يوم الطف عياناً، أتريد ان تتعرف بناحية مما صنع الحسين (عليه السلام) يوم الطف انظر الى الكتاب الكريم فأن اقصى ما طلبه من العباد في باب الجهاد هو الجهاد بالنفس والمال فقال تعالى: [جَاهِدُوا بِأمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ] والحسين (عليه السلام) لم يقنع بهذا حتى جاهد بماله ونفسه واولاده وعياله واطفاله والصفوة من صحبه واسرته، صنع الحسين (عليه السلام) يوم الطف صنع العاشق الولهان فضحّى في سبيل معشوقه كلّما اعز وهان كان الله تعالى اعزّ شيء عند الحسين (عليه السلام) فأعزه الله وصار ثار الله في الأرض والوتر الموتور.

نعم قلنا ولا نزال نقول ان نهضة الحسين (عليه السلام) لا تحصى اسرارها ولا تنطفئ انوارها ولا تنتهي عجائبها:

وعلى افتنان الواصفين بوصفه


يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف




فصلوات الله عليك يا ابا عبد الله وعلى نهضتك المقدّسة التي حيّرت الأفكار واذهلت العقول وادهشت اللباب، واعجزت عن الاحاطة بها كل كاتب وكتاب، على مرّ الدهور وتمادي الاحقاب.